أخبار المنار

الثلاثاء، ديسمبر 23، 2008

ليس خلافاً بين الأخوة




قد يكون من غير المناسب الدخول في "الخلاف بين الأخوة" الذي يدور على الأرض الفلسطينية، وبالتحديد في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد يقول البعض إن لكل طرف من الطرفين وجهة نظر يبررها ويقدم لها الأعذار التي قد تقنع هذا ولا "تدخل في رأس" ذاك.

وقد يرى آخرون في "أسلوب التحرير" عند هذا الطرف أفضلية على الأسلوب الذي يطرحه الآخر، بما يعطي الأولوية للمقاومة التي لا خيار غيرها، أو للمفاوضات التي لا بديل عنها من أجل استعادة الأرض وإقامة الدولة.

ويمكن أن يعتبر البعض الموقف من الحصار المفروض على أكثر من مليون ونصف المليون من أبناء الشعب الفلسطيني "وجهة نظر"، فيدين طرف ويبرر آخر ويشارك ثالث "تحقيقاً للمصلحة الفلسطينية العليا".

كل هذا يمكن تأجيل بت الموقف منه، والاستماع إلى الآراء والآراء المضادة تجاهه، إلا ما حدث منذ أيام في نابلس.

بموقف شخصي ودون أي مراجعة وبعيداً عن أي انعكاس وإهمالاً لأي مساءلة، أعتبر أن اعتقال الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمجاهد بقي ست سنوات متخفياً عن عيون سلطات الاحتلال، تحت ستار أنه استشهد في المواجهات مع القوات الصهيونية، أعتبر أنه جريمة لا تغتفر، جريمة تتجاوز كل محاولات التبرير، وتستعصي على أي عملية تفسير، لا بل هي تضع القائم بها والمساند لها والمبرر لها في موقع واحد، موقع العمالة الكاملة للاحتلال الصهيوني.

قليل جداً المطالبة بإطلاق سراح المجاهد القسّامي رجب الشريف، لأن جريمة اعتقاله كشفت عن مصيره، وهو الذي كان يتحرك بعيداً عن عيون العدو الصهيوني، وبات إطلاق سراحه الآن مجرد جزء من القضية، فيما الجزء الآخر دخل في دائرة الجريمة التي لا يمكن إصلاح آثارها.

هذا ليس دخولاً في الخلاف بين الأخوة، هذا موقف حق لا بد من وقوفه، كي لا نكون من المشاركين في الجريمة، والساكتين عن الحق، لا بل المؤيدين للباطل والداعمين له.

محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 19، 2008

غزة: اليوم ترعد الحناجر


كتبت عن غزة والحصار المفروض عليها حتى ظننت أنني لن أكتب بعد، ونعيت الأحرف التي تهدر على أبوابها وأنا أرى كل ما يُكتب تذروه الريح كالهشيم، وعشت حالة من اليأس التي تودي إلى التسليم بالعجز عن فعل أي شيء.

واليوم يبدو الوضع مختلفاً..

قد لا تكون الكلمات التي كُتبت هي وحدها التي رسمت خطاً أبيض على صفحة أمتنا السوداء، وقد لا تكون التصريحات وحدها هي التي تحولت بتوحدها صرخة تهز جدار الحصار، وقد لا تكون التظاهرات، اليوم وبالأمس وفي الغد، هي التي ستكسر القضبان التي تحيط بأبناء شعبنا الفلسطيني، ولكن كل هذه النقاط الصغيرة ستتحول إلى طوفان سيفجر الحصار والمحاصَرين، ليعيد بسمة لطفل جفت شفاهه من العطش، والنور لعجوز ترغب ببعض النور في آخر أيام الحياة.

اليوم يلتقي الجميع ليقوموا بفعل، ليعلنوا بجلاء، الرفض المطلق لما يرتكبه الأعداء، ولما يفعله العملاء، ولما يصمت عليه "الأشقاء".

اليوم ترعد الحناجر، وتجتمع القلوب على كلمة واحدة: لا صمت بعد اليوم على الحصار، لأن الصمت على الحصار حصار.

اليوم تعلن الأمة أن فيها قوة فاعلة، وأنها قادرة على تغيير وجه التاريخ، وعلى أن ترسم بالقبضات وبالنبضات وبالصرخات وبالدموع وبالدماء طريقاً جديداً مختلفاً، غير ذلك الطريق الذي يرسمه المجرمون لغزة ولأهل غزة ولفلسطين ولكل فلسطين وللعرب والمسلمين.

إنه يوم فصل، يوم يحمل الحلم بهزيمة "إسرائيل"، ولو عبر دلو ماء يلقيه كل مسلم على هذا الكيان ليجرفه إلى مكانه الذي يستحقه في التاريخ.

إنه يوم الصرخة الكبرى، يوم النداء الذي لن تستكين الصرخات بعده، ولن تسكت الأصوات.

كلنا لكِ يا غزة..

كلنا لفلسطين..

محمود ريّا

الأربعاء، ديسمبر 17، 2008

صحافيون.. عملاء

كنت قد قررت ألا أسير في موجة الكتابة عن حذاء منتظر الزبيدي الذي كاد أن يصك جبهة بوش، لولا أنني وجدت بعض أيتام بوش يعبرون عن حزنهم لهذه الظاهرة، منتقدين إياها ومعتبرين أنهم يدافعون عن "الحرية" التي انتهكها هذا الصحافي وعن مهنة الصحافة التي خرج عنها باطلاق حذائه بدل قلمه في انتقاد بوش ونظامه.
ليس غريباً أن يدافع هؤلاء الأيتام البوشيّون عن سيدهم وهو يكاد يغادر منصبه، ويأخذ معه مظاهر القوة الموهومة التي تفرعنوا بها على الناس بأقلامهم وبالحماية التي حصلوا عليها من سياسيي المال والشتم والطاعة لولي الأمر القريب والبعيد، ولكن ما قد يكون غريباً هو جرأتهم في انتقاد من عبّر عن دعمه للصحافي المواطن الانسان الذي وجد من احتل بلده وقتل أهله وشرّد أقرباءه على بعد أمتار منه، فلم يملك إلا أن يوجه صواريخه الصاعقة إلى رأسه، معبراً عن رغبة ملايين العرب في أن تكون "القبلة الوداعية" لسيد البيت الأبيض من حذاء أسود هو أكثر نظافة منه ومن تاريخ الملوث بدماء الأبرياء.
هؤلاء الأيتام وجدوا في مبادرة نقابتي الصحافة والمحررين في لبنان إلى التضامن مع الصحافي العراقي مثاراً للنقد، معتبرين أن انفلاتهم في شتم القريب والبعيد خدمة للدولارات التي يقبضونها وتنفيذاً لـ "تعهداتهم" السرية أحق في التضامن معه وأولى في الوقوف إلى جانبه، لأنهم هم الذين يحملون راية الحرية ويبحثون عن المستقبل الأفضل لهذا الوطن.
وإذا كان لم يُسجّل لهؤلاء في يوم من الأيام موقف متضامن مع صحافيي العراق وفلسطين الذين يعانون من الاحتلالين الأميركي والصهيوني، فهم متخصصون في إطلاق أبواق أقلامهم في اتجاه كل وطني في لبنان والمنطقة.. ودائماً خدمة لبوش ولزبانية بوش ولأصغر موظف في إدارة بوش.
إنهم "صحافيون" مأجورون، يسيرون كما يريد الأميركي، وعملاء الأميركي، حتى ولو كان ذلك في تعارض مع أمتهم، ومع تاريخها وحاضرها ومستقبلها ومشاعر أبائها.
إنهم مجرد عملاء
محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 12، 2008

ديموقراطية الرُّشَى

تثير فضيحة حاكم ولاية ايللينويز رود بلاغوفيتش الكثير من الحرج للرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، ولكنها تثير أيضاً الكثير من الأسئلة حول "الديموقراطية" الأميركية ومدى صدقية تمثيلها لخيارات المواطنين.
الحاكم الذي أراد "بيع" مقعد الرئيس أوباما نفسه ـ الذي شغر بانتخابه رئيساً للولايات المتحدة ـ معتمداً على "صلاحية التعيين" التي يملكها، لا يمكن أن يكون حالة فريدة في "المؤسسة الأميركية"، وإنما هو وقع بسبب طول لسانه وجشعه الذي لا يمكن وصفه، وفساده الذي باتت رائحته لا تطاق، بعد أن انتخب خلفاً للحاكم السابق الذي يقبع في السجن.. بسبب إدانته بالفساد أيضاً.
لقد وجهت الأنظار إلى السيد بلاغوفيتش لأنه أراد إصابة عدة عصافير في المقعد البرلماني الذي بات بحاجة لمن يملأه بعد مغادرة أوباما له، فهو يريد مبلغاً يتراوح بين مئتين إلى ثلاثمئة ألف دولار نقداً، ويريد امتيازات بأكثر من مئة وخمسين ألف دولار سنوياً، كما يطالب بوظيفة لزوجته بمبلغ مماثل مقابل إعطاء المقعد للمستفيد.
وليس هذا فقط، بل هو يقوم بمنع مساعدات عن المؤسسة الصحافية الأكبر في الولاية والبلاد حتى ترضخ فتقيل مجلس إدارتها المعادي له، وتتوقف عن كشف أوراقه على صفحاتها.
لقد طلب ثمناً غالياً وتعرض للصحافة ووسّع إطار "البازار" حتى فضح أمره وبات يشكل علامة سوداء في سجل الديموقراطيين، وفي سجل الإدارة الديموقراطية القادمة.
ولكن كم من عمليات المساومة تتم من دون أن يدري بها أحد، وكيف تدار دولة كل شيء فيها يباع ويشرى بالدولارات وبصرف النفوذ، وكيف يمكن الوثوق بديموقراطية يخلف الفاسدون فيها الفاسدين ويذهب مرتشٍ ليأتي طالب رشوة؟
وإذا كان يسجل لهذه الديموقراطية قدرتها على قمع ما يظهر على السطح، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم تحتاج هذه "الدولة الديموقراطية" إلى مراقبة لديموقراطيتها ولديموقراطييها ولسياسييها ولانتخاباتها وتعييناتها، وهل يفيض عنها لجان وشخصيات، كي تراقب العمليات الديموقراطية في الدول الأخرى؟
محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 05، 2008

في الاتجاه الصحيح


لماذا جاء ديفيد بترايوس إلى بيروت؟ وما الذي يشكله هذا البلد من أهمية في منطقة تمتد من المغرب إلى باكستان حتى يخصص له هذا القائد العسكري الأميركي جزءاً من وقته؟
ولماذا جاء قبله مساعد مدير المخابرات متخفياً بصفة مساعد نائب وزيرة الخارجية الأميركية؟
ولماذا سيأتي بعدهما من سيأتي، بعد أن أتى قبلهما من أتى؟
ماذا يشكل لبنان في استراتيجية المرحلة الانتقالية الأميركية حتى يغزوه نجوم الحرب والسياسة واحداً بعد آخر، فارضين ظلهم عليه، ومعلنين أنفسهم أوصياء على سياسته وتسلحه، وما سيدخل إليه ومن سيخرج منه؟
تبدو هذه الأسئلة مكررة، أو ربما أصبح الحديث عن الاحتلال الأميركي السياسي لبعض مفاصل السلطة اللبنانية داخلاً في إطار لزوم ما لا يلزم، لكن يبقى البحث عن إجابات أمراً مطلوباً، لأن الخطر الذي يرافق هذه التحركات لم ينجلِِ بعد، بل لعله أصبح داهماً أكثر مما كان متوقعاً.
الهجمة الأميركية في هذه المرحلة تحتمل تفسيرات كثيرة، بعضها يشير إلى التحضير للإقرار بالهزيمة التي أصابت الإدارة الأميركية على الأرض اللبنانية، وبعضها الآخر يعتبر أن أميركا السياسية والعسكرية تحضر لشيء ما، وهي ترسم من بيروت خطوط هذا الشيء.
وبين هذا وذاك، تستمر الزيارات، ويستمر معها سكوت دعاة السيادة والحرية والاستقلال عن التدخل الأميركي الفظ في كل شاردة وواردة من الشؤون اللبنانية، مركزين اهتمامهم على عملية إعادة الأوضاع إلى طبيعتها بين البلدين الشقيقين لبنان وسوريا، ومتتبعين الزيارات الرسمية الودية والندية التي يقوم بها مسؤولون وزعماء لبنانيون إلى سوريا، وزيارات مقابلة يقوم بها مسؤولون سوريون إلى لبنان.
أما آن لهؤلاء أن يلتفتوا إلى الخطر الحقيقي الذي يتهدد بلدنا؟ أما حان الوقت ليستفيقوا من غفوتهم وغفلتهم؟ أو أن يخرجوا من مواقعهم التي حشروا أنفسهم بها تحت خيمة الهيمنة الأميركية؟
محمود ريا

الأربعاء، ديسمبر 03، 2008

المالديف ونحن.. والآتي


مرّ قبل أيام خبر صغير مرور الكرام، فلم يتوقف عنده أحد، ولكنه عاد إلى ذاكرتي لألف سبب وسبب.
رئيس دولة المالديف المؤلفة من آلاف الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، يفكر بـ"شراء أو استئجار وطن جديد" لأبناء شعبه، لأن الأرض التي يقيمون عليها ستغمرها مياه البحر في العقود أو السنوات المقبلة، نتيجة عوامل الاحترار العالمي وارتفاع مستوى المحيطات.
يثير هذا الخبر الكثير من القلق لسكان هذه الجزر الذين لا يتجاوزون ثلاثمئة ألف نسمة، باعتبارهم ربما يكونون من أوائل ضحايا تدمير الإنسان للبيئة التي تحتضنه، فإذا بهم يخسرون مكوّناً أساسياً من مكوّنات وجود دولتهم، ألا وهو الأرض.
ولكنه يثير بالمقابل الشعور بالإعجاب بهذا الشعب الصغير الذي قرر أن يتجاوز هذه المحنة موحداً محتفظاً بالمكوّنين الآخرين لوطنه، ألا وهما "الشعب الواحد" و"المؤسسات الموحدة".
هو شعب قرر الانتقال بشكل جماعي إلى منطقة أخرى لإقامة دولة المالديف الجديدة، التي خسرت الجزر لتربح البقاء بعلم ونشيد ومؤسسات وكيان.
هو شعب حضاري تالياً، واعٍ ومتماسك، يعرف معنى العيش المشترك، ويفكر بشكل جماعي من أجل تحقيق مصلحته الوطنية، بعيداً عن التشتت والتمزق والتفرق أيدي سبأ.
فماذا عن شعوب أخرى في العالم، ليس من خطر بيئي ـ حتى الآن ـ يتهدد أرضها بالزوال، في حين ان المكونات الأخرى للوطن تترنح تحت شعارات وطروحات أقل ما يقال فيها انها طروحات تؤدي إلى اضمحلال الوطن وتشتت الكيان؟
ماذا عن الشعب اللبناني مثلاً، الذي يفقد أبناؤه كل يوم ما يمكن أن يجمعهم من أفكار وتطلعات ومصالح مشتركة؟
ماذا عن الشعب اللبناني الذي لا يفكر بعض أبنائه إلا بالفيدرالية والتقسيم والكانتونات والكيانات المجزأة والسلطات المهشمة والمواجهات الطائفية والمنفعية والأخلاقية (اللاأخلاقية)؟
ربما يكون هناك أكثر من دافع يجعل الواحد منا يتمنى أن يكون من أبناء المالديف، ليس أكثرها أن هذا البلد رائع الجمال ـ برغم أن هذا الجمال سيندثر تحت ماء البحر ـ ولا أقلها أن هناك مسؤولين في ذلك البلد يفكرون بمستقبل شعبهم بعد سنوات، لا بمصالحهم الذاتية الضيقة خلال الانتخابات النيابية القادمة.
محمود ريا

الاثنين، ديسمبر 01، 2008

الهرب من لحظة الحقيقة


ملأت الصرخات والخطابات والتصريحات الهواء عن "تعطيل" التشريع ومنع رئيس المجلس النيابي البرلمان من الانعقاد، ما يعطّل مصالح المواطنين ويمنع البلد من التقدم ويعقّد عملية حل المشاكل وتذليل العقبات من أمام التطور.


وبالرغم من أن الأسباب التي كانت تؤدي إلى تعطيل مجلس النواب في تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلاد واضحة، وتعطي رئيس المجلس كل المشروعية في تجميد العمل التشريعي كي لا يسري فيه الانقسام الذي ضرب السلطة التنفيذية، فإن الأصوات المرتفعة لم تخفت، هاتفة بضرورة إعادة العمل البرلماني وإطلاق المجلس من عقاله.

ولما انعقد المجلس، وبدأ بمعالجة المشاكل، فرّ الصارخون وتخاذلوا عن القيام بواجباتهم، وطيّروا النصاب، معطلين التشريع وموجهين إهانة إلى المجلس النيابي الذي انتخبه الناس كي يرعى مصالحهم، وليس كي يفر من التزاماته تجاههم.

هذا التصرف من قبل "الجوقة" إياها ليس فريداً، ولا يمكن اعتباره سحابة صيف عابرة، وإنما هو ديدن هؤلاء الذين ما تركوا قضية إلا واستغلوها لإطلاق الاتهامات فيما هم ليسوا فوق الشبهات، بل إنهم تحت سيف الإدانة.

فقد سبق لهؤلاء أن لعبوا اللعبة نفسها مع موقع رئاسة الجمهورية، محطمين هيبته، ومن ثم مانعين وصول مرشح معين إلى الرئاسة، ولما "وقع القضاء" كانوا أول السائرين في عرس التطبيل والتزمير لما حصل.

ومع الجيش لعبوا اللعبة نفسها أيضاً، فمن ناحية هم يطلقون التصريحات المشيدة بالجيش، ومن ناحية أخرى هم يغطون كل الممارسات المسيئة بحقه وبحق سمعته، مستهدفين قيادته وضباطه وعناصره بالكلام، فيما الخارجون من أكمام سادتهم يستهدفونه بالتفجيرات والرصاص.

إنهم معتادون على هذا النوع من التلون، ومعتادون على "الميوعة" بين الموقف والتصرف، ومعتادون أن يمشوا بالريموت كونترول، ولا أمل منهم وفيهم، والمنتظِر خيراً من ورائهم، كمن ينتظر إقراراً لقانون سلسلة الرتب والرواتب من قبل جماعة تهرب في لحظة الحقيقة من الاعتراف بحق مكتسب.

محمود ريا

الثلاثاء، نوفمبر 25، 2008

ظلمة غزة ـ تابع مرة أخرى


كنا ظننا أننا لن نكتب عن حصار غزة مرة أخرى، ليس لأننا أمَلْنا بانتهاء هذا الحصار، فالعرب والغرب مصرون على معاقبة الغزّيين والفلسطينيين جميعاً على ديموقراطيتهم ومقاومتهم وقرارهم الحر، ولكن بسبب إحساسنا بالملل من تناول الموضوع نفسه مرة بعد مرة، بالكلام نفسه والمشاعر نفسها.
ولكن ظنّنا لم يكن في محله، فقد اكتشفنا أن فينا بعدُ عِرقاً ينبض لمعاناة أهلنا في غزة، وأننا لم نجفف كلماتنا ـ كما دموعنا ـ لتصبح بلا معنى، وأننا ما زلنا ننفعل أمام ما يحصل، ونحسّ بطفل يموت بسبب انقطاع الغذاء، ومريض يقضي نتيجة انقطاع الكهرباء عن أجهزة العلاج في المستشفيات.
إنها مفاجأة فعلاً، أن نقدر على تعميق الجروح في نفوسنا أكثر، وأن نلعق المزيد من دمنا صباح مساء، وأن نقدر على احتمال المزيد من الخزي الناجم عن العجز عن الفعل إزاء ما تشهده غزة المحاصرة من مآسٍ.
إنها مفاجأة أن نجد في أنحاء وطننا العربي الكبير من لا يزال يتابع أخبار المحاصرين، مصراً على التعرف الى أحوالهم. منهم من يفعل ذلك من باب الفضول، ومنهم من يفعله من باب المواساة والمشاركة في الألم.
جيد أن هذه المشاعر لم تمت بالكامل حتى الآن.. ربما هي تنتظر أن يموت أهل غزة كي تذوي معها، فلا يعود أصحابها يشعرون بعقدة الذنب، أو أنها تنتظر معجزة ما ـ تأتي من مكان ما ـ لإنقاذ أهل غزة مما هم فيه، وتريح ما تبقى من عرب يشعرون، من مشاعرهم.
وإذا كان هناك معجزة فعلاً، فهي لن تكون أبداً.. معجزة عربية.
محمود ريا

الاثنين، نوفمبر 24، 2008

أي ثمن سياسي تطلبه الصين؟


لم يكن سعادة السفير ليو زيمينغ (السفير الصيني في لبنان) راضياً من السؤال الذي طرحته عليه في الندوة التي أقامتها جامعة القديس يوسف يوم الثلاثاء الماضي (18/11) تحت عنوان: الصين والأزمة المالية العالمية.

ربما السؤال لم يكن دبلوماسياً بما فيه الكفاية، وكان يجب أن يكون مغلفاً ببعض الكلمات التي تجعل وقعه أخف على المستمعين.

وقد يكون الحق على اللغة الفرنسية التي لم تسعفني في تنميق السؤال وجعله يتساوق مع المهمة التي يقوم به سعادة السفير، إلا أنه في النتيجة سؤال كان لا بد منه، والجواب (منه وفيه).

كان الكلام دقيقاً في المحاضرة التي كانت متخمة بالأرقام، في تأكيد على النهج الذي أصرّ سعادة السفير على اتباعه طوال الوقت: لنكن واقعيين، علينا أن ننظر إلى الوقائع، لا يمكن القفز عن الحقائق، هذه هي حقيقة الأمر.. إلى ما هنالك من التعابير التي كانت تؤكد على حقيقة يرغب الصينيون في التأكيد عليها دائماً، وهي أن الصين ليست غولاً سيبتلع العالم، وهي لم تصبح قوية بما يكفي لتستغني عن الآخرين، بل هي دولة قوية مقارنة مع الدول الأخرى ولكنها ما تزال في طور النمو مقارنة مع حاجاتها ومتطلباتها وعدد الأفواه التي ينبغي إطعامها.

من أجل ذلك كان السؤال صادماً ربما.

بعد الحديث عن تريليونين من الدولارات من الاحتياطي النقدي تمتلكها الصين، وبعد شرح بعض تفاصيل خطة الصين لمساعدة العالم على الخروج من أزمته الاقتصادية كان السؤال: بما أن كل العالم ينظر إلى هذا المبلغ الكبير الذي تملكه الصين والذي تحتاجه الدول الغربية، ما هو الثمن السياسي الذي تطلبه الصين كي تساهم في حل الأزمة الاقتصادية العالمية؟

معروف أن الصينيين لا يرغبون أبداً بالحديث عما يريدونه من العالم، وأنهم متحفظون كثيراً في مزج السياسة بالاقتصاد، وأنهم يفضلون ترك هذا الأمر إلى ما بعد عام 2020.

من أجل ذلك رأى سعادة السفير أنه من المبكر جداً الإجابة على السؤال، لا بل من المبكر طرحه من الأساس.

إلا أن هذه الدبلوماسية ـ المغلفة بمسحة الواقعيةـ لا يمكن أن تنفي أن الصين تنتظر العروض التي تنهال عليها من كل حدب وصوب من أجل انتقاء الأكثر مناسبة لها كي ترخي يدها عن ملياراتها المكدّسة لديها.

وهذه المحاولة الحثيثة لإبعاد السياسة عن الاقتصاد لم تفلح في إخماد الهمهمات المتصاعدة حول مكاسب في تايوان وفي ملف حقوق الإنسان، وفي تقاسم مختلف للنفوذ الاقتصادي والسياسي في قارات معينة، يتوقع أن تحصدها بكين في المرحلة القادمة.

ولعل سعادة السفير لمّح دون تصريح إلى ملف من أهم هذه الملفات، هو ملف حقوق الإنسان حين تساءل رداً على سؤال: أي حق للإنسان أهم من حق الحياة وحق أن يأكل؟؟

بالضبط، هذا هو النهج الصيني في الاقتصاد وفي حقوق الانسان، وربما هو ما أراد سعادة السفير أن يشير إلى أنه سيصبح نهجاً اقتصادياً عالميا، ونهجاً في الحياة.

محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 21، 2008

الهوكر هنتر في سمائنا


قد يكون أبناء الجيل الجديد قد تعرفوا الى الهوكر هنتر لأول مرة قبل أيام، حيث شاهدوها تقوم بطلعات تجريبية في سماء العاصمة بيروت وضواحيها للمشاركة في عرض الاستقلال، ولذلك فهم لا يعرفون عنها وعن شكلها الكثير.

ولكن ابن تلك المنطقة من البقاع اللبناني، الواقعة على تخوم مطار رياق العسكري، يعرف طائرة الهوكر هنتر "قطعة قطعة"، ويميز هديرها عن هدير كل الطائرات الأخرى، ويميز شكلها من بين كل الأشكال، فهي مطبوعة في ذهنه مثل وجه أمه وأبيه، وهو الذي
عاش معها بشكل يومي، يصحو على صوت إقلاعها، ويقضي الساعات على سطح منزله، يراقب تحركاتها، مصفقاً لبطولات طياريها وهم يقومون ببعض الحركات البهلوانية، ومحلقاً في أحلامه معها إلى فوق، إلى أعالي السماء.

هو يعرف الهوكر هنتر، ويتذكر الفوجا ميستر، ولا تذهب من ذهنه صورة تلك الطائرة وهو يراها تهوي في السهول القريبة، كما انه لا ينساها تحلق بجناحيها الخلفيين المميزين.

أما الصورة التي لا تفارقه أبداً فهي لتلك الطائرة المثلثة الأجنحة التي كان يشاهدها تخترق سماء بلدته فيطير فرحاً ويزهو فخراً وهو يحس أن بلده يمتلك من عناصر القوة ما قد يساعده على رد جزء من العدوان الجوي الصهيوني المتواصل على أهله ومواطنيه في كل مكان.

كانت الميراج في سماء لبنان كحلم يتحقق، وربما من أجل ذلك حولوها إلى حلم موؤود.

واليوم، تعود الهوكر هنتر إلى الأجواء لتثير كل هذه الأشجان، وليتساءل معها ابن ذلك البقاعي الذي عاصر الطائرة في عزّها: لماذا لا يملك بلدنا طائرات من تلك التي نسمع عنها ونرى صورها، فتحمي أجواءنا وتمنع عدونا من استهدافنا؟

لماذا تخلّت دولتنا عن الميراج، ولم تؤمّن ما هو بتطورها أو أحدث منها، وأي قرار "دولي" يمنع عنا أن نكون بمستوى الأمم القادرة على حماية سيادتها؟

لقد أسقطت الهوكر هنتر مرة طائرة صهيونية، وهي تطير اليوم لتذكرنا بوجوب أن يكون لدينا ما يكافئ طائرات العدو فيسقطها من الجو، أو ما يشل فاعليتها من الأرض، المهم أن يكون لدينا شيء.
محمود ريا

الخميس، نوفمبر 20، 2008

إضراب.. مرة أخرى


يُضرب المعلمون الثلاثاء ويتوقف التعليم في المدارس اللبنانية.
هذا الخبر ليس جديداً، فقد اعتاد اللبنانيون على إضراب المعلمين في المدارس الرسمية والخاصة منذ سنين، وتمر الأيام، وتبقى الحقوق التي يطالب المعلمون بها تركض أمامهم، ويبقى الإضراب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن اليأس من تحقق وعود المسؤولين.
قد يظن البعض أن هؤلاء المعلمين متطلبون كثيراً، وهم لا يحققون مطلباً حتى يطرحوا الآخر في عملية ابتزاز للدولة المسكينة التي لا تستطيع أن "تلحّق" على طلباتهم.
ولكن مهلاً.. القضية ليست كذلك، فالمطالب التي يُضرب المعلمون من أجل تحقيقها لم تتغير، ولم تتحقق، ولا يأمل المطالبون بها بتحققها في القريب العاجل، ولذلك هم يُضربون.
لو أن حكومة من الحكومات المتعاقبة لم تسطُ على حقوق المعلمين، لو أن مسؤولاً أنصفهم أو عمل بشكل فعلي لإنصافهم، لو أن وزيراً وقف معهم، فاستقام أو استقال، لما اضطروا للجأر بالشكوى، ولاتخاذ الإجراءات التي سمح لهم بها القانون، إجراءات الإضراب والاعتصام والتصعيد أكثر فأكثر.
ولكن..
هؤلاء الذين حملوا الحرف وتعهدوا بنقله إلى أطفالنا وأبنائنا وأجيالنا الجديدة قتلتهم الحرقة وهم ينتظرون بعض إنصاف، أو قليلاً من الاهتمام، أو شيئاً من التقدير لدورهم ولمهمتهم.. وبالتالي الاهتمام بمستقبل أجيالنا وأولادنا.
لقد أصبح التعليم تجارة، ولكن البضاعة التي يُتاجر بها هي عَرق المعلم وتعبه وسهره.
وصار العلم سلعة يجهد المتنافسون في الاستفادة منها كي يحققوا أعلى المكاسب على حساب وسيلة إيصالها إلى من يريدها.
وبات المعلم أهون المكوّنات في طبخة لا أحد يدري من يطبخها ولا من يأكلها ولا من يأكل ثمنها.
ومن أجل ذلك انتفض المعلّم، ومن أجل ذلك يُضرب اليوم.. ولكل ما تقدّم.. نحن معه.
محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 14، 2008

الندم قادم


السيد بوش نادم..
والندم أتى متأخراً بعض الشيء، وربما يشرح أسبابه بشكل أفضل في كتابه الذي ينوي إصداره بعد خروجه من البيت الأبيض وذهابه إلى تكساس التي يعشقها، والتي يرغب في الالتقاء بأصدقائه القدامى فيها.
إلا أن انتظار الكتاب الذي قال إنه سيضمّنه تفصيل لحظات اتخاذ العديد من القرارات الحاسمة في فترة ولايته، لا يمنع التوقف عند مسألتين أساسيتين أبدى سيد البيت الأبيض (حتى هذه اللحظة) ندمه عليهما.
المسألة الأولى يمكن اعتبارها ركناً من أركان حكمه خلال السنوات الماضية، وندمه عليها يعني أنه نادم على كل لحظة قضاها منذ عام 2003 حتى اليوم في الحكم.
إنها الجملة الشهيرة التي غطت خلفية خطابه الذي ألقاه على متن بارجة حربية بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الأميركي على العراق، وهو الخطاب الذي كرر فيه الجملة ذاتها، ومفادها: المهمة انتهت.
هو لم يقل فعلاً إن النصر قد تحقق، وإن الحرب قد انتهت، ولكن كل الأجواء الاحتفالية التي رافقت تلك اللحظة التاريخية كانت توحي بهذا المعنى، وتشي بالإيحاءات الهوليودية التي تعودناها في الأفلام السينمائية الأميركية.
وبعد خمس سنوات من تلك اللحظة، ظهر أن الفيلم لم ينتهِ بعد، وأن البطل لم يُتح له أن يطلق صيحة النصر، وأن المهمة لم تنتهِ، ولذلك فإن بوش نادم.
أما المسألة الثانية التي ندم عليها بوش فهي قوله (عن "الإرهابيين"): عليكم بهم.
هو لم يندم لأن هذا القول يصدر من نفسية تكساسية قائمة على تجاوز كل القوانين والأعراف في تصيّد الأعداء، وإنما ندم لأنه تفوّه بهذه الكلمات في العلن، فقد نبهته السيدة الأولى (زوجته) إلى أنه رئيس الولايات المتحدة، وأنه لا ينبغي له التحدث بهذه الطريقة.
هل يكون هذا الندم هو مقدمة للندم الأكبر الذي عبرت عنه مجموعة من المتطوعين طبعت نسخة مقلّدة من صحيفة "نيويورك تايمز"، وكان الخبر الرئيس في العدد منقسماً إلى ثلاثة أقسام: حرب العراق انتهت، بوش يحاكم بتهمة الخيانة العظمى، ورايس تعتذر بسبب الكذب في شأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
ربما على السيد بوش أن يندم فعلاً عندما يرى أن كل ما كان يحلم به قد انهار، من دون أن يأتيه وحي ما يعلّمه كيف يتعامل مع هذا الندم.

محمود ريّا

الخميس، نوفمبر 13، 2008

ظلمة غزة ـ تابع


محرجة الكتابة عن العتمة، عندما يرى الإنسان أن القلوب باتت أكثر ظلمة من الليالي الحالكات التي تعيشها غزة مرة بعد مرة.
يحس الواحد منا أن ما يكتبه هو مجرد ترداد لكلام كتب في السابق، وهو مجرد تكرار لعبارات تضامن لا يمكن أن تسمن ولا أن تغني من جوع.
ويصبح من "يحمل قلماً" بين خيارين: أن يكتب، وأن لا يكتب.
فإذا هو استنكف عن الكتابة انسجاماً مع عجزه عن الفعل، يصبح كالذي "يعطي الأذن الطرشاء" لآلام مئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين العرب الذين ينامون بلا ضوء، وبلا كهرباء لغرف العناية الفائقة في المستشفيات، وبلا أبسط مقومات العيش التي هي حق لكل إنسان.
وإذا هو كتب، فيكون من "الذين يصفّون الحكي"، مجرد كلام، لا يردع عدوان المعتدين ولا يدفع زعيماً للتحرك والإنجاز، ولا يدخل ليتراً من الوقود إلى قلب الحصار الذي تعاني منه غزة وقطاعها وأهلها.
هل هي المرة الثانية التي نكتب فيها عن الحصار، أم الثالثة، هل هي آخر مرة أم سنكتب بعد، هل سنسأم من تدبيج المقالات ورسم الكلمات، فنترك المحاصرين لحصارهم، ونهتم نحن بالحوارات الحضارية الدائرة في أربع جهات الكون؟
هل سنرى في المرة القادمة الصورة التي اعتدنا على ربطها بالمواضيع التي تمررها الصحافة على استحياء، أطفال يحملون الشموع ويسيرون في ليل غزة احتجاجاً على حرمانهم من حق النور، أم أن وكالات الأنباء ستكتفي بأن تحيلنا إلى الأرشيف بعد أن يصبح الحدث "بلا قيمة إخبارية"، ويصبح مجرد تكرار لحدث سابق؟
هل نحن الذين كان في تاريخهم من يهب لصرخة مظلوم وينتفض لدعوة مكلوم ولا ينام على ضيم مُضام؟
هل نحن الذين ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟
محمود ريا

السبت، نوفمبر 08، 2008

الصين وموسم القطاف

تبدو الدعوة الأوروبية للصين ودول الخليج كي "تساهم" في حل الأزمة المالية العالمية، مليئة بظواهر القصور في الفهم والعنجهية في الطرح والاستسهال في تحميل المسؤوليات.
رئيس المفوضية الأوروبية يقول إن الصين استفادت من العولمة، وإن على دول الخليج أن تبدي حساً بالمسؤولية. وهكذا يكون على هذه الدول أن تتحمل جزءاً من ـ إن لم يكن كل ـ وزر الأخطاء الكبرى والخطايا التي لا تغتفر التي ارتكبها الطامعون والمغامرون والمستهترون من الغربيين خلال السنوات الماضية، في مسار أوصل إلى الأزمة المالية المستفحلة.
وإذا كانت دول الخليج العربية لا تدري كيف ترد على الدعوة التي وُجهت لها كي "تتحلى بالمسؤولية"، فإن الصين أعلنت سلفاً أنها ستبذل أقصى جهودها للمساهمة في حل الأزمة.. ولكنها لم تنسَ أن تذكّر بأن ستساهم على طريقتها وحسب ما تقتضي مصلحتها، في مقابل أثمان لن تتراجع عنها.
فالصين مهتمة بحماية "الأسواق الاستهلاكية" التي تصدّر إليها بضائعها. وهي أيضاً مهتمة ببقاء النظام الاقتصادي الأميركي قائماً حفاظاً على تريليون دولار أميركي من سندات الخزينة الحكومية الأميركية التي تمتلكها. ولكنها مهتمة أيضاً بتحقيق أهداف سياسية كانت صعبة المنال قبل هذه اللحظة التاريخية التي ترى فيها منقذاً رئيسياً ـ وربما المنقذ الأول ـ للاقتصاد العالمي، من خلال الفائض في احتياط العملات الأجنبية الذي تمتلكه، والذي يزيد عن تريليوني دولار أميركي.
وإذا كانت الأهداف السياسية الصينية متعددة، فإن أكثرها بروزاً هو السعي لإلغاء صفقة تسلح أميركية لتايوان تبلغ قيمتها حوالى ستة مليارات دولار، إضافة إلى إبعاد العين الدولية عنها لجهة اتهامها بانتهاك حقوق الإنسان والقمع في التيبت وسينكيانغ (تركستان الشرقية).
على أن الطلبات الصينية لا تبدو الآن بعيدة المنال، فملف حقوق الإنسان ومعه ملف الأقليات والأقاليم في الصين لم يُفتح في الدوائر الغربية إلا لغايات سياسية تهدف للضغط على الصين في مرحلة صعودها المنافس للقوة الأميركية، وإقفالهما اليوم يمكن أن يتحقق لأسباب سياسية تتلخص بمساهمة الصين في إنقاذ اقتصاد أصدقائها ـ خصومها الغربيين!
ولا يبدو أن الغرب سيعاند كثيراً، كما لا يبدو أن الصين ستتدلل كثيراً قبل أن تبدأ بالقطاف.
محمود ريا

الشبكات.. التي تتساقط


تشبك الشبكات بعضها ببعض، وفي لحظة الاشتباك ينفك الانشباك، فتسقط الشبكة وحدها، وتبقى الشبكات الأخرى تعمل حتى تسقط واحدة بعد أخرى.
الشبكة العميلة التي فككت في الأيام الأخيرة ليست آخر شبكة للعدو على أرضنا. فالعدو خلال سنوات طوال، زرع الكثيرين من العملاء، منهم من ربطه بآخرين، ومنهم من تركه يعمل منفرداً، يؤدي مهمة محددة، تسمح له بالتخفي طويلا، وليس الاختفاء إلى الأبد.
لا بد لكل شبكة عميلة من أن تقع، عاجلاً أم آجلاً، قد يتأخر اكتشافها لفترة، وقد يكتشف بعضها ويتخفى البعض، ولكن النهاية محتومة ومعروفة، ولن يتضرر إلا الذين كانوا فيها، نتيجة الأضرار التي سببوها لأمن الأمة ولأمن الشعب، فيما العدو الذي استغلهم سيتركهم وسيلفظهم وسينساهم في السجون.. وعلى أعواد المشانق.
الدرس المستفاد هو أن ما من عميل للعدو إلا وسيسقط في يوم من الأيام في قبضة العدالة، فإن لم تكن معجّلة وأمام الناس هنا، فهي لن تتأخر هناك، وربما ينال العقابين معاً، وبأقسى ما يمكن توقعه من عقاب.
ومقابل ماذا كل هذا؟
حفنة من الدولارات، بيت وسيارة، ووجاهة فارغة، يقابلها قلق دائم وموت محيط لا يدري في أي لحظة يأتي، وحبل يلتف على الرقبة، حارماً صاحبها من حياة ملوثة بالشؤم والدم.
ليس الحديث عن العدو الصهيوني وخطره على أمننا وعلى مجتمعنا، فهذا أمر معروف وله مكان آخر، وإنما الحديث عن أولئك الذين يبيعون نفساً كرّمها الله للعدو برخص وخساسة، ويقبضون ثمنها بضعة دولارات لا تكفي لكي تريح ليل البائع أو تهدئ نهاره.
ليس المهم كم يتخفى العميل، المهم أن يعرف أن هناك من يتابع العملاء، ويعمل كل جهده للقبض عليهم والتخلص منهم، وإذا لم يُقبض عليه اليوم فسيُقبض عليه غداً، وإذا لم تسقط شبكته كلها سيسقط منها البعض وسيعترفون وستكون الفضيحة على رؤوس الأشهاد.
العهد عهد على أن لا تهدأ النفوس قبل القبض على كل العملاء وتوجيههم إلى المكان الذي يستحقون.. إلى مزابل التاريخ.
محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 07، 2008

هل يصل أوباما إلى البيت الأبيض؟


كانت المسيرة التي قطعها باراك أوباما للوصول إلى عتبة البيت الأبيض طويلة جداً، امتدت على مدى أكثر من سنتين، ولم يبقَ أمامه سوى سبعين يوماً ليدخل من الباب العريض.. فهل تحين هذه اللحظة؟
ليس السؤال إلا ترجمة لمجموعة من المخاوف التي تنتاب بعض المتابعين لـ"عملية التغيير" التي أطلقها فوز الرئيس الأسود في السباق إلى الموقع الأول في الولايات المتحدة الأميركية.
فـ"الرئيس الجديد" يواجه مجموعة من التحديات الكبرى التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق عملية انتقال سلس للسلطة، برغم أن المؤسسات التي تحكم هذه العملية راسخة ومستقرة ولا يمكن التشكيك فيها بأي حال من الأحوال.
ولكن لكل قاعدة استثناء، وكما كان أوباما استثناءً عن الرؤساء الأميركيين بلونه وبحجم النجاح الذي حققه، فإن الحديث عن استثناء في وصوله إلى المكتب البيضاوي لا ينبع من فراغ.
الأكثر إثارة للقلق هو أن انتخاب أوباما كان بمثابة "انقلاب" على "العصابة" الحاكمة في البيت الأبيض، هذه العصابة التي يقف في واجهتها جورج بوش ويقودها نائبه ديك تشيني، فيما يشكل عمدتها جماعة المحافظين الجدد الذين أقنعوا أنفسهم بأن لديهم مهمة مقدسة عليهم أن يؤدوها مهما كلّف ذلك من ضحايا.
فهل يتنازل هؤلاء عن تحقيق "مهمّتهم" نزولاً عند رغبة الناخب الأميركي؟ وهل يمكن للذي أرسل آلاف الشبان الأميركيين إلى المحرقة في أفغانستان والعراق لتنفيذ "الرؤيا"، أن يحسب حساب أصوات يعتبر أنها ناتجة عن عوام لا يدركون مصلحة بلادهم، ولا يرضخون لـ"رغبة الخالق" الذي يكلّم رئيسهم ويطلب منه القيام بمهمة إنقاذ العالم من "الأشرار"؟
لا يزال أمام هؤلاء سبعون يوماً، فماذا يمكن أن يفعلوا؟
هل يصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض، أم يسقط على الطريق إليه كما سقط قبله عدد من الرؤساء الأميركيين؟
وإذا وصل، فهل تتركه هذه العصابة يقود البلاد في طريق التغيير، أم أن أعضاءها جهزوا أنفسهم لملء طريقه بأشواك حرب أخرى يورطونه فيها قبل خروج القرار من أيديهم؟
إنها مسيرة صعبة، ودائماً ما تكون الأمتار المئة الأخيرة هي الأصعب في السباقات الكبرى.
محمود ريا

الخميس، أكتوبر 30، 2008

ليس غيمة صيف



أيام قلائل تفصل العالم عن محطة مهمة، وأشهر أخرى تفصلهم عن محطة أكبر، وبين هذه الأيام والأشهر تبقى الشعوب على كف عفريت منتظرة ما يمكن ان يطرأ على عقول مجموعة من البشر من عوارض جنون ويأس واكتئاب وإجرام.

الأيام تقترب ومعها موعد الانتخابات الأميركية، حيث سيكون لهذه الانتخابات تأثير كبير على التوجه الذي ستسلكه الأوضاع في المنطقة والعالم. وإن كان لا يؤمل من مسؤول أميركي خير، فإن المحللين يرون في مرشحٍ شراً أقل سوءاً من مرشح آخر، وعلى كل حال فإن التبديل بحد ذاته أمر جيد، فما هو موجود الآن سيئ جداً لدرجة يرجى معها أن يكون القادم أقل شراً.

ولكن من الآن وحتى تحصل الانتخابات في الأيام المقبلة، وبعدها الفترة الفاصلة بين الانتخابات والتسلم والتسليم في كانون الثاني/ يناير القادم، تبقى نذر الشر محيطة بكل مفاصل الكرة الأرضية، ولا سيما أن الذين انتهى دورهم لن يسلّموا بسهولة أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً كاملاً مطلقاً في كل المشاريع التي قاموا بها، وعلى رأسها مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

ما حصل في البوكمال ليس صاعقة في سماء صافية ولا غيمة صيف عابرة، وإنما هو إشارة إلى ما يمكن أن يحصل في الأيام القادمة فيما لو حسمت عصبة السوء المقيمة في البيت الأبيض ترددها، وقررت القيام بشيء كبير "تخلّد" فيه ذكراها قبل رحيلها.

لا يجب أن يخاف العالم، ولكن يجب أن يكون حذراً أمام تمكّن مجموعة من البهلوانيين أصحاب الأفكار المتحجرة بأزرار القوة العسكرية الهائلة، وتسخيرها لخدمة مشاريع شخصية ضيقة يزعمون انها مشاريع تهدف إلى خدمة الأمة الأميركية.

إذا مرّت هذه المرحلة على خير، يكون العالم قد نجا من كارثة مهولة.. وبأعجوبة.

محمود ريا

السبت، أكتوبر 25، 2008

العرب والفضاء


تأتينا الأخبار من كل حدب وصوب، فنتلقاها ونهضمها ونسمعها، ولا نفعل أي شيء إزاءها.
تطيّر الصين مركبة فضائية مأهولة، فيخرج ملاحوها في جولة في الفضاء الخارجي، ونحن نتفرج!
تطلق الهند مركبة نحو القمر، ونحن "نراقب"!
تتهيأ هذه الدولة أو تلك لاختبار طاقاتها العلمية وتفجير مواهب شبابها في كل اتجاه، ونحن نقف على قارعة التاريخ، نشحذ نصراً مرّ قبل ألف سنة، ونستعير عالماً برز في الخارج لنقول: إنه عربي! ونتسوّل اختراعاً لم تكن لنا فيه يد، إلا أن الذي قام به يحمل اسماً مؤلفاً من حروف عربية!
أمر مؤلم هو الذي نعيشه، والأكثر إيلاماً أن المسببين به يظنون أنفسهم أنهم يرفعون الشمس أو يكتبون أسماءهم بنجوم السماء.
تتابع عيوننا الدخان المنبعث من الصاروخ المنطلق نحو الفضاء والدموع تنهمر منها، لا لأننا قريبون من هذا الدخان، بل لأننا بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، وربما عشرات السنوات، فلا نحلم بصناعة فضائية عربية، ولا نرجو مركبات تطير وتعود، أو حتى تذهب بلا عودة.
أي خجل ورثناه من أهالينا على تخلف بلداننا، ونحن حَمَلة العلم؟! بل أي خجل نورثه لأطفالنا ونحن نمر في هذه الحياة، فلا نجد إنجازاً واحداً يمكن لنا أن نبرر به وجودنا أمام أولادنا.
عندما نفتقد وجود جامعة عربية واحدة في اللائحة التي تضم أفضل مئتي جامعة في العالم، وعندما يطل الدكتور فاروق باز (المصري مولداً) من مقعد رئاسة برنامج الفضاء في وكالة ناسا الأميركية، وعندما تطير الهند والصين ـ ومعها إيران قريباً ـ إلى الفضاء، بينما نحن نخلد الى الأرض، يصبح السؤال عن مستقبل هذه الأمة مطروحاً بقوة، ويصبح البحث عن حل أمراً أكثر إلحاحاً من التفتيش عن جنس الملائكة أو الفوارق بين المذاهب أو الغزوات المتبادلة بين القبائل.
يا عرب، قد لا يجدي فيكم ـ فينا ـ إلا قول الشاعر: أيا أمة ضحكت من جهلها الأمم.
محمود ريا

الثلاثاء، أكتوبر 21، 2008

صرخة في واد؟

هل دخلنا في المحنة الحقيقية؟

قد لا يصدق أحدنا أننا وصلنا فعلاً إلى مرحلة الحضيض على المستوى الأخلاقي، وقد يقول أحد آخر ـ ومعه حق ولا شك ـ إن ما حصل حالة فردية لا يمكن أن تعمم.

ولكن مجرد حصول مثل هذا الأمر يدفع إلى دق ناقوس الخطر والتفكير ألف مرة بالوضع الأخلاقي الذي وصلنا إليه.
شاب حباه الله بنعمة البصيرة وحرمه نعمة البصر، يذهب يومياً إلى جامعته بسيارة الأجرة، فيجد من يساعده بالوصول إلى مدخل كليته، وهكذا يحصل كل يوم، إلا منذ أيام عندما "رماه" سائق سيارة أجرة على الجانب الآخر من الطريق، فارضاً عليه أن يقطع الطريق مع كل المخاطر، بعد أن خدعه، فأخذ منه ورقة من فئة الخمسة آلاف ليرة، وورقة من فئة الألف، بدل أن يأخذ ورقتين من فئة الألف، لتصبح الجريمة مزدوجة، تحصل في وقت واحد، وبحق شخص واحد.

هذه القضية الشخصية قد لا تكون أكثر من حادثة فردية، ولكنها أيضاً حادثة أرجو أن تكون فريدة، وهي تناقض كل ما تعلمناه وكل ما ينص عليه ديننا وأخلاقنا وإنسانيتنا في التعامل مع الناس ذوي الأوضاع الخاصة الذين ابتلاهم الله تعالى بفقدان أحد الأعضاء، أو إحدى الحواس.

لا يمكن السكوت أمام حالة من هذا النوع، بل ويجب التشهير بالفاعل لولا أنه لم يتم التعرف اليه، وقد لا يمكن أن يحصل ذلك عما قريب.

إلا أن عدم التعرف الى الشخص لا ينفي وجوب إنكار هذا الفعل، وكل فعل آخر ينافي الأخلاق التي كانت وما تزال، ويجب أن تبقى أساس التعامل بين البشر.

لقد بُعث رسول الله (ص) ليتمم مكارم الأخلاق، والشاعر قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فهل سنذهب بعد أن تذهب أخلاقنا أم سنقف وقفة تعيد الأمور إلى نصابها وتعيد إيقاظ الفطرة السليمة فينا؟

هي صرخة.. حمّلني إياها صديقي الطالب الجامعي، وأحببت نقلها.. بلا مواربة، فأرجو أن لا تكون صرخة في واد.

محمود ريا

الاثنين، أكتوبر 20، 2008

خير على خير

انعقدت النية مراسيم واتفاقات، وصارت الرغبات تواقيع وتحضيرات، وبات لبنان وسوريا على أهبة الاستعداد لقص الشريط الافتتاحي في دمشق وبيروت، معلنا هنا وهناك عن فتح السفارات وانطلاق العلاقات.

جميل جداً، لا بل هو فوق الجمال بمراحل، أن تصبح العلاقات بين الدولتين منظمة عبر بروتوكولات ومراسيم تجعل هذه العلاقات رسمية ومقوننة.

هذا الشعور بالراحة إزاء ما حصل، قد لا يكون نتيجة اطمئنان الى أن العلاقات بين لبنان وسوريا سوف تتطور، لأن تبادل السفارات واعتماد السفراء لا ينشئ علاقة بين دولتين، وإنما هو يعبر عن متانة هذه العلاقة وعن الرغبة في تطويرها وجعلها أكثر قوة وعمقاً.

بين دولتين مثل لبنان وسوريا هناك من العلاقات والوشائج ما لا تقويه إقامة علاقات دبلوماسية، ولا يضعفه عدم وجود هذه العلاقات. ما بينهما وصل منذ القدم إلى الحد الأقصى، فلا ينخفض نتيجة إجراء قانوني ولا ينهار بسبب موقف سياسي.

هذان البلدان هما معا، بغض النظر عن الظروف هنا والظروف هناك، ومن يرد أن يخضع العلاقة بين الدولتين إلى ميزان العلاقة بين الدول الأخرى، لا يعلم ماذا يعني كل بلد بالنسبة الى الآخر، ولا كل شعب بالنسبة الى الآخر.

العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا هي أمر جيد، جيد فحسب، قد يكون من التطرف وصفها بأنها "لزوم ما لا يلزم"، ولكن قد يكون من التطرف بالمقابل إعطاؤها وصف أكبر من أنها "خير على خير" تزيد الألفة وترفع نسبة المحبة.. وحسب.

عندما يكون التاريخ واحداً، والجغرافيا واحدة، والآمال واحدة، والمخاطر واحدة، والمستقبل هو نفسه، والشعب هو الشعب، والفرح لا يقسّم والحزن لا يُجزّأ، يصبح الحديث عن العلاقات الدبلوماسية من نافلة الحديث، ويصبح المطلوب الانطلاق إلى الأمام بسرعة للبحث في كيفية مواجهة التحديات، والاستفادة من الفرص التي تكون بيد واحدة أو لا تكون.
محمود ريّا

الثلاثاء، أكتوبر 14، 2008

لا للتعميم


أصعب ما مرّ على أمتنا أن العالم، وبتحريض من قوى مسيطرة فيه، أخذ هذه الأمة بجريرة بعض أبنائها، فصار كل المسلمين إرهابيين وكلهم انتحاريين، وكلهم تحت الشبهة الأمنية والمراقبة الدقيقة، بما يحرمهم حقوقهم المدنية ويضعهم في موقع الملاحق دائماً.
ليس من المستساغ أن نطبّق هذه السياسة على أنفسنا، فنقوم بعزل منطقة من المناطق اللبنانية، أو نسم أهلها بتهمة الإرهاب، بجريرة بعض الأشخاص الذين لا يمكن إلا أن يكونوا خارج الإجماع الديني والوطني، كما كانت القوة التي عملوا في إطارها وهم عملوا بالجرائم التي ارتكبوها على "الثأر" لها.
العناصر الفاسدة هي عناصر، محددة ومشخّصة، وهم لا يعبرون عن أي توجه أياً كان، ولا يمكن أن نضع منطقة بكاملها في موقع الاتهام لأن البعض من أبنائها قاموا بأعمال كلها إجرام باعتراف القريب قبل الغريب.
ومع الاقتناع الكامل بهذه الجزئية من المعادلة، لا بد من النظر إلى الجزئية الأخرى، وهي التي تقوم على مبدأ إعلان أهل المنطقة التي خرج هؤلاء الإرهابيون منها بشكل واضح وصريح، وبشكل عملي وملموس أنهم يعارضون كل ما قام به هؤلاء المجرمون، وأنهم يدينون قتل الأطفال وقتل المدنيين، وقتل الجنود اللبنانيين، الذين هم أبناء هذا الشعب وأخوة المواطنين وليسوا أعداءهم.
لقد صدرت العديد من التصريحات التي تؤكد هذا المعنى، وهي تصريحات مطلوبة ومقدّرة، وما هو مطلوب بعدها هو بذل كل جهد ممكن من أجل تسهيل عمل القوى الأمنية المعنية في اعتقال المشبوهين، والإشارة إلى أي بقعة مظلمة قد تشكل بؤرة حماية ونصرة ومساندة لهذه العمليات الإرهابية التي تترك آثارها السلبية على البلد كله، وليس فقط على منطقة واحدة فيه.
المطلوب أن نكون كلنا اليوم في موقع واحد، كي يكون الإرهابيون وحدهم في موقع آخر، فيسهل تحديدهم وتشخيصهم ومحاصرتهم.. والقضاء عليهم.
محمود ريا

حرية من نوع آخر


الإنسان حرّ في أن يبدّل البذلة التي يلبسها مرتين في اليوم، مختاراً في كل مرة لوناً مختلفاً عن الآخر، وحر في أن يأكل الطعام مالحاً صباحاً وحامضاً في المساء، وحر أن يذهب شمالاً قبل الظهر، ثم يذهب جنوباً بعد الظهر، وربما يكون حراً في تبديل ولاءاته وتغيير مواقفه بالنسبة نفسها التي يغيّر فيها ثيابه وذوقه في الطعام ووجهة السير التي يسلكها في الوقت الذي يراه مناسباً.
ولكن أن يقول له أحد حقيقة أنه غيّر وبدّل، وتلوّن وتحوّل، فهذا يمكن اعتباره مساً بالحرية وتضييقاً لها، وخروجاً على القانون وتجاوزاً لقواعده.
الإنسان حر في أن يفعل ما يشاء، وليس لأحد حرية ان يقول أي شيء عن حريته هذه، فحرية الآخرين غير موجودة، ولا يمكن السماح بها ويجري التعرض لها ونقضها وحتى سحقها، ما دام أنها تمس حرية الشخص القادر على أن يمارس الحرية من دون حساب، نتيجة ظرف طارئ أو ركوب ناجح للموجات المرتفعة مع ترك الموجات التي تكاد تهمد من دون أي شعور بالذنب، أو بحث عن فضل الموجة التي أوصلته إلى هذا المكان أو ذاك.
حرية المرء لا تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، لأن لا حرية للآخرين ما دام أن هذا المرء قادر على استخدام القوانين وصرف النفوذ والتلاعب بالأنظمة خدمة لحريته في أن يفعل ما يشاء بحق من يشاء ساعة يشاء.
إنها حرية من نوع آخر، حرية لبنانية، "ماركة مسجّلة"، قادرة على أن تضرب الإعلام وحرية التعبير عن الرأي، وجاهزة لإتلاف كل الوثائق والمستندات، خدمة لنافذ، وتنفيذاً لرأي زعيم يرى مصلحة في تحريك قوى تنفّذ القانون هنا، وجعلها تنام "نومة أهل الكهف" هناك وهنالك.
إنها حرية من نوع آخر، بل هي ليست حرية إلا بالاسم، ولا يعرفها أحد في العالم كما يعاني منها اللبنانيون الذين ليس لهم من يقف وراءهم و"يعطيهم حريتهم".
هي الحرية التي ترتكب الجرائم باسمها وتحت لوائها.
محمود ريا

الخميس، أكتوبر 09، 2008

المطالب العمّالية والديموقراطية الحقيقية

تحرك المواطنون احتجاجاً على ممارسات اقتصادية بحقهم، وللمطالبة بتحقيق ما يعتبرونه من حقوقهم.
لم يتهمهم أحد بأنهم يعملون لتحقيق أهداف سياسية خدمة لأجندات أجنبية.
نزل العمّال إلى الشوارع، قطعوا الطرقات، منعوا السيارات من الحركة، شلّوا النقل في العاصمة والمدن الكبرى.
لم يقل أحد إنهم يهدفون إلى تدمير التجربة الاقتصادية الناجحة التي تعيشها البلاد، ولم يُحمَّلوا مسؤولية الديون التي تثقل كاهل الخزينة منذ أكثر من عشرين عاماً.
أقفلوا المطار، ومنعوا إقلاع الطائرات وهبوطها وعزلوا البلاد عن الخارج، ولم يوجه لهم أي أحد تهمة العمل من أجل عزل الدولة والانقلاب على قيادتها وحكومتها خدمة لمصالح أجنبية.
عرقلوا بث المحطات التلفزيونية وأثّروا على وسائل الإعلام الأخرى، ولم يستطع أحد أن يقول إنهم معادون لحرية الإعلام، ولم تنطلق حملات التشويه والتشنيع لاستهدافهم واستهداف مطالبهم.
الكل اعتبر أن ما يقومون به مشروع وقانوني وضمن إطار الممارسات التي تكفلها الأنظمة الديموقراطية وحقوق الإنسان.
لم يطلق عليهم الرصاص ولم تُلقَ القنابل عليهم ولم يُمنعوا من سلوك هذا الطريق أو إقفال الطريق الآخر، لأنهم في بلد ديموقراطي له قوانينه وأنظمته واللوائح التي تحكم كل حركة وسكنة فيه.
لم تقم قائمة الحكومة ولا من يدعمها، ولم يقل أحدهم إنهم "يحتلون" وإنهم يعربدون وإنهم يتآمرون.
سبحان مغيّر الأحوال...
لماذا تغيّر التعاطي مع الأحداث، ولماذا تبدّلت الأحكام ولم تنطلق حملة التشكيك بالتحركات وإطلاق النعوت السلبية عليها، ولم يخرج حلفاء الحكومة هذه المرة لكيل كل أنواع الشتائم بحق تحرك المواطنين الديموقراطي للتعبير عن مواقفهم تجاه قضايا تهمهم، ولو بقطع الطرقات وشل الحركة الداخلية وإقفال المطارات والتأثير سلباً على وسائل الإعلام؟؟
المسألة لا تحمل أي مفاجأة، فكل ما ذُكر من تسامح مع الحركة العمّالية حصل في بلجيكا.. وليس في لبنان.
محمود ريا

السبت، أكتوبر 04، 2008

خطوة أخرى إلى الأمام


تم إقرار قانون الانتخاب أخيراً، وبات للبنان قانون، مهما قيل فيه، قادر على تنظيم العملية الانتخابية المنتظرة في صيف العام القادم.

ما حصل ليل الاثنين الثلاثاء هو إنجاز حقيقي، يضاف إلى عدة إنجازات حققها اللبنانيون لأنفسهم خلال المرحلة الماضية، بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية، مروراً بتشكيل حكومة وحدة وطنية ومنحها الثقة على أساس بيان وزاري واضح وموافق عليه من الجميع، وها هو قانون الانتخاب يشكل الركيزة الثالثة التي يمكن أن يقوم عليها مشروع "تطبيع" الوضع في لبنان وإخراجه من الدوامة التي دخل فيها منذ سنوات.

ليس هناك من يناقش في أن ما تم تحقيقه حتى الآن هو ثمرة لاتفاق الدوحة الذي شكّل مرحلة فاصلة في الحياة السياسية اللبنانية، وكسر الجدار الصلب الذي ارتطمت به الأحوال اللبنانية إلى درجة كادت معها هذه "الأحوال" أن تتحطم، ومعها لبنان واللبنانيون.
واتفاق الدوحة معروفة ظروفه، الداخلية والخارجية، ومعروفة الأجواء التي ساهمت في تحقيقه، وفي إخراجه إلى حيّز التنفيذ.
وإذا كان النظر إلى الخلف مفيداً في بعض الأحيان كي لا تغيب عن الأذهان بعض الظروف ولا تتكرر بعض الرهانات، فإن النظر إلى الأمام هو المطلوب الآن، وذلك من أجل تحويل الهيكلية الدستورية التي أعيد بناؤها في الأشهر الماضية إلى واقع ملموس على الأرض، يتحكم بمفاصل العملية السياسية ويقودها إلى المساق الطبيعي لها، ومعها ينقاد لبنان إلى بر الأمان.

ما نشهده بين الحين والآخر من عمليات إرهابية وممارسات إجرامية وخضّات أمنية هو ظواهر ترافق عادة عمليات التحول الكبرى، بغضّ النظر عن أسبابها والمسببين لها، ويبقى أن تماسك اللبنانيين وتمسكهم بالحل الذي ارتضوه لأنفسهم هو الممر الإجباري والوحيد لتجنبهم لهذه الهزات الارتدادية التي يتم صنع بعضها في الداخل، واستيراد بعضها الآخر من الخارج القريب والبعيد.

لبنان يثبت عملياً أنه قادر على تجاوز أزمته لو صفت النيات، والأمل بأن تكون مكدّراتها قد انتفت من النفوس قبل النصوص، حتى نستطيع التغلب على كل ما يعرقل مسيرة البناء والنهوض.
محمود ريا

السبت، سبتمبر 27، 2008

أغنياء وفقراء

ليس لمثلي الكتابة عن الأزمة المالية التي اجتاحت العالم خلال الأيام الماضية، فأنا وتلك الأزمة كذلك الذي رسمه زميلنا عبد الحليم حمود نافشاً جيوبه إلى الخارج وهو يقول عما يحصل في البورصات: "اللهم لا شماتة".

إلا أن عدم "تخصصي" بالشأن المالي وبكيفية إدارة الحسابات وبيع الأسهم وتسوية المراكز وإلى ما هنالك من المصطلحات، لا يمنعني من التوقف عند بعض الظواهر التي رافقت ما حصل، والتي تدفع فعلاً إلى الاندهاش من هذا الانفصام الذي يسود العالم، بين طبقة "فوق" تلعب بما لا يمكن تخيله من الأرقام، وطبقة "تحت" تسمع بالأزمة ولا ترى إلا آثارها في رغيف الخبز وما يتوافر من الطعام.

الأرقام هي وحدها مسألة تستحق التوقف عندها..

من خلال المتابعة المتأنية لما حصل ـ عسى أن نطل على بعض ما يجري ـ مرّت أمام ناظريّ أرقام هائلة، منها ما "اختفى" ومنها ما دُفع في محاولة لتقويم الانهيار الحاصل على المستوى الاقتصادي، ومنها ما يطلق لتقدير حجم الأموال التي جرى تداولها خلال أسبوع الأزمة (التي لا يبدو أنها على وشك الانتهاء).

300 مليار دولار "أموال ضائعة"! 700 مليار دولار أموال ضُخت في أسواق الأسهم والبورصات وعدد من فروع الاقتصاد العالمي من أجل تجاوز الأزمة! أما الكتلة النقدية التي كانت مسرح هذه التداولات فتقدر بحوالى خمسة تريليونات دولار.. (أي خمسة آلاف مليار دولار)!!

هذه الأرقام الصاعقة تدفع المواطن العادي منا إلى البحث عن معناها، وعن كيفية تحرك مبالغ هائلة بهذا الشكل في جنبات الكرة الأرضية، وعن الهوّة السحيقة التي يمكن أن تخفي 300 مليار دولار خلال أيام، من دون أن يعني ذلك الكثير على المستوى العملي!

ويتساءل المواطن العادي عن راتبه الذي لا يظهر إلا كأرقام ميكروسكوبية أمام هذه الأرقام العملاقة، ثم ينظر إلى أبناء الدول الفقيرة الذين يعيش معظمهم بأقل من دولار في اليوم.. ومع هذا التساؤل يبرز تساؤل آخر: كيف يستقيم الوضع في عالم هذه هي طبيعة "العلاقة" بين فقرائه وأغنيائه؟ وأي سبيل يمكن أن يسلكه العقلاء كي لا يكون هناك "دولة بين الأغنياء والفقراء"؟
محمود ريا

القدس.. بين سيارة وجرافة

"غارة" أخرى في قلب القدس، مع اختلاف في الوسيلة المستخدمة، دون أن يختلف الأسلوب، أو يتغير المستهدف، أو تتبدل الروح التي تحرّك الأبطال الذين يقدمون أرواحهم من أجل توجيه الضربة وزرع الرعب في قلوب المحتلين.
في القدس مرة أخرى، بلا رصاص، بلا سلاح، وبلا إمكانيات، مجرد قلب قوي وإرادة صلبة، وإيمان راسخ.. ومِقوَد.
يسرح الخيال في الأفق الواسع لمعاني هذه العملية، بعد الاثنتين اللتين سبقتاها، ويتبادر إلى الذهن الكثير من التعابير التي يمكن قولها، ويمكن تكرارها، ويمكن التأكيد عليها، ومنها ما قيل، ومنها ما مرّ على لساننا وأعيد ثم أعيد، ولكنه لم يفقد معناه، ولا يمكن أن يخسر القيمة الروحية التي يختزنها.
يمكن الحديث عن فشل الصهاينة في قولبة المقدسيين، وفي حرمانهم بإحساسهم برفض الاحتلال، وفي قتل روح المقاومة في نفوسهم.
يمكن الحديث عن بقاء القدس مصدراً لكل معاني البطولة، وكل مساحات المبادرة، وكل آفاق الأمل بنصر قادم لا محالة.
يمكن القول إن ما يحصل في القدس هو مجرد مسامير أخيرة تدق في نعش الكيان الصهيوني، الذي لم يستطع أن يقمع المقاومة في ما يدّعي زوراً وبهتاناً أنها عاصمة كيانه، فكيف يمكنه فعل ذلك في المدن الأخرى والأطراف؟
يمكن التأكيد أن الشباب المقدسي لا يحتاج إلى وسائل قتالية متطورة لإشهار موقفه المبدئي من مسألة احتلال أرضه.. المبدأ موجود: مقاومة الاحتلال، أما الوسائل فتأتي بعد ذلك، وحدها وبلا طول انتظار.
كل هذا ممكن، وممكن أيضاً النظر إلى العدو المربك دائماً، المتردد أبداً في التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة في المقاومة، وهو يرى ما كان حالة واحدة، جرافة واحدة، يتحول إلى سابقة تتكرر مع الجرافات والسيارات وغيرها من وسائل عادية لا يمكن أن يشك أحد أن تتحول إلى وسيلة مقاومة للاحتلال وللاستيطان الصهيونيين.
ويبقى الممكن الأكبر، الذي تحول إلى يقين لا يتزلزل، بأن هذا الشاب (قاسم المغربي ابن التسعة عشر ربيعاً من جبل المكبّر في القدس المحتلة) لن يكون آخر بطل نحلم به على صهوة جواد الكرامة يمسح عن القدس رجس الاحتلال الصهيوني البغيض.
محمود ريا

الأحد، سبتمبر 21، 2008

ما بين بيصور وبصرما


ما قصة استهداف المساعدين في هذه الأيام؟

قبل أيام فُجع اللبنانيون باستشهاد "اليد اليمنى" للوزير طلال أرسلان، القائد الشاب الشهيد صالح العريضي، وكان الأمر بمثابة ضربة قاسية لهذا الزعيم الوطني الكبير ولما يمثله في طائفته ووطنه، حيث قيل إن الشهيد العريضي كان "عماد" الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يرئسه الوزير أرسلان.
وتوقف المراقبون عند معنى استهداف ما يمكن تسميته بـ"الرجل الثاني" أو "الرجل القوي" في الحزب الديموقراطي، وعند الرسالة التي يريد المجرمون توجيهها الى الحزب وقائده وطائفته.

بالأمس استهدف القتل "اليد اليمنى" للوزير السابق سليمان فرنجية، القائد الشاب يوسف فرنجية.. وهو شخص له مكانته الكبيرة في تيار المردة الذي يترأسه الزعيم الوطني ابن طوني فرنجية. وقد قيل أيضاً إن الشهيد فرنجية هو "عماد" أو أحد أعمدة تيار المردة.
الشهيد العريضي اغتيل بعبوة ناسفة لم (يُعلم) واضعها والآمر بها بعد.. أما الشهيد فرنجية فقد اغتيل برصاص واضح المصدر معلوم المطلق والآمر به، ومشخص الأهداف والمرامي من إطلاقه.

بين عمليتي الاغتيال ـ هذه وتلك ـ هناك افتراقات في التنفيذ، ولكن هناك عدة مشتركات، في التوقيت (عشية المصالحات هنا وهناك)، وفي الشخصيات المستهدفة (أبرز مساعدي قياديين في المعارضة)، وفي الأهداف (فرض أجواء التوتر والتشنج وتبديد التفاؤل بقرب هدوء الأجواء الأمنية).

حتى الآن لا يمكن الحكم بتشابه أو بتطابق الجهة المنفذة، وذلك احتراماً للقضاء وللتحقيقات الجارية هنا وهناك لتحديد آليات الحدثين وكيفية حصولهما ومن يقف وراءهما.
إلا أن علامات التشابه بين ما جرى في بيصور وما جرى في بصرما تثير ألف شك وشك في أن هناك جهة واحدة تنفذ بالعلن والسر ما حصل هنا وما حصل هناك، وما جرى قبل ذلك من عمليات اغتيال وما قد يجري، لا سمح الله، في الأيام القادمة.

هل هذا يحتاج إلى أدلة لتثبيته؟

ربما يكون النفي هو الذي يحتاج إلى دليل.
محمود ريا

الأربعاء، سبتمبر 17، 2008

الحوار.. و"طاقة الفرج"


يلتئم شمل اللبنانيين الى طاولة جديدة، تحمل لهم الأمل بحل خلافات مستعصية، ومشاكل صعبة، وبمواجهة تحديات مزمنة وأخرى مستجدة، وبالبدء في مقاربة قضايا هامة لا يمكن التهرب منها بعد الآن.
يلتئم الشمل الى طاولة حوارية حقيقية، قابلة للتوسع بالحضور، كي تضم أوسع مجموعة من الأطياف اللبنانية، كما هي قابلة للتوسع في مواضيع النقاش لتكون مطبخاً حقيقياً للبنان الجديد، لبنان الذي يتعالى على كل الجراح، ويقوم على قاعدة ثابتة واضحة لا تتزعزع ولا تتزلزل.
إنها حقيقة واقعة، هي حقيقة الاجتماع وحقيقة التباحث والتحاور، وحقيقة تلاقح الأفكار وتبادل وجهات النظر، وحقيقة السعي للحلول والبحث عن مخارج.
وليس من المقبول أن يتم التشكيك بهذه الحقيقة، لأن مجرد إلقاء الظلال عليها هو نوع من الاستهزاء بمشاعر اللبنانيين، ومحاولة للقضاء على آمالهم التي يضعونها مرة بعد مرة، ودون يأس ولا تردد، في هذا النوع من اللقاءات التي تجمع القادة الذين يفترض فيهم وضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
ولا يمكن في يوم مثل هذا اليوم استعادة التجارب الماضية والتنقيب في "الدفاتر العتيقة" واسترجاع المواقف السابقة والتصريحات المحبطة والمثبّطة، والحديث عن نيات مبيّتة والتعوّذ من شر جن الداخل وجن الخارج، ومن وسوسات الشياطين الذين لا همّ لهم إلا إحباط أي محاولة للتوصل إلى نتائج ترضي اللبنانيين، لأن الحديث عن كل هذه الأمور سيخلق غيمة من التشكيك وغلالة من التوجس وغمامة من اليأس فوق رؤوس اللبنانيين الذين باتوا ـ من ناحية ـ ينظرون إلى كل كوّة في جدار الأزمة على أنها "طاقة الفرج"، ومن ناحية أخرى يرون في كل حبل مرمي في الأرض أفعى تستعد للدغهم، من كثرة ما تعرضوا للّدغ من القريب والبعيد والحليف والصديق قبل الغريم والعدو.
جلسة الحوار الثلاثائية ليست مربط الفرس، فهي مجرد بداية، ولكن على ما سينتج عنها يتوقف نجاح الخطوات التالية واللقاءات القادمة والحوارات المنتظرة، فهل يمكن الحلم بنتائج حقيقية من هذا الحوار؟
محمود ريا

الاثنين، سبتمبر 15، 2008

عنزة ولو طارت

لا بد لقيام علاقة سليمة بين القائد والقاعدة أن يكون هناك نوع من التعاقد القائم على إطلاق القاعدة يد القائد في اتخاذ قرارات كبيرة ومصيرية مقابل أن يقدم القائد للقاعدة كشف حساب عن النتيجة التي أوصل المسيرة إليها ومدى تطابقها مع الأهداف العليا الموضوعة لهذه المسيرة.

فلا يمكن ان يقوم القائد بتبرير كل قرار يأخذه بشكل فوري وفي لحظة اتخاذه وعلى الملأ، لأن ذلك يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل مفاعيل هذا القرار وحرمان المسيرة من حصد نتائجه وتحصيل منافعه.

ويأتي الحساب في فترات محددة، تكون مقررة مسبقاً، حيث يقدم القائد (أو القيادة) تقريره الذي يكشف من خلاله مدى اقترابه من تحقيق أهداف جماهيره، وأسباب عدم الوصول إلى هذه النتيجة أو تلك.

في لبنان لا تسير الأمور على هذا النحو، فالقائد قائد، بلا أي تبرير ولا تفسير، والقاعدة قاعدة بلا أي سؤال ولا أي حساب، وتبقى العلاقة بين الطرفين قائمة على أساس التبعية والانقياد التام.

فالقائد في لبنان غير مضطر لتبرير السير في اتجاه ما ثم السير في اتجاه معاكس خلال فترة قصيرة جداً، ولا لتفسير أن يعلن اليوم شيئاً ثم يقوم في اليوم التالي بإعلان آخر قد يكون متناقضاً تماماً مع الإعلان الأول. والقائد في لبنان "يفهم في السياسة" أكثر من كل المقودين، فلا يمكن الاستفسار منه عن سبب هذا القرار أو ذاك، ولا عن نتيجة هذه الخطوة أو تلك، طالما أنه مطوّب بأمر المصلحة العليا، للحزب وللطائفة وللمسيرة و.. للوطن.

فلا يمكن ان تقول لقائد لبناني لماذا كنت هنا ثم أصبحت هناك، ثم ها أنت تعود إلى المكان الذي كنت فيه دون أن يرف لك جفن أو تقدم كشف حساب للذين سقتهم وراءك إلى هنا أو هناك، مخرجاً إياهم من مواقفهم الوطنية أو من اتجاهاتهم القومية أو من انتماءاتهم الدينية.

ولا يمكن أن تسأل قائداً لبنانياً آخر بأي حق أدخلت جمهورك في أجواء حربية هو غير معتاد عليها، وحرّضته بكل وسائل التحريض المتوافرة من أجل الانقضاض على أخيه في الدين والوطن وأسلتَ من أجل ذلك أنهار الدماء، ثم ها أنت توقع العهود والمواثيق وترسم خطوط المصالحات والمسامحات وتسخو في الوعود بالتعويضات والهبات، وكأن الدماء التي سالت سلعة يمكن دفع ثمنها والانصراف دون أي عقدة ذنب أو خوف محاسبة.

وفي لبنان لا مجال لتسأل قائداً لبنانياً ثالثاً عن وعوده وتنبؤاته وتعهداته القاطعة بـ "التغيير" و"التطيير" والانتصار والغلبة وتحويل صورة البلد وشكله ومضمونه وكل مبادئه وثوابته. ولا يمكن أن تساله كيف رفض مرشحاً لرئاسة الجمهورية ثم صوّت نوابه له، وكيف رفض حواراً خارج لبنان ثم كان من أوائل المشاركين فيه، وقبل ذلك كيف وعد بأن رئيس جمهورية لبنان لن يكمل عشرة أيام في قصر الرئاسة فإذا به يبقى حتى آخر.. آخر لحظة من ولايته، حيث وقف التاريخ ليمد لسانه هازئاً بهذا القائد الذي لا تصدق توقعاته إلا إذا كانت عن متفجرة هنا واغتيال هناك وتوتر أمني هنالك، في مصادفة غير بريئة ولا قابلة للهضم والتمرير.

في ظل هذه الحالة من عدم المحاسبة، وإفساح المجال إلى ما لا نهاية، وترك الحبل على الغارب، لا يعود من الممكن التعجب من كلام قائد بارز يعتبر أن الشهيد صالح العريضي "كان يعمل في خط 14 آذار"، لأنه بذلك يعتمد على أن قاعدته لن تحاسبه، وهي ستصدقه حتى لو قال "عنزة ولو طارت".
محمود ريا

السبت، سبتمبر 13، 2008

روسيا وأميركا ويوم الدينونة


ماذا يحصل في العالم.. وهل نحن على أبواب تغييرات انقلابية حقيقية، أم هي فورة فقط تأتي عليها المساومات وتنتهي؟

السؤال ليس منطلقاً من فراغ، وإنما هو صدى لجملة من الأحداث التي تكاد تفلت من القدرة على متابعتها، نظراً لكثرتها ولأهميتها وللأخطار التي قد تنبع منها.

روسيا تتحرك، تطلق شعاعات قوتها في كل اتجاه، ترد الغزو الجورجي لأوسيتيا بغزو جورجيا نفسها، تهدد بقصف المواقع الصاروخية الأميركية في أوروبا، ولا سيما في بولندا وتشيكيا.. تطلق الانتقادات القاسية لأوكرانيا بسبب محاولتها عرقلة حركة الأسطول الروسي في البحر الأسود، توجه قاذفتين استراتيجيتين إلى فنزويلا لإجراء مناورات، تتبعها في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم مناورات بحرية مشتركة في قلب الملعب الخلفي الأميركي في بحر الكاريبي، بالاشتراك مع البحرية الفنزويلية.

هذه المعطيات هي غيض من فيض، والجزء الظاهر من جبل جليد يخفي في الأعماق أكثر بكثير مما يُظهر، ويثير من الأسئلة أكثر بكثير من قدرة المعطيات المتوافرة على تقديم إجابات عنها.

هل التحرك الروسي الحالي هو مجرد غيمة صيف تعبر وتنتهي، أم هو تأسيس لعلاقات دولية جديدة تقوم على قاعدة مختلفة تماماً عن القواعد التي كانت سائدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي؟ وهل تشكل هذه الحركة الجديدة بداية قيام النظام العالمي المتعدد الأقطاب الذي تنتظره قوى ودول كثيرة في العالم؟ وأين يأتي دور القوى الأخرى الصاعدة كالصين وإيران وفنزويلا من أقصى الغرب؟

ربما يكون الانتظار للإجابة عن هذه الأسئلة هو الأكثر قرباً من المنطق، لكون الأمور لم تأخذ منحى حاسماً بعد، ولكون العلاقات الدولية لا تزال تتحمل حصول بعض الصفقات والتسويات التي تؤدي إلى منع وقوع "الانفجار الكبير".

ولكن ماذا لو بقيت السياسة الأميركية على الخط الذي هي عليه الآن، أو أنها تطرفت أكثر فأكثر باتجاه إثارة المزيد من الحروب والقلاقل الموضعية في أنحاء الكرة الأرضية؟

هل نكون نسير بذلك نحو "يوم الدينونة"؟
محمود ريّا

الخميس، سبتمبر 11، 2008

أبطال فك الحصار


ليس متأخراً الحديث عن الرحلة الأسطورية التي قام بها بعض الرجال والنساء الشجعان إلى قطاع غزة مستخدمين مركبين خشبيين من قبرص إلى غزة مباشرة.

ليس متأخراً، لأن ما قام به هؤلاء أول مرة يستعدون، بعضهم، ومعهم آخرون، لتكراره مرة أخرى، في رحلة لها أهداف كثيرة، لعل أبرزها اثنين:

الأول: إفهام منظمات الإغاثة الدولية أنها تستطيع الوصول إلى غزة من دون إذن من أحد، وبهذا تنتفي حجتها التي تكررها حول وجوب الحصول على إذن صهيوني لإيصال المساعدات لمحتاجيها ولمستحقيها في قطاع غزة المحاصر والمنكوب.

والثاني: هو الدخول إلى غزة بختم واحد فقط، ختم السلطة الفلسطينية، من دون الوقوف عند حاجز الإرهاب الصهيوني الذي يفرض طوقاً رهيباً حول القطاع.

لقد أثبت هؤلاء الأبطال للجميع أن غزة ليست محاصرة صهيونياً فقط، وإنما حصارها متعدد الوجوه ومتنوع المصادر، ومتغير الأهداف.
وأثبتت النساء اللواتي قررن خوض هذه المغامرة الصعبة أنهن يملكن من الجرأة ومن الوعي ما يفوق ما لدى الكثيرين من العرب حكاماً ومحكومين، محاصِرين ومحاصَرين.

وبات الحديث عن الحصار يتجاوز الوقوف عند العجز على خرق الإجراءات الصهيونية، ليصل إلى حد الاقتناع بأن هذا الحصار هو نتيجة تخاذل بعض العرب وسلبيتهم وانهزامهم النفسي، كما هو نتيجة تآمر بعض العرب الآخرين وعمالتهم ووقوفهم إلى جانب الصهيوني في مواجهة أبناء أمتهم.

قبل الوصول إلى هذه الخلاصة كان يمكن التعجب من حقيقة أن المانع الوحيد أمام تكرار أبطال فك الحصار لتجربتهم الشجاعة هو التكاليف المادية الباهظة التي ينبغي تأمينها لتغطية نفقات الرحلة، أما الآن فيمكن القول إن هؤلاء الأبطال باتوا محاصَرين في مشروعهم، تماماً كما هو الشعب الفلسطيني في غزة محاصر بلقمة عيشه.

هل هناك من مهزلة أكبر من أن نكون، نحن العرب، من يمنع الآخرين من التضامن مع قضايانا؟

هل هناك من مأساة أكبر من كوننا نقتل أنفسنا بأيدينا.. خدمة لعدونا؟
محمود ريا

الأحد، سبتمبر 07، 2008

الشمس طالعة والناس (قاشعة)

ظن البعض أنهم من فصيلة الفيلة، وأنهم بإمكانهم أن يحجبوا نور الشمس بحجمهم، وأنهم يقبضون على القدر، فيسيّرونه كما يشاء، فانتفخوا.. وانتفخوا.. وانتفخوا.. حتى انفجروا، وعادوا كما هم بحجمهم الحقيقي، غير مرئيين، أو غير محسوبين.

قد تكون هذه مصيبة، ولكنها تبقى مصيبة سهلة ومحمولة أمام المصيبة الأكبر، وهي أن هؤلاء لم يروا حجمهم الطبيعي.. وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على إخفاء الشمس برؤوس أنوفهم.
يطلقون كلمات هي كالنكات، و"يقبضونها جد"، ويا ويل من لا يتعامل مع كلامهم على أنه جزء من المقدسات، بل يا ويل من يجرؤ على القول لهم: يا جماعة، أنظروا إلى الشمس فهي مشرقة، وانظروا إلى الناس فإنها ترى كل شيء (رحمك الله يا جدتي، فقد كنت ترددين دائماً: الشمس طالعة والناس قاشعة).

تلقوا الصفعة تلو الصفعة، و"شربوا المقلب" وراء المقلب، ولكنهم لم يرعووا بعد، ولم يعرفوا حقيقة أنهم بكل ما يقومون به لا يمكن أن يغيروا حرفاً من المكتوب، فـ(المكتوب ما منه مهروب).

أجمل نكاتهم تلك التي تعتبر أن لا شيء يتحرك في الكرة الأرضية إلا بإذنهم، أو بعد رضاهم، وبعد أن حصلت العواصف حولهم أحسوا ببعض ريحها، فصاروا يعتقدون ان لا شيء يتحرك في الكون.. إلا بعد أخذ رأيهم.

تلقوا الصفعة تلو الصفعة، وما زالوا غافلين، كأنهم مخدرون، أو كأنهم ينتظرون.

ماذا ينتظرون؟

لو أن لديهم القليل من الإدراك لاستقرأوا الماضي البعيد والماضي القريب.. السنوات الماضية والأسابيع الماضية، ولعرفوا أن ما ينتظرونه ليس أكثر من وهم، من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.

لو أن لديهم قليلاً من الواقعية لعرفوا أن وزيراً فرنسياً لن يأتي إلى لبنان ليسألهم رأيهم في ما سيفعله رئيسه في دولة أخرى، لأن رئيسه ذهب إلى هناك بحثاً عن مصلحة بلاده، وليس من أجل مصلحة أحد، أياً كان، وبالتحديد هؤلاء الواهمين.

لو كانوا يعلمون أن جدتي قالت منذ زمن (من جرّب المجرب كان عقله مخرّب).
محمود ريا

الأربعاء، سبتمبر 03، 2008

الشهر الكريم و"السياسة"


هل من المسموح الحديث عن شهر رمضان في زاوية "سياسية"؟

سؤال تبادر لذهني وأنا أحضّر لكتابة هذه الزاوية، فإذا الصور تتداعى إلى ذهني، عن أهم الإنجازات التي حققها المسلمون في هذا الشهر المبارك بالتحديد، ما يجعل الحديث عن "التوقيت" وحده يدخل في إطار الترابط بين الشهر الكريم و"السياسة"، فكيف إذا كان الحديث عن الدور الذي كان لهذا الشهر في تحقيق هذه الإنجازات، والمعنويات التي يزرعها في نفوس المبادرين لتحقيق نقاط مضيئة في تاريخ الأمة، والفرص الروحية التي تنطلق منها النفوس المؤمنة لجعل بعض المستحيل ممكناً، لا بل جعله أسهل من السهل الذي يمكن تحقيقه في الشهور الأخرى.

هذا الترابط بين الشهر الكريم وانتصارات كبرى عاشتها الأمة يدفع إلى السؤال: لماذا لم تتعدد الإنجازات التي شهدناها في هذا الشهر، وهل ما حصل فيه كان استثناءً للقاعدة التي تقول بأن شهر الصيام يفرض نفسه جوعاً وعطشاً وربما كسلاً على الناس.. فتخفت أصواتهم وتخفّ إنجازاتهم؟

أم أن المشكلة في الناس الذين يستفيدون من الفرصة المعنوية والروحية ـ وحتى الجسدية ـ التي يؤمّنها هذا الشهر للذين يعيشونه كما يجب، فينجحون أحياناً باستغلال هذا الدفق الخارج عن المعروف، ويفشلون أحياناً أخرى.

إن معركة كمعركة بدر، والإسلام كان ما يزال غريباً في تلك الصحراء الشاسعة، وفي شهر رمضان المبارك بالذات، تدفعنا إلى البحث بجدية عن انعكاسات كون حصولها في هذه الأيام الربّانية سبباً في النتائج التي وصلت إليها.

ومع اليقين الذي يجب أن يكون متوافراً بهذا الترابط، يصبح التقصير في دراسة كل الفرص المتاحة لربط هذا الشهر المبارك بمصير الأمة (بما يحويه هذا المصير من معانٍ عديدة منها المنحى السياسي) جريمة كبرى لا يمكن قبولها.

شهر رمضان فرصة إلهية للأمة الإسلامية، فليكن شهر البحث عن مصيرها المشرق، وشهر الانتصار لقدسها ولمقدساتها، حتى نكون من العقلاء الذين لا يضيّعون ما لديهم من قوة وهبها الله لهم.
محمود ريا

الأحد، أغسطس 31، 2008

الولايات المتحدة وضعت رجلها على طريق الانهيار









"الصحافي اللبناني محمود ريا لـ"الحقيقة الدولية
الولايات المتحدة وضعت رجلها على طريق الانهيار و"إسرائيل" ثغرة وعبئ عليها


إبراهيم عرب
وجد الصحافي اللبناني المتخصص في الشؤون الدولية محمود ريا أن الولايات المتحدة الأميركية وضعت رجلها فعلاً على طريق الانهيار، وهي عاجزة عن التراجع خطوة واحدة إلى الوراء. وقال في حوار مع "الحقيقة الدولية"، إن الكيان الصهيوني يشكل ثغرة حقيقية في جدار التماسك الأميركي تجاه العالم، لافتا الى ان "ولايات متحدة بلا عبء صهيوني" قد تكون قادرة على تحقيق أهدافها بطريقة أفضل بكثير من هذه "الولايات المتحدة" التي تعاني الكثير من جراء الوضع الجيو استراتيجي والعسكري الشاذ الذي يشكله وجود الكيان الصهيوني على رأس حلفاء الولايات المتحدة. وفي مايلي نص الحوار:


1- أظهرت الأحداث الأخيرة في عدد من دول العالم، وبخاصة في لبنان وسوريا والعراق وأفغانستان وجورجيا وفلسطين المحتلة وكوريا الشمالية وإيران، تراجعاً كبيراً في النفوذ والقوة الأمريكية والإمساك بهذه الملفات الحساسة، ماهي أسباب هذا التراجع، وهل من دور للإنتخابات الرئاسية الأميركية في هذا الإطار؟

يبدو الحديث عن تراجع أميركي شامل في انحاء العالم مدعاة للتشكيك من قبل البعض، وفرصة للبحث عن شواهد ملموسة من قبل البعض الآخر، حيث يقول القسم الأول إن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال قوية جداً، بل هي ما تزال الدولة الأقوى في العالم، ولذلك فإن بروز بعض مظاهر الضعف هنا أو هناك يعتبر أمراً طبيعياً، ولا يؤدي إلى الأخذ بـ "المبالغة" التي تتحدث عن انهيار أميركي، أو حتى عن تراجع في نفوذ الولايات المتحدة على مستوى العالم.
ويستند هذا الفريق في دعواه على كون الولايات المتحدة تمسك بمعظم "أوراق اللعب" في أنحاء العالم، وقواتها منتشرة في أربع أرجاء المعمورة، وبوارجها تمخر عباب البحر من أقصى المحيطات إلى أقصاها، وكذلك فإن الجيوش الأميركية منتشرة في أكثر من بقعة في أنحاء العالم، ولا سيما في المناطق الحساسة استراتيجياً واقتصادياً كوسط آسيا ( أفغانستان) والشرق الأوسط (العراق)، إضافة إلى التواجد المباشر في أكثر من منطقة من الكرة الأرضية.
لا بل أن هذا البعض يشير إلى أن الولايات المتحدة تقوم بتحركات هجومية اندفاعية على أكثر من صعيد، ويعطون مثالاً على ذلك ما حصل في أوروبا الشرقية على صعيد توقيع معاهدة نشر الدرع الصاروخية، مع ما يعنيه ذلك من قدرة لدى الولايات المتحدة على الإخلال بالتوازن الاستراتيجي (الهش أصلاً) مع روسيا على صعيد استخدام القوة الصاروخية النووية.
كل هذه المعطيات لا ينكرها الذين يبحثون عن دلائل لوجود تراجع في موقع الولايات المتحدة الأميركية في العالم، وإنما هم يضعون بعض "الظلال" على البريق الذي يحاول مؤيدو الرأي الأول أن يضفوه على الصورة الأميركية.
وفي بحثهم عن أدلة تسمح لهم بتخفيف حجم الهالة التي تعمل الولايات المتحدة على وضعها حول صورتها، يعرض أنصار الرأي الثاني معطيات صارت معروفة للقاصي والداني، كالتراجع الذي يشهده الاقتصاد الأميركي (بصفة إجمالية)، والمشاكل التي تعاني منها القوات الأميركية في العراق على المستوى العسكري، وما يلحق بذلك من اضطراب في القدرة الأميركية على السيطرة على الحراك السياسي العراقي، ولا سيما على صعيد محاولة فرض اتفاقية بقاء القوات الاميركية في العراق، وانفضاض الحلفاء عن القوة العسكرية الأميركية في أفغانستان، مع ما يعنيه ذلك من ترك للجنود الأميركيين وحيدين يصارعون أعداءهم على الأرض الأفغانية، وصولاً إلى ما يتعرض له حلفاء الولايات المتحدة في أماكن كثيرة في العالم من ضغوط تدفعهم إلى التراجع عن الانجازات التي حققوها سابقاً، سواء في جورجيا أو في أوكرانيا أو في لبنان وفلسطين وغيرها من مناطق العالم، ويضاف إلى ذلك صعود نجم الشخصيات والقوى المناهضة للولايات المتحدة في اميركا الجنوبية والوسطى، وفي بعض الدول الأفريقية والآسيوية.
وإذ يعرض أنصار هذا الفريق كل هذه الحقائق فإنهم يعتبرون أن الولايات المتحدة تعاني من ضغوط كبيرة في سياستها الخارجية، دون أن يعني ذلك أن الإدارة الأميركية بوارد الاستسلام لهذه الضغوط والركوع أمامها، وإنما هم يرون أن واشنطن تملك دائماً القوة على الالتفاف على المشاكل التي تتعرض لها من خلال اعتمادها البراغماتية في التعامل مع المشاكل الدولية، ومن خلال التخلي عن الحلفاء الضعفاء والعمل على مد الجسور مع الأعداء الأقوياء.
إلا أن هناك فريقاً ثالثاً يتبنى رؤية مغايرة للرؤيتين السابقتين، وهذا الفريق يملك تصوراً "متطرفاً" يقول إن الولايات المتحدة باتت فعلاً على حافة الانهيار، كامبراطورية عظمى على مستوى العالم، وربما كدولة كبرى في إقليمها، وذلك انطلاقاً من معطيات عديدة يمكن إجمالها على الشكل التالي
ـ الولايات المتحدة إمبراطورية، وكل إمبراطورية مصيرها الاضمحلال بعد وصولها إلى ذروة قوتها، وقد وصلت واشنطن إلى هذه الذروة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكان يمكنها البقاء في قمة العالم لفترة طويلة لولا أنها ارتكبت جملة من الخطاء المصيرية التي جعلتها تفقد هذه الميزة الاستراتيجية بسرعة، كمحاولة فرض الهيمنة على دول العالم، والاصطدام بقوى إقليمية ناهضة بدل محاولة استيعابها والتقوي بقوتها، إضافة إلى خطيئة التعامل مع أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001 وما تبعها من غزو دموي لأفغانستان ثم العراق.
ـ لقد شكل غزو هاتين الدولتين شهادة إعلان إعاقة للقوة العسكرية الأميركية العظمى، إذ بيّنت الوقائع على الأرض أن هذه القوة التي تمتلك ما لا يمكن إحصاؤه من الأسلحة عاجزة عن حسم حربين "صغيرتين" يواجهها فيهما تنظيمات لا تملك أسلحة متطورة ولا جيوشاً جرارة ولا رؤى استراتيجية عالمية، ما جعل الحديث عن القوة الأميركية التي لا يمكن مقاومتها محل شك بل محل سخرية واستهزاء على مستوى العالم ككل.
ـ انتهجت الولايات المتحدة سياسات غير حكيمة في التعامل مع العديد من الأزمات الدولية الكبرى، ومنها أزمة الملف النووي الإيراني، وأزمة جورجيا مؤخراً وأزمة الملف النووي الكوري الشمالي. وإذا كانت الإدارة الأميركية قد حققت بعض الانجازات في عدد من هذه الملفات (تفكيك المنشآت النووية الكورية، إيصال موالين لها في جورجيا إلى الحكم..)، فإنها عادت وخسرت كل هذه الانجازات من خلال حشر القوى المقابلة ودفعها إلى اتخاذ مواقف متشنجة أجهضت كل ما حققه الأميركيون.
ـ شكلت محاولة الولايات المتحدة بناء شرق أوسط جديد وسيلة لجعل الشعوب تقتنع بالقدرة الأميركية على إعادة "قولبة" العالم وفق الرؤية الأميركية. وقد مارست الإدارة الأميركية ضغوطاً كبيرة لبناء الشرق الأوسط الجديد وصلت إلى حد تأييد كل الجهود الصهيونية الهادفة إلى القضاء على قوى المقاومة في المنطقة العربية، ولاسيما في فلسطين ولبنان، ووقفت بقوة وراء الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006 ولم تتورع وزيرة الخارجية الأميركية غونداليزا رايس عن اعتبار تلك الحرب قاعدة قيام الشرق الأوسط الجديد والموعود. لقد شكّل فشل هذه المحاولة بعد الهزيمة المروّعة التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية على أيدي المقاومين اللبنانيين انتكاسة خطيرة لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وثم جاءت التطورات السياسية اللبنانية التي تبعت تلك الحرب لتمنع الولايات المتحدة من تثبيت مشروعها السياسي في لبنان وبالتالي لتلغي واحدة من اهم القواعد الأميركية في المنطقة. كما يمكن الحديث هنا وبقوة عن التغييرات غير المتوقعة التي حدثت على الساحة الفلسطينية، والتي جعلت المخططات الأميركية بعيدة عن الواقع وسابحة في فضاء النظريات العقيمة.
إزاء كل هذه الوقائع، وما استجد بعدها وما كان قبلها، يؤكد أصحاب هذه النظرة لواقع الولايات المتحدة ـ وأنا منهم ـ أن الولايات المتحدة الأميركية وضعت رجلها فعلاً على طريق الانهيار، وهي عاجزة عن التراجع خطوة واحدة إلى الوراء.

2- هل يؤشر هذا التراجع مع تعاظم النفوذ الروسي الظاهر والقوة الصيني وقيام الإتحاد الأوروبي على عالم متعدد الأقطاب، وما هو المطلوب من دول العالم الثالث (الدول العربية والإسلامية تحديداً)؟

إن النظر إلى واقع العلاقات الدولية الحالي، والتوازنات الاقتصادية والسياسية والعسكرية القائمة، يسمح بالقول إن صعود قوى دولية معينة (الصين والهند) واستيقاظ قوى أخرى كانت في سبات (روسيا وبعض الاتحاد الأوروبي) هو مؤشر حقيقي على أننا بتنا في مرحلة قيام عالم متعدد الأقطاب لا وجود فيه لقوة واحدة مهيمنة هي الولايات المتحدة الأميركية.
ما حدث في جورجيا مؤشر لذلك، وما يعانيه الاقتصاد الأميركي أمام الصعود المتواصل للعملاق الصيني دليل آخر، وما تخبئه الأيام القادمة من مؤشرات لحروب باردة متعددة الوجوه والأطراف هو إشارة إلى أن العالم بات فعلاً في مرحلة إعادة التشكّل.
إن الدول جميعها مدعوة لأن يكون لها دور في رسم الخارطة الجديدة للعالم، والدول النامية تملك إمكانيات كبيرة كي تكون جزءاً من القوى الفاعلة على المستوى الدولي، هذا في حال قررت أن تأخذ مكانها الحقيقي بين الأمم.
أما الدول العربية فهي مبتلاة بعدم النظر إلى كل هذه الحقائق، وهي تضع بيضها في سلة واحدة دون أن تنظر إلى مصير هذا البيض، وحتى إلى مصير السلّة نفسها.

3- إلى أي حد شكل الإنحياز الأميركي الأعمى لكيان العدو الصهيوني ضرراً في السياسة الخارجية الأميركية وكان له آثار على تراجع الدور الأميركي وتردد الحلفاء في مواكبة الأطماع الأميركية؟

يشكل الكيان الصهيوني ثغرة حقيقية في جدار التماسك الأميركي تجاه العالم وفي آلية التواصل الأميركية مع القوى العالمية، وبقدر ما يمكن اعتبار "إسرائيل" قاعدة متقدمة للهيمنة الأميركية في "العالم القديم"، فهي باتت تشكل عبئاً على الإدارة الأميركية، نظراً للضعف الذاتي والموضوعي الذي بات يتّسم به هذا الكيان.
إن "ولايات متحدة بلا عبء صهيوني" قد تكون قادرة على تحقيق أهدافها بطريقة أفضل بكثير من هذه "الولايات المتحدة" التي تعاني الكثير من جراء الوضع الجيو استراتيجي والعسكري الشاذ الذي يشكله وجود الكيان الصهيوني على رأس حلفاء الولايات المتحدة.

الجمعة، أغسطس 29، 2008

صاعدة بلا توقف


كما كان الافتتاح، كذلك الختام، حفل مهيب، ملي بالرموز التي لم يتأخر العالم في التقاطها، وهو يرى القوة الصاعدة.. صاعدة بلا توقف.
سلّمت بكين الراية الأولمبية إلى لندن، و"أهدتها" همّ العمل من أجل تقديم حفل أفضل، أو على الأقل حفل يتناسب مع بعض ما قدمته الصين للعالم في أولمبيادها، ولكن ما وضعت العالم أمامه أكبر بكثير.
لم يعد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب مزحة، ولا صارت الإشارة إلى القوة الآسيوية الصاعدة أمراً نادراً، ولا حتى الحديث عن يوم سيأتي وتكون فيه الصين أقوى من الولايات المتحدة عاد أمراً مستهجناً.
لقد قدمت الصين في سبعة عشر يوماً كل الدلائل على أنها تسير بشكل حثيث لتكون كل ذلك وأكثر، بالخمسين ملياراً من الدولارات التي دفعتها لتحضير البنية التحتية اللازمة لاستضافة الألعاب الأولمبية، وبحفلي الافتتاح والاختتام اللذين أذهلا البشرية، وبالذهبيات الخمسين التي اختطفها رياضيوها، ما وضعها على رأس لائحة الميداليات الذهبية لأول مرة في تاريخها.
ولكنها قدمت أيضاً خلال هذه الأيام وقبلها وبعدها أكثر من دليل على أنها تسير في خط تصاعدي لا يتوقف، سواء على مستوى الاقتصاد، أو على مستوى السياسة العالمية التي كان لها منها أكثر من موقف لافت ومميز.
فالصين وقفت بوجه قرار إحالة الرئيس السوداني إلى المحكمة الدولية بشأن دارفور، والصين اتخذت موقفاً ممالئاً لروسيا في ما قامت به في القوقاز، ودفعت قمة دول منظمة شنغهاي في دوشنبه لاتخاذ موقف مؤيد بقوة لروسيا في "جهودها لمعالجة الموقف في جورجيا"، والصين تبرز في أي مكان تكون فيه الولايات المتحدة في موقف المتراجع والمربك.. والمحبط.
فهل بدأت الصين تعلن عن نفسها، بعد طول عمل بالخفاء، وهل كان حفلا بكين هما إعلان انطلاق "المسيرة الكبرى" نحو "صين عظمى"، أم أن علينا أن ننتظر بعض الوقت كي نصل إلى مرحلة البحث عن معالم الحرب الباردة الحقيقية بين الولايات المتحدة.. والصين؟
محمود ريا

الأربعاء، أغسطس 27، 2008

من يبدّد الظلمة؟



يقف الإنسان مع نفسه ليسأل: هل هذه هي الأمة التي يمكن الافتخار بالانتماء إليها؟
يستعيد التاريخ، فيرى البطولات والأمجاد، ويأتي إلى الواقع لتتغير الصورة لديه.
من أين يأتي بالفخر؟
من حصار يشدّده بيديه على نفسه، فيقطع عن أبنائه الطعام والدواء، ويعزلهم في قطاع غزة إرضاءً للسيد الصهيوني؟
أم من تداعي الأمم على هذه المنطقة فلا من يصدّ ولا من يردّ، حتى أصبحنا مثالاً لردّ الفعل، واستثناءً للإقدام والفعل بين الشعوب؟
أم من حضور غير فاعل في كل المحافل، فنذهب ونعود كأننا لا كنّا ولا حضرنا، وما أولمبياد بكين عنا ببعيد.
أم من فقر وأميّة وانحدار أخلاق وتخلّف صناعة وزراعة، فيما آلاف المليارات تتدفق بين أيدي بعض الأمة يلهون بها ويقيمون من المشاريع ما لا يسدّ رمقاً ولا يقوّي استقلالاً ولا يجلب عزة وكرامة.
من أين نأتي بالفخر؟
من زعماء لا يعرفون إلا كلمة نعم في مواجهة السيد الأجنبي، ولا يفهمون لغة للتعامل مع شعوبهم إلا القهر والظلم؟
من نُخَب لا ترى إلا مصالحها الذاتية الضيقة، فلا تنظر إلى الأمام ولا تضحّي من أجل بلادها ومجتمعها ومبادئها؟
من فراغ يسود عالم الإبداع والإنتاج والرقي والتقدم، أم من صدأ يعتلي الأسلحة المكدسة بلا هدف إلا إرضاء الصانع والتهويل على أبناء الوطن؟
من سواد يلف الإعلام المتلهي بما يلمع دون أن يكون ذهباً، أم من جفاف يضرب آبار الطاقات الشابة التي باتت لا تؤمن بأوطانها ولا تعمل في سبيل إثبات ذواتها في ساحات التحدي؟
قد يكون أولمبياد بكين، والنتائج العربية المخيّبة هناك، ما أثار هذه الأسئلة، ولكن المسألة أعمق من ذلك، إنها مسألة مسار لا يقود إلا.. إلى الهاوية.
يبقى الأمل في نهضة نعيش أنوارها في مقاومة صامدة في لبنان وشعب صابر على قهر الصهاينة في فلسطين، ومجتمع يحاول الخروج من ربقة الاحتلال الأميركي في العراق.
إنه أمل كبير، ولكن الظلمة التي تعمّ الأمة بحاجة إلى أكثر من بقعة ضوء.
محمود ريا

السبت، أغسطس 23، 2008

يا أحمر الخدّين




"الصاروخ الإيراني إلى الفضاء فشل فشلاً ذريعاً"
كان هذا هو التقييم الذي قدمه عدد من المسؤولين الأميركيين للقفزة الإيرانية العملاقة إلى الفضاء الخارجي من خلال تقنية إيرانية خالصة وخبرات محلية لم يدخل عليها أي مكوّن أجنبي.
إنها الوسيلة الأميركية الجديدة للهرب من الواقع والعيش في أجواء من الوهم المصطنع، خوفاً من وقع الحقيقة على المسؤولين الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل صدمات جديدة، إثر ما عانوه في أكثر من منطقة في العالم، لعل آخرها الضربة الروسية القاصمة في جورجيا، وما عنته من انهيار في الاستراتيجية الأميركية في القوقاز، وربما في العالم كله.

لقد قال الإيرانيون إن التجربة نجحت، وهم يستعدون لإطلاق قمر اصطناعي حقيقي خلال المرحلة المقبلة، وأكدوا أنهم مستعدون للتعاون مع الدول العربية والإسلامية لإطلاق أقمار اصطناعية لهذه الدول، وذلك في إطار استراتيجية فضائية إسلامية متكاملة.
.. قال الأميركيون إن التجربة كانت فاشلة تماماً، ولكنهم لم يتورعوا عن إطلاق صيحات الإنذار والاستنكار، وتهييج وسائل الإعلام وتحريك المحللين و"الباحثين" للحديث عن خطورة الخطوة الإيرانية وتداعياتها المستقبلية، والأخطار التي يمكن أن تشكلها على "السلام العالمي".
هي خطوة باتجاه الفضاء، وهي خطوة سلمية تماماً، وهي خطوة علمية لا تحمل أي تجربة عسكرية، فما دخل السلام العالمي في ذلك؟!
وإذا كانت "خطوة فاشلة" حسب التقييم الأميركي، فلماذا يعطيها الأميركيون هذا القدر من الأهمية، ويثيرون حولها هذا الكم من الغبار؟
إذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن العالم الذي بُهر بالافتتاح الأسطوري لأولمبياد بكين، "كاد يموت من الضحك" وهو يرى وسائل الإعلام الأميركية تتبارى في "الكشف" عن ثغرات الافتتاح، وأهمها أن طفلة غنّت مكان طفلة أخرى، وأن بعض الألعاب النارية كانت محضّرة سابقاً.

إنه التعبير عن العجز أمام تطورات تذهل الأميركيين وتدفعهم للبحث عن أي شيء، لتحصيل بعض المعنويات الوهمية.
المثل العامي يقول: لم يجدوا عيباً في الورد فقالوا له: يا أحمر الخدّين.
محمود ريا

الأربعاء، أغسطس 20، 2008

التفاهم والأصوات الرافضة

كلما وُقّعت وثيقة تفاهم في هذا البلد ارتفعت أصوات الفتنويين.. وانحسر أثرهم.
الأصوات المعترضة التي صدرت من أكثر من جهة، تهاجم الوثيقة التي وُقّعت بين حزب الله ومجموعة أساسية من التيارات السلفية في لبنان تدل على مسألتين مهمتين:
الأولى: هي أن هذه الوثيقة أصابت مقتلاً من الذين لا يريدون لأبناء البلد أن يتفاهموا وأن يتقاربوا وأن يقضوا على الأجواء الملتبسة التي تسمح للفتنة بالنمو وبالاستفحال، إلى حدّ تهديد الوطن وأهله وكيانه.
الثانية: أن الضربة الثانية كانت أقوى بكثير من الضربة الأولى على رأس الذين يريدون عزل المقاومة وتحويلها إلى كيان منبوذ في البلد، بالرغم من أن الضربة الأولى المتمثلة بوثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، والتي وُقّعت في السادس من شباط/ فبراير عام 2006 لم تكن خفيفة الوقع، وإنما كان أثرها ثقيلاً على رؤوسهم إلى الدرجة التي جعلت من حياة الراغبين في عزل المقاومة مجموعة من الكوابيس المتنقلة التي لم تنتهِ حتى الآن.
ما يراه هؤلاء أن مساحة اللعب بالمشاعر، والبهلوانيات على الحبال المذهبية والطائفية والتحريض والنفخ والتهييج، والعبث بالثوابت الوطنية والمصالح العامة، من أجل تحقيق مصالح شخصية وانتخابية ضيقة، باتت مساحة قليلة المساحة، وهي تتقلص يوماً بعد يوم، وبالتالي فإن الأرض التي يقفون عليها باتت لا تسعهم، وهم مجبرون على اتخاذ خيار من اثنين: إما الانتقال إلى أرض الوفاق والتفاهم والتوحّد من أجل مصلحة الوطن، أو ترك الأرض وما عليها للوفاقيين الحقيقيين الذين يبذلون كل جهد من أجل إنقاذ الوطن مما يعتريه من مظاهر انقسام وتشتت.
الخيار صعب إذا كان قرارهم سيخرج من ذواتهم، أما في الواقع، وهم الذين لا يتحركون إلا عبر جهاز تحكم باللغتين العربية (المعتدلة) والإنكليزية (باللكنة الأميركية) فإن اتخاذا قرار بالانضمام إلى خط الوفاق والمصالحة الوطنية سيكلفهم الكثير عند أسيادهم، لذا تجدهم ينتفضون ليعلنوا بكل وقاحة رفضهم لوثيقة التفاهم وللتفاهم وللأطراف الذين وقّعوه.
كيف يستطيع شخص أن يجاهر برفض الاتفاق بين اللبنانيين؟
إنه سؤال جوابه واضح: إنه لا يريد مصلحة اللبنانيين.
محمود ريا

السبت، أغسطس 16، 2008

الشمس لا تغطى بغربال

من يَجُبْ في مجاهل شبكة الانترنت (القارة السابعة كما يسميها صديق فاعل ومخضرم في عالم الشبكة العنكبوتية) يصادف في منتدياتها أسئلة لا تخطر في بال، واتهامات تفوق الخيال، ومحاولات لا تحصى من أجل تغطية الشمس بالغربال.
من الاتهامات التي تصادفنا صبح مساء، وتستعمل كـ"إدانة" جاهزة للتشويش على مواقف حزب الله وخطه الجهادي المقاوم سؤال بريء الظاهر مشحون بألف خلفية وخلفية بالخفاء، ومختصر هذا السؤال: ما دام أن حزب الله هو حزب مقاوم ويدعو إلى المقاومة، فلماذا لا يتخذ موقفاً واضحاً من المقاومة العراقية، ويكتفي بإعلان تأييد المقاومة الفلسطينية دون غيرها من حركات المقاومة في العالم؟
ودائماً كان الجواب: لقد أعلن حزب الله أكثر من مرة، وعلى لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله شخصياً تأييده للمقاومة في العراق ولجهادها من أجل إخراج المحتل الأميركي، وأكد تأييده للمقاومة العسكرية تحديداً وللعمليات الحربية التي تشنها ضد قوات الاحتلال وآلياته، حتى لا يقول أحد ما إن السيد نصر الله قد يكون مع "المقاومة السياسية" التي يدعو لها البعض، دون أن يعلن تأييداً واضحاً للمقاومة العسكرية.
في خطاب مساء الخميس الذي أتى في ذكرى انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان على أعتى عدوان صهيوني في الرابع عشر من آب/ أغسطس عام 2006، قال السيد نصر الله كلمات واضحة، لا يأتيها الغموض من أمامها أو من خلفها أو من بين أيديها، كلمات تقطع كل جدل وتجبّ كل نقاش، وتجيب عن كل الأسئلة وتنفي كل الاتهامات ولا تُبقي بيد أي كاره للشمس وضَوْئها حجة ولا.. "غربال".
كانت هذه الكلمات كافية لتبديد الغبار المثار في عالم الانترنت، تزامناً مع غبار الواقع أيضاً، حول وقوف حزب الله إلى جانب الشعب العراقي ومقاومته البطلة في مواجهة الاحتلال الغاشم، والأمل أن يقتنع المستفسرون، أما المغرضون فلو قلت لهم ألف ألف كلمة، ودعمتها بألف ألف فعل فلن يقتنعوا، لأنهم ببساطة لا يريدون.
محمود ريا

الأربعاء، أغسطس 13، 2008

الدب الروسي يستيقظ وعلى العالم أن يستمع إليه الآن


كيف يمكن لحملة صغيرة أن تتحول إلى حرب عالمية؟
لم يعد العالم بحاجة لتخيّل الإجابة عن هذا السؤال، وهو يراها متجسدة في ما يحصل في القوقاز هذه الأيام.
ولكن يبدو أن صيغة السؤال تحمل خطاً منهجياً: من قال إن ما قامت به جورجيا عندما وجهت قواتها لاحتلال (أو إعادة السيطرة على) أراضي جمهورية (أو إقليم) أوسيتيا الجنوبية هو مجرد حملة صغيرة؟
ومن قال إن ما حصل هو من بنات أفكار ذاك الرئيس المغامر ميخائيل سكاشيفيللي الذي فتح نار جهنم على أوسيتيا ليتلقاها حمماً مدمرة على أكثر من مدينة من مدن بلاده؟
من الذي يستطيع أن ينفي المسؤولية الكاملة للولايات المتحدة الأميركية عما يحصل في تلك المنطقة الفسيفسائية من العالم، التي تحمل في طياتها العشرات من الصواعق التي يكفي تفجير واحد منها لتفجير القنبلة (الكرة) الأرضية؟
لقد أخطأ سكاشيفيللي الحساب عندما اعتقد أن أضواء الألعاب النارية التي أطلقتها بكين في افتتاحها للألعاب الأولمبية ستغطي على نيران القذائف التي أطلقها على العاصمة (المدينة الرئيسية) الأوسيتية تسخينفالي بهدف إخضاعها والقضاء على الحكومة الموالية لروسيا فيها.
ظن هذا الرئيس المهووس أن ما يقوم به سيمر بهدوء، وأن روسيا ستسكت عن هذا الخرق الفاضح للخطوط الحمراء التي زرعتها حول مقتضيات أمنها القومي، فجاء الرد على مستوى الأمن القومي الروسي، أي على مستوى حرب باردة جديدة تكاد نارها تستعر مهددة باحتمالات خطيرة لا أحد يعرف مداها.
أين الدور الأميركي في كل هذا؟
ألم تكن الإدارة الأميركية على علم بالعملية الجورجية، أم إنها كانت تعلم وتهدف لإحراج الدب الروسي؟ أم أن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر؟
التوصل إلى إجابات حاسمة لهذه الأسئلة يحتاج إلى المزيد من الوقت كي تتضح الصورة، وربما هي تحتاج إلى انجلاء الغبار الذي يغطي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وكامل جورجيا، وربما منطقة القوقاز بكل تناقضاتها.
مسألة واحدة محسومة منذ الآن، وهي أن الدب الروسي كان يستيقظ، والآن أطلق صوته بأعلى ما يمكن، وعلى العالم أن يستمع إليه الآن.
محمود ريا

الخميس، أغسطس 07، 2008

حلم واحد


الأولمبياد ينطلق الجمعة، ومع انطلاقته تتوجه عيون مليارات البشر إلى العاصمة الصينية بكين، لمتابعة آخر ما شهده عالم الرياضة من تطورات، على صعيد بذل أقصى الجهود لتحصيل أكبر عدد من الميداليات.

ولكن مع هذه "النظرة الرياضية" إلى بكين، فإن كل عين ـ تقريباً ـ في العالم تنظر إلى الصين نظرة أخرى.

هناك من يراها من زاوية منفعة شخصية، أو أذى مادي يلحق بعمله نتيجة التدفق التجاري الصيني، وهناك من ينظر إليها كداعم على مستوى الموقف السياسي لبلده أو لحكومته، وهناك من يحاول أن يحلّ لغز هذه القوة العظمى التي لم يخبُ وهجها على امتداد التاريخ.

ولكن هناك من بين كل النظرات رؤية مختلفة، تحدّق في استاد "عش الطائر" الذي بنته الحكومة الصينية خصوصاً ليكون مكان افتتاح الأولمبياد، وترى فيه علامة على شيء ما، شيء يهدد وجود دولة كبرى، ما تزال حتى اليوم تتربع على عرش العالم.

ليس غريباً أن يشير استطلاع للرأي نشر قبل أيام في الولايات المتحدة إلى أن سبعين بالمئة من الأميركيين ينظرون إلى الصين كتهديد اقتصادي، وأن واحداً وخمسين بالمئة يرون فيها تهديداً عسكرياً.

الاستطلاع الذي وضع خلاصة له مفادها أن "الأميركيين متنبهون لتنامي الصين اقتصادياً وعسكرياً" يعكس جانباً من القلق الذي يسود الإمبراطورية الأميركية من ظهور منافس حقيقي يتمتع بإمكانيات عظمى على المستويات البشرية والمادية والعسكرية، وهو ما يزال في مرحلة الصعود، في حين أن الإمبراطورية الأميركية باتت ـ وفق رأي الكثير من المحللين ـ في مرحلة الانحدار والضمور، كمقدمة للسقوط والانهيار.

كل ما تقوم الولايات المتحدة من إثارة وتحرشات لتشويه صورة الأولمبياد الصيني لن تفلح في إخفاء الحقيقة، وهي أن الصين تحقق نجاحات كبيرة في تحقيق الشعار الذي وضعته لهذا الأولمبياد وهو: "عالم واحد، حلم واحد"، وهو عالم يحمل حلماً واحداً هو إنهاء الهيمنة الأميركية.
محمود ريا

الثلاثاء، أغسطس 05، 2008

السيادة.. والاحترام

أحب السيادة، ويعجبني منطق الدولة، وأكثر ما يستوقفني هو الغيرة على الدستور والقانون والمؤسسات.

وعندما أسمع من يتحدث عن كل ذلك، أقف بكل احترام للاستماع، فهؤلاء الذين يحملون هذا المنطق يعملون من أجل بناء بلد حر وسيد ومستقل.

هذا ما هو مفترض.
احترامي لأشخاص يطلقون هذه الشعارات يبقى مستمراً بالرغم من أنني أعرف كثيراً من تاريخهم، منه ما شاهدته وعشته وعانيت منه، ومنه ما قرأته في الكتب والجرائد وسمعت عنه من شهود عدول يوثق بهم وبما يقولون.

إلا أنني أصبح في موضع شك من موقفي عندما أسمع هؤلاء يتحدثون عن السيادة وهم يدعون إلى "تشليح" لبنان كل أسباب القوة، ويطالبون بالدولة وهم يعدّون كي يفقدوها سطوتها، ويتفاخرون بحبهم للوطن، وهم يرفضون الاعتراف بأي نصر حقيقي يحققه الوطن.

ويتحول شكي في ضرورة احترام مواقف المتحدثين عن السيادة دون قوة إلى شبه اقتناع بعدم إمكانية احترام هذه المواقف عندما أسمع بعض الأخبار الآتية من خارج البلاد وأقارنها بما حصل عندنا من عز وانتصار.

فقد رفض الكيان الصهيوني مثلاً السماح للسلطات الأردنية الإفراج عن عدد من الأسرى الأردنيين الموجودين في سجون هذه السلطات، بعد أن كانوا أسرى عند العدو، قبل أن تفرج السلطات الإسرائيلية عن أسرى فلسطينيين "ارتكبوا الجرائم نفسها التي ارتكبها الأسرى الأردنيون، أو قبل الإفراج عن الجندي الصهيوني الأسير في غزة جلعاد شاليط".

هذه دولة سيدة حرة مستقلة لا تسمح لشعبها أن يرفع رأسه في وجه الاحتلال الصهيوني ومرتبطة باتفاقية سلام معه، وهكذا يعاملها العدو، يذلّها ويحتقر حكومتها ويمنعها من تنفيذ قراراتها.

والذين يدّعون السيادة في بلدنا يأخذون الدولة الأردنية وغيرها من دول الاعتدال كمثال للدولة السيدة المتحكمة بقراراتها وبمواطنيها وبمستقبلهم ومستقبلها.

أما نحن فحررنا أسرانا رغماً عن أنف هذا العدو الذي أذلّ غيرنا بقوة مقاومتنا.

أي مقارنة هذه؟

أشعر أنني فقدت أي احترام لمواقف الذين يدعون إلى هذا النوع من السيادة.. ولأشخاصهم أيضاً.
محمود ريا

السبت، أغسطس 02، 2008

خديجة والمعبر


ييأس العرب من وضعهم، وتجبرهم مصائبهم الآتية على نسيان ما سبق من مصائب، فتتراكم النصال على النصال، وتسحب صرخة الألم من الوجع الأول، صرخة الوجع الآخر في صوت واحد لا يكاد يخفت.

يعيش العرب بعض الأحداث التي تنهش في لحمهم وهم في موقف المتفرج، يرون الوحش يفترسهم، وهم ينظرون بعيونهم، يسمعون صوت العدو في آذانهم، وهم يحللون، يتراكم عدد قتلاهم، وهم يحملون القلم والورقة، يحسبون ويجمعون ويطرحون.

ما معنى أن تموت الضحية التي تحمل الرقم مئتين وواحد وعشرين على معبر رفح، بعد منع سلطات العدو لها من السفر إلى الخارج للعلاج المفقود في قطاع غزة؟

ما معنى أن يصبح عدد الضحايا بهذا الرقم منذ عام، حين فرض الحصار الشامل على القطاع المنكوب؟

ما معنى أن تكون الضحية امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عاماً وتحمل اسم (خديجة جمعة العصار)؟

هل سمع أحدكم باسمها قبل الآن، هل سيسمع به بعد الآن، هل يعني هذا الاسم لأحد ما شيئاً؟

لا شيء.. لا معنى، ولا اهتمام ولا التفات.

بات الحديث بهذا الموضوع بلا معنى، ما دام القادة العرب منصرفين إلى قضايا أكبر بكثير، من مشرق الأرض العربية إلى مغربها، توريثاً وتثبيتاً للأنظمة، وبحثاً عن مزيد من الثروات والمتع والأفراح والمسرّات.

بات تعداد الضحايا بلا نتيجة ما دامت أمة الثلاثمئة مليون ويزيد تفكر بقضايا جزئية، وتحلم بمنافع شخصية، وتعاني من مشاكل فردية.
استهلكتنا الأرقام، أثخنتنا الجروح، أعمانا منظر الجثث، فبتنا لا نحس ولا ننظر إلى ما يحصل في ذلك القطاع المعزول.

هل نحن عرب، وهل هم عرب؟

هل هكذا يكون المسلمون؟

رحمك الله يا خديجة... فهل سيرحمنا على تقصيرنا بحقك؟
كتب محمود ريا

عبيه.. من التاريخ إلى المستقبل



الزيارة إلى عبيه التاريخية.. تاريخية


تشعر وأنت "تمتطي" الجبال صعوداً أنك تغوص في السنوات، وصولاً إلى أيام ما تزال مسجلة على صفحات الكتب، بالسيف والقلم، المدرسة والمطبعة، المقاطعات والقائمقاميتان والمتصرفية، ولبنان الكبير، ودولة الاستقلال، وما كان قبل كل ذلك، وما جاء بعده.


كل هذه المحطات في عبيه، تصبح ماضياً، مع الحدث الذي يسم الحاضر ويتوقع له أن يرسم المستقبل.
الحدث في عبيه هذه الأيام بيت دافئ، فيه من حنان الأم ما يشع على ثلاثين سنة من الصبر، وفيه من شوق الإبن ما يتخطى ثلاثين عاماً من الانتظار.


في عبيه اليوم قوافل تترى، وزوار بعد زوار، وشاب لم تهزم روحه سنوات السجن، يقف منتصب القمة، مرفوع الهامة، يحمل حبه لأرض الزيتون المقدس، ويرحب بالقادمين وفوداً للسلام عليه.


الشاب العائد بعد غياب لا يكلّ ولا يملّ، يسلّم، يقبّل، يستقبل، يرحّب، يحكي نتفاً من تجربة لا تنتهي حكاياتها، يقف، يسلّم، يقبّل، يودّع.. لتبدأ الدورة من جديد.


هو مسرور بمن يأتي إليه، ومسرور بالذين يذهب إليهم في مختلف القرى والدساكر والمدن على امتداد الوطن، يعبّر عن شكره لهم، للتفكير فيه، ولانتظاره، ولاحتضانه عندما أتى.


ولكنه مستعجل.. وينتظر أن تنتهي هذه الجولة الترحيبية كي يبدأ من جديد.


على ماذا يستعجل من قضى يعد الثواني في ثلاثين سنة، وهي تمر ببطء قاتل، بطء لا يوازيه إلا وقوف الزمن بلا حراك؟


قالها دون تردد: أريد أن ينتهي هذا كي أبدأ جولة أخرى من نضالي من أجل فلسطين.


في عبيه، حيث عبق التاريخ يعانق أريج الزهور ورائحة الصنوبر، تبدو الجولة الآتية قريبة جداً، ويبدو سمير القنطار كالفارس الذي لم يترجل هنيهة إلا ليمتطي جواده من جديد.
محمود ريا