‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس والأقصى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس والأقصى. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

مجلس الأمن.. بين سوريا ولبنان



محمود ريا

جلوس رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان على مقعد رئاسة مجلس الأمن الدولي يثير مشاعر متناقضة في نفس الإنسان اللبناني.

لا شك أن هناك لحظة من مشاعر الفخر ترخي بظلّها على الإنسان، فلبنان هذا البلد الصغير، يقف في موقع "رئاسة العالم" ولو لشهر واحد، ويقدم رئيسه أفكاراً حول العدالة والسلام في سياق الترويج للدبلوماسية الوقائية.

إلا أن الإنسان العاقل لا بد أن يتراجع عن الشعور بالفخر، وينكمش الجو الإيجابي الذي يحيط به، عندما يتذكر أن مجلس الأمن هذا ليس هو المؤسسة التي يبحث عنها محبو العدالة والسلام في العالم، ولا هو المكان الذي يُنتظر أن يصدر عنه ما يحمل الفرح إلى الشعوب المضطهدة في أنحاء العالم.

فهذا المجلس، كان على مدى وجوده، "المطبخ" الذي يتم فيه رسم الخطط التي تؤدي إلى زعزعة الأمن والسلام في العالم، بدل أن يكون المكان الذي تجتمع فيه الدول من أجل إيجاد الحلول لمشاكلها والوصول إلى إقرار العدل وإحقاق الحق، ومن ثم تحقيق السلام.

إلا أنه وبقدر ما يحتويه واقع هذا المجلس من نقط سوداء، فإن لوجود لبنان فيه ـ وفي هذه المرحلة بالذات ـ فائدة أساسية لا بد من التوقف عندها وذكرها.
ولكن قبل ذلك لا بد من العودة بالذاكرة إلى ثماني سنوات إلى الوراء.

في العام 2003 كانت الولايات المتحدة تحضّر الأجواء لعدوانها على العراق، وكانت تريد استخدام مجلس الأمن الدولي كأداة لتبرير هذا العدوان.
في ذلك الحين شاءت الصدف أن تكون سوريا هي ممثل المجموعة العربية، لا غيرها من الدول، وقد اتخذت القيادة السورية موقفاً مشرّفاً في رفض المصادقة على العدوان الأميركي على العراق.

يومها كتبتُ في الانتقاد (وكانت ورقية حينها) زاوية عن الموضوع ختمتها بالقول:

"وتبقى الفضيحة لو أن الدولة العربية الموجودة في مجلس الأمن كانت تقف في مجموعة المؤيدين للموقف الأميركي أو المترددين بين هؤلاء وأولئك، لأنه حينها كان على العرب أن يدفنوا ما تبقى لهم من كرامة .. في الوحل".

ربما من أجل ذلك الموقف ـ وما يماثله من مواقف قومية ثابتة ـ تُعاقب سوريا اليوم وتُحاصر وتُهدّد في مجلس الأمن الدولي.

وبالرغم من أن سيف الهجوم على سوريا ما يزال مثلوماً بسبب الموقفين الروسي والصيني، إلا أن وجود لبنان كمساند وظهير لهذين الموقفين أمر لا يمكن إنكار فوائده.

فلنتصوّر أن حكومة عربية من هذه الحكومات التي تتآمر على سوريا اليوم، والتي تشارك في العدوان الغربي على سوريا (مهما كانت صيغة المشاركة) هي التي تمثّل المجموعة العربية في مجلس الأمن، ولنتصوّر أن هذه الدولة نفثت حقدها على سوريا، وسارت في مشاريع العقوبات، ومثّلت العرب بهذه الطريقة الشنيعة..

.. حينها كان على العرب أن يدفنوا ما تبقى لهم من كرامة، إذا تبقّى لهم شيء منها، في الوحل.

الجمعة، سبتمبر 16، 2011

الإعلام العربي... وأمثال عبد الله كمال



محمود ريا

قد يكون الخبر صدمة للبعض، وقد يسميه البعض الآخر وثيقة، وربما يحق لـ "بوابة الشباب" في صحيفة الأهرام المصرية أن تعتبره "انفراداً" يميّز أخبارها عن أخبار وسائل الإعلام المصرية الأخرى، إلا أنه لمتابع واعٍ يعتبر خبراً عادياً، أو على الأقل هو خبر متوقع.

عبد الله كمال، رئيس تحرير مجلة روز اليوسف بين عامي 2005 و2011 عميل للصهاينة.

عبد الله كمال، "الصحافي" الأشرس ضد حزب الله وحركة حماس وإيران، كان يتلقى أوامره من جهاز معلومات المخابرات والإرهاب التابع لمركز المخابرات الإسرائيلية الموساد، وكان ينفذ أوامر صهيونية من أجل تشويه صورة هذه القوى المقاوِمة في الإعلام المصري.
بل أكثر من ذلك، "لقد طلبت إسرائيل من عبد الله كمال الضغط بواسطة مقالاته بشكل غير مباشر على الحزب الذي ينتمي إليه (عضو لجنة السياسات في الحزب الحاكم سابقاً في مصر) حتى يدفعه للعمل ضد إيران وحماس وحزب الله في مصر ولكي يشكل بمقالاته ضغطا ثقافيا يساعد إسرائيل".

المعلومات تتوسع أكثر من ذلك في شرح تفاصيل التوجيهات الصهيونية وأهدافها، ولكن ما ذُكِر هنا يكفي لاستنتاج بعض الحقائق:

ـ ليس في انكشاف المعلومات عن عبد الله كمال جديد، فهو كان مكشوفاً لدى كل الشرفاء في أمتنا، ولم يكن ينخدع به إلا أولئك السذّج الذين كانوا يصدّقون مقالاته التي كان يتهجم بها على كل شريف ومقاوم في أمتنا.

ـ "إسرائيل" تخترق الجسم الصحافي المصري، وهذا ما تثبته واقعة عبد الله كمال، فهو ليس وحده من يعمل في خدمة الأجندة الصهيونية، وإنما هناك العشرات من مثله الذين يقدّمون "الخدمات الإعلامية" للعدو، طوعاً أو طمعاً.

ـ "إسرائيل" تخترق الجسم الصحافي العربي بمجمله، وهناك الكثير من المواضيع والتقارير والتحقيقات والتحليلات التي تُكتب في مطابخ الاستخبارات الصهيونية، ومن ثمّ تُنشر في وسائل الإعلام العربية، ممهورة بتوقيع صحافيين كبار أو صغار من عالمنا العربي.

ـ إن انكشاف عمالة عبد الله كمال لـ "إسرائيل"، وعمله وفق توجيهاتها، ليس نهاية المطاف، وإنما هو مجرد بداية لكشف حجم ارتهان بعض الأقلام العربية للإرادة الصهيونية، لا بل لأوامر الضباط الصهاينة المباشرة. وبناءً على ذلك فإن أسماءً عديدة تدّعي أنها عربية وتعمل في صحف عربية ستظهر حقيقة عمالتها خلال مرحلة مقبلة، ومن هذه الأسماء من يملك صحفاً يخصّصها للتهجم على القوى نفسها التي أمرت المخابرات الصهيونية عبد الله كمال أن يهاجمها في المجلة التي كان يصادر قرارها في مصر.

ـ إن عبد الله كمال هو "غراب في سرب من الكتّاب" الذين تخصصوا بمهاجمة قوى المقاومة في المنطقة، وبعضهم "نال شرف" نشر مقالاته على موقع وزارة الخارجية الصهيونية (التواصل)، وقد وصفت وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني هؤلاء الغربان في اجتماعٍ خاص بخلية أزمة تم تشكيلها في الوزارة خلال العدوان على غزة بالقول: "إن هؤلاء سفراء إسرائيل لدى العالم العربي، وأفضل مَن يُوصِّل وجهة النظر الصهيونية إلى الشارع العربي بشأن حركة حماس والمقاومة!".

ـ إن هؤلاء "الصحافيين" يعملون لدى رب عمل واحد متعدد الرؤوس، فمنهم من يخدم الاستخبارات الأميركية (سي آي أيه)، ومنهم من يخدم الاستخبارات الصهيونية (الموساد)، ومنهم من يعمل في خدمة أجهزة استخبارات عربية، هي بدورها تخدم الأميركيين والصهاينة.

ـ إن مبلغ الخمسمئة مليون دولار الذي تحدث عنه العرّاب الأميركي جيفري فيلتمان والذي فُرِز لـ "تشويه صورة" حزب الله في العالم العربي هو دفعة من مبالغ كبيرة توزَّع فُتاتاً على ممتهني تجارة الكلمة وحاملي أقلام الحقد المشحونة بلوثة الخيانة والعمالة لأعداء الأمة.

هناك الكثير من الحقائق والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه الواقعة، ولكن لا بد من الاختتام بالقول إن أمتنا التي لفظت عبد الله كمال بعد انكشاف عمالته ـ بالوثائق والأدلّة ـ ستتمكن في المقبل من الأيام من فضح العملاء الآخرين ـ كباراً وصغاراً ـ وستضعهم في مكانهم الذي يستحقونه: مجرّد مخبرين عملاء يتقاضون ثمن الكلمة الآثمة دراهم معدودة، وستكون نهايتهم كنهاية كل عميل، مهما لمّعت أسماءهم وسائلُ الإعلام التي يموّلها البترودولار، والتي تعمل في خدمة الصهاينة والأميركيين.

الأربعاء، سبتمبر 14، 2011

إعلام الفتنة.. هل يذكر مساجد الضفة؟





محمود ريا


لم أعد أشاهد قنوات "الرأي والرأي الآخر" و"أن تعرف أكثر" منذ فترة طويلة، لأن ما تبثه من فتن ومن كيد سياسي، وما تقدمه من خدمة لمشاريع الأعداء التي تستهدف شعوبنا، بات أكبر بكثير من القدرة على التحمل.

بناءً على ذلك فأنا "لم أحظَ بشرف" معرفة كيفية تعاطي هذه القنوات مع جريمة استهداف المستوطنين الصهاينة لمسجد بلدة يتما في الضفة الغربية، وتدنيس حرمته.

وقبل ذلك ـ وللسبب نفسه ـ لم أعرف كيف تعاملت وسائل إعلامنا العربية ـ العالمية مع إحراق المستوطنين لمسجد النورين في قرية قصرة في الضفة أيضاً.


إلا أن تجربتي مع هذه القنوات لا تجعلني أميل كثيراً للتفاؤل في توقع كيفية تغطية هذين الحدثين الخطيرين واللذين ينذران بحرب عدوانية شاملة على المساجد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ففي 18 آب الماضي، وبينما كانت معركة حقيقية تدور في جنوب فلسطين المحتلة، إثر عملية إيلات البطولية، كان لا بد من متابعة آخر التطورات من كل المصادر الممكنة، فوقفت آلة التحكم عند محطة "الرأي والرأي الآخر" في فترة حصاد اليوم التي تبث ليلاً، وكانت المفاجأة.

المعركة الكبيرة، والتي كانت لا تزال مستمرة، في إيلات لم تستأهل من فترة "حصاد اليوم" إلا دقائق معدودة في ربع الساعة الأخير من الفترة الممتدة على مدى ساعة كاملة.

أما الأرباع الثلاثة الأولى من الفترة فكانت ـ كعادة القناة هذه الأيام ـ مخصصة لمتابعة التطورات في سوريا، حيث مرت الدقائق والقناة تستعرض الأحداث الميدانية، وتصريحات المعارضين والمواقف الدولية، وآراء المحللين من واشنطن وباريس، وتقارير وثائقية وأخرى إخبارية، وكلّها "مزيّنة" بمشاهد مكررة معادة مستهلكة لصور بعضها يعود إلى أشهر، وبعضها الآخر تم تصويره قبل أيام.

ليس هنا مجال الحديث عن القنوات التي تضخ الفتنة وتروّج للشقاق، فهذه القنوات فقدت ثقة الجمهور الذي يريد أن يعرف ماذا يحصل في فلسطين، والذي يعتقد أن المواجهة الحقيقية هي مع العدو الصهيوني، وأن ما يحصل من مآسٍ في الدول العربية لا يجوز أن يُنسينا المأساة الكبرى والداهية العظمى التي تنتظرنا جرّاء التغوّل الصهيوني على فلسطين ومقدّساتها، وعلى القدس ومسجدها، وعلى الأقصى وقبّته، والأيام الماضية حملت المزيد من الأخبار عن الأنفاق التي تكاد تزلزل أساسات هذا المسجد العظيم.

على كل حال فإنني ـ كما قلت ـ لم أعد أتابع هذه القناة ومثيلاتها، حتى أعرف إن كانت قد سمعت بصيحات الإنذار عن الوضع الذي بات عليه المسجد الأقصى، وإن كانت بثّت الأخبار المتعلقة بالأنفاق التي تشق تحت أساساته مهددة بانهياره.


وحتى لو كانت هذه القناة قد ذكرت الخبر، فربما يكون ذلك من أجل استرجاع بعض مصداقية فقدتها يوم تحوّلت إلى نسخة من ذلك الذي يعلن عن قطع العلاقات مع "إسرائيل" في اللحظة ذاتها التي يوافق فيها على نشر الدرع الصاروخية على أراضي بلاده، لحماية أمن "إسرائيل" نفسها!

الاثنين، سبتمبر 05، 2011

إعلامكم.. ليس منا




محمود ريا
أي جريمة أكبر من الجلوس أمام مجرم كبير كشمعون بيريز، والاستماع إليه وهو يطلق مواقف سياسية من قضايا المنطقة، في حين أن يديه تقطران دماً من شرايين الأطفال والنساء الذين قتلهم كيانه على مدى السنوات الماضية.

قد لا يكون هناك أكبر من هذه الجريمة، إلا أن تستضيف قناة فضائية عربية تحمل اسماً عربياً رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين ناتانياهو في لقاء خاص كي يرغي ويزبد ويطلق تهديداته ووعيده بحق أبناء منطقتنا.

بين هذه الجريمة وتلك يبدو واضحاً مدى النجاح الذي حققه العدو في اختراق إعلامنا، وفي وضع يده على مفاصل أساسية فيه، مستنداً إلى دعم كامل من مسؤولين في هذا الإعلام، ومن مسؤوليهم، الذين يمدّونهم بالمال ويصدرون لهم الأوامر، ويطلبون منهم السير في مسار التطبيع إلى منتهاه.

إنه العصر العربي الأسود، الذي يسمح لبيريز وناتانياهو أن يخرجا على وسائل إعلام عربية كي يقلبا الحقائق ويهاجما القادة العرب وينفيا وجود خلاف بين العرب وإسرائيل، ويعملا على تحويل المشكلة في المنطقة إلى صراع بين العرب ـ ومعهم إسرائيل ـ وبين إيران.

بل إنه العصر الكالح الذي يجعل من الخبر الفلسطيني خبراً صغيراً محشوراً في ختام نشرة أو في صفحة داخلية في وسائل الإعلام العربية ـ العالمية، في حين تفرد صدارة النشرات لتأليف أخبار وتركيب فيديوهات، والعمل على إثارة النعرات بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة.

إنها المنظومة الإعلامية العربية التي باعت نفسها لأنظمة الاعتلال العربي وعملت تحت لواء المصالح الشخصية لأمراء وملوك امتهنوا تطبيق أوامر السيد الأبيض، دون الوقوف عند ما يريده أبناء الأمة، أو البحث عما فيه مصالح الناس ومستقبل الشعوب.

هو يوم أغبر، ذلك اليوم الذي تتحول فيه قنوات إعلامية تدّعي المهنية، وتزعم أنها تتمتع بالمصداقية، إلى أبواق للقادة الصهاينة، يمررون من خلالها حقدهم ولؤمهم وسمومهم ومشاريعهم الإرهابية ومخططاتهم الفتنوية.

إنه إعلام مسخ، مهما تطاول، ورفع شعار العالمية والحداثة والتطور والسير في ركاب المستقبل، إنه إعلام ساقط في نظر كل من يحمل في نفسه حب الأمة والسهر على آمالها والإحساس بآلامها.

وإذا كان الإعلاميون الذين حضروا مجرمين بحق أمتهم، فهم مجرد وكلاء لمجرمين أكبر أعطوهم الإذن، ووفروا لهم الأجواء، وفتحوا لهم دهاليز الخيانة والارتهان للعدو، وهؤلاء وأولئك هم خدم عند خدم للعدو الصهيوني، ولراعيه الأميركي الذي يفرض عليهم خط سيرهم، وطريقة مشيهم، لا بل يفرض عليهم لون عيونهم وساعة نومهم.

ليس هذا الإعلام منا، مهما حاول أن يتلوّن بالألوان العربية، لا يمثلنا ولا يعبر عنا، حتى ولو لبس مئة "شماغ"، ووضع ألف "عقال" ونادى باسم العرب عند كل منقلب.

إنه ليس منا، إنه إعلام غير صالح، غير ناجح، لا نرتجي منه أن يحمل قضايانا، حتى لو غشّ البعض منا في يوم من الأيام.

يا أيها المطبّعون العرب.. لكم إعلامكم.. وللعرب إعلامهم.

الثلاثاء، أبريل 05، 2011

ثورات العرب.. والمسجد.. والزلزال



محمود ريا

كان العرب قد اعتادوا أن يسمعوا كل يوم نبأ استشهاد فلسطيني أو اثنين أو أكثر في قصف أو اعتداء أو اشتباك.
اعتادوا الخبر إلى درجة أن عرضه كخبر أول في نشرات الأخبار كان يدفعهم دائماً إلى انتظار الخبر الذي يليه، لأنه قد يكون أكثر جِدّةً وإثارةً. وسار الأمر على هذه الحال، أجيالاً وراء أجيال، إلى أن وصلنا في هذه الأيام إلى ما هو أسوأ بكثير من هذه الحال.

لقد وصلنا إلى لحظة بات فيها الخبر الفلسطيني ملحقاً بنشرات الأخبار، فيقتل الواحد والخمسة والعشرة، فلا يجد هذا الحدث مكاناً له في نشرة الأخبار كلها، فضلاً عن وجوب احتلاله صدر النشرات في المحطات التلفزيونية والإذاعية وعلى صفحات الصحف ومواقع الإنترنت.

صحيح أن اهتمامات العرب تنوعت وتشعبت خلال الفترة الماضية، وصحيح أن الكثير مما يحظى بالاهتمام هو مهم فعلاً، ولكن هذا لا يعني أن تطمس أخبار هذا البلد أو ذاك، وهذه الثورة أو تلك، أخبار فلسطين، وهي أخبار تتجدد كل يوم، لا بل كل ساعة لمن لا يعرف ذلك، أو لمن يريد تجاهل ذلك.


كم مواطناً فلسطينياً مثلاً استشهد خلال الأسبوع الماضي؟ كم طفلاً قتلوا وهم يلعبون بكرة القدم (هل سمع أحد بأن أطفالاً قتلوا وهم يلهون في قطاع غزة قبل أيام)؟ كم مستوطنة بنى الصهاينة في الضفة وحول القدس، وكم بيتاً فلسطينياً هدموا؟ كم قانوناً عنصرياً أقرّوا بهدف تشريد ما تبقى من مواطني الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948؟ أكثر من ذلك...

هل سمع أحد بالخبر الذي مرّ بخجل في شريط الأخبار في إحدى المحطات التلفزيونية ومفاده أن المسجد الأقصى سيكون عرضة للانهيار بشكل كامل إذا ضربت هزة أرضية قوتها أربع درجات فقط على مقياس ريختر الأراضي الفلسطينية؟


وإذا كان أحدنا قد سمع الخبر، فهل يعرف لماذا سيكون مصير المسجد الأقصى التهديم نتيجة هزة أرضية تعتبر بسيطة جداً إذا ما قورنت بالزلازل العظمى التي ضربت اليابان في الفترة الأخيرة؟


لمن لا يعرف، فإن السبب ببساطة هو الأنفاق التي شقّها ويشقّها الصهاينة الغاصبون تحت أساسات المسجد، والتي أدت إلى خلخلة هذه الأساسات وإلى تحويل المسجد إلى مبنى هشّ لا يمكن أن يصمد حتى أمام عاصفة عاتية تضرب الأراضي الفلسطينية.


السبب هو السرطان الصهيوني الذي تغلغل في مفاصل البنى الفلسطينية وفي حياة الفلسطينيين ويكاد يدمر مستقبلهم تماماً كما هو يهدد بتدمير المسجد الأقصى، إما انهياراً بهزّة أرضية، أو مباشرة عبر اعتداءات ينفذها المستوطنون غير آبهين بكل الاحتجاجات اللفظية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.


الثورات التي تحصل في عالمنا العربي مهمة جدا، ومن الضروري الاهتمام بها، ولكن هذه الثورات تستحق أن تكون في مركز الرؤية بقدر ما تقرّبنا من فلسطين، وبقدر ما تقدّم من دعم للمجاهدين من أجل تحرير القدس والأقصى، لأن أي دولة عربية لن تبقى بخير، ولن تحقق آمال شعوبها، ما دام كيان الاحتلال في ساحة الوجود.

الخميس، أغسطس 27، 2009

بلا مواربة: اللغة تختصر بمقطعين

محمود ريا

لمن لم يقرأ قصة الكاتب التركي المعروف عزيز نيسين (آه منا نحن الحمير) يمكن تلخيصها له ببعض عبارات تحمل في طياتها الكثير من المعاني.


تحاول القصة أن تشرح للبشر لماذا تقتصر لغة الحمير على مقطعين فقط هما (هـ...ا هـ...ااا) أو ما اعتدنا نحن البشر على أن نسميه بالنهيق.

ينقل الكاتب القصة عن لسان حمار يخاطب البشر ويروي لهم "حادثة تاريخية" حصلت في قديم الزمان، وحوّلت لغة الحمير من لغة غنية بالمفردات والأصوات (تماماً كلغة البشر) إلى لغة فقيرة يعبر من خلالها الحمير عن كل مشاعرهم بمقطعين فقط.

وباختصار شديد فإن "الحادثة التاريخية" التي أدت إلى "ربط ألسنة" الحمير هي أن حماراً عجوزاً كان يرعى في البراري وحده وهو يغني الأغاني الحميرية، فتناهت إلى أنفه رائحة ليست طيبة، هي رائحة ذئب.

لقد حاول الحمار العجوز تجاهل الرائحة، وكلما كانت الرائحة تقترب كان ينفي وجود الذئب، وهو يعلّل هذا النفي بشتى العلل، من دون أن يتحرك من أرضه بالرغم من الرعب العظيم الذي داخَلَه، والذي أنكره في الظاهر.

ولما أصبح الذئب قريباً جداً، ورآه الحمار المنكر له رأي العين، أراد الحمار العجوز الهرب دون أن يقر حتى تلك اللحظة بوجود الذئب بقربه، يهدده ويكاد يفترسه.. إلى ان وقعت الواقعة وعضه الذئب في أنحاء جسده.. عندها بدأ يصرخ:
"ـ هـ...ااا، إنه ذئب، هـ...ااا، هو... هـ...ااا.. هوووو.

الذئب يمزقه، وهو بسبب ارتباط لسانه لا يصرخ إلا:

ـ هـاااا.. هووو.. هااا، هـ....ااا، هـاااا.

سمعت الحمير كلها صراخ الحمار من الجيل القديم بآخر كلماته حيث كانت تردد أصداءها صخور الجبال، وهو يتمزق بين أنياب الذئب:

ـ هاااا، هااااا، هاااا.."

ويختم الكاتب القصة بالقول على لسان الحمار الذي يروي القصة: "ولو لم يخدع نفسه ذلك الحمار ابن الجيل القديم حتى وصل الخطر إلى تحت ذيله، كنا سنبقى على معرفة بالكلام".

بعد هذه القصة "الواقعية" يطرأ سؤال: متى ستتحول لغة بعض العرب إلى مقطعين فقط، وهم يرون الخطر الصهيوني تحت ذيلهم ثم ينكرونه متعللين بمختلف العلل؟

السبت، أغسطس 01، 2009

بلا مواربة: يأس.. ويأس


بعد صرخة القدس هاك صراخ كثير، وإذا كانت المدينة المقدسة لم تجد من يدافع عنها، فهل ستجد يافا وحيفا، ومعهما الجليل والنقب من يقف ليقول: كفّوا عن تهويد الأرض والبلاد وعن حرمان الناس من حقهم في الحياة؟


اليائس من ان تسمع الآذان الصماء صرخة مسرى الرسول، سيكون أكثر يأساً من سماع هذه الآذان لصرخة مدن اعترف عتاة العرب بأحقية الصهاينة بها، وهم يتواطأون مع حكومة العدو على محو هويتها التاريخية العربية والإسلامية للخلاص من "وجع الرأس" الذي يثيره النداء المنطلق من مئات الآلاف من الفلسطينيين العرب المسلمين والمسيحيين الذين لا يكفون عن الحراك منعاً لتهويد أرضهم وتاريخهم ومستقبلهم.


اليائس من ان يتحرك من فرضوا انفسهم زعماء على العرب كي ينقذوا المسجد الأقصى الذي باتت الأنفاق تحفر أرضه وتتركه خاوياً فوق خواء، سيكون أكثر يأساً من تحرك هؤلاء لإنقاذ أرض باتت بحكم استسلام العرب جزءاً من "دولة إسرائيل" المعترف بها من معظم الأنظمة التي باتت تتسابق للتطبيع معها وتقديم صنوف "الإغراءات" لها كي تقبل بـ"السلام".


إنه يأس كبير، إنه كيأس "الكفار من أهل القبور".


ولكن هناك بالمقابل يأس آخر.


إنه يأس الصهاينة والأميركيين ومن يقف معهم من القدرة على القضاء على الشعب الفلسطيني وإخراجه من الوجود، سواء داخل أراضي الـ48 أو في الضفة وغزة والقدس.


هذا اليأس هو الأمر الوحيد الذي ما زال يمنع الصهاينة من تنفيذ ضربتهم الكبرى في تهجير الفلسطينيين ومنعهم من التفكير بالعودة إلى هذه الأرض.


إنها إرادة المقاومة وإرادة الصمود التي لن يستطيع أحد القضاء عليها، ولا حتى العرب الذين يملأون الجرائد هذه الأيام بالحديث عن فوائد "التوطين".


محمود ريا

الانتقاد ـ العدد 1357 ـ 31 تموز/يوليو 2009

الاثنين، يوليو 27، 2009

بلا مواربة: التاريخ سيلعن صمتكم


هل سمع أحد منا بالقدس؟

هل مرّ اسمها على خاطره، أو رسمها في تخيّله؟

هل تذكّر قبابها المميزة ومساجدها المقدسة وكنائسها ومدارسها وأزقتها؟


هل طرق قلبه صياحها ونداؤها واستغاثتها؟

أم اننا "على قلوب أقفالها"؟

المدينة المقدسة، رمز عزتنا ومهوى أفئدتنا، تدنّس، تهوّد، تمسخ شخصيتها، تهدم منازلها، تقوّض أركان مسجدها، وأمتنا سابرة في غيّها، مغرقة في صمتها، سابحة في استسلامها، لا تحرّك ساكناً ولا تحقّ حقّاً أو تزهق باطلاً.

هذه الأمة، المترامية الأطراف، المتعددة الدول والرؤوس والمقامات، المالكة لما لا يحصى من الثروات، إن لم تتحرك الآن فمتى تتحرك؟ "إن لم تغضب الآن، فمتى تغضب؟"

هذه الشعوب التي تهتم بأي شيء إلا بمصيرها وبمستقبلها، متى تلتفت إلى قدس أقداسها وهو يوجّه إليه الضربة الأخيرة.. القاصمة؟

يا ناس، أيتها الشعوب، أيها القابعون في دهاليز التاريخ وعلى رفوف الحاضر وفي غياهب المستقبل، استفيقوا، أرض الميعاد توجه كلمتها الأخيرة إليكم، بعدما يئست من سماعكم لنداءاتها، وأيقنت عجزكم عن السعي لاستنقاذها.

قدس أقداسكم تقول لكم:

أيها النائمون في زمن أقل ما يُطلب فيه هو الاستيقاظ، أيها التاركون مسرى نبيكم في أيدي اللئام، يقسّمون ويهدمون، ولمستوطناتهم على أرضها يبنون، أيها الفاشلون في اتخاذ زمام المبادرة والعمل على تحرير المسجد الأقصى وقبّة الصخرة وكل ما يحيط بهما...

قدس أقداسكم تقول لكم: التاريخ سيلعن صمتكم... الحاضر سيدين عجزكم، والمستقبل في صفوف المنقرضين الخانعين الخائفين سيدرجكم.


إن لم تتحركوا الآن.. فالقدس ستلعنكم.


محمود ريا
الانتقاد ـ العدد1356 ـ 24 تموز/يوليو 2009

الأحد، أبريل 26، 2009

بلا مواربة: إنهم ليسوا منا


كُتب كثيراً عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وقيل الكثير بالإيجاب والسلب عن شخصيته وعن مواقفه وعن كل شيء حوله.
وكُتب الكثير أيضاً عن وقفته أمام العالم، سواء في الأمم المتحدة، أو في مؤتمر مناهضة العنصرية، أو في أي مؤتمر آخر يشارك فيه، إذ يقول كلمته بلا تزويق وبلا دبلوماسية.. وبلا نفاق.
وما وقفته في مؤتمر ديربان ـ2 في جنيف قبل أيام إلا واحدة من تلك الوقفات، لم يزد ما قاله فيها عمّا قاله في مكان آخر.. إنه ـ ببساطة ـ الحقيقة حول الجرائم الصهيونية التي يراها العالم كله ولا يجرؤ على انتقادها إلا النزر اليسير من الناس.
ما يجب التوقف عنده ليس خطاب أحمدي نجاد الذي رأى فيه الإعلام الدولي شيئاً عجباً، في الوقت الذي يعرف مفردات هذا الخطاب كل طفل وكبير وصغير في منطقتنا، إلى درجة أن الكثير منا كان يظن أن أحمدي نجاد يتحدث عن معاناته الشخصية مع الاحتلال الصهيوني العنصري في كل فقرة من الخطاب.
ما يجب التوقف عنده فعلاً هو المظاهر التي رافقت الخطاب في مؤتمر دولي عالمي له أصوله وبروتوكولاته الدقيقة والمحددة، حيث كانت حالة الهرج والمرج التي سادت القاعة بمثابة خطة مبرمجة من قبل منظمات وجهات محددة، سواء لجهة محاولات "التهويش" على الخطاب، أو لجهة انسحاب العديد من الوفود "الغربية" من القاعة "احتجاجاً" على الاتهامات التي وجهها أحمدي نجاد لـ"إسرائيل"، وإعادته التأكيد على كون الصهيونية وجهاً من وجوه العنصرية.
حتى هذه الحالة يمكن إمرارها، فالأمر الطبيعي هو أن تقوم القوى المتضررة من الخطاب بمحاولة التشويش عليه حفظاً لصورة "إسرائيل" التي باتت مشوّهة أمام العالم إلى درجة مثيرة للقلق لدى الحلفاء والأصدقاء.
ما أثار العجب لدى البعض من أبناء أمتنا هو انسحاب وفود تمثّل دولاً عربية مع الوفود الأوروبية احتجاجاً على اتهامات أحمدي نجاد، وهي دول تعرّض أبناؤها للكثير من الجرائم الصهيونية المنطلقة من مواقف عنصرية واضحة للعيان.
لهؤلاء المتعجبين يمكن القول: لا تتعجبوا فهؤلاء المنسحبون ليسوا منا، ولا يمثلون شعوباً عربية، وإنما يمثلون بقايا الغرب المتسلطين على رقاب هذه الشعوب.. وسيأتي اليوم الذي يرحلون فيه.. كما رحل أسيادهم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1343 ـ 24 نيسان/أبريل 2009

الجمعة، يناير 23، 2009

يا غزة

كتب محمود ريا

كل الدروب تؤدي إليك يا غزة
كل المعابر، من كل المدن والقرى والدساكر
لا باب يقفل دونك، ولا منفذ يُسدّ
لا أمنية لك ترفض، ولا طلب يرد
لك يُتلى نشيد النصر، من كل المنابر.
يا غزة
يا قدراً رسمته أنامل صغيرة
برزت من بين الركام
يا أملاً غذّته دماء أطفال
سرقوا منهم الأحلام
يا أفقاً رحباً لم تقدر
كل قنابل الكون
وكل خونة الكون
وكل جبابرة الكون
أن تقفله في وجه مقاوم.. "مغامر".
صمودك درس لمن يهوى
أن يتعلّم الدروس
هو تاج لمن يأبى
أن تُحنى منه الرؤوس
هو فخر
هو عز
لمن يبتغي العزة
ولمن يطلب المفاخر.
يا غزة
يا من كشفتِ
عن أمة مستفزّة
أمة تنتظر الفرج
لحظة بعد لحظة
تمشي وراءه
على خطى مقاوم
أبى الركوع
وكره الخضوع
لعدو ماكر
وسلطان جائر.
يا غزة
كتبتِ التاريخ الجديد
رسمت بأحرف من دماء
الغد المجيد
وأعلنتِ بكل قوة
بكل ثقة
بكل تضحية
أن النصر الذي كان
هو نقلة أخرى
على طريق المآثر.
والنصر الكبير
عرس التحرير
آت مع القدس
مع الأقصى
مع النهر
ومع البحر
رغماً عن كل غادر
يحارب الحق
يجانب الصدق
يعادي الله
ويغلق في وجهك
كل المعابر

الصين وروسيا في غزة: مواقف باهتة من منطلقات متشابهة

كتب محمود ريا
من بين كل المواقف الدولية التي صدرت على هامش العدوان الصهيوني على قطاع غزة، كان من اللافت بقاء المواقف الصينية والروسية من هذه الأزمة تحت سقف المأمول من قبل أبناء الأمتين العربية والإسلامية، ولا سيما في ظل حديث المحللين في الفترة الأخيرة عن بوادر صدام صيني روسي من ناحية وأميركي من ناحية أخرى على خلفية تحقيق النفوذ في منطقتنا.

الصين: خطة.. وصواريخ

مر ذكر الصين خلال أزمة غزة مرتين، الأولى عندما تحرك المبعوث الصيني إلى الشرق الأوسط سونغ بي في جولة على عدد من دول المنطقة ناقلاً خطة من خمس نقاط لوقف إطلاق النار، لم يتسنّ لها أن تخضع للدرس في ظل كثرة المصرّحين وندرة الفاعلين في وقف العدوان، والثانية عندما تحدثت معلومات صحافية أجنبية عن إطلاق المقاتلين الفلسطينيين صواريخ متطورة على المستوطنات الإسرائيلية ذات منشأ صيني، بل قيل إن هذه الصواريخ لم تستخدم حتى في الصين نفسها حتى الآن.
غير ذلك لم يكن للصين أي ذكر في الأزمة الحالية إلا من خلال الموقف الصيني في مجلس الأمن الدولي، وهو الموقف الذي جاء مؤيداً للموقف الرسمي العربي، وساهم في إصدار القرار الدولي رقم 1860 الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، إلا أنه لم يطبق بشكل فوري ولا يعرف أحد مصيره بعد ذلك.
وربما يكمن جوهر الموقف الصيني الباهت من الأزمة في غزة في نقطتين أساسيتين:
الأولى: تشتت الموقف العربي الرسمي، ووقوف الدول العربية المؤثرة نفسها موقفاً أكثر من باهت في هذه الأزمة، ما جعل أي مقارنة لمواقف الدول الأخرى مع الموقف العربي تعطي أرجحية في غير مصلحة العرب بالتأكيد.
الثانية: هوية القوة الرئيسية التي تواجه العدوان الإسرائيلي، وهي منظمة إسلامية، الأمر الذي يثير كثيراً من الحذر لدى الصين التي تعلن بشكل دائم أنها تعاني من مشكلة كبيرة مع منظمة إسلامية (تراها مشابهة لحركة حماس) في منطقة سينكيانغ (تركستان الشرقية)، وهي منظمة تدعو إلى استقلال تلك المنطقة ما يثير الحساسية الكبيرة لدى الصين حول وحدة ترابها، في الوقت الذي تعاني منه من مطالب انفصالية أخرى في التيبت التي تجاور ـ للمصادفة ـ منطقة سينكيانغ.
وتبقى نقطة ثالثة لا بد من الالتفات إليها، وهي التطور الكبير في العلاقات بين الصين وإسرائيل في الفترة الأخيرة، في ظل حاجة الصين للتكنولوجيا الإسرائيلية في كثير من النواحي، وهي علاقة لن تضحي الصين بها من أجل طرف آخر لا يجلب الكثير من المنافع لها، بل هو يدخلها في مشكلة مع أنظمة عربية فاعلة تعوّل عليها في علاقاتها الاقتصادية.
من خلال هذه المعطيات يمكن تكوين صورة أولية للخلفية التي حكمت الموقف الصيني الرسمي من الأزمة والذي لم يكن ليرضي الكثير من الأطراف العربية التي كانت قد بدأت ترى في الصين عنصراً موازناً في المعادلات الدولية، مقابل السيطرة الأميركية شبه المطلقة على التطورات في المنطقة.
إزاء كل ذلك اقتصر الموقف الصيني على الحديث عن الوضع الإنساني في غزة، وعلى الدعوة المتكررة، وعلى لسان أكثر من مسؤول في الخارجية الصينية، إلى وقف فوري لإطلاق النار، وهي دعوة لم تلقَ أي صدى إلا من خلال المعطيات الملموسة على الأرض والتي تمثلت في العجز الإسرائيلي عن الوصول إلى الأهداف المتوقعة من الهجمة العنيفة على غزة.

روسيا: مبعوث.. وسفينة

كما الصين روسيا، لم يكن موقف موسكو من الأزمة أكثر حيوية، بل إن الموقف الروسي تمثل في تفهم أكبر للعملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وقد عبرت موسكو عن هذا التفهم من خلال قمعها لتظاهرة منددة بالعدوان الإسرائيلي على القطاع في شوارع العاصمة الروسية.
وكما وصل المبعوث الصيني سونغ بي إلى المنطقة في جولة مكوكية، كذلك جال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف في عدد من العواصم متحدثاً عن ضرورة حصول وقف فوري لإطلاق النار، مع إطلاق بعض مواقف الإدانة اللفظية للوحشية الإسرائيلية التي ظهرت جليّة في قطاع غزة.
وفي مجلس الأمن كذلك، كان الدور الروسي مطابقاً للدور الصيني في تأييد الموقف العربي الرسمي الذي توصل إلى القرار الدولي رقم 1860، دون أن يكون لموسكو أية تدخلات تفوق الحد المتوقع في التعاطي مع هذا الملف الحساس.
وفوق ذلك، فإن ما أثير في وجه بكين من أحاديث عن صواريخ صينية وصلت إلى المقاومة الفلسطينية، أثير مثله في وجه روسيا عند حديث مسؤولين إسرائيليين عن وجود سفينة حربية روسية قبالة الشواطئ السورية في البحر الأبيض المتوسط تقوم بمراقبة وتسجيل كل ما يحدث في قطاع غزة، محاولين الإيحاء بأن وجود هذه السفينة يشكل عامل قلق للجيش الإسرائيلي.
وربما لا تختلف منطلقات الموقف الروسي البارد من الأزمة في غزة عن منطلقات الموقف الصيني، حيث الرغبة في الاصطفاف إلى جانب الموقف الرسمي العربي، و"النقزة" من "الخلفية الأصولية" للمنظمة التي تخوض الصراع مع إسرائيل، إضافة إلى الحرص على العلاقات مع تل أبيب والسعي إلى عدم الخروج عن الموقف الدولي الذي بدا أكثر حماسة من إسرائيل نفسها لإنزال الهزيمة بحركة حماس.
المتابعون لموقفي روسيا والصين من الأحداث وصلوا إلى قناعة قوية بأنه ما زال من المبكر التعويل على موقف "شرقي" مختلف عن موقف الغرب في المنطقة، بالرغم من كون ما يحصل في منطقتنا هو محاولة أميركية لمنع أي تسرب لنفوذ منافس لنفوذ واشنطن على منابع النفط والمحور الذي يدور حوله العالم منذ فترة طويلة، وسيبقى كذلك إلى وقت غير معلوم.

الأربعاء، يناير 14، 2009

أغنية لغزة من مايكل هارت




WE WILL NOT GO DOWN (Song for Gaza)
(Composed by Michael Heart)



A blinding flash of white light
Lit up the sky over Gaza tonight
People running for cover
Not knowing whether they’re dead or alive

They came with their tanks and their planes
With ravaging fiery flames
And nothing remains
Just a voice rising up in the smoky haze

We will not go down
In the night, without a fight
You can burn up our mosques and our homes and our schools
But our spirit will never die
We will not go down
In Gaza tonight

Women and children alike
Murdered and massacred night after night
While the so-called leaders of countries afar
Debated on who’s wrong or right

But their powerless words were in vain
And the bombs fell down like acid rain
But through the tears and the blood and the pain
You can still hear that voice through the smoky haze

We will not go down
In the night, without a fight
You can burn up our mosques and our homes and our schools
But our spirit will never die
We will not go down
In Gaza tonight

الأحد، يناير 11، 2009

دم على أيديكم

أخاطبكم وأنا مستاء لاضطراري لمخاطبتكم.
أقول لكم ما لا يمكن لكم أن تتبرأوا منه، ولا أن تعلنوا فراركم منه، بل أقول لكم ما بتّم تعلنونه جهاراً نهاراً، وبعضكم صار يعتبره مصدر فخره.
أعلن بالفم الملآن أنكم مجرمون قتلة، يلطخ الدم الفلسطيني أيديكم، وتسكن جثث أطفال غزة ذممكم، وتهيم بحثاً عن ضمائركم التي لا مكان معروفاً لها، وربما ليس لها وجود.
أنتم أيها الصامتون، أيها المتواطئون، أيها المتآمرون، أيها المجرمون.
يا كل من تحمّل مسؤولية في دولة عربية، ووقف يتفرج على ما يقوم به برابرة العصر الصهاينة، صمت في أحسن الأحوال، وتآمر ودعم وحرّض في أسوأها.
إنني أتهمكم في وطنيتكم، في عروبتكم وإسلامكم، في إنسانيتكم وأصل وجودكم.
إنني أتهمكم في حقيقة موقفكم وفي توجهات مشاعركم وفي خلفيات قراراتكم.
أتهمكم بأخلاقكم وبدينكم وبكل ما يمكن أن يكون لديكم من قيم.
أتهمكم وقرار الإدانة جاهز، لا يحتاج إلى مرافعات ولا لمحاكم.
فدماء الأطفال في شوارع غزة لا يمكن أن ترحمكم، ولا أن تبرئكم، ولا أن تترككم من العقاب.. يوم العقاب.
الجثث المرمية في شوارع عجزكم، وزواريب نفاقكم، ومنازل مكركم وخداعكم، ستطاردكم وسترجمكم بلحمها العاري الذي قطّعتموه بصمتكم وعجزكم وخزيكم، والذي سلّمتموه لعدوكم بأيديكم، معلنين البراءة من الدم ومن اللحم، حفظاً لتيجانكم.
لن تبقى لكم تيجانكم، وبلادكم ستتبرأ منك، وأنا أتبرأ منكم.
أما التاريخ.. فهو من سيجد لكم المكان الذين تستحقونه على صفحاته.. وربما يكون هامش التاريخ كثيراً عليكم.
محمود ريا

السبت، يناير 03، 2009

عالم لا يفهم... إلا بالقوة


بعض الكلام الذي نسمعه يثير في أنفسنا سخرية سوداء تثير البسمة في الوقت نفسه الذي تثير الحنق الذي لا حدود له.
من هذا الكلام ما قاله مسؤولون صهاينة بحق مسؤولي حركة المقاومة الإسلامية، فقياديو حماس جبناء لأنهم لا يخرجون من "تحت الأرض" في حين يستمر "النشاط" الإسرائيلي في غزة.

لا أدري ما هو تأثير هذا الكلام في المجتمعات الأخرى، هل هو يترك انطباعاً حقيقياً لدى الناس الذين لا يعرفون ماذا يحصل على الأرض، هل يفعل فعله ويقبله الذين يصدقون أن ما يحصل هو نتيجة إطلاق حماس الصواريخ، بينما الحقيقة هي أن الذي يحصل نتيجة الجرائم الصهيونية المتواصلة بحق أبناء الشعب الفلسطيني؟

أم أن ما يتبادر في الذهن بعد هذا الكلام هو الاستهزاء بمعادلة لا تستقيم، معادلة تريد من قادة حماس أن يقفوا في العراء كي تتمكن الطائرات الصهيونية من تنفيذ التصفية بحقهم دون أن تردعهم طائرات الأنظمة العربية التي يكاد يتآكلها الصدأ، وينال الشيب من رؤوس طياريها، والعجز من أجساد فنييها.

أم أن المطلوب أن يظهر قادة حماس فعلاً، وأن يسلموا أنفسهم للقتل، يأساً من الحال التي وصل إليها العالم، الذي لا يرى إلا عمىً، ولا يسمع إلا صمماً، ولا يتكلم إلا بكماً، وهو يرى الجرائم التي يرتكبها الصهاينة، وهو يسمع الترّهات التي يطلقها مسؤولوهم، وهو يطلق التصريحات التي تؤيد فظاعات العدو وتبرر أفعالهم، وتروّج مرة بعد أخرى لادعاءاتهم وأكاذيبهم.

بعض الأحيان يصبح المنطق عاجزاً عن تفسير ما يشهده العالم، ويصبح التمرد على الأنظمة التي تحكم الواقع هو الواقع الذي يحكّم النظام ويعطيه مشروعيته، وخصوصاً عندما يخرج علينا أولئك الذين يستعملون طائرات نفاثة تلقي قنابل أميركية الصنع والهوية، وبترولاً عربي المصدر والهوى من أجل ضرب قطاع غزة، سكاناً وأبنية وقيادات تريد أن تحافظ على نفسها من اجل المحافظة على خط المقاومة في مواجهة العدو.

إنه عالم لا يفقه، إنه عالم لا يفهم... إلا بالقوة.

محمود ريا

الثلاثاء، ديسمبر 23، 2008

ليس خلافاً بين الأخوة




قد يكون من غير المناسب الدخول في "الخلاف بين الأخوة" الذي يدور على الأرض الفلسطينية، وبالتحديد في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد يقول البعض إن لكل طرف من الطرفين وجهة نظر يبررها ويقدم لها الأعذار التي قد تقنع هذا ولا "تدخل في رأس" ذاك.

وقد يرى آخرون في "أسلوب التحرير" عند هذا الطرف أفضلية على الأسلوب الذي يطرحه الآخر، بما يعطي الأولوية للمقاومة التي لا خيار غيرها، أو للمفاوضات التي لا بديل عنها من أجل استعادة الأرض وإقامة الدولة.

ويمكن أن يعتبر البعض الموقف من الحصار المفروض على أكثر من مليون ونصف المليون من أبناء الشعب الفلسطيني "وجهة نظر"، فيدين طرف ويبرر آخر ويشارك ثالث "تحقيقاً للمصلحة الفلسطينية العليا".

كل هذا يمكن تأجيل بت الموقف منه، والاستماع إلى الآراء والآراء المضادة تجاهه، إلا ما حدث منذ أيام في نابلس.

بموقف شخصي ودون أي مراجعة وبعيداً عن أي انعكاس وإهمالاً لأي مساءلة، أعتبر أن اعتقال الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمجاهد بقي ست سنوات متخفياً عن عيون سلطات الاحتلال، تحت ستار أنه استشهد في المواجهات مع القوات الصهيونية، أعتبر أنه جريمة لا تغتفر، جريمة تتجاوز كل محاولات التبرير، وتستعصي على أي عملية تفسير، لا بل هي تضع القائم بها والمساند لها والمبرر لها في موقع واحد، موقع العمالة الكاملة للاحتلال الصهيوني.

قليل جداً المطالبة بإطلاق سراح المجاهد القسّامي رجب الشريف، لأن جريمة اعتقاله كشفت عن مصيره، وهو الذي كان يتحرك بعيداً عن عيون العدو الصهيوني، وبات إطلاق سراحه الآن مجرد جزء من القضية، فيما الجزء الآخر دخل في دائرة الجريمة التي لا يمكن إصلاح آثارها.

هذا ليس دخولاً في الخلاف بين الأخوة، هذا موقف حق لا بد من وقوفه، كي لا نكون من المشاركين في الجريمة، والساكتين عن الحق، لا بل المؤيدين للباطل والداعمين له.

محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 19، 2008

غزة: اليوم ترعد الحناجر


كتبت عن غزة والحصار المفروض عليها حتى ظننت أنني لن أكتب بعد، ونعيت الأحرف التي تهدر على أبوابها وأنا أرى كل ما يُكتب تذروه الريح كالهشيم، وعشت حالة من اليأس التي تودي إلى التسليم بالعجز عن فعل أي شيء.

واليوم يبدو الوضع مختلفاً..

قد لا تكون الكلمات التي كُتبت هي وحدها التي رسمت خطاً أبيض على صفحة أمتنا السوداء، وقد لا تكون التصريحات وحدها هي التي تحولت بتوحدها صرخة تهز جدار الحصار، وقد لا تكون التظاهرات، اليوم وبالأمس وفي الغد، هي التي ستكسر القضبان التي تحيط بأبناء شعبنا الفلسطيني، ولكن كل هذه النقاط الصغيرة ستتحول إلى طوفان سيفجر الحصار والمحاصَرين، ليعيد بسمة لطفل جفت شفاهه من العطش، والنور لعجوز ترغب ببعض النور في آخر أيام الحياة.

اليوم يلتقي الجميع ليقوموا بفعل، ليعلنوا بجلاء، الرفض المطلق لما يرتكبه الأعداء، ولما يفعله العملاء، ولما يصمت عليه "الأشقاء".

اليوم ترعد الحناجر، وتجتمع القلوب على كلمة واحدة: لا صمت بعد اليوم على الحصار، لأن الصمت على الحصار حصار.

اليوم تعلن الأمة أن فيها قوة فاعلة، وأنها قادرة على تغيير وجه التاريخ، وعلى أن ترسم بالقبضات وبالنبضات وبالصرخات وبالدموع وبالدماء طريقاً جديداً مختلفاً، غير ذلك الطريق الذي يرسمه المجرمون لغزة ولأهل غزة ولفلسطين ولكل فلسطين وللعرب والمسلمين.

إنه يوم فصل، يوم يحمل الحلم بهزيمة "إسرائيل"، ولو عبر دلو ماء يلقيه كل مسلم على هذا الكيان ليجرفه إلى مكانه الذي يستحقه في التاريخ.

إنه يوم الصرخة الكبرى، يوم النداء الذي لن تستكين الصرخات بعده، ولن تسكت الأصوات.

كلنا لكِ يا غزة..

كلنا لفلسطين..

محمود ريّا

الثلاثاء، نوفمبر 25، 2008

ظلمة غزة ـ تابع مرة أخرى


كنا ظننا أننا لن نكتب عن حصار غزة مرة أخرى، ليس لأننا أمَلْنا بانتهاء هذا الحصار، فالعرب والغرب مصرون على معاقبة الغزّيين والفلسطينيين جميعاً على ديموقراطيتهم ومقاومتهم وقرارهم الحر، ولكن بسبب إحساسنا بالملل من تناول الموضوع نفسه مرة بعد مرة، بالكلام نفسه والمشاعر نفسها.
ولكن ظنّنا لم يكن في محله، فقد اكتشفنا أن فينا بعدُ عِرقاً ينبض لمعاناة أهلنا في غزة، وأننا لم نجفف كلماتنا ـ كما دموعنا ـ لتصبح بلا معنى، وأننا ما زلنا ننفعل أمام ما يحصل، ونحسّ بطفل يموت بسبب انقطاع الغذاء، ومريض يقضي نتيجة انقطاع الكهرباء عن أجهزة العلاج في المستشفيات.
إنها مفاجأة فعلاً، أن نقدر على تعميق الجروح في نفوسنا أكثر، وأن نلعق المزيد من دمنا صباح مساء، وأن نقدر على احتمال المزيد من الخزي الناجم عن العجز عن الفعل إزاء ما تشهده غزة المحاصرة من مآسٍ.
إنها مفاجأة أن نجد في أنحاء وطننا العربي الكبير من لا يزال يتابع أخبار المحاصرين، مصراً على التعرف الى أحوالهم. منهم من يفعل ذلك من باب الفضول، ومنهم من يفعله من باب المواساة والمشاركة في الألم.
جيد أن هذه المشاعر لم تمت بالكامل حتى الآن.. ربما هي تنتظر أن يموت أهل غزة كي تذوي معها، فلا يعود أصحابها يشعرون بعقدة الذنب، أو أنها تنتظر معجزة ما ـ تأتي من مكان ما ـ لإنقاذ أهل غزة مما هم فيه، وتريح ما تبقى من عرب يشعرون، من مشاعرهم.
وإذا كان هناك معجزة فعلاً، فهي لن تكون أبداً.. معجزة عربية.
محمود ريا

الخميس، نوفمبر 13، 2008

ظلمة غزة ـ تابع


محرجة الكتابة عن العتمة، عندما يرى الإنسان أن القلوب باتت أكثر ظلمة من الليالي الحالكات التي تعيشها غزة مرة بعد مرة.
يحس الواحد منا أن ما يكتبه هو مجرد ترداد لكلام كتب في السابق، وهو مجرد تكرار لعبارات تضامن لا يمكن أن تسمن ولا أن تغني من جوع.
ويصبح من "يحمل قلماً" بين خيارين: أن يكتب، وأن لا يكتب.
فإذا هو استنكف عن الكتابة انسجاماً مع عجزه عن الفعل، يصبح كالذي "يعطي الأذن الطرشاء" لآلام مئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين العرب الذين ينامون بلا ضوء، وبلا كهرباء لغرف العناية الفائقة في المستشفيات، وبلا أبسط مقومات العيش التي هي حق لكل إنسان.
وإذا هو كتب، فيكون من "الذين يصفّون الحكي"، مجرد كلام، لا يردع عدوان المعتدين ولا يدفع زعيماً للتحرك والإنجاز، ولا يدخل ليتراً من الوقود إلى قلب الحصار الذي تعاني منه غزة وقطاعها وأهلها.
هل هي المرة الثانية التي نكتب فيها عن الحصار، أم الثالثة، هل هي آخر مرة أم سنكتب بعد، هل سنسأم من تدبيج المقالات ورسم الكلمات، فنترك المحاصرين لحصارهم، ونهتم نحن بالحوارات الحضارية الدائرة في أربع جهات الكون؟
هل سنرى في المرة القادمة الصورة التي اعتدنا على ربطها بالمواضيع التي تمررها الصحافة على استحياء، أطفال يحملون الشموع ويسيرون في ليل غزة احتجاجاً على حرمانهم من حق النور، أم أن وكالات الأنباء ستكتفي بأن تحيلنا إلى الأرشيف بعد أن يصبح الحدث "بلا قيمة إخبارية"، ويصبح مجرد تكرار لحدث سابق؟
هل نحن الذين كان في تاريخهم من يهب لصرخة مظلوم وينتفض لدعوة مكلوم ولا ينام على ضيم مُضام؟
هل نحن الذين ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟
محمود ريا

السبت، سبتمبر 27، 2008

القدس.. بين سيارة وجرافة

"غارة" أخرى في قلب القدس، مع اختلاف في الوسيلة المستخدمة، دون أن يختلف الأسلوب، أو يتغير المستهدف، أو تتبدل الروح التي تحرّك الأبطال الذين يقدمون أرواحهم من أجل توجيه الضربة وزرع الرعب في قلوب المحتلين.
في القدس مرة أخرى، بلا رصاص، بلا سلاح، وبلا إمكانيات، مجرد قلب قوي وإرادة صلبة، وإيمان راسخ.. ومِقوَد.
يسرح الخيال في الأفق الواسع لمعاني هذه العملية، بعد الاثنتين اللتين سبقتاها، ويتبادر إلى الذهن الكثير من التعابير التي يمكن قولها، ويمكن تكرارها، ويمكن التأكيد عليها، ومنها ما قيل، ومنها ما مرّ على لساننا وأعيد ثم أعيد، ولكنه لم يفقد معناه، ولا يمكن أن يخسر القيمة الروحية التي يختزنها.
يمكن الحديث عن فشل الصهاينة في قولبة المقدسيين، وفي حرمانهم بإحساسهم برفض الاحتلال، وفي قتل روح المقاومة في نفوسهم.
يمكن الحديث عن بقاء القدس مصدراً لكل معاني البطولة، وكل مساحات المبادرة، وكل آفاق الأمل بنصر قادم لا محالة.
يمكن القول إن ما يحصل في القدس هو مجرد مسامير أخيرة تدق في نعش الكيان الصهيوني، الذي لم يستطع أن يقمع المقاومة في ما يدّعي زوراً وبهتاناً أنها عاصمة كيانه، فكيف يمكنه فعل ذلك في المدن الأخرى والأطراف؟
يمكن التأكيد أن الشباب المقدسي لا يحتاج إلى وسائل قتالية متطورة لإشهار موقفه المبدئي من مسألة احتلال أرضه.. المبدأ موجود: مقاومة الاحتلال، أما الوسائل فتأتي بعد ذلك، وحدها وبلا طول انتظار.
كل هذا ممكن، وممكن أيضاً النظر إلى العدو المربك دائماً، المتردد أبداً في التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة في المقاومة، وهو يرى ما كان حالة واحدة، جرافة واحدة، يتحول إلى سابقة تتكرر مع الجرافات والسيارات وغيرها من وسائل عادية لا يمكن أن يشك أحد أن تتحول إلى وسيلة مقاومة للاحتلال وللاستيطان الصهيونيين.
ويبقى الممكن الأكبر، الذي تحول إلى يقين لا يتزلزل، بأن هذا الشاب (قاسم المغربي ابن التسعة عشر ربيعاً من جبل المكبّر في القدس المحتلة) لن يكون آخر بطل نحلم به على صهوة جواد الكرامة يمسح عن القدس رجس الاحتلال الصهيوني البغيض.
محمود ريا

الخميس، سبتمبر 11، 2008

أبطال فك الحصار


ليس متأخراً الحديث عن الرحلة الأسطورية التي قام بها بعض الرجال والنساء الشجعان إلى قطاع غزة مستخدمين مركبين خشبيين من قبرص إلى غزة مباشرة.

ليس متأخراً، لأن ما قام به هؤلاء أول مرة يستعدون، بعضهم، ومعهم آخرون، لتكراره مرة أخرى، في رحلة لها أهداف كثيرة، لعل أبرزها اثنين:

الأول: إفهام منظمات الإغاثة الدولية أنها تستطيع الوصول إلى غزة من دون إذن من أحد، وبهذا تنتفي حجتها التي تكررها حول وجوب الحصول على إذن صهيوني لإيصال المساعدات لمحتاجيها ولمستحقيها في قطاع غزة المحاصر والمنكوب.

والثاني: هو الدخول إلى غزة بختم واحد فقط، ختم السلطة الفلسطينية، من دون الوقوف عند حاجز الإرهاب الصهيوني الذي يفرض طوقاً رهيباً حول القطاع.

لقد أثبت هؤلاء الأبطال للجميع أن غزة ليست محاصرة صهيونياً فقط، وإنما حصارها متعدد الوجوه ومتنوع المصادر، ومتغير الأهداف.
وأثبتت النساء اللواتي قررن خوض هذه المغامرة الصعبة أنهن يملكن من الجرأة ومن الوعي ما يفوق ما لدى الكثيرين من العرب حكاماً ومحكومين، محاصِرين ومحاصَرين.

وبات الحديث عن الحصار يتجاوز الوقوف عند العجز على خرق الإجراءات الصهيونية، ليصل إلى حد الاقتناع بأن هذا الحصار هو نتيجة تخاذل بعض العرب وسلبيتهم وانهزامهم النفسي، كما هو نتيجة تآمر بعض العرب الآخرين وعمالتهم ووقوفهم إلى جانب الصهيوني في مواجهة أبناء أمتهم.

قبل الوصول إلى هذه الخلاصة كان يمكن التعجب من حقيقة أن المانع الوحيد أمام تكرار أبطال فك الحصار لتجربتهم الشجاعة هو التكاليف المادية الباهظة التي ينبغي تأمينها لتغطية نفقات الرحلة، أما الآن فيمكن القول إن هؤلاء الأبطال باتوا محاصَرين في مشروعهم، تماماً كما هو الشعب الفلسطيني في غزة محاصر بلقمة عيشه.

هل هناك من مهزلة أكبر من أن نكون، نحن العرب، من يمنع الآخرين من التضامن مع قضايانا؟

هل هناك من مأساة أكبر من كوننا نقتل أنفسنا بأيدينا.. خدمة لعدونا؟
محمود ريا