أخبار المنار

الأربعاء، سبتمبر 14، 2005

القوات: أزمة هوية وتصارع على الأدوار


تعيش القوات اللبنانية حالة من الصراع الداخلي الذي لم تعد عمليات التجميل المتتالية التي تجري في لبنان والخارج قادرة على إخفائه.
وتنبع حالة الصراع هذه من العديد من العوامل التي تضافرت وتعقدت في علاقاتها فيما بينها إلى الحد الذي جعل عملية الحد منها ـ فضلاً عن محوها ـ عصية على التحقق.
فمن الانقسامات التاريخية التي كانت القوات تعيشها منذ ما قبل حلها عام 1994 (والمعروف أن القوات هي في أصلها تجمع لتيارات متعددة وليست حزباً واحداً له عقيدة محددة يتم على أساسها الانتساب إليها) إلى الخلاف بين تيار العسكر وتيار الأمن خلال سنوات اعتقال سمير جعجع، إلى الرفض الكبير الذي عبر عنه الكثير من كوادر القوات لتحوّل ستريدا زوجة سمير جعجع إلى قائدة بديلة عن زوجها، إلى الخلاف القائم بين قوات الداخل وقوات الخارج، وبين الكوادر العسكرية والتيار السياسي... كاها مشاكل تواجه قيادة القوات في المرحلة الحالية.
وقد جاءت مواقف القيادة الحالية للقوات في مرحلة ما بعد 14 آذار والتحالف الاستلحاقي مع تيار المستقبل والتيار الديموقراطي برئاسة وليد جنبلاط لتزيد طين الخلافات بلّة ولتصعّد الخلافات بين الشخصيات السياسية المختلفة داخل القوات، فطرد توفيق الهندي وجان عزيز (اللذان أبعدا بشكل رسمي وعلني عن تمثيل القوات في لقاء قرنة شهوان قبل انحلاله) ووقف النائب جورج عدوان بقوة في وجه ستريدا جعجع معلناً مواقف مخالفة تماماً للمواقف التي أعلنتها (ولا سيما فيما يتعلق بقداس "شهداء القوات" بين حريصا وسيدة إيليج حيث أعلنت جعجع أن لاعلاقة للقوات من قريب ولا من بعيد بقداس سيدة إيليج فيما قال عدوان إن هذا الكلام غير صحيح)، وحضرت ستريدا جعجع على عجل إلى بيروت بحجة تنظيم قداس حريصا ومن ثم غادرت على عجل دون أن تحضر القداس بحجة التهديدات الأمنية، وخرج سمير جعجع بخطابه الموجه إلى القواتيين والذي ميّز فيه إلى حد ما بين العلاقة مع الأطراف المسيحية والعلاقة مع تيار المستقبل وجنبلاط، وذلك في تراجع لافت عن وضع هذه التيارات كلها في صف واحد عند خروجه من السجن إلى المطار الشهر الماضي.
ويبدو أن الخلاف بين القواتيين مركب وهو لا يقتصر على سبب واحد أو على موضوع واحد.
فهناك أولاً الخلاف على الأدوار في المرحلة المقبلة، ومن يكسب ود قائد القوات سمير جعجع بشكل أكثر ليكون صاحب الكلمة المسموعة والرأي المطاع.
وهناك الخلاف على الممتلكات المادية للقوات، وهي تبلغ ملايين الدولارات إن لم يكن عشرات الملايين، وهي تتراوح بين ممتلكات عينية تتمثل في مؤسسات إعلامية ( أل بي سي، إذاعة لبنان الحر ومجلة المسيرة) وتجارية وغيرها في لبنان والخارج، وبين مبالغ مالية طائلة أخرجت قبيل مرحلة حل حزب القوات من لبنان واستثمرت في بنوك غربية وباتت تبلغ أضعافاً مضاعفة عن المبالغ الأصلية.
وهناك أيضاً الخلاف على كيفية تنظيم القوات في المستقبل، وهل تتحول إلى حزب سياسي مغلق أم إلى تيار سياسي مفتوح يفسح في المجال أمام تعدد الآراء والتباين في المواقف تحت مظلة خطوط عريضة يقبل بها الجميع.
ويبقى الخلاف الأكبر حول التوجه السياسي في المستقبل، وكيفية التعاطي مع الأحداث السياسية التي يمر بها لبنان وما تحمله من تطورات على مختلف الصعد، وخصوصاً أن لبنان يمر بمرحلة مصيرية ستحدد مستقبله على مدى عقود.
ويقوم الخلاف حول الجهة التي ستقيم معها القوات اللبنانية العلاقة الاستراتيجية، فهل تقف إلى جانب البطريركية المارونية وبالتالي إلى جانب العماد ميشال عون الذي نصّبه البطريرك زعيماً سياسياً للموارنة، أم تقف إلى جانب تحالف الحريري ـ جنبلاط، مع ما يعنيه ذلك من انفصال عن القاعدة الشعبية التي تعاني أصلاً من انقسامات حادة واستقطابات على مختلف الصعد بين التيارات السياسية المختلفة على الساحة المسيحية.
ويبدو كلا الخيارين مرّاً، فالوقوف إلى جانب البطريرك والعماد عون يعني التحاقاً بتيار سياسي سيفرض رأيه على القوات بأي شكل من الأشكال وسينزلها من مستوى الشريك في اتخاذ القرار إلى مستوى التابع الذي عليه تنفيذ الأوامر ممن كانوا حتى الأمس الأعداء الأكثر شراسة ومن اللاعبين الطبيعيين على الساحة التي تستقي منها القوات شعبيتها، بما يعني "محاشرة سياسية" تخلف "المحاشرة العسكرية" التي عاشتها الساحة المسيحية بين القوات والعونيين خلال الحرب الدموية التي دارت بينهم عام 1990.
ومعروف أن نواب القوات قاطعوا البطريرك الماروني لفترة طويلة بعد انتخابهم، واعتبروا أن البطريرك انحاز إلىعون في المعركة الانتخابية ولا سيما في الجبل والشمال، ما خلق حالة من التشنج في العلاقة بين الطرفين عبرت عن نفسها في انتقادات وجهت للبطريرك وفي مقاطعة بكركي وفي إطلاق مواقف حادة من العماد عون وصلت إلى حد تجاهله في مسيرة شعلة شهداء القوات الشهر الماضي، وقد كان هذا التجاهل لافتاً جداً ومثيراً للكثير من التساؤلات.
وبالمقابل فإن البقاء على خط الحريري جنبلاط مكلف جداً: مكلف على مستوى السياسة وعلى مستوى الشعبية وعلى مستوى المستقبل.
فالقوات لم تخفِ خلال الفترة الماضية انزعاجها من استثنائها من الكثير من المشاورات الدائرة بين تيارات المعارضة والتيار الشيعي في لبنان حول العديد من القضايا المتعلقة بمستقبل البلاد، كما عبرت عن رفض كبير للمس برئاسة الجمهورية التي تعتبر رمزاً مارونياً بامتياز ويعتبر المس بها اعتداء على حقوق الطائفة. وبينما كان بعض نواب القوات يعبرون عن هذا الرأي كان رئيس الجمهورية يتعرض لحملة شرسة من قبل القيادات المتحالفة مع القوات.
وكذلك انزعجت القوات من تمثيلها في حكومة السنيورة بوزير واحد، في حين سمّى حلفاؤها في تحالف الحريري ـ جنبلاط العديد من الوزراء الموارنة، ما اعتبر تعدياً على حقوق الطائفة وإضعافاً لموقف ممثلها في التحالف، أي القوات اللبنانية.
ويحس قادة القوات أن التقرب من تحالف الحريري ـ جنبلاط غير مقبول من قبل القاعدة الشعبية المارونية المستعدة لتناسي الخلافات مع ميشال عون في حين هي غير مستعدة لمسح تاريخ الصراع مع الجنبلاطيين ومع المسلمين بشكل عام على مستقبل البلاد.
وبقدر ما يعكس فتح هذه الملفات مع بعضها البعض من إرباك داخل القيادة القواتية، فإنه يثير خلافات بين المسؤولين القواتيين الذين يتبنى كل واحد منهم وجهة نظر معينة ويعمل على فرضها على الفرقاء الآخرين، إلى الحد الذي باتت فيه القوات فيدرالية قيادات لا يربط بينها في الوقت الحاضر سوى الوجود الضعيف لسمير جعجع على مسرح اللعبة.
وعلى أهمية هذه المواقف المطروحة وما تثيره من أزمات فإن الملف الأكبر الذي لم يجد معالجة له هو ذلك المتعلق بالمشروع الإيديولوجي الحقيقي للقوات والمتمثل في تحويل لبنان إلى فيدرالية، وهو المشروع الذي يبدو أن أحداً من المسؤولين القواتيين لم يتخلّ عنه، إلا أن الخلاف هو حول كيفية تظهير هذا المشروع ومدى ملائمة طرحه حالياً على الملأ، والانعكاسات التي يتركها هذا الطرح على مجمل علاقات القوات مع القوى السياسية الأخرى، وخصوصاً مع وجود نقاط تباين ـ في العلن على الأقل ـ مع هذه القوى الحليفة، ولا سيما حول تنفيذ القرار الدولي 1559 وما تلاه من قرارات، وحول سحب سلاح المقاومة وغيها من القضايا المصيرية المستقبلية.
وبناء على هذه المعطيات تبدو القوات اللبنانية مفتقدة بشكل حقيقي إلى رأسها وضامن وحدتها حتى الآن سمير جعجع الذي قرر ترك الأوضاع على تفاقمها والسفر لـ "النقاهة" والعلاج في الخارج.
وإن كان جعجع يقوم بتحركات ويدلي بمواقف تحاول الإيحاء بأن القوات كتلة متماسكة فإن الوقائع على الأرض تظهر عكس ذلك وتؤكد أن القوات تعاني كماً متراكماً من الأزمات، تبدأ مع أزمة الهوية والدور، ولا تنتهي عند أزمة فرض القيادات السياسية لنفسها على مسرح اللعبة، بما يجعل هذا الصراع الدائر حتى الآن ينفجر بصمت ويودي بالقوات وربما بقائدها وعناصرها ومستقبلها.

محمود ريا