‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عالمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عالمية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يوليو 13، 2012

استثمار في مستقبل الصين

 
يعمل العدو الصهيوني على التغلغل بهدوء وبشكل متصاعد في المجتمع الصيني، عبر الكثير من الوسائل، ومنها مراكز الدراسات


محمود ريا

خلال متابعة مراكز الدراسات العاملة في الصين، كانت المفاجأة.

في هذا البلد الكبير أكثر من عشرة مراكز دراسات تعنى بالشأن اليهودي، وبعلاقات الصين مع "إسرائيل"، وباليهود في الصين، وبكل ما له علاقة بما هو عبري، ثقافةً وسياسةً واقتصاداً وتاريخاً ومستقبلاً.

وتتمدد مراكز الدراسات هذه على بقعة جغرافية كبيرة جداً، متخذةً من الجامعات الكبرى في الصين مهداً لها.


فهذا معهد الدراسات اليهودية في جامعة مدينة نانكين، يقول التعريف عنه إنه درّب الكثير من الأشخاص الذين يحملون رتبة بروفسور، وهم يعلّمون الآن في مختلف أنحاء الصين. والمهم أن المعهد يملك حق منح شهادات الدكتوراه لطلابه.


أما مركز الدرسات اليهودية في شانغهاي فهو واحد من أهم المراكز الفاعلة في اختصاص "الثقافة اليهودية، التاريخ، و"إسرائيل المعاصرة".

وهناك مدرسة الدراسات اليهودية في جامعة هينان التي تمنح شهادات الماستر، ومركز الديانة اليهودية والعلاقات بين الأديان في جامعة شاندونغ الذي نشر أكثر من سبعين كتاباً وأربعمئة وأربعين ورقة بحثية وترجم حوالي ثلاثين كتاباً في اختصاصه المتركز على "الدراسات اليهودية"، خلال حوالي عشر سنوات.

وفي السياق نفسه يأتي مركز الدراسات اليهودية والصينية في جامعة سيتشوان للدراسات الدولية، والذي يعمل على "تقديم فهم أفضل للشعب اليهودي والثقافة اليهودية في الصين" كما يقول تعريفه.

يضاف إلى هذه المراكز مركز الدراسات حول العلاقات الدولية في جامعة يوننان، ومركز اللغة العبرية والدراسات الثقافية في مدرسة اللغات الشرقية في جامعة بكين، ومركز الدراسات اليهودية في أكاديمية هيلونغجيانغ للعلوم الاجتماعية، وغيرها الكثير من مراكز الدراسات.

هل من جديد في هذه المعلومات المفاجئة؟

لا يبدو أن هناك أمراً جديداً بشكل فعلي، فالصهاينة يجدون موطئ قدم في كل مكان، فلماذا لا يكون لهم ذلك في الصين؟


يعمل العدو الصهيوني على التغلغل بهدوء وبشكل متصاعد في المجتمع الصيني، عبر الكثير من الوسائل، ومنها مراكز الدراسات، وهذا ما عبّرت عنه الصفحة المخصصة بعرض عناوين مراكز الدراسات المتخصصة بإسرائيل واليهود في الصين. وتقول هذه الصفحة "إن قطاع الدراسات اليهودية في الصين ما يزال صغيراً، ولكنه مجال يتوسع بشكل دائم".

وليس أمراً مثيراً للدهشة القول إن الكيان الصهيوني يبذل جهوداً جبارة من أجل تنمية هذه المراكز ودعمها وتقديم كل التسهيلات لطلابها من الصينيين كي يتابعوا دراساتهم، أو كي يقوموا بدراسات تطبيقية في فلسطين المحتلة، في سياق دراساتهم في هذه المعاهد.

إنه بناء يقوم على مهل، دون ضجة، وبلا توقف، لجيل من الأكاديميين الصينيين الذين يتحوّلون إلى جزء من آلة دعائية كبرى للصهاينة في بلد المليار والنصف مليار نسمة، فضلاً عن إمكانية تحوّل هؤلاء الأكاديميين إلى موظفين ومن ثم مسؤولين في إدارات الدولة الصينية.

وهذا شيء طبيعي جداً.

الأمر غير الطبيعي موجود في مكان آخر، على الضفة الأخرى من الشرق الأوسط، عند العرب تحديداً.






 أي مراكز دراسات عربية موجودة في الصين، أو تنسّق مع الصينيين، وأي جيل صيني جديد متفهّم للقضايا العربية تبنيه هذه المراكز؟

أي مراكز دراسات عربية موجودة في الصين، أو تنسّق مع الصينيين، وأي جيل صيني جديد متفهّم للقضايا العربية تبنيه هذه المراكز؟

أي فرصة نضيّعها نحن العرب، بأموالنا وطاقاتنا، من أيدينا، من خلال استمرار تجاهلنا للعملاق الصيني الذي بدأ بالاستيقاظ؟

ألا يدري المتحكمون بالعالم العربي أن من يستثمر في مراكز الدراسات والأبحاث في الجامعات الصينية، هو يستثمر في مستقبل الصين، وبالتالي في مستقبل العالم ككل؟

هلاّ تعلّمنا من عدوّنا؟

السبت، يونيو 23، 2012

لافروف.. قومي يميني متطرف!


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.

محمود ريا
15-06-2012

 
خاب أمل الغرب بسيرغي لافروف.. كانوا يظنونه دبلوماسياً محترفاً، يقبل "الأخذ والعطاء" فإذا به في الأشهر الماضية يبدو كقومي يميني متطرف، لا يحسب للدبلوماسية أي حساب.

وزير الخارجية الروسي أمام "مقصلة" التقييم الغربي، ومن يقف أمام هذه المقصلة يكون قد تجاوز مرحلة إمكانية التغيّر، وصار في مرحلة التغيير.


ما نقلته إحدى الصحف اللبنانية قبل أيام حول لافروف ما هو إلا انعكاس لما هو موجود في الصحافة الغربية من صدمة تجاه الموقف الروسي من الوضع في سوريا، هذا الموقف الذي يعبر عنه لافروف بكل أمانة ووضوح.


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.


أما هذا التوجه الجديد، فهو ما يشغل بال الغرب، ويثير غضبه الكبير تجاه لافروف، وتجاه سيد الكرملين الجديد، فلاديمير بوتين، وتجاه روسيا كلها.


يقوم هذا التوجه على قواعد وضعها بوتين مع مجيئه إلى الحكم، خلاصتها أن عهد روسيا اليلتسينية انتهى إلى غير رجعة، وعهد روسيا "الكامنة" بدأ بالانحسار، وجاء عهد روسيا الفاعلة، روسيا القوية، روسيا التي تقرر ما هو المناسب لها في الداخل والخارج، دون "استعانة بصديق"، وخاصة إذا كان هذا الصديق عدواً في واقع الحال.


وهنا تكمن معضلة الغرب، في أن تقرر روسيا ما تريد، في موضوع الدرع الصاروخية، وفي موضوع علاقاتها مع دول "المحيط السوفياتي"، وفي تحالفها مع الصين، وفي علاقتها مع إيران، وفي موضوع التطورات في سوريا.


إنها أزمة كبيرة للغرب، الذي افتقد روسيا البراغماتية، روسيا التي تساوم على هذا الملف أو ذاك، مقابل امتيازات هنا وهناك، وروسيا المحدودة القوة، التي لا ترفع لواء الرفض لأي مشروع غربي، وإنما تحاور وتناور للحصول على أعلى حد من المكاسب.
وحتى عندما كانت تتشدّد روسيا في موقف ما، فالغرب يعرف أن هذا التشدد هو محاولة للحصول على ثمن أعلى مقابل تنازل أكبر، يحقق لهذا الغرب مصالحه، ويؤمن لروسيا بعض الاحتياجات التي كانت تبحث عنها.


وكان الغرب يظن أن الوضع ما يزال كما هو عليه.


من هنا، ملأ المسؤولون الغربيون الشاشات، والمحللون السياسيون الصفحات، بالحديث عن مرحلة تسلّم بوتين الحكم، بعد عودته رئيساً للبلاد، مبشرين بأن الموقف الروسي تجاه سوريا، وتجاه إيران سيتغير، لأن بوتين سيفاوض، وسيقبض ثمناً ما، وسيغيّر وجهة الأحداث.


وقد حصل ما توقعه الغرب، ولكن بصورة معكوسة: لقد تغيّر الموقف الروسي، باتجاه مختلف تماماً عن ذلك الذي ترغب به الكواليس الدبلوماسية الغربية، وانتقل التشدد الروسي من كونه رغبة في تحقيق مصالح روسية استراتيجية، إلى كونه تعبيراً عن إدخال موضوع سوريا في صلب السياسة الروسية الاستراتيجية، ما يعني أنه موضوع بات خارج إطار التفاوض، وبعيد عن المساومة، ولا مجال فيه للأخذ والعطاء.


إنها نكسة حقيقية للغرب، نكسة يعبّر عنها كل يوم بشكل جديد، ولعلّ آخر هذه الأشكال هجومه المباشر على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.


وهكذا بات الرجل، الذي كان شيوعياً ثم جهد لكي يتحول إلى "ديبلوماسي معاصر"، مجرد قومي يميني متطرف!


ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة

إنه ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة، روسيا فخورة بنفسها، قادرة وثابتة، يقودها قاهر للصعاب، لا سكّير طيّع ليّن لا يميّز بين ليل ونهار، ولا بين موسكو وواشنطن.

سياسة واشنطن تجاه بكين: ضعف وانعدام ثقة.. وخداع نفس

الصين تعلن بصراحة انزعاجها من التحركات الأميركية في "الملعب الاستراتيجي" الصيني، أي في الدائرة الاستراتيجية الأقرب إلى مصالح الصين وإلى أمنها القومي

محمود ريا
08-06-2012

 

"غياب التجانس بين الكلمات والأفعال علامة على الضعف وانعدام الثقة بل وحتى خداع النفس".

هذه الأوصاف هي خلاصة تقويم الأوساط الرسمية الصينية للسياسة الإستراتيجية الأميركية في منطقة آسيا ـ الباسيفيك، وربما في العالم ككل.

هذا التقويم جاء في مقال نشرته قبل أيام صحيفة الشعب الصينية، الصحيفة الرسمية التي تعكس دائماً وجهة النظر في المؤسسة الحاكمة الصينية، بعيداً عن اللهجة الدبلوماسية التي تعتمدها وزارة الخارجية الصينية في إصدار المواقف من الأحداث.
لقد جاء هذا الموقف الجديد ـ والمفاجئ بلهجته إلى حد ما ـ رداً على تعزيز الولايات المتحدة الأميركية لقواتها البحرية في المحيط الهادئ، وفي المناطق المجاورة للصين، ما جعل المسؤولين الصينيين يرفضون الادعاء الأميركي بأن هذا التكثيف للوجود العسكري لا يهدف إلى "احتواء الصين".

وهذا الموقف عبّر عنه باحث عسكري صيني اعتبر أن هذا الاتجاه الأميركي سيزيد مخاوف الناس من أن الولايات المتحدة تستخدم هيمنتها العسكرية للتدخل في سيادة دول المنطقة.

إذاً، الصين تعلن بصراحة انزعاجها من التحركات الأميركية في "الملعب الاستراتيجي" الصيني، أي في الدائرة الاستراتيجية الأقرب إلى مصالح الصين وإلى أمنها القومي. وخشية الصين تكمن في أن الولايات المتحدة تسعى إلى جعل الصين هدفاً ثابتاً لها، عبر إنشاء منظومة أمنية جديدة في المنطقة، تضم عدداً من الدول المجاورة للصين أو القريبة منها إلى حد مثير للقلق.

وتقوم الاستراتيجية الأميركية الجديدة على تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة، وذلك حسبما أعلن وزير الحرب ليون بانيتا خلال جولة له في المنطقة. وقال بانيتا، في مؤتمر صحافي عقده الأربعاء الماضي في مركز الدراسات الاستراتيجية والتحليل التابع لوزارة الدفاع الهندية: إن الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة ترتكز على وجود قوات المارينز الأمريكية في كوريا الجنوبية والتوسع فيما يسمى بالوجود الدوري لها في أوستراليا مع بحث إمكانية التوسع في كل من الفليبين واليابان.


إن هذا الانتشار الذي أقرّته استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة يعني وضع البرّ الصيني على بعد أقل من ساعتين من الطائرات الأميركية المتأهبة دائماً، سواء على متن حاملات الطائرات، أم في قواعد الدول التي بدأ بعضها برفع نبرة تحديه لبكين ـ كالفيليبين مثلاً ـ وهذا أمر لا يمكن أن تنظر له العسكريتاريا الصينية، ومعها السياسيون الصينيون، ببرودة أعصاب.

إن إجراءات عملية كهذه التي اتخذتها الإدارة الأميركية في منطقة الهادي ـ الباسيفيك هي التي تدفع الصين إلى اعتبار السياسة الأميركية سياسة منافقة، يغيب فيها التناسق بين الأقوال ـ التي تطمئن الصين إلى انعدام خطورة الإجراءات الأميركية ـ والأفعال التي تثبت أن استهداف الصين بالذات هو ما تعمل له الولايات المتحدة.

هناك من يرى أن ما تفعله الولايات المتحدة في شرق آسيا هو مجرد استفزاز للصين كي تدفعها إلى مفاوضات "بيع وشراء" حول العديد من الملفات الحيوية لأميركا في العالم، وعلى رأسها ملفات منطقة الشرق الأوسط، كالملف النووي الإيراني والملف السوري، بحيث تقوم بكين بتغيير مواقفها المعلنة ـ والمزعجة لواشنطن ـ من هذه الملفات، مقابل التخفيف من ضغط حاملات الطائرات الست التي تقرّر وضعها بشكل دائم في "الخاصرة الصينية".




الصراع بين الصين والولايات المتحدة هو أكثر جوهرية وعمقاً من خلاف مستجد على ملفات إقليمية يمكن إدارة الصراع فيها بطريقة أو أخرى.

إلا أن الأمور لا تبدو بهذه البساطة، فالصراع بين الصين والولايات المتحدة هو أكثر جوهرية وعمقاً من خلاف مستجد على ملفات إقليمية يمكن إدارة الصراع فيها بطريقة أو أخرى.

إنه صراع على المستقبل، صراع ليس فيه تسويات آنية، صراع من نوع: إما أن نكون نحن أسياد هذا العالم في المقبل من السنوات.. أو هم. وفي صراع من هذا النوع يصبح مفهوماً لماذا ترفع الصين يدها بالفيتو مرتين عند مناقشة الأزمة السورية في مجلس الأمن، وتهدد بالثالث وأكثر، ولماذا تزيد الصين من شرائها للنفط الإيراني ـ خلال الشهر الماضي مثلاً ـ بشكل دراماتيكي، في تحدٍّ واضح وصريح، يصل إلى حد الفجاجة، للعقوبات الأميركية والغربية على إيران.

فوق ذلك، يصبح أكثر وضوحاً معنى الكلمات التي استخدمتها الصحيفة الصينية الرسمية لوصف حال السياسة الأميركية، إنها سياسة تعاني من"غياب التجانس بين الكلمات والافعال"، وهذه "علامة على الضعف وانعدام الثقة بل وحتى خداع النفس".

الخميس، أبريل 05، 2012

جوبيه.. ومعادلات "خلاف المنطق"

إن مراعاة إسرائيل إلى درجة معاقبة أعدائها أمر "خلاف المنطق" سيؤدي بالتالي إلى نتائج لا منطقية، ليس أقلها كفر الناس بالقوانين الدولية التي يتنطّح أناس مثل جوبيه و"جماعته" لتطبيقها.

محمود ريا
10-02-2012
جميل ما قاله وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، جميل وواضح.
"لقد شددنا العقوبات على إيران في محاولة لمنع إسرائيل من شنّ هجوم عليها".
كلمات دقيقة، معبّرة، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، مفعمة بالمنطق، بل هي أشبه بمعادلة رياضية لا تُدحض، معادلة على شاكلة "واحد زائد واحد يساوي اثنين"
من أجل تعميم الفائدة لا بد من ذكر التصريح بشيئ من التفصيل، فهو تصريح يشكّل فتحاً في علم السياسة، ويمكن أن تؤسّس عليه نظريات في العمل السياسي الدولي، بما يساهم بحل العديد من المشاكل الدولية.
لقد ذكّر جوبيه بإقرار"عقوبات غير مسبوقة" ضد طهران وبرنامجها النووي، لتجنيب "إسرائيل شنّ عملية عسكرية عليها".
وقال: "فرنسا تقول للمسؤولين الإسرائيليين إنّ التدخل يمكن أن تنجم عنه عواقب يتعذّر اصلاحها، لذلك يتعيّن القيام بكل شيء لتجَنّبه"، موضحا أنّه "من أجل تجَنّبه، قرّرنا... تطبيق عقوبات غير مسبوقة"، مذكراً بـ"تجميد أرصدة البنك المركزي" الايراني، وفَرض "حظر على الصادرات النفطية" الايرانية.
كلام سليم: هناك تهديد من طرف لطرف آخر، ويجب منع هذا التهديد من أن يُنفّذ، فنأتي إلى الطرف المهدَّد ونفرض عليه ضغوطاً شديدة، كي لا يتمكن المهدِّد من تنفيذ تهديده.
أليست معادلة رياضية هذه التي أطلقها جوبيه؟
أليست لمعة في علم السياسة لا بد من محاولة الاستفادة منها؟
أليست جملة مغرقة في المنطق، يمكن تحويلها إلى قاعدة في سبل التعامل مع الدول؟
سيد جوبيه يقترح معاقبة إيران لإن "إسرائيل" تهددها.
ولكن مهلاً..
لماذا لا نفكّر بطريقة أخرى؟
لماذا لا نذهب إلى الطرف المهدِّد، ونقمعه، لماذا لا نذهب إلى "إسرائيل" ونردعها عن الاعتداء.. وعن التهديد؟
هنا نكون قد دخلنا في دائرة "خلاف المنطق".
نكون قد كسرنا الخطوط الحمراء، وحطّمنا كل المحرّمات.
أوروبا لا يمكنها أن تهدد "إسرائيل"، أوروبا لا يمكنها أن تقمع "إسرائيل"، أوروبا لا يمكنها أن تمنع إسرائل من الاعتداء على الدول العربية.
لا يمكنها أن تأمرها، ولا أن تطلب منها، ولا حتى أن ترجوها أن تكفّ أذاها عن دول المنطقة.
إن السيد جوبيه، ومعه فرنسا، ومعها كل أوروبا، في حالة عجز عن توجيه كلمة لوم أو عتاب إلى "إسرائيل"، ولذلك، ومن أجل الحيلولة دون تحوّل تهديداتها إلى أفعال، تقوم القارة المتحضّرة بفرض أشد العقوبات على إيران.
هكذا باتت السياسة في عالمنا، وهكذا صار السياسيون يتعاملون مع القضايا الدولية.
إن استخفافاً كهذا بكل المواثيق والقوانين الدولية، لا بل ببديهيات العلاقات بين الناس وبين الدول، وإن تحطيماً مثل هذا لكل القواعد والمعادلات، لا يمكن أن يجر على العالم إلا ما يشهده هذه الأيام من توتّر متصاعد، ومن خطر انفجار الحروب في كل مكان، بما يهدد الأمن والسلام الدوليين.
إن مراعاة إسرائيل إلى درجة معاقبة أعدائها أمر "خلاف المنطق" سيؤدي بالتالي إلى نتائج لا منطقية، ليس أقلها كفر الناس بالقوانين الدولية التي يتنطّح أناس مثل جوبيه و"جماعته" لتطبيقها.

الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

مجلس الأمن.. بين سوريا ولبنان



محمود ريا

جلوس رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان على مقعد رئاسة مجلس الأمن الدولي يثير مشاعر متناقضة في نفس الإنسان اللبناني.

لا شك أن هناك لحظة من مشاعر الفخر ترخي بظلّها على الإنسان، فلبنان هذا البلد الصغير، يقف في موقع "رئاسة العالم" ولو لشهر واحد، ويقدم رئيسه أفكاراً حول العدالة والسلام في سياق الترويج للدبلوماسية الوقائية.

إلا أن الإنسان العاقل لا بد أن يتراجع عن الشعور بالفخر، وينكمش الجو الإيجابي الذي يحيط به، عندما يتذكر أن مجلس الأمن هذا ليس هو المؤسسة التي يبحث عنها محبو العدالة والسلام في العالم، ولا هو المكان الذي يُنتظر أن يصدر عنه ما يحمل الفرح إلى الشعوب المضطهدة في أنحاء العالم.

فهذا المجلس، كان على مدى وجوده، "المطبخ" الذي يتم فيه رسم الخطط التي تؤدي إلى زعزعة الأمن والسلام في العالم، بدل أن يكون المكان الذي تجتمع فيه الدول من أجل إيجاد الحلول لمشاكلها والوصول إلى إقرار العدل وإحقاق الحق، ومن ثم تحقيق السلام.

إلا أنه وبقدر ما يحتويه واقع هذا المجلس من نقط سوداء، فإن لوجود لبنان فيه ـ وفي هذه المرحلة بالذات ـ فائدة أساسية لا بد من التوقف عندها وذكرها.
ولكن قبل ذلك لا بد من العودة بالذاكرة إلى ثماني سنوات إلى الوراء.

في العام 2003 كانت الولايات المتحدة تحضّر الأجواء لعدوانها على العراق، وكانت تريد استخدام مجلس الأمن الدولي كأداة لتبرير هذا العدوان.
في ذلك الحين شاءت الصدف أن تكون سوريا هي ممثل المجموعة العربية، لا غيرها من الدول، وقد اتخذت القيادة السورية موقفاً مشرّفاً في رفض المصادقة على العدوان الأميركي على العراق.

يومها كتبتُ في الانتقاد (وكانت ورقية حينها) زاوية عن الموضوع ختمتها بالقول:

"وتبقى الفضيحة لو أن الدولة العربية الموجودة في مجلس الأمن كانت تقف في مجموعة المؤيدين للموقف الأميركي أو المترددين بين هؤلاء وأولئك، لأنه حينها كان على العرب أن يدفنوا ما تبقى لهم من كرامة .. في الوحل".

ربما من أجل ذلك الموقف ـ وما يماثله من مواقف قومية ثابتة ـ تُعاقب سوريا اليوم وتُحاصر وتُهدّد في مجلس الأمن الدولي.

وبالرغم من أن سيف الهجوم على سوريا ما يزال مثلوماً بسبب الموقفين الروسي والصيني، إلا أن وجود لبنان كمساند وظهير لهذين الموقفين أمر لا يمكن إنكار فوائده.

فلنتصوّر أن حكومة عربية من هذه الحكومات التي تتآمر على سوريا اليوم، والتي تشارك في العدوان الغربي على سوريا (مهما كانت صيغة المشاركة) هي التي تمثّل المجموعة العربية في مجلس الأمن، ولنتصوّر أن هذه الدولة نفثت حقدها على سوريا، وسارت في مشاريع العقوبات، ومثّلت العرب بهذه الطريقة الشنيعة..

.. حينها كان على العرب أن يدفنوا ما تبقى لهم من كرامة، إذا تبقّى لهم شيء منها، في الوحل.

الثلاثاء، مايو 03، 2011

العرس الملهاة.. وواقع المأساة




محمود ريا

انشغل العالم لساعات بالاحتفال الذي أقامته بريطانيا احتفاء بزواج الأمير ويليام من إحدى الحسناوات البريطانيات.. وبعد مرور الموجة الأسطورية التي ولّدها هذا العرس التاريخي، والذي كان أشبه بلوحة من الزمن الغابر تتجدد في العصر الحالي، صار لا بد من طرح بعض الأسئلة التي ترد على ذهن المتابع، حتى ولو لم يرَ إلا مشهداً واحداً من هذه اللوحة، كما حصل معي انا.

لماذا يهتم البريطانيون، ويدفعون العالم كله معهم للاهتمام بزواج شخصين، أيّا كان هذين الشخصين، بحيث تصبح كل الأحداث الأخرى في المرتبة الثانية، وتنقل محطات التلفزة في أنحاء العالم هذا الحدث بكل اللغات، ولماذا ينساق العالم معهم في هذه اللعبة الخيالية التي تحوّل بشراً عاديين إلى ما يشبه الأيقونات المقدسة التي تكاد تُعبد من دون الله.

هل وصل الفراغ في نفوس البشر إلى حد البحث عن وهم لملء لحظات من أيامهم التي تشهد الموت والدمار، ولا تعرف الفرح أو الاكتفاء اللذين يجب أن يكونا حقاً طبيعياً حقيقياً يلمسه كل واحد منهم في حياته اليومية؟

وهل أن ركوب شخصين في عربة ملكية تجرها الأحصنة يعيد إلى الشعوب المظلومة ما فقدته من موارد ومن طاقات خلال أيام الاستعمار البريطاني البغيض الذي رزح على صدور هذه الشعوب؟

وهل أن مشهد طفل يبلغ من العمر سبع سنوات أو أكثر قليلاً وهو يستقل سيارة رولز رويس ويلوّح بيد بشكل متكلّف للآلاف الذين يصطفون في الشوارع يستطيع أن ينسي البشر ملايين الأطفال الذي يموتون في أنحاء العالم بسبب الجوع والأمراض التي تفتك بهم دون أن يتنطّح أحد لمدّهم بالقليل القليل من احتياجاتهم؟

أم أن توجيه الكاميرات إلى ملكة (تملك ولا تحكم) يظلّل الواقع المرّ لمئات الملايين من البشر الذين يعانون من السياسات الإجرامية التي تغطيها هذه الملكة وتقدم كل الدعم لها، سواء كانت هذه السياسات أميركية أو بريطانية تقرّها "حكومة صاحبة الجلالة"؟

إن هذا الاهتمام الذي لقيه عرس الأمير ويليام هو إهانة حقيقية لمشاعر البشر الذين يعانون دون أن يلتفت إليهم أحد، والإهانة الأكبر جاءت من بعض الكتّاب الذين مجّدوا "الحدث" البريطاني، واعتبروه دليلاً على "مشروعية" شعبية تمتلكها العائلة المالكة البريطانية، في حين أنهم يغضّون النظر عن معاناة ملايين المشردين في بريطانيا نفسها، فضلاً عن المليارات من البشر الذين تسببت لهم هذه العائلة نفسها بالألم والمعاناة على مر القرون.

لقد كان العرس الإمبراطوري ملهاة حقيقية يلعبها ممثلون ملكيون لإخفاء المأساة الكونية التي يعيشها البشر في هذا العصر.

الثلاثاء، مارس 22، 2011

العربي بين مستحيلين


محمود ريا
سألني صديق من تونس كان من المحاورين الدائمين لي خلال أحداث الثورة التونسية وما تلاها: "هل نفرح أم نحزن لما يحصل في ليبيا في هذه الساعات؟"
وبغض النظر عن التقييم الذي يمكن أن يصدر عن شخص مثلي، وبعيداً عن التسرع بالإجابة وإصدارموقف، فإنه لا بد من التوقف عند السؤال نفسه وحجم الإشكالية التي يطرحها على مستوى الشارع العربي.
لقد وضعت تطورات الأحداث التي تجري في ليبيا المواطن العربي بين خيارين أحلاهما مرّ: إما ان يكون مع مبدئه الرافض لأي تدخل أجنبي في أي بلد عربي، وبالتالي يقف متفرجاً على إبادة أبناء الشعب الليبي، وإما أن يصفّق لقصف الطائرات الأميركية والغربية لكوامن القوة الليبية وصولاً إلى قتل المدنيين الليبيين في مختلف المدن.
طبعاً، ليست هذه المرة الأولى التي يوضع المواطن العربي في هذا الموقف المحرج، فهو كان يقف بين هذين الخيارين الصعبين عندما كان يرى بغداد تقصف من الطائرات الأميركية فيما كان نظام صدام يقتل شعبه وينكّل به بلا هوادة، وكان السكوت على عملية الإبادة الصدّامية المنظمة للمواطنين العراقيين والانتهاك المتواصل لحقوقهم مستحيلاً، فيما كان قبول قيام الولايات المتحدة بدور المنقذ فيما هي تعمّق جراح العراقيين وتحتل أرضهم مستحيلاً آخر لا يمكن قبوله.
وإذا تجاوزنا الحرج الأخلاقي الذي يقع فيه الإنسان العربي وهو يسمع أخبار قصف الطائرات الأميركية للقدرات العسكرية الليبية التي يستخدمها القذافي بحق المواطنين الليبيين، فإن السؤال الأساسي الذي يطرأ على الذهن هو عن المسؤول عن وصول الأمور إلى هذه الحال، ولماذا يضطر العربي إلى انتظار الأميركي والغربي للقيام بمهمة "إنقاذه" من براثن النظام الذي يحكمه.
السؤال بمعنى آخر هو عن عجز الدول العربية عن القيام بدور حقيقي وفعال في حماية الشعوب من البطش، وهو عجز مركب ما يزيد من خطورته وآثاره السلبية:
ـ هو عجز النظام في الدولة نفسها عن تقديم نموذج ديموقراطي حقيقي يقدم لشعبه الحقوق الأساسية التي ينبغي أن تتوفر لكل إنسان، ما يجعل النظام آلة قمع حقيقية تخنق أنفاس المواطنين وتذلّهم وتدفعهم إلى الثورة.
ـ وهو عجز الدول العربية الأخرى عن القيام بدور فعال في معالجة أي أزمة تقع في دولة عربية، بحيث تتدخل هذه الدول بالطريقة المناسبة لحل هذه الأزمة، ابتداء من القيام بدور الوسيط، وصولاً إلى حد التلويح باستخدام القوة، وحتى القيام باستخدامها من أجل وقف قمع النظام وحماية المدنيين عندما تقتضي الضرورة. وهذا التدخل الفاعل هو السبيل الأنجع لمنع أي تدخل أجنبي في شؤون الدول العربية.
ولعلّ الأخطر في الموضوع أن الحالة الوحيدة التي "تجرأ" فيها العرب على التدخل في شؤون دولة عربية أخرى كان النموذج الذي قدموه خلالها من السوء بحيث جعلت المواطن العربي يتمنى أن يبقى العرب على عجزهم، وأن لا يشربوا حليب السباع في تعاطيهم مع القضايا المطروحة.
والمقصود هنا هو تدخل دول الخليج عسكرياً في البحرين، فقد جاء هذا التدخل ليشكل دعماً للنظام الذي يقمع الشعب، وليساعده في عملية القمع هذه، بما يشكّل عبئاً مضاعفاً على المواطن البحراني المسالم، ويعقّد عملية حل الأزمة في ذلك البلد بدل أن يسهّلها.
من أجل ذلك، وبعد استعراض كل هذه الأفكار في رأسي، كان الجواب البديهي الذي قدّمته لصديقي التونسي الذي سألني إن كان علينا أن نفرح أو أن نحزن لما نراه من تدخل عسكري غربي في ليبيا: ربما كان علينا أن نفرح وأن نحزن في الوقت نفسه، وهذا هو المستحيل بعينه، تماماً كما هي استحالة الأمل بقيام دور عربي فعّال ومنصف في آن واحد.

الخميس، فبراير 24، 2011

أمة واحدة تبحث عن إعلامها

محمود ريا
تزداد حماوة الأحداث في مناطق مختلفة من عالمنا العربي، ومع ارتفاع حماوة التطورات، تصبح وسائل الإعلام بمختلف أشكالها حاجة حقيقية عند ابناء الأمة الذين باتوا ينتظرون " الخبر العاجل" القادم من أربع رياح الأرض العربية كما ينتظرون الخبر المتعلق ببلدهم، أو حتى بمنطقتهم.
لقد بات اللبناني ينتظر الخبر التونسي كما ينتظر البحراني الخبر المصري وكذلك الحال مع المغربي الذي لا يستطيع أن ينام قبل أن يطمئن على آخر ما جرى في الكويت أو ليبيا.
لقد حقق الشهران الماضيان من التواصل بين أبناء الأمة ما لم تستطع تحقيقه عقود كثيرة من الحديث النخبوي عن الأمة الواحدة والحلم المشترك ووحدة المصير.
وفي ظل هذا التواصل الحقيقي النابع من اهتمام حقيقي بما يجري عند الشقيق، تصبح وسائل الإعلام هي الوسيلة للحصول على المعلومات.
وإذا كانت وسائل الإعلام الجديد تلعب دورها الحاسم في تحريك الأحداث وتحقيق التواصل لتنسيق الفعاليات، فإن المحطات التلفزيونية ما تزال بدورها تأخذ حيّزاً هاماً من اهتمام المواطنين العرب، بحيث تتسمر الأعين على ما تنقله هذه المحطات من صور، وإن كانت قليلة، من هذا البلد أوذاك، وتتابع الأسماع بكثير من الاهتمام آخر المعلومات التي يقرأها مذيعون ومذيعات صاروا بشهرة نجوم الفن والأدب.
وفي ظل هذه الطفرة التلفزيونية يتم تقاسم حصص المشاهدة بنسب تقوم على أساس مدى اهتمام هذه المحطة وتلك بإعطاء المشاهدين صورة متكاملة عن الأحداث في مختلف المدن العربية.
وإزاء هذا الواقع يمكن القول إن المحطات التي تهتم بقضايا قُطرية ضيقة، والتي تتعامل مع الأحداث الجارية في عواصم عربية أخرى على أنها أحداث تجري في "الخارج" باتت محطات غير محسوبة في خريطة المشاهدة التلفزيونية، لأنها لا تتحسس حقيقة اندماج اهتمامات المشاهدين الذين باتت الأخبار المحلية آخر همّهم.
إن الأحداث التي نراها أمامنا حوّلت الدول العربية المتباعدة إلى نطاق عمل واحد، إن لم نقل إلى دولة واحدة ـ بكل ما في الكلمة من معنى ـ بحيث توحدت الاهتمامات وتماهت التطلعات مع بعضها البعض، إلى درجة تتجاوز كل الشعارات التي أطلقها عتاة المنظّرين بالوحدة، لا بل ربما إلى درجة فاجأت حتى أولئك الذين كانوا يرفعون شعار الوحدة العربية وبنوا كل منظومتهم الفكرية على أساس هذا الشعار.
إن المحطة التلفزيونية التي ما زالت تتعامل مع تشكيلة وزارية محلية هنا، أو اجتماع رئيس مع مرؤوس هناك، أو التي تتعاطى مع الأحداث بشكل بارد مقتضب، صارت في هذه الأيام خارج المسار المتحرك للتاريخ العربي، ولا بدّ لها من إعادة تقييم وضعها، قبل أن تتحول عند المشاهدين إلى محطة لا لزوم لها، أو على الأقل قبل أن توضع في مصاف المحطات الهامشية التي تهتم بإضحاك المشاهدين أو عرض آخر الوصفات المطبخية لهم.
إن أمة حيّة، واحدة بآمالها وآلامها، كالأمة العربية في مرحلتها المتقدمة هذه، تحتاج إلى إعلام حي ومتحرك يتابع ما يجري فيها من أحداث من منطلق شامل وبنظرة واسعة، لا أن تبقى بعض وسائل الإعلام تتعامل مع الأحداث على قاعدة ما قبل كانون الثاني/ يناير 2011، لأنها حينها ستكون قد ذهبت مع الذين ذهبوا من الطواغيت الذين كانت بعض وسائل الإعلام هذه تسبّح بمجدهم ليلَ نهار.

الثلاثاء، فبراير 08، 2011

إعلام النظام المصري وسناريوهات التدخل الخارجي





محمود ريا
من يراقب الفضائيات المصرية، سواء منها التابعة للنظام مباشرة، أو التي تهيمن عليها الرؤية الرسمية للأحداث طوعاً أو كرهاً، يمكنه استخلاص حقيقة أكيدة وهي أن رجال النظام القائم قد فقدوا صوابهم وباتوا يتخيلون أنّ كل صرخة هي عليهم وعلى رأس نظامهم.
ومع تكاثر الأدلّة على هذا الواقع الذي بات المسؤولون يتخبطون فيه، فإن نغمة التدخل الأجنبي في الأحداث التي تقع في مصر كشفت أكثر من غيرها عن فقدان المنطق والرؤية الصحيحة للأمور، وبالتالي المسارعة إلى إطلاق الأحكام جزافاً وبشكل هستيري، دون أدلّة، أو من خلال اختراع سيناريوهات وهمية يبدو الاصطناع فيها فجّاً ومثيراً للسخرية.
فقد تناسى رجال النظام كل الأسباب التي أدّت إلى قيام الشعب المصري، بكامل فئاته، بالنزول إلى الشارع وتقديم أنفسهم شهداء من أجل الحرية، وتجاوزوا مطالب الجماهير التي تعتصم منذ أيام في الميادين والساحات، في القاهرة والاسكندرية والسويس ومختلف المدن الأخرى، وتوقفوا عند الحديث على تدخل الدول الأجنبية في الشؤون المصرية، مصوّرين الملايين الذين انتفضوا كأطفال قصّر لا يستطيعون التصرف من أنفسهم، وإنما تحركوا بناء على "أجندات خارجية"، وانصاعوا لأوامر صدرت من وراء الحدود.
ولو أن السيناريوهات التي وضعها "جهابذة" النظام تملك ذرة من المنطق والواقعية لاستطاعت إقناع البعض، ولكن التخبط الذي ضاعت فيه هذه السيناريوهات جعل ترديدها من قبل السياسيين والإعلاميين التابعين للنظام بمثابة نكتة سمجة لا يمكن حتى الاستماع إليها.
فقد أطلق أحد المنتفعين على التفزيون المصري تصوراً مفاده ان هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران و"إسرائيل" وقطر على تخريب الاستقرار في مصر، وأن اجتماعات عقدت قبل فترة من أجل وضع الخطط المناسبة لإطلاق الفوضى في شوارع مصر!
"خبيرعسكري" من جماعة النظام اختصر هذه التوليفة، واقتصر في السيناريو الذي قدّمه عبر شاشة تلفزيونية مصرية ـ تقول عن نفسها إنها مستقلة ـ على اجتماعات بين مسؤولين قطريين ومسؤولين من الموساد الصهيوني لتحضير خطة هدم الاستقرار في مصر، مع رسم دور أساسي في هذه الخطة لقناة الجزيرة الفضائية، التي ستقوم بتهييج الشعب المصري ودفعه إلى النزول إلى الشارع!
شخص آخر ذهب إلى تحميل إبران كل المسؤولية، وجعل كل ما يحصل في الشارع المصري نتيجة لخطة جهنمية إيرانية تهدف إلى القضاء على مصر لأنها "المنافس الاستراتيجي" لإيران في المنطقة.
ومع غرابة هذه السيناريوهات وبعدها عن المنطق، بقي هناك سيناريو هو الاكثر إثارة للأسئلة حول مدى الصحة العقلية لمطلقي هذه التصورات، وهو يقوم على رواية مفادها أن الولايات المتحدة هي التي درّبت الشباب المتفتّح الذي دعا للانتفاضة من خلال وسائل الإعلام الحديثة وعلى رأسها الفايسبوك والتويتر وغيرها. هذه الرواية كانت خرافية لدرجة تفوق التصوّر، لذلك عمل أزلام النظام على ابتكار رواية مكمّلة لها، عسى أن تعطيها بعض المصداقية، فتم تسويق "اعتراف" من إحدى الفتيات يفيد أنها تدرّبت لدى الأميركيين بهدف إسقاط النظام في مصر!
وبالرغم من أنه لا يمكن تبرئة الإدارة الأميركية من التدخل في شؤون الدول الأخرى، فإن رواية تدريب الأميركيين لشباب مصريين كي يقلبوا نظام حسني مبارك ترتقي إلى مستوى الكوميديا السوداء التي يبرع بها الخيال الأمني المتحكم بالمؤسسة الحاكمة المصرية، إذ ان النظام المصري هو من أكثر عملاء واشنطن إخلاصاً وأهمهم نفعاً للسياسة الأميركية في المنطقة، ولم تسحب الإدارة الأميركية دعمها له إلا بعد أن استشرفت واشنطن المستقبل الأسود لهذا النظام، إثر الانتفاضة الشعبية المليونية.
لقد تناست هذه المؤسسة كل الأسباب الموجبة للنقمة التي تسود الشعب المصري إزاء النظام وحيتانه والمتحكمين بالسياسة والاقتصاد والأمن، وإزاء البلطجية والزعران الذين عاثوا في البلاد فساداً ، وتناست انحيازها إلى جانب الكيان الصهوني في مواجهة الشعوب العربية، وتناست عمالة النظام للولايات المتحدة وتنفيذه كل ما تطلبه منه واشنطن على مستوى الداخل والخارج، كي ترفع عقيرتها بالحديث عن تدخل خارجي بالشؤون المصرية،.
ومقابل هذه السخافة الحكومية التي وصلت إلى حد اتهام الكيان الصهيوني بالتآمر على النظام العربي الأكثر خدمة لهذا الكيان العدو، يبقى الشعب المصري المتحصن بحقه وبشرعيته الجماهيرية مقيماً في الشارع، غير مكترث بما تبثه آلة الإعلام الرسمية الصدئة من تهويلات وسيناريوهات مفضوحة وبائخة ومكررة لا تؤثر في معنويات الجماهير التي نزلت بملء إرادتها من أجل تحقيق التغيير الحقيقي، التغيير الذي يلبي آمال وتطلعات الشعب المصري أولاَ، ومن ثم آمال وتطلعات الأمة العربية والإسلامية بكاملها.

الاثنين، ديسمبر 27، 2010

ليو شياو باو: على السلام.. السلام



محمود ريا

لعل الكثيرين لم يعودوا يتابعون "مسرحية جائزة نوبل للسلام" منذ حصل عليها أشخاص لا يوجد أي صلة بينهم وبين السلام في العالم، كالمجرم مناحيم بيغن والقاتل شمعون بيريز ومكسّر عظام الأطفال إسحاق رابين، وكذلك أشخاص باعوا أوطانهم ومبادئهم من أجل قطعة ورق وبضعة دراهم، وبينهم من هم "من عندنا". كان الشعور ـ وما يزال ـ لدى فاقدي الاهتمام بهذه "الجائزة العالمية" أن القائمين عليها أضاعوا البوصلة وخانوا المبدأ الذي أطلقت من أجله هذه التظاهرة العالمية، وباتوا يعطون هذا الوسام لمن لا يستحقه، انطلاقاً من أجندة سياسية نابعة من إرادة القوة الكبرى في العالم، وليس انطلاقاً مما قدمه هذا الشخص للسلام العالمي. ولعل النماذج التي وردت آنفاً تدل على مدى بُعد الحاصلين على الجائزة عن السلام، وحجم الفظائع التي ارتكبوها ـ هم وغيرهم ـ بحق الأمم والشعوب على مدى العقود الماضية. إلا أن الوضع هذه السنة اختلف قليلاً، فقد شدّت الجائزة بعض الاهتمام، ولا سيما أن الحاصل عليها شخص يقبع في السجن، ما يعني أنه يضحي من أجل قضية عادلة، ولا يرتكب الجرائم. ولذلك بدأ المتابعون يسألون عن السبب الذي دفع لجنة جائزة نوبل إلى الالتفات إلى المقهورين والاهتمام بهم وبقضاياهم. ومع قليل من البحث اتضحت الصورة. ليو شياو باو، الصيني المعارض والمسجون، حاز جائزة نوبل لأنه أعلن مواقف مناهضة للحكم في الصين، وأصرّ على رفع صوته في وجه قمع الحريات في الصين. إلى هنا قد يبدو الأمر عادياً، فالحريات في الصين، كما في الكثير من بلدان العالم ليست مضمونة كما يجب، والنضال من أجل تحقيقها قد يكون تضحية من أجل قضية مبدئية شريفة لا غبار عليها. ولكن، لم تقف الأمور عند هذا الحد. فالرجل لا يريد الحرية للصينيين كما يدعي، وإنما هو يكره الصين ويكره تاريخها ويريدها في مستقبلها كالدول الغربية تماماً دون أي فرق. وليس هذا كل شيء، فالرجل معجب بالولايات المتحدة وبمعالجتها للقضايا العالمية بشكل يفوق الوصف. ولا يقتصر هذا الإعجاب على طريقة العيش في نيويورك أو لوس انجلوس، ولكنه يتعداه إلى تأييد كل الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة ضد دول العالم، في الماضي البعيد وفي الحاضر أيضاً، كحروب فيتنام وكوريا، وغزوات أفغانستان والعراق، مع ما شهدته هذه الحروب الفظيعة من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية. وفي مقال له بعنوان "دروس من الحرب الباردة"، يقول ليو إن "العالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة قد حارب تقريباً كل الأنظمة التي انتهكت حقوق الإنسان.. والحروب الكبرى التي أصبحت الولايات المتحدة مشاركة فيها هي كلها يمكن الدفاع عنها من الناحية الأخلاقية". هذا هو ليو شياو باو الذي حصل على جائزة نوبل للسلام، فهو من التبريريين الذين تحتاجهم واشنطن للدفاع عن نهجها السياسي في العالم. ولعلّ جورج بوش هو الأكثر سعادة بالمنشق الصيني "النوبلي"، فشياوباو يرى عام 2004 أنه "لا يمكن إلغاء الإنجاز الرائع الذي حققه جورج بوش في مكافحة الإرهاب لمجرد افتراءات (المرشح الديموقراطي حينها جون) كيري.. ومع ذلك فمهما كان حجم الخطر الذي يجب تحمّله في سبيل إسقاط صدام حسين، فاعلم أنه ليس هناك أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى خطر أكبر. ويثبت ذلك كل من الحرب العالمية الثانية والحادي عشر من سبتمبر! وبغض النظر عن أي شيء فإن الحرب ضد صدام حسين هي حرب عادلة! وقرار جورج بوش هو قرار صحيح!". ولكن هناك من يحتاج ليو شيا باو كذلك، فهو يثني بشدة على موقف إسرائيل في صراع الشرق الأوسط، وهو يلقي اللوم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الفلسطينيين، الذين يرى أنهم هم "غالبا المستفزون". هل اتضحت الصورة؟ ليو شياباو هو نسخة صينية للفاشية الأميركية، وللعربدة الصهيونية، ولذلك حاز جائزة نوبل للسلام. هو صورة طبق الأصل لمناحيم بيغن وشمعون بيريز، ولهنري كيسنجر وجيمي كارتر، ولكل المجرمين الذين قتلوا بأيديهم أو بأفكارهم، والذين ارتكبوا الفظائع خدمة لـ "المؤسسة الأميركية" التي باتت هي من يصدر القرار بمن يحصل على جائزة نوبل للسلام. وعلى السلام.. السلام.

الثلاثاء، ديسمبر 21، 2010

المريخ ـ الصين.. والأرض ـ أميركا



محمود ريا

سادت السينما الأميركية موجة من الأفلام التي تنتمي إلى فئة الخيال العلمي والتي تقوم على فكرة غزو المخلوقات الفضائية للأرض. وتنوعت المعالجات الهوليودية لهذا السيناريو، باختلاف المخرجين والأفلام التي خرجت من تحت أيديهم.
إلا أن الفكرة الأكثر تردداً بين تلك الأفلام كانت الفكرة التي تقوم على "الغزو الناعم" من قبل المخلوقات الفضائية للأرض، بحيث يأتي الفضائيون بصفة أصدقاء مسالمين، وعندما يبنون علاقة طيبة مع سكان الأرض ويتغلغلون في مفاصل الكرة الأرضية يظهرون صورتهم الحقيقية كغزاة محتلين يسعون للسيطرة على الأرض وإبادة الجنس البشري، أو استعباده على الأقل.
ولعلّ فيلم "غزاة المريخ" المنتج عام 1996 هو من أكثر الأفلام تعبيراً عن هذه الأفلام وعن هذه الفكرة الخيالية التي يحاول السينمائيون الأميركيون التعبير عنها من خلال هذه النوعية من الأفلام.
إلا أن وضع هذا النوع من الإنتاج في فئة الأفلام الخيالية لا يعني أن الواقفين وراءه لا يريدون من خلاله التعبير عن فكرة واقعية تسيطر على عقول الأميركيين، وهي فكرة الخوف من الغزو الخارجي، الغزو الذي يريد أن يسلب الأميركيين (بصفتهم الطبقة الأرقى بين البشر الأرضيين) ما يملكونه من حياة رغيدة، ويهدف إلى السيطرة على بلادهم ومنعهم من البقاء القوة العظمى (الخيّرة) على مستوى العالم.
وهذا الخوف يتملّك الأميركيين ليس من المخلوقات الفضائية فقط، وإنما من البشر الآخرين أيضاً، ولا سيما البشر الأقوياء، الذين يملكون القدرة على أن يكونوا مستقلين عن الأميركيين، والذين يحملون تطلعات التخلص من الهيمنة الأميركية على العالم.
ومن أوجه هذا الخوف ذلك الذي يسيطر على الأميركيين كلما ذكرت أمامهم كلمة الصين.
وآخر مظاهر البارانويا الأميركية تجاه الصينيين عبّر عنه كاتب أميركي قدير، له باعه في التحليل السياسي، ويُحسب حسابه بين المفكرين الذين يرسمون من خلال مقالاتهم آفاقاً للسياسة الأميركية لا بد من احترامها.
الكاتب هو توماس فريدمان، الذي نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثاني من الشهر الحالي، ركب من خلاله موجة تسريبات ويكليكس، ولكنه قاد الأمور باتجاه مختلف عن ذلك الذي تسلكه البرقيات المسرّبة، حيث لعب لعبة "اكتشاف" برقية متخيّلة مرسلة من السفارة الصينية في واشنطن إلى وزارة الخارجية في بكين، يضع فيها كل أوهامه حول مساعي الصين للسيطرة على الولايات المتحدة، التي يعترف أنها باتت دولة ضعيفة منقسمة تتوهم نفسها دولة عظمى، بينما هي أصبحت لقمة سائغة في فم التنين الصيني الذي يوشك على التهامها في أي لحظة.
ولعل أقسى عبارة في "البرقية المتخيّلة" التي تحمل عنوان ـ كل شيء في الولايات المتحدة يسير كما نرغب (في الصين) ـ قول فريدمان في ختامها على لسان الدبلوماسي الصيني الذي "كتبها": يدرس رقم قياسي من الطلاب في المدارس الثانوية الأميركية الآن اللغة الصينية، ما سيزوّدنا بمخزون متواصل من اليد العاملة الرخيصة التي تتقن لغتنا في حين نستخدم احتياطنا البالغ تريليونين و300 مليار دولار لشراء المصانع الأميركية في الخفاء.
إنها الصين التي تستحوذ على عقول الأميركيين وتستحوذ على أموالهم أيضاً، وهي الدولة التي يرون فيها القدر القادم لسلب أميركا تفوقها ورفاهيتها وحتى مستقبلها. وإذا كان فريدمان ينقل عن "الدبلوماسي الصيني المتخيّل" قوله: نحمد الله لأن الأميركيين يعجزون عن قراءة برقياتنا الدبلوماسية، فإن "النوايا الصينية الشريرة" لا تبدو خافية على الأميركيين، لا بل ها هي تتحول إلى كوابيس تؤرقهم.
مقال فريدمان يستحق القراءة فعلاً، لا بل يستحق تحويله إلى وثيقة (وإن لم تكن رسمية وحقيقية) تفضح النظام الأميركي بمجمله، كما تكشف الرؤية الأميركية الحقيقية للعالم كله، بأرضه وبفضائه.

الخميس، سبتمبر 24، 2009

بلا مواربة: هزيمة أميركية ـ صهيونية


لم تتأخر صيحات الانتصار في الخروج من أفواه قادة عدد من الدول بعد إذعان الرئيس الأميركي باراك أوباما وإعلانه تجميد مشروع الدرع الصاروخية في أوروبا.
صحيح أن بعض التصريحات المعبرة عن خيبة الأمل قد صدرت عن قادة الدول التي كانت الدرع الصاروخية ستحل فيها، نظراً لفقدان هذه الدول للاستثمارات الناجمة عن إنشاء هذه الدرع، ولكن الصحيح أيضاً أن الشعوب في تلك الدول كانت مرتاحة جداً للذي حصل، لأن استطلاعات الرأي العام فيها كانت تفيد بوجود نسبة تعادل ثلثي سكانها تعارض درع بوش الصاروخية.
إذاً لم يخسر في هذه الجولة من المعركة الصاروخية سوى الولايات المتحدة وقادة بولونيا وتشيكيا ـ هذا بالشكل الظاهر ـ فيما كان الرابحون كثراً، وعلى رأسهم روسيا التي استطاعت ان تفرض رأيها في هذا الموضوع وهي التي وصل بها الأمر إلى التهديد بإشعال حرب عالمية على غرار الحرب العالمية الثانية لمنع الإدارة الأميركية من إتمام درعها الصاروخية.
من الرابحين أيضاً كما يقولون إيران التي كانت الدرع موجهة رسمياً ضدها، فإذا بها تجد أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها أوروبا باتت بلا درع ولا من يدرّعون.
أما الخاسر الأكبر في هذه المعمعة، وهو الخاسر المستتر على كل حال، فهو الكيان الصهيوني الذي أصيب قادته بالذعر وهم يرون الولايات المتحدة تتراجع أمام روسيا، في مسألة تخص إيران، ما يشير إلى سلسلة تراجعات أخرى قد تحصل في المستقبل في هذا الإطار، ما يعني فقدان الدعم الأميركي ـ والدولي ـ للموقف الصهيوني المتشنج تجاه الجمهورية الإسلامية.
ما حصل باختصار هو هزيمة مزدوجة أميركية صهيونية، وتداعياته ستكون قاسية على مسرح العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة.
محمود ريا

الخميس، أغسطس 27، 2009

بلا مواربة: اللغة تختصر بمقطعين

محمود ريا

لمن لم يقرأ قصة الكاتب التركي المعروف عزيز نيسين (آه منا نحن الحمير) يمكن تلخيصها له ببعض عبارات تحمل في طياتها الكثير من المعاني.


تحاول القصة أن تشرح للبشر لماذا تقتصر لغة الحمير على مقطعين فقط هما (هـ...ا هـ...ااا) أو ما اعتدنا نحن البشر على أن نسميه بالنهيق.

ينقل الكاتب القصة عن لسان حمار يخاطب البشر ويروي لهم "حادثة تاريخية" حصلت في قديم الزمان، وحوّلت لغة الحمير من لغة غنية بالمفردات والأصوات (تماماً كلغة البشر) إلى لغة فقيرة يعبر من خلالها الحمير عن كل مشاعرهم بمقطعين فقط.

وباختصار شديد فإن "الحادثة التاريخية" التي أدت إلى "ربط ألسنة" الحمير هي أن حماراً عجوزاً كان يرعى في البراري وحده وهو يغني الأغاني الحميرية، فتناهت إلى أنفه رائحة ليست طيبة، هي رائحة ذئب.

لقد حاول الحمار العجوز تجاهل الرائحة، وكلما كانت الرائحة تقترب كان ينفي وجود الذئب، وهو يعلّل هذا النفي بشتى العلل، من دون أن يتحرك من أرضه بالرغم من الرعب العظيم الذي داخَلَه، والذي أنكره في الظاهر.

ولما أصبح الذئب قريباً جداً، ورآه الحمار المنكر له رأي العين، أراد الحمار العجوز الهرب دون أن يقر حتى تلك اللحظة بوجود الذئب بقربه، يهدده ويكاد يفترسه.. إلى ان وقعت الواقعة وعضه الذئب في أنحاء جسده.. عندها بدأ يصرخ:
"ـ هـ...ااا، إنه ذئب، هـ...ااا، هو... هـ...ااا.. هوووو.

الذئب يمزقه، وهو بسبب ارتباط لسانه لا يصرخ إلا:

ـ هـاااا.. هووو.. هااا، هـ....ااا، هـاااا.

سمعت الحمير كلها صراخ الحمار من الجيل القديم بآخر كلماته حيث كانت تردد أصداءها صخور الجبال، وهو يتمزق بين أنياب الذئب:

ـ هاااا، هااااا، هاااا.."

ويختم الكاتب القصة بالقول على لسان الحمار الذي يروي القصة: "ولو لم يخدع نفسه ذلك الحمار ابن الجيل القديم حتى وصل الخطر إلى تحت ذيله، كنا سنبقى على معرفة بالكلام".

بعد هذه القصة "الواقعية" يطرأ سؤال: متى ستتحول لغة بعض العرب إلى مقطعين فقط، وهم يرون الخطر الصهيوني تحت ذيلهم ثم ينكرونه متعللين بمختلف العلل؟

الخميس، يوليو 16، 2009

أزمة شينجيانغ بين الحقوق المحلية المشروعة والتدخلات الدولية المكشوفة


محمود ريا

أن يغادر الرئيس الصيني هو جينتاو إيطاليا على جناح السرعة، تاركاً قادة العالم مجتمعين في قمة الثماني الاقتصادية، ليعود إلى بلاده إثر الاضطرابات التي تشهدها منطقة شينجيانغ غرب الصين، فهذا يعني واحداً من أمرين: إما أن الرئيس الصيني غير مهتم بقمة الزعماء الاقتصاديين في ظل معلومات عن عجزها عن اجتراح حلول للأزمة الاقتصادية العالمية، أو ان الوضع في منطقة شينجيانغ خطير فعلاً إلى درجة جعلت قائد ثالث أكبر اقتصاد في العالم يتخلى عن كل شيء للعودة إلى «قواعده» من أجل معالجة ما يحصل هناك.
المواقف التي أعلنها أكثر من مسؤول صيني توحي بأن الصين مهتمة فعلاً بالقمة الاقتصادية العالمية، فهي ناضلت كثيراً للوصول إلى المشاركة في القمة، بالرغم من الوزن الاقتصادي الذي تشكله على المستوى العالمي، وبالتالي فالقيادة الصينية لا تفرط بسهولة بحضور هذه اللقاءات التأسيسية التي تحمل تأثيراً استراتيجياً على الاقتصاد العالمي، ولا سيما أن هذه القمة التي تحتضنها مدينة أكويلا تشهد مشاركة العديد من رؤساء الدول النامية بما يشكل منتدى اقتصادياً عالمياً لا يمكن تفويته.
يبقى الاحتمال الآخر، وهو أن الصين تعيش وضعاً خطراً حقاً، وهذا ما دفع الرئيس الصيني إلى ترك التفكير بالعالم وأزماته الآن، لينصرف إلى إيجاد حل للأزمة الحقيقية التي تعيشها بلاده، حيث تنتشر على امتداد مليون وستمئة ألف كيلومتر من ملايين الأرض الصينية التسعة فتنة تكاد تطيح الأخضر واليابس.
صحيح أن الصين ستتغلب على هذه الأزمة التي تفجرت بشكل يعتبره المراقبون مفاجئاً وسريعاً، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمة ستترك ندوباً عميقة على جبهتين:
ـ جبهة العلاقات العرقية بين القوميات الصينية المختلفة، ولا سيما بين قوميتي الهان والإيغور اللتين خاضتا في هذه الأحداث حتى سالت من الطرفين بحور الدم.
ـ وجبهة صورة الصين التي تبذل الحكومة الصينية جهوداً جبارة لجعلها صورة مشرقة ومعبرة عن قوة تسعى بشكل حثيث كي تحمل لقب قوة عظمى في السنوات المقبلة، لتأتي أحداث جسيمة من هنا وهناك، فتعيد تلويث هذه الصورة وتفرض على المؤسسة الصينية العمل لجلائها من جديد.
وإزاء هذا الواقع تبدو عودة الرئيس الصيني إلى بيجينغ تصرفاً بعيداً عن العشوائية، وخطوة مطلوبة بقوة من أجل توحيد كل الجهود داخل الإدارة الصينية للخروج من هذا المأزق الذي ضُبط الصينيون فيه دون سابق إنذار.
مما لا شك فيه أن الأحداث الدائرة في إقليم شينجيانغ هي نتيجة سنوات طويلة من الاحتقان الذي تعيشه تلك المنطقة نتيجة حالة الانقسام العرقي الشديد الذي يذر بقرنه بين قوميتي الهان والإيغور، هذه الحالة التي عززتها إجراءات قامت بها السلطة الصينية من أجل فرض قومية على أخرى بشكل فجّ في أحيان كثيرة، وهذا ما أدى إلى شعور القومية الأخرى بأنها مستهدفة بتاريخها وبإيمانها وبثرواتها وبمستقبلها.
وقد تراكمت هذه الأحاسيس على مدى عقود، لتعيد إحياء أحلام قديمة وإيقاظ أحقاد أكثر قدماً، في ظل غياب معالجة ناجعة من قبل المسؤولين الصينيين الذين يُشهد لمتأخريهم بالعمل على تخفيف الإجراءات التعسفية بحق المواطنين الإيغوريين.
إلا أن ما لا يمكن إنكاره بالمقابل هو حجم الرعاية الخارجية لعملية إيقاظ المشاعر الدفينة لدى الأقليات في الصين، تماماً كما يحصل في كل منطقة يكون فيها للأصابع الغريبة وجودها النابع من مشاريع بعيدة كل البعد عن مصالح السكان الأصليين.
وقد كان وجود «قيادة الانتفاضة» الإيغورية في الولايات المتحدة الأميركية بالتحديد مثيراً للكثير من الأسئلة لدى المتابعين لشؤون الصين، وعلى رأسها السؤال الأكبر: إلى أي مدى يتمتع المقيمون في العاصمة الأميركية باستقلالية الحركة التي تسمح لهم باتخاذ قرارات كبيرة بحجم تفجير الوضع في منطقة شاسعة مثل إقليم شينجيانغ دون تدخل من الموسوسين الدوليين والغربيين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح المجال للإجابة عن أسئلة أخرى من قبيل: هل كان التحرك الشعبي الإيغوري عفوياً، وهل كان مجرد ردة فعل على قتل مواطنين إيغوريين في أحد المصانع من قبل مواطنين آخرين من قومية الهان؟
هل هذا التحرك معزول تماماً عن مشاريع إلهاء الدول التي تشكل خطراً على الولايات المتحدة، أو التي ستشكل خطراً في المستقبل، في مشاكل داخلية حادة يمكن من خلالها لواشنطن إعادة موازنة دورها ووجودها في العالم في ظل النكسات الشديدة التي تعرض لها هذا الدور خلال السنوات الماضية؟
وهل الصين هي الضحية الجديدة لما يراه بعض المتابعين للشؤون الدولية سياسة أميركية جديدة في التعاطي مع قضايا العالم، بعد فشل السياسة الحمقاء التي كانت الإدارة الأميركية السابقة تعتمدها؟
وأي دور لعبه الإعلام الجديد في تفجير الانتفاضة الإيغورية بعد أن قام بدوره كاملاً في مناطق أخرى من العالم خلال الأشهر الماضية، قبل أن تجد «الدول المعنية» وسائل ناجعة للعمل على إسكاته وإفشال المخططات الموضوعة له؟
هذه الأسئلة وغيرها لا تنفي أبداً المسؤولية الصينية عما يحصل داخل الصين، ولا عما يجب أن تقوم به حكومة بكين لإيجاد صيغة سحرية تجمع بين الحفاظ على وحدة البلاد والسعي لإعطاء الأقليات المزيد من الحقوق الأساسية التي لا يمكن العيش بدونها، ولكنها تفتح المجال أيضاً للبحث في الكيفية التي يقود بها بعض المتنفذين الدوليين لعبة بناء مستقبل جديد للعالم في ظل التنوع على مستوى الثقافات، وعلى مستوى مراكز السيطرة والتحكم في الوقت نفسه.
هذا المقال نشر في صحيفة السفير اللبنانية، صفحة قضايا وآراء يوم الجمعة 10/7/2009 تحت عنوان: مـن أضـرم النـار فـي الصيـن؟ وذلك على الرابط التالي:
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1283&articleId=1106&ChannelId=29637&Author

السبت، يونيو 27، 2009

بلا مواربة: تويتر.. والفرص المتكافئة


وصلتني رسالة على حسابي في موقع فايسبوك تتحدث عن وقف إدارة الموقع لحسابات عدد من الأصدقاء بتهمة "خرق قوانين".


و"للصدفة" فإن الحسابات الملغية عائدة كلها لأشخاص يدافعون عن المقاومة ويقفون موقفاً معادياً للعدوان الأميركي على أمتنا، ويعلنون ذلك بأقوى كلمة، ولكن دائماً بالكلمة، في موقع يدار من دولة تدعي تقديس الكلمة والدفاع عن حرية الرأي.



وصول الرسالة التي تحمل هذا الخبر تزامن مع متابعتي الدقيقة لموقع "تويتر" وما يجري فيه من "تحركات" لا يمكن وصفها إلا بكونها اجتماعات لـ"مجلس قيادة الثورة" على الثورة الإسلامية في إيران.



المتابع لصفحة "الانتخابات الإيرانية" على "تويتر" يفاجأ بكمّ التفاصيل و"المعلومات" التي يلتقطها، إلى الحد الذي جعل من هذه الصفحة مصدراً لأخبار بعضها يمكن تصديقه، وبعضها الآخر "لا يدخل في عقل" نظراً لما يحمله من مبالغات وتهويل، ولما يضخه من كراهية ودعوة إلى العنف والاضطراب وهزّ حبل الأمن.



هذه المفارقة في التعامل مع "حرية الرأي" تدفع للسؤال: أية معايير تحكم إدارة المواقع العالمية، ومن يتحكم بقرارها السياسي، وكيف يمكن أن نصدق أن هذه المواقع "مستقلة" كما تدعي، وأنها تؤمن بتكافؤ الفرص وتسمح للجميع بالتعبير عن آرائهم.



المفروض ان تكون إدارة هذه المواقع ذكية بما يكفي، فتقوم بالتعمية على انخراطها في إطار الآلة السياسية الدعائية الغربية، وتلعب دورها بشكل خفي، لإقناع العالم باستقلاليتها، ولإبقائها مصدراً محايداً يعتمد عليه، ولكن هناك ما دفع هذه الإدارات إلى اتخاذ مواقف حاسمة.. والانحياز بشكل علني وفاضح.



هل هو الاستخفاف بالذين لا يوافقهم هذا الانحياز، أو هو الخوف على من يوافقهم؟



مهما كان السبب، فالواضح أن الحديث بعد الآن عن فرص متكافئة بات خلفنا، ومن يُرد فرصة التعريف بما لديه، عليه ان يخلقها بيديه، إذا لم يكن ممن ترضى عنهم آلة الإعلام الغربية.



محمود ريا



الانتقاد/ العدد 1352 ـ 26 حزيران/ يونيو 2009

السبت، يناير 17، 2009

المغرب وفنزويلا.. والزمن الأعور




حكي أن دولة في أقصى أطراف الأرض وقفت وصرخت، واتخذت موقفاً لا يمكن إلا أن تنحني الهامات أمامه، نددت بجرائم العدو الصهيوني في غزة، وطردت السفير الإسرائيلي لديها، وزادت على ذلك بأنها قطعت علاقاتها بشكل كامل مع هذا الكيان.
هذه الدولة التي بات اسمها على كل شفة ولسان، وصار رئيسها أيقونة للرجولة في كل البلدان، تحمل اسم فنزويلا، ورئيسها "يساري غريب" لا يمت للعروبة ولا لقحطان أو لعدنان بأي صلة، واسمه هوغو شافيز.
وحكي أن دولة هي الجناح الغربي لأمة العرب والوجه المطل على المحيط الكبير لحاملي راية الإسلام، رئيسها يدعي أنه من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرضى إلا أن يقال عنه أمير المؤمنين، يرتع في نعماء الدنيا، ويقيم من العلاقات مع العدو الصهيوني ما يُندي الجبين، ظاهراً وباطناً.
هذه الدولة رفض ملكها وزعيمها أن يأخذ أي إجراء عملي في مواجهة حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، كما رفض قطع علاقاته أو تخفيضها مع كيان الاحتلال، ولم يتخلّ عن مستشاريه اليهود الذين يحكمون باسمه ومن تحت تاجه.
هذه الدولة التي تحمل اسم المغرب، ويحكمها ملك معظّم اسمه محمد بن الحسن بن محمد، رفض ملكها حضور قمة عربية حول غزة، ورفض القيام بأي نشاط لوقف ما يحصل في بقعة يدعي أنه من حماة حماها، وهو الذي لا يفتأ يردد أنه "رئيس لجنة القدس" والساعي من أجل إنقاذها، كل يوم، وفي كل صباح ومساء.
على أن هذا ليس كل شيء، والخبر ليس هنا لمن يرى في ذلك أمراً طبيعياً في هذا العصر الأغبر.
الخبر هو أن "حامي حمى القدس" تذكر الآن أن "اليساري الغريب" يتدخل في شؤون بلاده من خلال موقفه من "الوحدة الترابية المغربية" وتأييده لجبهة البوليساريو، وهو أمر تفعله عشرات الدول في العالم.
لقد قرر ملك المغرب الآن قطع علاقاته بفنزويلا بسبب موقفها من قضية الصحراء الغربية.
وللقارئ وحده يبقى التعليق على هذا الزمن الأعور.
محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 12، 2008

ديموقراطية الرُّشَى

تثير فضيحة حاكم ولاية ايللينويز رود بلاغوفيتش الكثير من الحرج للرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، ولكنها تثير أيضاً الكثير من الأسئلة حول "الديموقراطية" الأميركية ومدى صدقية تمثيلها لخيارات المواطنين.
الحاكم الذي أراد "بيع" مقعد الرئيس أوباما نفسه ـ الذي شغر بانتخابه رئيساً للولايات المتحدة ـ معتمداً على "صلاحية التعيين" التي يملكها، لا يمكن أن يكون حالة فريدة في "المؤسسة الأميركية"، وإنما هو وقع بسبب طول لسانه وجشعه الذي لا يمكن وصفه، وفساده الذي باتت رائحته لا تطاق، بعد أن انتخب خلفاً للحاكم السابق الذي يقبع في السجن.. بسبب إدانته بالفساد أيضاً.
لقد وجهت الأنظار إلى السيد بلاغوفيتش لأنه أراد إصابة عدة عصافير في المقعد البرلماني الذي بات بحاجة لمن يملأه بعد مغادرة أوباما له، فهو يريد مبلغاً يتراوح بين مئتين إلى ثلاثمئة ألف دولار نقداً، ويريد امتيازات بأكثر من مئة وخمسين ألف دولار سنوياً، كما يطالب بوظيفة لزوجته بمبلغ مماثل مقابل إعطاء المقعد للمستفيد.
وليس هذا فقط، بل هو يقوم بمنع مساعدات عن المؤسسة الصحافية الأكبر في الولاية والبلاد حتى ترضخ فتقيل مجلس إدارتها المعادي له، وتتوقف عن كشف أوراقه على صفحاتها.
لقد طلب ثمناً غالياً وتعرض للصحافة ووسّع إطار "البازار" حتى فضح أمره وبات يشكل علامة سوداء في سجل الديموقراطيين، وفي سجل الإدارة الديموقراطية القادمة.
ولكن كم من عمليات المساومة تتم من دون أن يدري بها أحد، وكيف تدار دولة كل شيء فيها يباع ويشرى بالدولارات وبصرف النفوذ، وكيف يمكن الوثوق بديموقراطية يخلف الفاسدون فيها الفاسدين ويذهب مرتشٍ ليأتي طالب رشوة؟
وإذا كان يسجل لهذه الديموقراطية قدرتها على قمع ما يظهر على السطح، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم تحتاج هذه "الدولة الديموقراطية" إلى مراقبة لديموقراطيتها ولديموقراطييها ولسياسييها ولانتخاباتها وتعييناتها، وهل يفيض عنها لجان وشخصيات، كي تراقب العمليات الديموقراطية في الدول الأخرى؟
محمود ريا

الأربعاء، ديسمبر 03، 2008

المالديف ونحن.. والآتي


مرّ قبل أيام خبر صغير مرور الكرام، فلم يتوقف عنده أحد، ولكنه عاد إلى ذاكرتي لألف سبب وسبب.
رئيس دولة المالديف المؤلفة من آلاف الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، يفكر بـ"شراء أو استئجار وطن جديد" لأبناء شعبه، لأن الأرض التي يقيمون عليها ستغمرها مياه البحر في العقود أو السنوات المقبلة، نتيجة عوامل الاحترار العالمي وارتفاع مستوى المحيطات.
يثير هذا الخبر الكثير من القلق لسكان هذه الجزر الذين لا يتجاوزون ثلاثمئة ألف نسمة، باعتبارهم ربما يكونون من أوائل ضحايا تدمير الإنسان للبيئة التي تحتضنه، فإذا بهم يخسرون مكوّناً أساسياً من مكوّنات وجود دولتهم، ألا وهو الأرض.
ولكنه يثير بالمقابل الشعور بالإعجاب بهذا الشعب الصغير الذي قرر أن يتجاوز هذه المحنة موحداً محتفظاً بالمكوّنين الآخرين لوطنه، ألا وهما "الشعب الواحد" و"المؤسسات الموحدة".
هو شعب قرر الانتقال بشكل جماعي إلى منطقة أخرى لإقامة دولة المالديف الجديدة، التي خسرت الجزر لتربح البقاء بعلم ونشيد ومؤسسات وكيان.
هو شعب حضاري تالياً، واعٍ ومتماسك، يعرف معنى العيش المشترك، ويفكر بشكل جماعي من أجل تحقيق مصلحته الوطنية، بعيداً عن التشتت والتمزق والتفرق أيدي سبأ.
فماذا عن شعوب أخرى في العالم، ليس من خطر بيئي ـ حتى الآن ـ يتهدد أرضها بالزوال، في حين ان المكونات الأخرى للوطن تترنح تحت شعارات وطروحات أقل ما يقال فيها انها طروحات تؤدي إلى اضمحلال الوطن وتشتت الكيان؟
ماذا عن الشعب اللبناني مثلاً، الذي يفقد أبناؤه كل يوم ما يمكن أن يجمعهم من أفكار وتطلعات ومصالح مشتركة؟
ماذا عن الشعب اللبناني الذي لا يفكر بعض أبنائه إلا بالفيدرالية والتقسيم والكانتونات والكيانات المجزأة والسلطات المهشمة والمواجهات الطائفية والمنفعية والأخلاقية (اللاأخلاقية)؟
ربما يكون هناك أكثر من دافع يجعل الواحد منا يتمنى أن يكون من أبناء المالديف، ليس أكثرها أن هذا البلد رائع الجمال ـ برغم أن هذا الجمال سيندثر تحت ماء البحر ـ ولا أقلها أن هناك مسؤولين في ذلك البلد يفكرون بمستقبل شعبهم بعد سنوات، لا بمصالحهم الذاتية الضيقة خلال الانتخابات النيابية القادمة.
محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 14، 2008

الندم قادم


السيد بوش نادم..
والندم أتى متأخراً بعض الشيء، وربما يشرح أسبابه بشكل أفضل في كتابه الذي ينوي إصداره بعد خروجه من البيت الأبيض وذهابه إلى تكساس التي يعشقها، والتي يرغب في الالتقاء بأصدقائه القدامى فيها.
إلا أن انتظار الكتاب الذي قال إنه سيضمّنه تفصيل لحظات اتخاذ العديد من القرارات الحاسمة في فترة ولايته، لا يمنع التوقف عند مسألتين أساسيتين أبدى سيد البيت الأبيض (حتى هذه اللحظة) ندمه عليهما.
المسألة الأولى يمكن اعتبارها ركناً من أركان حكمه خلال السنوات الماضية، وندمه عليها يعني أنه نادم على كل لحظة قضاها منذ عام 2003 حتى اليوم في الحكم.
إنها الجملة الشهيرة التي غطت خلفية خطابه الذي ألقاه على متن بارجة حربية بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الأميركي على العراق، وهو الخطاب الذي كرر فيه الجملة ذاتها، ومفادها: المهمة انتهت.
هو لم يقل فعلاً إن النصر قد تحقق، وإن الحرب قد انتهت، ولكن كل الأجواء الاحتفالية التي رافقت تلك اللحظة التاريخية كانت توحي بهذا المعنى، وتشي بالإيحاءات الهوليودية التي تعودناها في الأفلام السينمائية الأميركية.
وبعد خمس سنوات من تلك اللحظة، ظهر أن الفيلم لم ينتهِ بعد، وأن البطل لم يُتح له أن يطلق صيحة النصر، وأن المهمة لم تنتهِ، ولذلك فإن بوش نادم.
أما المسألة الثانية التي ندم عليها بوش فهي قوله (عن "الإرهابيين"): عليكم بهم.
هو لم يندم لأن هذا القول يصدر من نفسية تكساسية قائمة على تجاوز كل القوانين والأعراف في تصيّد الأعداء، وإنما ندم لأنه تفوّه بهذه الكلمات في العلن، فقد نبهته السيدة الأولى (زوجته) إلى أنه رئيس الولايات المتحدة، وأنه لا ينبغي له التحدث بهذه الطريقة.
هل يكون هذا الندم هو مقدمة للندم الأكبر الذي عبرت عنه مجموعة من المتطوعين طبعت نسخة مقلّدة من صحيفة "نيويورك تايمز"، وكان الخبر الرئيس في العدد منقسماً إلى ثلاثة أقسام: حرب العراق انتهت، بوش يحاكم بتهمة الخيانة العظمى، ورايس تعتذر بسبب الكذب في شأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
ربما على السيد بوش أن يندم فعلاً عندما يرى أن كل ما كان يحلم به قد انهار، من دون أن يأتيه وحي ما يعلّمه كيف يتعامل مع هذا الندم.

محمود ريّا

السبت، نوفمبر 08، 2008

الصين وموسم القطاف

تبدو الدعوة الأوروبية للصين ودول الخليج كي "تساهم" في حل الأزمة المالية العالمية، مليئة بظواهر القصور في الفهم والعنجهية في الطرح والاستسهال في تحميل المسؤوليات.
رئيس المفوضية الأوروبية يقول إن الصين استفادت من العولمة، وإن على دول الخليج أن تبدي حساً بالمسؤولية. وهكذا يكون على هذه الدول أن تتحمل جزءاً من ـ إن لم يكن كل ـ وزر الأخطاء الكبرى والخطايا التي لا تغتفر التي ارتكبها الطامعون والمغامرون والمستهترون من الغربيين خلال السنوات الماضية، في مسار أوصل إلى الأزمة المالية المستفحلة.
وإذا كانت دول الخليج العربية لا تدري كيف ترد على الدعوة التي وُجهت لها كي "تتحلى بالمسؤولية"، فإن الصين أعلنت سلفاً أنها ستبذل أقصى جهودها للمساهمة في حل الأزمة.. ولكنها لم تنسَ أن تذكّر بأن ستساهم على طريقتها وحسب ما تقتضي مصلحتها، في مقابل أثمان لن تتراجع عنها.
فالصين مهتمة بحماية "الأسواق الاستهلاكية" التي تصدّر إليها بضائعها. وهي أيضاً مهتمة ببقاء النظام الاقتصادي الأميركي قائماً حفاظاً على تريليون دولار أميركي من سندات الخزينة الحكومية الأميركية التي تمتلكها. ولكنها مهتمة أيضاً بتحقيق أهداف سياسية كانت صعبة المنال قبل هذه اللحظة التاريخية التي ترى فيها منقذاً رئيسياً ـ وربما المنقذ الأول ـ للاقتصاد العالمي، من خلال الفائض في احتياط العملات الأجنبية الذي تمتلكه، والذي يزيد عن تريليوني دولار أميركي.
وإذا كانت الأهداف السياسية الصينية متعددة، فإن أكثرها بروزاً هو السعي لإلغاء صفقة تسلح أميركية لتايوان تبلغ قيمتها حوالى ستة مليارات دولار، إضافة إلى إبعاد العين الدولية عنها لجهة اتهامها بانتهاك حقوق الإنسان والقمع في التيبت وسينكيانغ (تركستان الشرقية).
على أن الطلبات الصينية لا تبدو الآن بعيدة المنال، فملف حقوق الإنسان ومعه ملف الأقليات والأقاليم في الصين لم يُفتح في الدوائر الغربية إلا لغايات سياسية تهدف للضغط على الصين في مرحلة صعودها المنافس للقوة الأميركية، وإقفالهما اليوم يمكن أن يتحقق لأسباب سياسية تتلخص بمساهمة الصين في إنقاذ اقتصاد أصدقائها ـ خصومها الغربيين!
ولا يبدو أن الغرب سيعاند كثيراً، كما لا يبدو أن الصين ستتدلل كثيراً قبل أن تبدأ بالقطاف.
محمود ريا