‏إظهار الرسائل ذات التسميات العرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العرب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، أغسطس 02، 2012

ما مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟



 
 ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟

محمود ريا
30-07-2012

 

لندع المبادئ جانباً، فهي باتت منبوذة في هذا العالم.

ولنترك الاتفاقيات والمعاهدات، فهذه ـ كما يقول البعض ـ تم توقيعها كي تُخرق، وليس للالتزام بها.


ولنفكر بالمصلحة وبالمصلحة فقط، حتى ولو كانت مصلحة اليوم بعيدة كل البعد عن حقيقة الوضع في المستقبل


ما هي مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟


هناك تيارات سياسية تتخذ موقفاً سلبياً من النظام في دمشق، وهذا يدخل في إطار حرية الرأي، بغض النظر عن مدى صوابية هذا الموقف والمنطلقات التي ينطلق منها.


هذه التيارات تطلق التصريحات وتوجه الدعوات وتنظّم التظاهرات، والبعض يتهمها بأنها لا تكتفي بتقديم المساعدات للمعارضة السورية، وإنما تتطرف إلى حد تقديم السلاح والعتاد.. وحتى المقاتلين.


وهذه التيارات، وللّه الحمد، ليست في السلطة الآن.


وهذا يعني أن هذه التيارات لا تمثّل الدولة اللبنانية، ولا تشكّل جزءاً من قرارها، وهذا ما يُعفي ـ إلى حدّ ما ـ هذه الدولة من تحمّل تبعات مواقفها وتصرفاتها.. وجنونها.


فأن يرفع قادة هذه التيارات أصواتهم، ويطلقوا تصريحاتهم، يبقى أمراً مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً.


ولكن ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟


إن نظرة سريعة إلى واقع لبنان تكشف مدى خطورة عدم التعقّل في التعاطي مع الملف اللبناني السوري، نظراً للأخطار التي يفرزها هذا الانزياح عن جادة الصواب على لبنان أولاً، قبل أي أحد آخر.


وهذا التقييم نابع من مصلحة لبنان، وفقط من مصلحة لبنان، بعيداً مرة أخرى عن المبادئ، وعن الاتفاقيات والمعاهدات.


هل نظر مطلقو التصريحات ومتخذو المواقف إلى موقع لبنان وإلى واقع المصدّرين وإلى الجغرافيا والديموغرافيا وما تعكسانه من ظلال على واقع لبنان في ظل خلاف محتمل بين البلدين؟


هل درس البعض معنى الاحتجاج، ومعنى المذكرات، ومعنى الاتهام؟


إذا بقي النظام السوري في موقعه، فإن خطوة كهذه ستؤثر ـ حتماً ـ بشكل سلبي على لبنان.


فهل إن التغيير في "مزاج" التعاطي مع الأزمة السورية مرتبط بمعلومات دقيقة بأن النظام بات على وشك الانهيار، وبالتالي فإن هذا التغيير لن ينعكس سلباً على اللبنانيين، بل إنه سيترك آثاراً إيجابية عليهم؟


من باب المصلحة، بعيداً عن المبادئ والاتفاقيات والمعاهدات، هذا أمر جيد، ودليل على مرونة في التعاطي مع المتغيرات في المنطقة، والانسجام مع النهج السائد في العالم.
ولكن، ماذا لو لم يسقط النظام السوري؟


ماذا لو لم تنجح كل هذه الحملة العالمية العربية في الفتّ من عضد القيادة السورية، واستطاع الجيش السوري تحطيم التنظيمات المسلّحة التي تقاتله كما فعل في دمشق؟
ماذا لو تم التوصل إلى اتفاق ما، في لحظة ما، بقي بنتيجتها الرئيس الأسد رئيساً، ولو تغيّرت كل التركيبة التي تليه؟








كيف سيواجه اللبناني شقيقه السوري، وكيف سيبرر احتجاجاته، وهو الذي يعرف أن الردود السورية ما كانت لتحصل لو لم يكن هناك أفعال لبنانية؟

هذا من باب المصلحة فقط، وليس أكثر، ومن باب البحث عن امكانية انتهاز الفرصة، ومن باب ما هو مشهور عند اللبنانيين من خبرة في "معرفة كيف تؤكل الكتف".


إن وجود شخص في قصر بسترس يعرف مصلحة لبنان أكثر من البعض الآخرين في قصور أخرى أمر يستحق الثناء، في عصر صار منح الثناء فيه يتطلب الكثير من التأني.

الجمعة، يوليو 13، 2012

تمنيات الغرب الروسية: مجرد دعابة


الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين

محمود ريا
6-7-2012

 

يتطلب المزاج الرائق "فضاوة البال" والخلو من المشاكل والفراغ من الاستحقاقات الطارئة والبعد عن المحطات التي تقرر المصير.
فإذا كان الواحد منا مبتلى بكل هذه العقبات دفعة واحدة، فكيف له أن يكون قادراً على المزاح، وإلقاء الدعابات؟
في أميركا اليوم كل هذه المشاكل دفعة واحدة:
انتخابات رئاسية مصيرية بعد أشهر، تراجعات هنا وهناك في أنحاء العالم، تنّين صيني ودب روسي يتهجّمان على "أطراف المملكة الأميركية العظمى" ومشاكل إقليمة ومحلية لا تُعدّ ولا تُحصى؟
وفوق ذلك هناك اقتصاد يتداعى، يخرج من أزمة ليدخل في أزمة أكبر، والمديونية تتصاعد، وطبع الدولارات بلا حساب لم يعد ورقة رابحة في أيدي الرأسماليين الأميركيين.
في أوروبا الوضع صعب أيضاً:
الأزمات الاقتصادية تكاد تودي بالكثير من البلدان إلى الإفلاس. وليس المقصود "بلدان الأطراف" فقط، وإنما حتى البلدان المركزية، وصولاً إلى بريطانيا وفرنسا، ولا تبقى إلا ألمانيا ـ إلى حد ما ـ فوق الغربال.
هذه الوقائع تكشف حقيقة واحدة: ليس عند أحد من هذه الدول "مزاج المزح والتنكيت وإلقاء الدعابات".
ما بال وزير الخارجية الروسي إذاً يرمي بعض الدول الغربية بتهمة إلقاء الدعابات في هذا الوقت العصيب؟
ما باله يقول إن طرح هذه الدول بأن تستقبل روسيا الرئيس السوري بشار الأسد كلاجئ سياسي هو مجرد دعابة.
إن ما يقوله المسؤول الروسي (المغضوب عليه غربياً) لا يمتّ إلى المزاح بأي صلة.
إنه كلام يهزأ من دول الغرب أكثر مما يعبّر عن انسجامه مع "المزاح" الذي يطلقونه بين حين وآخر.
الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين.
لقد قال بصراحة إن الذين يغذّون الأزمة السورية يقودون الأمور إلى حرب كبيرة جداً.
وعندما تنطلق من شفاه الروس كلمة حرب، يجب على كل الوجوه أن تشدّ قسماتها، وأن تمتنع حتى عن وضع شبح ابتسامة على الشفاه.
 

 في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً"

في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً".
الروس الذي يسمعون "الدعابات الغربية" لا يضحكون لها، بل يواجهونها بعبارات صارمة جداً في الظاهر، تتوازى مع ضحك في الباطن.. على مطلقيها.
روسيا ليست في وارد التخلي عن الموقف المبدئي الذي اتخذته من الوضع في سوريا، وليست في مجال الاستغناء عن الموقع الاستراتيجي لسوريا على الخريطة العالمية.
إنهم لا يفهمون هذه الحقائق الثابتة، إنهم ـ ربما ـ لا يريدون أن يفهموها.
في كل يوم يخرج علينا مسؤول غربي، أميركي أو أوروبي، أو مسؤول إقليمي، عربي أو تركي، ليتحدث عن تغيير في الموقف الروسي.
وفي كل يوم يخرج لافروف، أو غيره من المسؤولين الروس، ليقولوا لهم: لا تغيير في الموقف الروسي.
ملّ الروس من تكهّنات وتمنيّات الغرب وأتباعه في المنطقة، فلم يجدوا حلاً إلا في اعتبار أن ما يقوله هؤلاء لا يتجاوز كونه.. مجرد دعابة.

السبت، يونيو 30، 2012

موعدنا "على العيد"



المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، 
والمؤامرة مهولة، 
ولكن التصدي لها أكثر حزماً.


محمود ريا
تكثر المواعيد، وتتكرر كل يوم، ولعلّ أكثرها انتشاراً موعد اللقاء على "العيد".
هذا الموعد صار مثل أحجية، يسمعه الناس، فلا يعرفون هل المقصود به هو هذا العيد، أم العيد الذي سيأتي، أم هو عيد فقط في أذهان الذين يطلقون هذه المواقيت.
انتظروا العيد أول مرة، فمرّ، وانتظروه عيداً آخر، ومرّ هو أيضاً، وانقضى العام.. وما زالوا ينتظرون الموعد، وما زالت أصواتهم تردد: "على العيد".
إمّا أنّهم لا يملّون، وإما أن صدمة عدم تحقّق أمانيّهم تجعلهم يجترّونها، فيعيدون ويكررون، من دون أن يكون لديهم ما يحقق آمالهم، أو يُخرج الأحلام من دوائر الأوهام إلى أرض الواقع.
المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، والمؤامرة مهولة، ولكن التصدي لها أكثر حزماً.
ليس في الأمر عواطف، وإن كانوا اعتمدوا على وعود أُعطيت لهم من أسيادهم، فربما عليهم أن يُدركوا بأن هذه الوعود هي التجسيد الحقيقي للسراب الذي يراه عطشان في الصحراء فيحسبه ماءً، فيلهث نحوه، معتقداً أنه الفرج، فإذا به لا يكسب منه إلا الخيبة والخذلان.
وهم كذلك.
وهذه هي مشكلتهم.
لا ينظرون إلى الوقائع، ولا ينطلقون من الحقائق، ولا يبنون تحليلاتهم على معطيات السياسة، التي يبني عليها كل من يريد الوصول إلى نتيجة منطقية في تحليله وتوقعه.
ولكن ربما لاينبغي لنا أن نظلمهم.
هم كذلك دائماً، وليس الآن فقط، هم لا يحللون ولا يتقصّون الحقائق ولا يبنون على الشيء مقتضاه.
هم يتلقّون، يسمعون من فلان وفلان، من هذه الدولة أو تلك، فيأخذون كلامها على محمل الجدّ، وتوهّماتها على مقياس الحقيقة.
المشكلة إذاً ليست فيهم، ما دام أنّهم لا يُعملون تفكيرهم. المشكلة في من يوسوسون لهم.
ولكن، هل هؤلاء المقيمون في عواصم الخواجات، يضحكون عليهم، يسخرون منهم، بتوقعات العيد، والعيد الذي يلي العيد، أم أنهم مثلهم، وقعوا في شرّ توقعاتهم؟
هناك من يرى أن "الأسياد" يلعبون بـ "الأولاد"، يضعون خططاً بعيدة المدى، ويتركون لمن معهم فتات العيش على انتظار الحسم السريع والتغيير الجذري.
وهناك من له رأي مخالف.
يرى هؤلاء أن الصدمة الكبرى ليست هي صدمة الأزلام، وإنما تلك التي أصابت "الكبار"، الذين كانوا يتوقعون انهياراً سريعاً، يحققونه بالتهويل والتقتيل، استناداً إلى مبدأ "الصدمة والرعب" الذي نجح معهم قبل ذلك في أكثر من مكان، وأكثر من زمان.
ولم يتحقق المأمول، لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب، ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب،  
ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد
على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


كان الحلّ بانتظار العيد التالي، ومرّ الموعد والحال هو الحال.
وجاءت مواعيد أخرى، تصاعدت قبلها ومعها الحملات، وتكاثرت الانفجارات، وصار القتل مثل شربة الماء، ومرّت المواعيد... وسوريا كما هي و"يا جبل ما يهزّك ريح".
اليوم، هناك موعد جديد، "على العيد".
هل يحققون حلمهم هذه المرة؟
"سراب بقيعة"...

السبت، يونيو 02، 2012

لا تغيير في الموقف الروسي



في العشرين من حزيران/ يونيو يمكن للغرب أن يتنفس الصعداء، إذا لمس تغييراً في الموقف الروسي إزاء الوضع السوري، أو يمكنه أن ينتظر فرصة أخرى لمحاولة تحقيق هذا التغيير، ولكنه لن ييأس، ولن يكفّ عن المحاولة.

محمود ريا
الغربي لا ييأس... ولا تدخل هذه الكلمة في قاموسه على ما يبدو.
هو مستعد للمحاولة ومعاودة المحاولة، مستعد للمناورة والمداورة، والانطلاق من النقطة والعودة إليها، ما دام أنه بهذا الانطلاق والعودة يبحث عن تحقيق مصالحه، أو يأمل بأن تتحقق في يوم من الأيام.
لا يعتبر الصفعة نهاية الكون، ولا الصدّ قراراً نهائياً، ولا يملّ من إعادة الطلب الذي طلبه سابقاً مرة ثانية وثالثة وحتى رابعة وخامسة، المهم أن يكون في هذه المحاولات بصيص أمل في إمكانية الوصول إلى المطلوب.
ولا أحد يُنكر أن هذا الأسلوب يحقق في غالب الأحيان أهدافه، فتكرار المحاولة، مرفقاً بإغراءات من هنا، وتهديدات من هناك، واستحياء بعض من يؤخذون بالحياء من جهة ثالثة، يجعل من الصخر الصلد عجيناً ليّناً في أيدي الغربيين.
وتجارب التاريخ تشجّع جماعة الغرب على الاستمرار في هذا النهج، فهم حققوا الكثير من أهدافهم عبر الإصرار عليها، أو تقديمها كل مرة بطريقة مختلفة، مع الاحتفاظ بالمضمون نفسه.
ولكن هذا يحصل في أغلب الأحيان، وليس دائماً.
اليوم يعاني أهل الغرب، ويسألون أنفسهم بشكل دائم: لماذا؟
إنهم يصرّون على هدفهم، ويقدّمون الإغراءات تلو الإغراءات، لا بل إنهم يطلقون التهديد بعد التهديد، ويزورون ويعودون... ولكن بلا أمل.
لماذا لم ينجحوا حتى الآن في تغيير الموقف الروسي من الوضع في سوريا؟
كلما أطلقوا تصريحاً تصعيدياً، يخرج عليهم مسؤول روسي بتصريح مضاد أكثر قوة وأعلى صوتاً.
كلما أَمَرُّوْا شائعة عن تغيير قريب في مقاربة موسكو لما يحصل في دمشق ومحيطها، تكون موسكو جاهزة لتبديد هذه الشائعة، وإحباط مفعولها.
كلما تحدثوا عن موعد، يكون فيه اجتماع، يحصل فيه التغيير، يأتي الموعد ويُعقد اللقاء، ولا تغيير ولا من يغيّرون.
واليوم هناك موعد جديد.
لقاء القمة بين الرئيسين الروسي والأميركي فلاديمير بوتين وباراك أوباما في المكسيك يومي 18 و19 حزيران/ يونيو الجاري على هامش قمة العشرين.
الغرب يحبس أنفاسه بانتظار حلول تلك اللحظة. هو (الغرب) كان وعد العالم بأن بوتين سيغيّر سياسته السورية بعد انتخابه مجدداً رئيساً لروسيا، وردّ بوتين بأنّ أي تغيير في الموقف لن يحصل، لأنه موقف مبني على أسس ثابتة، تجمع بين القواعد المبدئية والمعطيات الاستراتيجية والمصالح القومية.
ولم يفهم الغرب ذلك، وما زال ينتظر.
في العشرين من حزيران/ يونيو يمكن للغرب أن يتنفس الصعداء، إذا لمس تغييراً في الموقف الروسي إزاء الوضع السوري، أو يمكنه أن ينتظر فرصة أخرى لمحاولة تحقيق هذا التغيير، ولكنه لن ييأس، ولن يكفّ عن المحاولة.
وبالرغم من ذلك فإن المعطيات على الأرض ستجعل محاولاته المضنية تذروها الرياح، ليحاول التأقلم مع فكرة جديدة، هي ليست غريبة على براغماتيته، ولكنه ما يزال يكابر قبل الإقرار بها: لماذا لا يغيّر موقفه هو؟
 

 يبدو أن على الغرب تعلّم مفردات جديدة في السياسة، أو على الأقل إخراج بعضها من صندوق الآثار الذي وضعها فيه منذ انتهاء الحرب الباردة، مفردات مثل: التسويات، التفاهمات، التنازلات... وربما الخضوع للأمر الواقع...
بين موقف روسيا الثابت، وموقف الصين الذي لم يتزحزح قيد أنملة بالرغم من كل الإغراءات التريليونية والتهديدات النفطية، وبين معطيات الأرض التي أثبتت ثبات القيادة السورية وفشل محاولات زعزعة ثوابتها، يبدو أن على الغرب تعلّم مفردات جديدة في السياسة، أو على الأقل إخراج بعضها من صندوق الآثار الذي وضعها فيه منذ انتهاء الحرب الباردة، مفردات مثل: التسويات، التفاهمات، التنازلات... وربما الخضوع للأمر الواقع...
لِمَ لا؟

الثلاثاء، مايو 29، 2012

المخطوفون.. وفشل الإنكار


 إزاء هذا الاعتراف، لم يعد ينفع أي إنكار، ولا حتى ينفع النفي الملحق والتبرؤ اللاحق من الضابط المعترف بالمسؤولية عن العملية.
محمود ريا
24-5-2012
كل حدث يترك آثاراً جانبية، فضلاً عن الأثر الرئيسي الذي يكون له.. وفي بعض الأحيان تكون الآثار الجانبية غير منظورة، أو غير متوقعة، أو غير محسوبة النتائج.

إذا تجاوزنا الأثر الرئيسي لعملية اختطاف الزوّار اللبنانيين في منطقة حلب، بانتظار "الفرج" المتوقع في أي لحظة، فإن بعض الآثار

يستوقف المتابع لما يحصل في هذا الموضوع، ويعطي إشارة واضحة لمسار معيّن في تفكير تيارات سياسية موجودة على الساحة اللبنانية.
من هذه الآثار مثلاً محاولة الإنكار، ومحاولة رمي التهمة على طرف آخر.
لم تكن هذه محاولة فردية أو تصرفاً عفوياً، وإنما كان واضحاً أنها ناتجة عن قرار.
منذ الدقائق الأولى لعملية الخطف، خرجت "آلة الإعلام المعهودة" بفرضية عملت على رفعها إلى مستوى المسلّمة التي لا تقبل الجدل:
ليس "الجيش السوري الحر" هو الذي خطف الزوّار.
في محطات التلفزة وفي الإذاعات وعلى مواقع الإنترنت كانت كلمة السر انتشرت: ليس "الجيش السوري الحر" من فعل ذلك.
بعد ذلك بفترة جاءت كلمة السر الأخرى: النظام هو من قام بهذه العملية من أجل تحقيق أهداف كبيرة وكثيرة.
بعد ذلك بدأت الاتصالات على "الشاشات المعروفة" تتوالى من قياديي الجيش المذكور، وكلّها تحمل تنصلاً من هذه العملية، ورمياً لها في ملعب النظام السوري.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى حد تجرؤ سياسيين، نوّاباً وغير نوّاب، على الجهر بهذا القول، وعلى تحميل النظام مسؤولية ما حدث، "بهدف بث الفتنة واستكمال مشروع التوتير"، وما إلى ذلك من اتهامات.
لم يترك هؤلاء مجالاً لأي احتمال آخر، لا بل بدأوا بالتشكيك في مواقف الناس المكلومين بفقد أحبّتهم وأبنائهم، وأخذوا يتهمونهم بالانسياق
في إطار "المشروع".
لم يكن ينقص هؤلاء سوى أن يتهموا المختطَفين بالتواطؤ مع الخاطفين، لا بل بالذهاب معهم بكامل إرادتهم، فيما أن عشرات النسوة اللواتي رُوّعنَ وشُرّدنَ عن مسارهنّ كدنَ أن يتحوّلنَ إلى "ممثلات ماهرات" لحالة التفجّع والأسى التي شاهدها العالم كله على وجوههنّ وهنّ عائدات من حلب إلى بيروت على متن طائرة قامت برحلة استثنائية لنقلهنّ.
اليوم (الخميس)، وبعد طول تهرّب، يخرج "ضابط من الجيش الحر" ليعلن بالفم الملآن ودون أي مواربة مسؤولية جماعته عن اختطاف
الشباب الأحد عشر.
وإزاء هذا الاعتراف، لم يعد ينفع أي إنكار، ولا حتى ينفع النفي الملحق والتبرؤ اللاحق من الضابط المعترف بالمسؤولية عن العملية.
فإذا كان الجيش الحر لا يعترف بالجيش الحر، وإذا كانت حالة الخلاف والشقاق بين "كتائب" هذا "الجيش" وصلت إلى حد عدم اعتراف إحداها بالأخرى، فهذا لا يُعفي "الجيش الحر" بكل تناقضاته من المسؤولية عمّا حصل.
وبغض النظر عن معنى ذلك فيما يتعلق بمصير المختطفين، فإن ما يجب التركيز عليه هو موقف أولئك اللبنانيين الذين سخّروا كل إمكانياتهم لتبرئة "الجيش الحر" مما اعترف بارتكابه "الجيش الحر".
لقد انتهت حملة إعلامية أخرى إلى الفشل، وظهرت الحقيقة مرة أخرى واضحة نقيّة، وتعرّض هؤلاء إلى خيبة قد تعلّمهم كيف يصوغون حملاتهم مرة أخرى، وقد لا تنفع.. وهذا هو الأرجح.

الاثنين، مايو 14، 2012

تفجيرات دمشق: نجاح.. وفشل


 لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا

محمود ريا 
10/5/2012  

تفجيرات دمشق اليوم ـ بغض النظر عن المناظر المرعبة التي تركتها ـ هي دليل نجاح، ودليل فشل.

في البداية لا بد من التأكيد على فظاعة الجريمة ووحشيتها، فهي خبطت خبط عشواء، وأدّت إلى استشهاد وجرح العشرات من المدنيين، وتركت دماراً لا يمكن تصوّره، وما نقلته شاشات التلفزة لا يعبّر إلا عن قليل من الواقع، فالواقع في هذا النوع من التفجيرات يكون أقسى وأكثر إيلاماً، لا بل يصبح فوق المتخيّل.

السوريون لم يعتادوا على مثل هذه المشاهد، ولكن هناك من العرب من صارت هذه الصور طيفاً في خيالهم، يُستدعى فترة بعد فترة، ليذكّرهم بحبيب قضى، وأخ أُعيق، وجرح لا يزال جاثماً على وجه صديق.

وإذا كانت هذه التداعيات إلى الذهن لا تقف عند حدود الذكرى لتتجاوز إلى التخوّف من عودة هذا النوع من الإجرام ليتغلغل هنا وهناك، نتيجة تعاظم إجرام الجهات التي تقف وراءه، فإن الإنصاف يقتضي التوقف عند النجاح، وعند الفشل، اللذين يثيرهما تفجيرا دمشق اليوم.

البداية من عند النجاح، لنقدّم صورة أقلّ قتامةً تنبثق من صور الدم والدمار التي تتوارد على شاشات التلفزة.

لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا.

على مدى الأشهر الماضية، كانت القيادة السورية أمام تحدي إثبات مقولتها عن وجود إرهابيين تكفيريين تفجيريين يقودون الأحداث التي تجري في مختلف المناطق، ويوجّهون الأمور باتجاه العنف الدموي الذي يهدف إلى تخريب سوريا وليس لطلب الإصلاح فيها.

ومع كل تفجير كانت تتعرض له العاصمة السورية، أو المدن الأخرى، ولا سيما حلب وإدلب، كانت الصورة تتظهّر أكثر فأكثر. أما اليوم، وبعد التفجير الذي استهدف رئيس بعثة الأمم المتحدة في درعا، والتفجيريين الدمويين في القزّاز، فإن الإثبات بات بين أيدي من يعقل، أو يُلقي السمع وهو شهيد.

لم يعد هناك من شك في أن الإرهابيين هم الذين يسوقون الأحداث في سوريا، وهم الذين يرسمون وجهتها، وأن كل الحديث عن معارضة، وعن مطالب، وعن إصلاح، هو مجرّد “ديكور” فيما الأصل هو غير ذلك تماماً.

إذاً، المعركة في سوريا باتت واضحة تماماً، هي معركة بين الشعب السوري وقيادته من جهة، وبين مجموعات تسلّطت على حراك شعبي بريء، بدأ في البداية باحثاً عن إصلاح منشود ومطلوب من الجميع، ليصل الآن إلى حرب كونية عظمى، تُشنّ على سوريا كلها، بأيدي إرهابيين قَتَلة، لا يوقفهم وازع من ضمير.

هذا هو النجاح، أما الفشل، فهو مكمل له.

الفشل هو لمشروع القوى التي تقف وراء هؤلاء الإرهابيين.

لقد حاولت هذه القوى الغربية والعربية استغلال الحركة الشعبية المطلبية السورية من أجل تمرير مشاريعها الهادفة إلى القضاء على صمود سوريا في وجه المشاريع الغربية، فسارت وراء شعارات السلمية حتى أثبتت فشلها في تأمين غالبية شعبية تطالب بإقصاء القيادة السورية، عندها حاولت هذه القوى الانتقال إلى مشاريع العسكرة والمناطق الآمنة والاستيلاء على أراضٍ لتحويلها إلى بنغازي جديدة، ولمّا فشلت هذه المشاريع أمام صمود القيادة والجيش والشعب في سوريا، كان لا بد من تفجير كل شيء، تفجير يحمل معاني الانتقام واليأس من تحقيق الأهداف.




 سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

وهنا يبدو الفشل الغربي العربي الإرهابي جليّاً.

تفجيرات اليوم، وما سبقها من تفجيرات إرهابية، هي إعلان لهذا الفشل في الفتّ من عضد الشعب السوري وقيادته، وإظهار لحجم الانهيار الذي أصاب مشروع التغيير بالبلطجة والتشبيح.

سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

متى ستقع الحرب؟



اليوم يقف الكيان الصهيوني في موقع العاجز. ولأنه كذلك، فإن المشاكل بدأت تذرّ بقرنها بين مسؤوليه، الذين يتهمون بعضهم بعضاً بأبشع الاتهامات التي لا تخلو من تعبير النباح والخيانة، وغير ذلك من الصفات المتبادلة.


محمود ريا
2/5/21012

 

يقولون في بلادنا: "القلّة تولّد النقار".

وفي الشرح أن الإنسان عندما يكون عاجزاً عن تلبية الحاجات المطلوبة منه فإنه سيكون أسرع غضباً، وهذا ما يولّد المشاكل بينه وبين محيطه المباشر أولاً، قبل أن تنتقل المشاكل إلى علاقته مع الآخرين.

اليوم يقف الكيان الصهيوني في موقع العاجز. ولأنه كذلك، فإن المشاكل بدأت تذرّ بقرنها بين مسؤوليه، الذين يتهمون بعضهم بعضاً بأبشع الاتهامات التي لا تخلو من تعبير النباح والخيانة، وغير ذلك من الصفات المتبادلة.

أما الأمور التي يعجز عنها العدو، والتي انعكست على علاقات مسؤوليه فيما بينهم فهي كثيرة، وإن كان التصوّر الأول الظاهر يتمثل في العجز عن التعامل مع “الملف النووي الإيراني”.

وهذا الملف بات جزءاً من يوميات الصهاينة، كبارهم وصغارهم، وتحوّل إلى وحش خيالي، صنعوه بأنفسهم وضخّموه بإرادتهم، فإذا به يبدأ بالتهامهم واحداً تلو الآخر، يحطّم أعصابهم، ويثير الخلافات بينهم، وربما يودي بهم إلى حيث لا يتوقعون.

وبين مؤيد لضرب إبران للقضاء على برنامجها النووي مرةً واحدة وللأبد، ورافض لهذه الضربة التي لن تقضي على البرنامج، لا بل ستتّسع خطواته، بات الصهيوني “العادي” واقعاً في “حَيص بَيص”، لا يعرف من يصدّق ولا يدري أيّ المصائب سيجرها عليه الذين يتحكّمون بمصيره.

ومع العجز المطبق عن استقراء المستقبل فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، هناك العجز في التعاطي مع ملف المقاومة في لبنان وفلسطين، حيث تتوسع الترسانة الصاروخية هنا وهناك، ويشتدّ عضد المقاومين، ولا يدري قادة العدو أي سبيل يسلكونه في مواجهة هذا الخطر الوجودي.

وفوق ذلك، يُطبق الإحباط بشكل كامل على قادة العدو، وعلى الصهاينة بمجملهم، نتيجة عجز الحملة الدولية الإقليمية العربية عن إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، هذا النظام الذي يرى قادة العدو (غابي أشكنازي) أن أي نظام آخر غيره هو “أفضل لإسرائيل”

إن هذا العجز المطبق، والشلل المطلق، يفسّر السُّعار الذي ترتفع حدّته يوماً بعد يوم في كيان العدو، والذي باتت وسائل الإعلام في كل أنحاء العالم تتحدث عنه، وينفي عمّا يحصل صفة “التدبير”، و”الخطة المدروسة”، ليضعه في موقعه الحقيقي: تخبّط، وفشل في التعاطي مع الأحداث، وعجز.. و”قلّة” تودي إلى “النقار”.






في ظل هذا الواقع يقفز إلى الواجهة “السؤال الوجودي” الذي تعيش المنطقة تحت وطأة الإجابة عليه خلال المرحلة القادمة: هل ستقع الحرب، وربما يسأل آخرون: متى ستقع الحرب؟





 في ظل هذا الواقع يقفز إلى الواجهة “السؤال الوجودي” الذي تعيش المنطقة تحت وطأة الإجابة عليه خلال المرحلة القادمة: هل ستقع الحرب، وربما يسأل آخرون: متى ستقع الحرب؟

هذا السؤال لم تتراجع أهميته مع تصاعد العجز الصهيوني، لا بل يُفترض أن يصبح أكثر إلحاحاً، والجواب عليه تجاوز البحث عن مدى جنون نتانياهو وفريقه، الذي يدفعهم إلى إطلاق الطلقة الأولى، ليصل إلى الاستفسار عن مدى قدرة بعض مَن في الإدارة الصهيونية على حبس نتانياهو في قفص قوي، بعيداً عن زر الإطلاق، أم أن صراخهم الذي يطلقونه كل يوم هو مجرد صراخ استغاثة، لمن يقف على شفا حفرة، ويجد نفسه مُساقاً إلى هوّة سحيقة، ليس لها من قرار؟

الاثنين، أبريل 23، 2012

الصين لم تعد تفكر كما في السابق؟





من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً




محمود ريا
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان متأكد من أن "الصين لم تعد تفكر كما في السابق" (بالنسبة لسوريا)
هذه الثقة التي أبرزها أردوغان في تصريحاته الأخيرة نابعة ـ حسب قوله ـ من كلام نقله وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو عن وزير الخارجية الصيني يانغ جي تشي.

هذا "التحول" في التفكير الصيني أمر مهم جداً كما يراه أردوغان، إضافة إلى الموقف الروسي ـ المتغيّر أيضاً ـ بما يشير إلى أن النظام في سوريا بدأ يفقد مرتكزاته الدولية.

ولكن هل ينطبق "تحليل" أردوغان على الواقع.

في البداية لا بد من القول إن مجرد انتظار رئيس الوزراء التركي لتغيير ـ ولو كان موهوماً ـ في الموقف الصيني أمر مهم جداً. وهنا الأهمية واقعية، وليست مثل "أهمية" أردوغان التحليلية، إن لم تكن "التخيّلية".

فأن ينتظر المسؤول التركي ما يحصل في العواصم الأخرى من تغيير، أمر يدلّ عن العجز في تحقيق التغيير بالقوى الذاتية، أي بقوة تركيا والدول المتحالفة معها.

الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.
وإذا أوغلنا في هذا الاتجاه من التحليل، يمكن القول إن الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.

وبقدر ما في هذا الواقع من إقرار بالعجز، فإنه يوحي بتضخم التمني في حصول هذه التغييرات، حتى ولو كانت هذه التمنيات هي بحجم الاصطدام بوقائع مثبتة على الأرض لا يمكن القفز فوقها.

ففي الظاهر ـ على الأقل ـ لا يبدو أن هناك أي تغيير في المسار العام للموقف الصيني من الأحداث في سوريا، حسب ما يبدو من تصريحات القادة الصينيين، وهو موقف يقوم على ثلاث قواعد: ضرورة اعتماد الحل التفاوضي بين المكوّنات السورية كافة، رفض التدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال، رفض التغيير بالقوة وعبر استخدام السلاح من قبل المعارضة.

أكثر من ذلك، فأردوغان نفسه سمع هذا الموقف الثابت من الرجل الثاني في القيادة الصينية، رئيس مجلس الدولة ون جيا باو، خلال لقائه به في التاسع من الشهر الحالي في بكين، فلماذا تعمد العاصمة الصينية إلى تسريب خبر "التغيير في التفكير" عبر وزير الخارجية الصيني إلى نظيره التركي لينقل الخبر بعد ذلك إلى أردوغان، فيما كان من الممكن أن يزف وين جياباو "الخبر السعيد" إلى ضيفه مباشرةً دون واسطة؟

وهل حصل أي طارئ خلال الأيام العشرة الماضية دفع الصين إلى اتخاذ قرار "تغيير التفكير" بهذا الشكل المفاجئ؟

من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً، وهذا ما يمكن لمسه عملياً في مواقف الصين في مجلس الأمن، حيث تقف إلى جانب روسيا في معركتها الدبلوماسية الشرسة مع "الفريق التركي"، ما أدى إلى أن تسير الأمور تماماً كما يريد "تحالف موسكو ـ بكين"، وبما يحقق المصلحة السورية الحقيقية، في تفادي العنف والسير بالعملية الإصلاحية قدماً إلى الأمام وتحت قيادة الرئيس السوري بشار الأسد.

أما أردوغان، الذي دعا له البعض في يوم من الأيام (وأنا منهم) كي ينصره الله على أعدائنا الصهاينة (إثر معاركه الكلامية معهم)، فيبدو أنه الآن بحاجة لدعاء أكثر حرارة وأشد عمقاً، كي يخرجه الله من حالة التخبّط التي يعيشها، والتي تجعله ينتظر ولو إشارة، تأتي من بعيد، علّها تحمل له خشبة إنقاذ من الورطة السياسية والاستراتيجية التي وضع نفسه فيها.

الجمعة، أبريل 06، 2012

ليبيا تموت.. بأيدي ثوّارها


 ثروات ليبيا كانت تُنهب، وما زالت تُنهب. أبناء ليبيا كانوا يُقتلون، وما زالوا يُقتلون. كانت جهة واحدة تقمع كل الآخرين، الآن الكل يقمع الكل، في أبشع صورة لاستغلال النفوذ وصرف القوة في ممارسات لا يقرّها عقل ولا شرع.

محمود ريا
لا ترحّم على معمّر القذّافي فهو ارتكب من الفعائل ما يجعل الحديث عنه مشوباً بالمرارة.
ولكن من جاء بعده لا يترك فرصة إلا للقول: أي الداهيتين أدهى، وأي البلاءين أكثر إيذاء لأبناء ليبيا؟
وهل ما يزال ممكناً الحديث عن ليبيا، ككيان واحد، ودولة موحدة؟
لقد فكك هؤلاء التجار ـ تجار السياسة والدين والدم ـ مفاصل البلاد، وجعلوا منها نتفاً ومزقاً، فتصبح النظرة إلى خريطة البلاد محاولةً لاختزان صورة قد تختفي في الأيام المقبلة، لتحلّ محلها خريطة أخرى، لدول الطوائف، المتناحرة فيما بينها، المتقاتلة على المغانم، المتنافسة على ثروات البلاد، فيما العالم من الخارج يتفرّج على سقوط القتلى ودمار المؤسسات وتحطّم الحلم بقيامة كانت أملاً للعرب والمسلمين.
لقد أحبط المتحكّمون بليبيا اليوم كل الأحلام الوردية، عند البعض، عن استعادة ليبيا إلى الأمة، كدولة راشدة، واعية، ليست عظمى ولكنها عظيمة بأهلها، ليست جماهيرية ولكنها ملك لجماهيرها المنتشرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن شرق الشرق إلى غرب الغرب.
أحبطوا الحلم بأن تنضم ليبيا إلى جوّ عربي إسلامي، سينشأ بعد الثورات، تكون قضية فلسطين الرمز الأول له، ويكون العمل لتحريرها هو جهد الجاهدين، وطموح العاملين.
لا الجو المرجو تشكّل، ولا "ثوّار" ليبيا انضموا له، لتبقى فلسطين كما هي، يتيمة بين لئام العرب.
بين برقة وفزّان، ومصراته والزنتان، والجبل الأخضر وبنغازي وطرابلس المنكوبة وسبها المدمّرة، يدمى القلب وتدمع العين، لتتحوّل مأساة ليبيا السابقة إلى ملهاة حاضرة، ولا أحد يدري شيئاً عن كوابيس المستقبل.
ثروات ليبيا كانت تُنهب، وما زالت تُنهب. أبناء ليبيا كانوا يُقتلون، وما زالوا يُقتلون. كانت جهة واحدة تقمع كل الآخرين، الآن الكل يقمع الكل، في أبشع صورة لاستغلال النفوذ وصرف القوة في ممارسات لا يقرّها عقل ولا شرع.
والأنكى من كل ذلك، أن زعيم ليبيا السابق عاند الغرب فترة، ثم عاد ليسير في صفّه مؤخراً، وقدّم كل ما يمكن تقديمه للأميركيين، من اموال وأسرار نووية وخدمات استخبارية، ولكنّه حاول أن يحافظ على غطاء من العنجهية المعادية للغرب. اليوم، يسير قاتلو معمّر القذافي في النهج نفسه، بل هم يضعون كل ليبيا ومقدّراتها ومستقبلها ومصيرها بيد الغرب، الغرب الأميركي، والغرب الناتوي، والغرب العربي المتمثل بأتباع الغرب من قطريين وسعوديين وغيرهم من المستغربين.
ليبيا تموت، على أيدي من كان مفترضاً أن يعملوا على إحيائها وتخليصها مما تعانيه.
ليبيا تنهار على أيدي أبنائها من الثوّار.
هل نكفر بالثورة والثوّار؟

القمّة التي نريد



 قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.
محمود ريا
28-03-2012

جميل أن يجتمع العرب. جميل أن تحتضن القادة والزعماء عاصمة عربية كل عام، ومفرح للقلب أن يكون هذا الاجتماع دوّاراً بين الدول.
كنا صغاراً، وكانت متعتنا أن نتابع شاشات التلفزة وهي تنقل مباشرةً، نعم مباشرةً، وصول طائرات الزعماء، واحدة بعد أخرى، إلى مطار الدولة التي حظيت بشرف عقد القمة على أرضها.
ملك، وراءه أمير، ثم رئيس يتلوه رئيس، وطائرة بعد طائرة، ونحن متسمّرون أمام الشاشة، نرى الصور المباشرة، ونستمع إلى المذيع ـ ذي الصوت الجهوري ـ يشرح لنا: وصلت طائرة جلالته، استقرّت طائرة سموّه على أرض المطار، نزل سيادته من على سلّم الطائرة، وكان في استقبال فخامته فخامة نظيره...
وبين البرهة والأخرى، وحين لا يكون هناك طائرات في الجو، أو في أرض المطار، كنا نتمتّع بالاستماع إلى معلومات المذيع إياه ـ ذي الصوت الجهوري ـ يتحدث عن الجامعة العربية، وتاريخ تأسيس الجامعة العربية، وأهمية الجامعة العربية، وإنجازات الجامعة العربية.
كنّا صغاراً، ولكن هذا الأمر لم يعفنا من اكتشاف خطأ هنا لزعيم، وأخطاء هناك لمن هو أكبر منه سنّاً، أو أوهن منه عظماً، فكنّا نضحك ببراءة، نحن التلاميذ الصغار، على من يُفترض أن يكون قدوة، وهو ينصب الفاعل ويرفع المفعول به، في كلمة مكتوبة بين يديه، لا بدّ أن تكون الكلمات فيها مضمّخة بالحركات النحوية.
وفي كل قمة كانت تتكرر المسألة، وكنا نستمع للخطابات، وأكثرها كان مكرّراً ممجوجاً لا حياة فيه، ولكننا كنّا نستمع، لأن هؤلاء هم زعماء العرب، وهذه هي قمتهم.
إلى أن جاء يوم واختلفت الصورة.
رأينا زعيماً عربياً يتحدث، ليس عن ورقة، ويحكي، ليس بلغة خشبية متيبّسة، وينطلق في الشرح والتحليل وتفسير الأمور وحثّ الهمم وطرح الحلول.
خفنا عليه، كما خاف منه كثيرون.
في كل قمة كانت الصورة تصبح أكثر جلاءً: هذا صنف آخر من الزعماء، ليس محنّطاً، ولا يقرأ ما يكتبه المستشارون، ولا يعاني في تهجئة الكلمات، حتى إنه يُخرج الأحرف من مخارجها، ويعطي العبارة النَفَس المناسب لها، مقترناً مع الفعل الذي يحتويها.
وفي كل قمة، وكانت القمم قد أصبحت عادة سنويّة، كانت الصورة تتكرر، ولكن دون إحساس بالملل هذه المرّة.
وخفنا.
هؤلاء لن يقبلوا بأن يأتي من سيكون طرفاً في مقارنة لن تكون لمصلحتهم أبداً.
تآمروا عليه مرّة بعد مرّة، ولم يتركوا وسيلة إلا واتّبعوها من أجل إقصائه، أو تطويعه، أو حتى إنهاء وجوده.
ولم ينجحوا، وكان يبقى حاضراً.
قبل 2003 وبعد 2003، قبل 2005 وبعد 2005، قبل 2006 وبعد 2006، قبل 2008 وبعد 2008، وكانوا يتآمرون.. وكان يبقى.
في 2012 يبدو أنهم نجحوا.
اجتمعوا دون حضوره، ظنّاً منهم أنهم استطاعوا تحييده من دربهم.
في 2012، ليست ناجحة محاولتهم.

لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، وفهمنا ماذا فعل هؤلاء فينا.
لن ننتظر كلماتهم التي كتبها مستشاروهم، ولن نجلس نتندّر على أخطائهم، وعلى تفاهاتهم.
فليعقدوا قمّتهم، لأنها لا تعنينا. ونحن ننتظر في شوارع مدينة جريحة الكلمات التي يتلهّف سمعُنا لأن تطرقه حاملةً له الموقف الحقيقي، الموقف القوي الذي لا يتزحزح.
هذه ليست قمّتنا، ليست القمّة التي نريد.
قمّتنا يكون فيها زعماء عرب، يتخذون مواقف لمصلحة أوطانهم وشعوبهم، ولمصلحة الأمة، مواقف تنبع منهم، ومن إيمانهم ومن مبادئهم، وليست مواقف تُملى عليهم، وتسيّرهم عبر "الريموت كونترول".
قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.