‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل

الخميس، أغسطس 16، 2012

لا تُقدموا على هذه الحماقة


إلى ماذا سيؤدي هذا الضغط، وهل يعرقل مشروع الانفلاش العسكري الصهيوني في المنطقة؟



محمود ريا
14-08-2012

"على سيرة" بضع مئات من القتلى، الذين قال قادة العدو إنهم سيسقطون في المواجهة بين الكيان الصهيوني وأعدائه الحقيقيين في المنطقة، فإن هذا الرقم لم يُعجب على ما يبدو المستوطنين الصهاينة، ولذلك هم نزلوا إلى الشارع ليعبروا عن عدم رضاهم عن تسخيف القادة السياسييين للمعاناة التي سيمرون بها في حال قرر مجانين القادة أن يحوّلوا جنونهم إلى فعل.

يقول المستوطنون إن الحكومة التي لا تستطيع إطفاء حريق صغير (نسبياً) في جبل الكرمل لن تكون قادرة بتاتاً على مواجهة الحرائق الكبرى التي سيخلّفها الرد على الحماقة التي يحضّر لها بنيامين نتانياهو وإيهودا باراك.

ولكن هذه "الانتفاضة الشعبية" على "قلّة العقل" عند القادة السياسيين الصهاينة ليست يتيمة أو بلا دعم من أماكن مؤثرة في مراكز القرار، ولا سيما في المؤسستين العسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني.

قادة كبار في الجيش، وفي "الموساد" و"الشاباك" يرفعون صوتهم عالياً ويقولون: لا، لا تُقدموا على هذه الحماقة، فنحن (الصهاينة) لسنا قادرين على تحمّل كلفة أي رد على أي خطوة عسكرية من قبلنا.

وهؤلاء يعرفون أكثر من غيرهم، و"كلامهم ثقة"، وعندما يتحدثون عن "الثمن"، فإنهم يقرأون في أرقام دراسات وعمليات استقصاء علمية، ولا ينطلقون من منطلقات عاطفية أو من مصالح سياسية تحكم القادة "ذوي الرؤوس الحامية" الذين لا يحسبون حساباً إلا للمردود السياسي الذي يعتقدون أنهم سيجنونه من خطوتهم الجنونية.

وبناءً على ذلك يبدو أن هناك من يضغط فعلاً على هذه الرؤوس الحامية لمنعها من الاستفراد بالكيان الصهيوني وبالمنطقة ككل من خلال حملة عسكرية على إيران، وربما على غيرها من دول المنطقة، تحت حجة التصدي للبرنامج النووي الإيراني.

إلى ماذا سيؤدي هذا الضغط، وهل يعرقل مشروع الانفلاش العسكري الصهيوني في المنطقة؟

يبدو أن هناك سباقاً حقيقياً بين الطرفين المتقابلين، سباق يتجاوز حدود عملية تقسيم الأدوار واللعب على الحبال والتمهيد لفعلٍ ما عبر اعتماد لعبة الشد والجذب والتقدم والتراجع للتمويه على القرار الحقيقي، الذي يُفترض أن يكون متخذاً في غرفة الحسم الصهيونية السوداء.

ولا يخفى على أحد أن من أسباب الانقسام الحقيقي في مركز القرار الصهيوني تجاه الخطوة المقبلة إزاء المشروع النووي الإيراني هو العِبر التي استخلصتها القيادة الصهيونية من حرب تموز 2006، والهزيمة المنكرة التي تعرض لها جيش الاحتلال وجبهة العدو الداخلية في مواجهة المقاومين وصواريخهم.

طبعاً هذا ليس كلاماً عاطفياً، وإنما هو مستند إلى وقائع كشفها محللون صهاينة منهم ناحوم برنياع الذي تحدث في مقال موسع مشترك مع المحلل العسكري شمعون شيفر نشر الأحد في صحيفة يديعوت أحرونوت عن أن " العِبر من عام 2006 تخيّم على القيادة عام 2012".

الخلاصة من كل ذلك أن محاولة التذاكي التي قام بها قادة العدو من أجل طمأنة الصهاينة إزاء الخسائر التي سيتكبدونها في رد الفعل على هجوم صهيوني في المنطقة قد باءت بفشل ذريع.


فهل يكون هذا كافياً للجم الاندفاعة الصهيونية نحو الهاوية؟


لا أحد بإمكانه تقدير إلى أي حد صار المسؤولون الصهاينة مجانين فعلياً.

الخميس، أغسطس 02، 2012

ما مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟



 
 ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟

محمود ريا
30-07-2012

 

لندع المبادئ جانباً، فهي باتت منبوذة في هذا العالم.

ولنترك الاتفاقيات والمعاهدات، فهذه ـ كما يقول البعض ـ تم توقيعها كي تُخرق، وليس للالتزام بها.


ولنفكر بالمصلحة وبالمصلحة فقط، حتى ولو كانت مصلحة اليوم بعيدة كل البعد عن حقيقة الوضع في المستقبل


ما هي مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟


هناك تيارات سياسية تتخذ موقفاً سلبياً من النظام في دمشق، وهذا يدخل في إطار حرية الرأي، بغض النظر عن مدى صوابية هذا الموقف والمنطلقات التي ينطلق منها.


هذه التيارات تطلق التصريحات وتوجه الدعوات وتنظّم التظاهرات، والبعض يتهمها بأنها لا تكتفي بتقديم المساعدات للمعارضة السورية، وإنما تتطرف إلى حد تقديم السلاح والعتاد.. وحتى المقاتلين.


وهذه التيارات، وللّه الحمد، ليست في السلطة الآن.


وهذا يعني أن هذه التيارات لا تمثّل الدولة اللبنانية، ولا تشكّل جزءاً من قرارها، وهذا ما يُعفي ـ إلى حدّ ما ـ هذه الدولة من تحمّل تبعات مواقفها وتصرفاتها.. وجنونها.


فأن يرفع قادة هذه التيارات أصواتهم، ويطلقوا تصريحاتهم، يبقى أمراً مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً.


ولكن ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟


إن نظرة سريعة إلى واقع لبنان تكشف مدى خطورة عدم التعقّل في التعاطي مع الملف اللبناني السوري، نظراً للأخطار التي يفرزها هذا الانزياح عن جادة الصواب على لبنان أولاً، قبل أي أحد آخر.


وهذا التقييم نابع من مصلحة لبنان، وفقط من مصلحة لبنان، بعيداً مرة أخرى عن المبادئ، وعن الاتفاقيات والمعاهدات.


هل نظر مطلقو التصريحات ومتخذو المواقف إلى موقع لبنان وإلى واقع المصدّرين وإلى الجغرافيا والديموغرافيا وما تعكسانه من ظلال على واقع لبنان في ظل خلاف محتمل بين البلدين؟


هل درس البعض معنى الاحتجاج، ومعنى المذكرات، ومعنى الاتهام؟


إذا بقي النظام السوري في موقعه، فإن خطوة كهذه ستؤثر ـ حتماً ـ بشكل سلبي على لبنان.


فهل إن التغيير في "مزاج" التعاطي مع الأزمة السورية مرتبط بمعلومات دقيقة بأن النظام بات على وشك الانهيار، وبالتالي فإن هذا التغيير لن ينعكس سلباً على اللبنانيين، بل إنه سيترك آثاراً إيجابية عليهم؟


من باب المصلحة، بعيداً عن المبادئ والاتفاقيات والمعاهدات، هذا أمر جيد، ودليل على مرونة في التعاطي مع المتغيرات في المنطقة، والانسجام مع النهج السائد في العالم.
ولكن، ماذا لو لم يسقط النظام السوري؟


ماذا لو لم تنجح كل هذه الحملة العالمية العربية في الفتّ من عضد القيادة السورية، واستطاع الجيش السوري تحطيم التنظيمات المسلّحة التي تقاتله كما فعل في دمشق؟
ماذا لو تم التوصل إلى اتفاق ما، في لحظة ما، بقي بنتيجتها الرئيس الأسد رئيساً، ولو تغيّرت كل التركيبة التي تليه؟








كيف سيواجه اللبناني شقيقه السوري، وكيف سيبرر احتجاجاته، وهو الذي يعرف أن الردود السورية ما كانت لتحصل لو لم يكن هناك أفعال لبنانية؟

هذا من باب المصلحة فقط، وليس أكثر، ومن باب البحث عن امكانية انتهاز الفرصة، ومن باب ما هو مشهور عند اللبنانيين من خبرة في "معرفة كيف تؤكل الكتف".


إن وجود شخص في قصر بسترس يعرف مصلحة لبنان أكثر من البعض الآخرين في قصور أخرى أمر يستحق الثناء، في عصر صار منح الثناء فيه يتطلب الكثير من التأني.

السبت، يوليو 21، 2012

إسرائيل "تقتنع".. خوفاً من الثمن

 

أي بركان ستفجره "إسرائيل" في وجهها، وأي زلزال ستعرّض كيانها له إن فعلت ما تقول إنها ستفعله؟

محمود ريا
الولايات المتحدة "أقنعت" إسرائيل بعدم مهاجمة ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية.
هذا الخبر الذي ورد في رسالة قصيرة من أحد مزودي الأخبار المحليين فتح الأفق على أسئلة كثيرة، تزيد عن عدد الكلمات القليلة التي تحملها الرسالة.
ولعل السؤال الأكبر هو كيف يمكن لطرف ما أن يقصف مخازن الأسلحة الكيماوية في بلد آخر، دون أن يحسب حساب الأضرار التي ستلحق بالمدنيين الموجودين في مناطق قريبة من أماكن هذه المخازن؟ ألا يمكن اعتبار هذا القصف جريمة إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية؟
إن استهداف "مخازن الأسلحة الكيماوية" يؤدي إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا في مساحات شاسعة من الأراضي، أفلا يحسب القاصف حساب ذلك؟
والجواب عن هذا السؤال يبدو بسيطاً بالرغم من فجاجته: من يأمن العقاب لا يحسب أي حساب.
وإذا كان هذا السؤال المركزي والمهم يحمل جوابه في طيّاته فإن هذا لا ينفي أنه يولّد أسئلة أخرى لا بد من الوقوف عندها:
أيّ عقاب مثلاً تأمن منه "إسرائيل" عند ارتكابها لهذه الجريمة المحتملة؟
هي طبعاً تأمن عقاب الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتأمن عقاب الولايات المتحدة والغرب، وتأمن عقاب جامعة الدول العربية والأنظمة العربية، وربما تأمن عقاب الشعوب العربية التي بات الضياع يأكل الكثير من قدرتها على ملاقاة العدوان الصهيوني بالغضبة الكبرى.
مقابل هذه الضربة الإسرائيلية المفترضة ليس هناك حرب عربية على المعتدي، وليس هناك عقوبات دولية عليه، ولا هناك إدانة ولا تنديد، وربما لا تظاهرة غاضبة أو تصريح منتقد.
الجو كله مطبّع، الأمور كلها مرتّبة، وسائل الإعلام لعبت دورها.. وليس هناك أي خشية من هذا الأمر.
إلا أن ذلك لا يُعفي من عقاب آخر، هو ماثل وممكن، لا بل مرجح ومؤكد.
أي بركان ستفجره "إسرائيل" في وجهها، وأي زلزال ستعرّض كيانها له إن فعلت ما تقول إنها ستفعله؟
إذا ذهب آلاف الضحايا في سوريا نتيجة عدوان صهيوني من هذا النوع، فكم سيكون الثمن الذي سيدفعه المستوطنون الصهاينة جرّاء ذلك؟
أي كابوس ـ فوق مستوى التخيّل ـ سيُطبق على من اتخذ قرار الضربة، وعلى من نصّبه عليه، ومن ثم على كل من وافق على هذه الخطوة الخرقاء المجنونة؟
بعيداً عن "الثمن الأخلاقي" الذي قد لا يدفعه الصهاينة (في عصر لا أخلاق فيه)، فإن هناك ثمناً آخر، حقيقياً ودموياً وداهماً، سيكون على الصهاينة تأديته منذ اللحظة الأولى لانطلاقهم في مسيرهم نحو المجهول.
يصبح مضحكاً حديث الأميركيين عن "إقناعهم" قادة العدو بأن لا يضربوا مخازن الأسلحة الكيماوية السورية"
إزاء هذا الواقع، يصبح مضحكاً حديث الأميركيين عن "إقناعهم" قادة العدو بأن لا يضربوا مخازن الأسلحة الكيماوية السورية".
ومع أن وجود أسلحة من هذا النوع في سوريا يبقى في إطار الافتراض، ولا دليل عليه، وهو في موقع النفي من القيادة السورية، فإن "العقاب" لن يتوقف عند كون الضربة موجهة إلى مخازن الكيمياويات، بل هو سيكون الرد على أي ضربة من أي نوع ومن أي حجم داخل سوريا أو في المحيط.
مضحك تبجّح الأميركيين بقدرتهم على إقناع الصهاينة، بينما الواقع يدعوهم إلى تذكيرهم بالثمن فقط، كي يتحوّلوا من سباع ضارية، إلى ثعالب، تضع أذيالها بين أرجلها، وتولّي الأدبار.

الجمعة، يوليو 13، 2012

تمنيات الغرب الروسية: مجرد دعابة


الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين

محمود ريا
6-7-2012

 

يتطلب المزاج الرائق "فضاوة البال" والخلو من المشاكل والفراغ من الاستحقاقات الطارئة والبعد عن المحطات التي تقرر المصير.
فإذا كان الواحد منا مبتلى بكل هذه العقبات دفعة واحدة، فكيف له أن يكون قادراً على المزاح، وإلقاء الدعابات؟
في أميركا اليوم كل هذه المشاكل دفعة واحدة:
انتخابات رئاسية مصيرية بعد أشهر، تراجعات هنا وهناك في أنحاء العالم، تنّين صيني ودب روسي يتهجّمان على "أطراف المملكة الأميركية العظمى" ومشاكل إقليمة ومحلية لا تُعدّ ولا تُحصى؟
وفوق ذلك هناك اقتصاد يتداعى، يخرج من أزمة ليدخل في أزمة أكبر، والمديونية تتصاعد، وطبع الدولارات بلا حساب لم يعد ورقة رابحة في أيدي الرأسماليين الأميركيين.
في أوروبا الوضع صعب أيضاً:
الأزمات الاقتصادية تكاد تودي بالكثير من البلدان إلى الإفلاس. وليس المقصود "بلدان الأطراف" فقط، وإنما حتى البلدان المركزية، وصولاً إلى بريطانيا وفرنسا، ولا تبقى إلا ألمانيا ـ إلى حد ما ـ فوق الغربال.
هذه الوقائع تكشف حقيقة واحدة: ليس عند أحد من هذه الدول "مزاج المزح والتنكيت وإلقاء الدعابات".
ما بال وزير الخارجية الروسي إذاً يرمي بعض الدول الغربية بتهمة إلقاء الدعابات في هذا الوقت العصيب؟
ما باله يقول إن طرح هذه الدول بأن تستقبل روسيا الرئيس السوري بشار الأسد كلاجئ سياسي هو مجرد دعابة.
إن ما يقوله المسؤول الروسي (المغضوب عليه غربياً) لا يمتّ إلى المزاح بأي صلة.
إنه كلام يهزأ من دول الغرب أكثر مما يعبّر عن انسجامه مع "المزاح" الذي يطلقونه بين حين وآخر.
الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين.
لقد قال بصراحة إن الذين يغذّون الأزمة السورية يقودون الأمور إلى حرب كبيرة جداً.
وعندما تنطلق من شفاه الروس كلمة حرب، يجب على كل الوجوه أن تشدّ قسماتها، وأن تمتنع حتى عن وضع شبح ابتسامة على الشفاه.
 

 في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً"

في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً".
الروس الذي يسمعون "الدعابات الغربية" لا يضحكون لها، بل يواجهونها بعبارات صارمة جداً في الظاهر، تتوازى مع ضحك في الباطن.. على مطلقيها.
روسيا ليست في وارد التخلي عن الموقف المبدئي الذي اتخذته من الوضع في سوريا، وليست في مجال الاستغناء عن الموقع الاستراتيجي لسوريا على الخريطة العالمية.
إنهم لا يفهمون هذه الحقائق الثابتة، إنهم ـ ربما ـ لا يريدون أن يفهموها.
في كل يوم يخرج علينا مسؤول غربي، أميركي أو أوروبي، أو مسؤول إقليمي، عربي أو تركي، ليتحدث عن تغيير في الموقف الروسي.
وفي كل يوم يخرج لافروف، أو غيره من المسؤولين الروس، ليقولوا لهم: لا تغيير في الموقف الروسي.
ملّ الروس من تكهّنات وتمنيّات الغرب وأتباعه في المنطقة، فلم يجدوا حلاً إلا في اعتبار أن ما يقوله هؤلاء لا يتجاوز كونه.. مجرد دعابة.

السبت، يونيو 30، 2012

موعدنا "على العيد"



المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، 
والمؤامرة مهولة، 
ولكن التصدي لها أكثر حزماً.


محمود ريا
تكثر المواعيد، وتتكرر كل يوم، ولعلّ أكثرها انتشاراً موعد اللقاء على "العيد".
هذا الموعد صار مثل أحجية، يسمعه الناس، فلا يعرفون هل المقصود به هو هذا العيد، أم العيد الذي سيأتي، أم هو عيد فقط في أذهان الذين يطلقون هذه المواقيت.
انتظروا العيد أول مرة، فمرّ، وانتظروه عيداً آخر، ومرّ هو أيضاً، وانقضى العام.. وما زالوا ينتظرون الموعد، وما زالت أصواتهم تردد: "على العيد".
إمّا أنّهم لا يملّون، وإما أن صدمة عدم تحقّق أمانيّهم تجعلهم يجترّونها، فيعيدون ويكررون، من دون أن يكون لديهم ما يحقق آمالهم، أو يُخرج الأحلام من دوائر الأوهام إلى أرض الواقع.
المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، والمؤامرة مهولة، ولكن التصدي لها أكثر حزماً.
ليس في الأمر عواطف، وإن كانوا اعتمدوا على وعود أُعطيت لهم من أسيادهم، فربما عليهم أن يُدركوا بأن هذه الوعود هي التجسيد الحقيقي للسراب الذي يراه عطشان في الصحراء فيحسبه ماءً، فيلهث نحوه، معتقداً أنه الفرج، فإذا به لا يكسب منه إلا الخيبة والخذلان.
وهم كذلك.
وهذه هي مشكلتهم.
لا ينظرون إلى الوقائع، ولا ينطلقون من الحقائق، ولا يبنون تحليلاتهم على معطيات السياسة، التي يبني عليها كل من يريد الوصول إلى نتيجة منطقية في تحليله وتوقعه.
ولكن ربما لاينبغي لنا أن نظلمهم.
هم كذلك دائماً، وليس الآن فقط، هم لا يحللون ولا يتقصّون الحقائق ولا يبنون على الشيء مقتضاه.
هم يتلقّون، يسمعون من فلان وفلان، من هذه الدولة أو تلك، فيأخذون كلامها على محمل الجدّ، وتوهّماتها على مقياس الحقيقة.
المشكلة إذاً ليست فيهم، ما دام أنّهم لا يُعملون تفكيرهم. المشكلة في من يوسوسون لهم.
ولكن، هل هؤلاء المقيمون في عواصم الخواجات، يضحكون عليهم، يسخرون منهم، بتوقعات العيد، والعيد الذي يلي العيد، أم أنهم مثلهم، وقعوا في شرّ توقعاتهم؟
هناك من يرى أن "الأسياد" يلعبون بـ "الأولاد"، يضعون خططاً بعيدة المدى، ويتركون لمن معهم فتات العيش على انتظار الحسم السريع والتغيير الجذري.
وهناك من له رأي مخالف.
يرى هؤلاء أن الصدمة الكبرى ليست هي صدمة الأزلام، وإنما تلك التي أصابت "الكبار"، الذين كانوا يتوقعون انهياراً سريعاً، يحققونه بالتهويل والتقتيل، استناداً إلى مبدأ "الصدمة والرعب" الذي نجح معهم قبل ذلك في أكثر من مكان، وأكثر من زمان.
ولم يتحقق المأمول، لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب، ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب،  
ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد
على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


كان الحلّ بانتظار العيد التالي، ومرّ الموعد والحال هو الحال.
وجاءت مواعيد أخرى، تصاعدت قبلها ومعها الحملات، وتكاثرت الانفجارات، وصار القتل مثل شربة الماء، ومرّت المواعيد... وسوريا كما هي و"يا جبل ما يهزّك ريح".
اليوم، هناك موعد جديد، "على العيد".
هل يحققون حلمهم هذه المرة؟
"سراب بقيعة"...

السبت، يونيو 23، 2012

لافروف.. قومي يميني متطرف!


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.

محمود ريا
15-06-2012

 
خاب أمل الغرب بسيرغي لافروف.. كانوا يظنونه دبلوماسياً محترفاً، يقبل "الأخذ والعطاء" فإذا به في الأشهر الماضية يبدو كقومي يميني متطرف، لا يحسب للدبلوماسية أي حساب.

وزير الخارجية الروسي أمام "مقصلة" التقييم الغربي، ومن يقف أمام هذه المقصلة يكون قد تجاوز مرحلة إمكانية التغيّر، وصار في مرحلة التغيير.


ما نقلته إحدى الصحف اللبنانية قبل أيام حول لافروف ما هو إلا انعكاس لما هو موجود في الصحافة الغربية من صدمة تجاه الموقف الروسي من الوضع في سوريا، هذا الموقف الذي يعبر عنه لافروف بكل أمانة ووضوح.


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.


أما هذا التوجه الجديد، فهو ما يشغل بال الغرب، ويثير غضبه الكبير تجاه لافروف، وتجاه سيد الكرملين الجديد، فلاديمير بوتين، وتجاه روسيا كلها.


يقوم هذا التوجه على قواعد وضعها بوتين مع مجيئه إلى الحكم، خلاصتها أن عهد روسيا اليلتسينية انتهى إلى غير رجعة، وعهد روسيا "الكامنة" بدأ بالانحسار، وجاء عهد روسيا الفاعلة، روسيا القوية، روسيا التي تقرر ما هو المناسب لها في الداخل والخارج، دون "استعانة بصديق"، وخاصة إذا كان هذا الصديق عدواً في واقع الحال.


وهنا تكمن معضلة الغرب، في أن تقرر روسيا ما تريد، في موضوع الدرع الصاروخية، وفي موضوع علاقاتها مع دول "المحيط السوفياتي"، وفي تحالفها مع الصين، وفي علاقتها مع إيران، وفي موضوع التطورات في سوريا.


إنها أزمة كبيرة للغرب، الذي افتقد روسيا البراغماتية، روسيا التي تساوم على هذا الملف أو ذاك، مقابل امتيازات هنا وهناك، وروسيا المحدودة القوة، التي لا ترفع لواء الرفض لأي مشروع غربي، وإنما تحاور وتناور للحصول على أعلى حد من المكاسب.
وحتى عندما كانت تتشدّد روسيا في موقف ما، فالغرب يعرف أن هذا التشدد هو محاولة للحصول على ثمن أعلى مقابل تنازل أكبر، يحقق لهذا الغرب مصالحه، ويؤمن لروسيا بعض الاحتياجات التي كانت تبحث عنها.


وكان الغرب يظن أن الوضع ما يزال كما هو عليه.


من هنا، ملأ المسؤولون الغربيون الشاشات، والمحللون السياسيون الصفحات، بالحديث عن مرحلة تسلّم بوتين الحكم، بعد عودته رئيساً للبلاد، مبشرين بأن الموقف الروسي تجاه سوريا، وتجاه إيران سيتغير، لأن بوتين سيفاوض، وسيقبض ثمناً ما، وسيغيّر وجهة الأحداث.


وقد حصل ما توقعه الغرب، ولكن بصورة معكوسة: لقد تغيّر الموقف الروسي، باتجاه مختلف تماماً عن ذلك الذي ترغب به الكواليس الدبلوماسية الغربية، وانتقل التشدد الروسي من كونه رغبة في تحقيق مصالح روسية استراتيجية، إلى كونه تعبيراً عن إدخال موضوع سوريا في صلب السياسة الروسية الاستراتيجية، ما يعني أنه موضوع بات خارج إطار التفاوض، وبعيد عن المساومة، ولا مجال فيه للأخذ والعطاء.


إنها نكسة حقيقية للغرب، نكسة يعبّر عنها كل يوم بشكل جديد، ولعلّ آخر هذه الأشكال هجومه المباشر على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.


وهكذا بات الرجل، الذي كان شيوعياً ثم جهد لكي يتحول إلى "ديبلوماسي معاصر"، مجرد قومي يميني متطرف!


ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة

إنه ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة، روسيا فخورة بنفسها، قادرة وثابتة، يقودها قاهر للصعاب، لا سكّير طيّع ليّن لا يميّز بين ليل ونهار، ولا بين موسكو وواشنطن.

السبت، يونيو 02، 2012

لا تغيير في الموقف الروسي



في العشرين من حزيران/ يونيو يمكن للغرب أن يتنفس الصعداء، إذا لمس تغييراً في الموقف الروسي إزاء الوضع السوري، أو يمكنه أن ينتظر فرصة أخرى لمحاولة تحقيق هذا التغيير، ولكنه لن ييأس، ولن يكفّ عن المحاولة.

محمود ريا
الغربي لا ييأس... ولا تدخل هذه الكلمة في قاموسه على ما يبدو.
هو مستعد للمحاولة ومعاودة المحاولة، مستعد للمناورة والمداورة، والانطلاق من النقطة والعودة إليها، ما دام أنه بهذا الانطلاق والعودة يبحث عن تحقيق مصالحه، أو يأمل بأن تتحقق في يوم من الأيام.
لا يعتبر الصفعة نهاية الكون، ولا الصدّ قراراً نهائياً، ولا يملّ من إعادة الطلب الذي طلبه سابقاً مرة ثانية وثالثة وحتى رابعة وخامسة، المهم أن يكون في هذه المحاولات بصيص أمل في إمكانية الوصول إلى المطلوب.
ولا أحد يُنكر أن هذا الأسلوب يحقق في غالب الأحيان أهدافه، فتكرار المحاولة، مرفقاً بإغراءات من هنا، وتهديدات من هناك، واستحياء بعض من يؤخذون بالحياء من جهة ثالثة، يجعل من الصخر الصلد عجيناً ليّناً في أيدي الغربيين.
وتجارب التاريخ تشجّع جماعة الغرب على الاستمرار في هذا النهج، فهم حققوا الكثير من أهدافهم عبر الإصرار عليها، أو تقديمها كل مرة بطريقة مختلفة، مع الاحتفاظ بالمضمون نفسه.
ولكن هذا يحصل في أغلب الأحيان، وليس دائماً.
اليوم يعاني أهل الغرب، ويسألون أنفسهم بشكل دائم: لماذا؟
إنهم يصرّون على هدفهم، ويقدّمون الإغراءات تلو الإغراءات، لا بل إنهم يطلقون التهديد بعد التهديد، ويزورون ويعودون... ولكن بلا أمل.
لماذا لم ينجحوا حتى الآن في تغيير الموقف الروسي من الوضع في سوريا؟
كلما أطلقوا تصريحاً تصعيدياً، يخرج عليهم مسؤول روسي بتصريح مضاد أكثر قوة وأعلى صوتاً.
كلما أَمَرُّوْا شائعة عن تغيير قريب في مقاربة موسكو لما يحصل في دمشق ومحيطها، تكون موسكو جاهزة لتبديد هذه الشائعة، وإحباط مفعولها.
كلما تحدثوا عن موعد، يكون فيه اجتماع، يحصل فيه التغيير، يأتي الموعد ويُعقد اللقاء، ولا تغيير ولا من يغيّرون.
واليوم هناك موعد جديد.
لقاء القمة بين الرئيسين الروسي والأميركي فلاديمير بوتين وباراك أوباما في المكسيك يومي 18 و19 حزيران/ يونيو الجاري على هامش قمة العشرين.
الغرب يحبس أنفاسه بانتظار حلول تلك اللحظة. هو (الغرب) كان وعد العالم بأن بوتين سيغيّر سياسته السورية بعد انتخابه مجدداً رئيساً لروسيا، وردّ بوتين بأنّ أي تغيير في الموقف لن يحصل، لأنه موقف مبني على أسس ثابتة، تجمع بين القواعد المبدئية والمعطيات الاستراتيجية والمصالح القومية.
ولم يفهم الغرب ذلك، وما زال ينتظر.
في العشرين من حزيران/ يونيو يمكن للغرب أن يتنفس الصعداء، إذا لمس تغييراً في الموقف الروسي إزاء الوضع السوري، أو يمكنه أن ينتظر فرصة أخرى لمحاولة تحقيق هذا التغيير، ولكنه لن ييأس، ولن يكفّ عن المحاولة.
وبالرغم من ذلك فإن المعطيات على الأرض ستجعل محاولاته المضنية تذروها الرياح، ليحاول التأقلم مع فكرة جديدة، هي ليست غريبة على براغماتيته، ولكنه ما يزال يكابر قبل الإقرار بها: لماذا لا يغيّر موقفه هو؟
 

 يبدو أن على الغرب تعلّم مفردات جديدة في السياسة، أو على الأقل إخراج بعضها من صندوق الآثار الذي وضعها فيه منذ انتهاء الحرب الباردة، مفردات مثل: التسويات، التفاهمات، التنازلات... وربما الخضوع للأمر الواقع...
بين موقف روسيا الثابت، وموقف الصين الذي لم يتزحزح قيد أنملة بالرغم من كل الإغراءات التريليونية والتهديدات النفطية، وبين معطيات الأرض التي أثبتت ثبات القيادة السورية وفشل محاولات زعزعة ثوابتها، يبدو أن على الغرب تعلّم مفردات جديدة في السياسة، أو على الأقل إخراج بعضها من صندوق الآثار الذي وضعها فيه منذ انتهاء الحرب الباردة، مفردات مثل: التسويات، التفاهمات، التنازلات... وربما الخضوع للأمر الواقع...
لِمَ لا؟

الاثنين، مايو 14، 2012

تفجيرات دمشق: نجاح.. وفشل


 لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا

محمود ريا 
10/5/2012  

تفجيرات دمشق اليوم ـ بغض النظر عن المناظر المرعبة التي تركتها ـ هي دليل نجاح، ودليل فشل.

في البداية لا بد من التأكيد على فظاعة الجريمة ووحشيتها، فهي خبطت خبط عشواء، وأدّت إلى استشهاد وجرح العشرات من المدنيين، وتركت دماراً لا يمكن تصوّره، وما نقلته شاشات التلفزة لا يعبّر إلا عن قليل من الواقع، فالواقع في هذا النوع من التفجيرات يكون أقسى وأكثر إيلاماً، لا بل يصبح فوق المتخيّل.

السوريون لم يعتادوا على مثل هذه المشاهد، ولكن هناك من العرب من صارت هذه الصور طيفاً في خيالهم، يُستدعى فترة بعد فترة، ليذكّرهم بحبيب قضى، وأخ أُعيق، وجرح لا يزال جاثماً على وجه صديق.

وإذا كانت هذه التداعيات إلى الذهن لا تقف عند حدود الذكرى لتتجاوز إلى التخوّف من عودة هذا النوع من الإجرام ليتغلغل هنا وهناك، نتيجة تعاظم إجرام الجهات التي تقف وراءه، فإن الإنصاف يقتضي التوقف عند النجاح، وعند الفشل، اللذين يثيرهما تفجيرا دمشق اليوم.

البداية من عند النجاح، لنقدّم صورة أقلّ قتامةً تنبثق من صور الدم والدمار التي تتوارد على شاشات التلفزة.

لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا.

على مدى الأشهر الماضية، كانت القيادة السورية أمام تحدي إثبات مقولتها عن وجود إرهابيين تكفيريين تفجيريين يقودون الأحداث التي تجري في مختلف المناطق، ويوجّهون الأمور باتجاه العنف الدموي الذي يهدف إلى تخريب سوريا وليس لطلب الإصلاح فيها.

ومع كل تفجير كانت تتعرض له العاصمة السورية، أو المدن الأخرى، ولا سيما حلب وإدلب، كانت الصورة تتظهّر أكثر فأكثر. أما اليوم، وبعد التفجير الذي استهدف رئيس بعثة الأمم المتحدة في درعا، والتفجيريين الدمويين في القزّاز، فإن الإثبات بات بين أيدي من يعقل، أو يُلقي السمع وهو شهيد.

لم يعد هناك من شك في أن الإرهابيين هم الذين يسوقون الأحداث في سوريا، وهم الذين يرسمون وجهتها، وأن كل الحديث عن معارضة، وعن مطالب، وعن إصلاح، هو مجرّد “ديكور” فيما الأصل هو غير ذلك تماماً.

إذاً، المعركة في سوريا باتت واضحة تماماً، هي معركة بين الشعب السوري وقيادته من جهة، وبين مجموعات تسلّطت على حراك شعبي بريء، بدأ في البداية باحثاً عن إصلاح منشود ومطلوب من الجميع، ليصل الآن إلى حرب كونية عظمى، تُشنّ على سوريا كلها، بأيدي إرهابيين قَتَلة، لا يوقفهم وازع من ضمير.

هذا هو النجاح، أما الفشل، فهو مكمل له.

الفشل هو لمشروع القوى التي تقف وراء هؤلاء الإرهابيين.

لقد حاولت هذه القوى الغربية والعربية استغلال الحركة الشعبية المطلبية السورية من أجل تمرير مشاريعها الهادفة إلى القضاء على صمود سوريا في وجه المشاريع الغربية، فسارت وراء شعارات السلمية حتى أثبتت فشلها في تأمين غالبية شعبية تطالب بإقصاء القيادة السورية، عندها حاولت هذه القوى الانتقال إلى مشاريع العسكرة والمناطق الآمنة والاستيلاء على أراضٍ لتحويلها إلى بنغازي جديدة، ولمّا فشلت هذه المشاريع أمام صمود القيادة والجيش والشعب في سوريا، كان لا بد من تفجير كل شيء، تفجير يحمل معاني الانتقام واليأس من تحقيق الأهداف.




 سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

وهنا يبدو الفشل الغربي العربي الإرهابي جليّاً.

تفجيرات اليوم، وما سبقها من تفجيرات إرهابية، هي إعلان لهذا الفشل في الفتّ من عضد الشعب السوري وقيادته، وإظهار لحجم الانهيار الذي أصاب مشروع التغيير بالبلطجة والتشبيح.

سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

الاثنين، أبريل 23، 2012

الصين لم تعد تفكر كما في السابق؟





من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً




محمود ريا
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان متأكد من أن "الصين لم تعد تفكر كما في السابق" (بالنسبة لسوريا)
هذه الثقة التي أبرزها أردوغان في تصريحاته الأخيرة نابعة ـ حسب قوله ـ من كلام نقله وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو عن وزير الخارجية الصيني يانغ جي تشي.

هذا "التحول" في التفكير الصيني أمر مهم جداً كما يراه أردوغان، إضافة إلى الموقف الروسي ـ المتغيّر أيضاً ـ بما يشير إلى أن النظام في سوريا بدأ يفقد مرتكزاته الدولية.

ولكن هل ينطبق "تحليل" أردوغان على الواقع.

في البداية لا بد من القول إن مجرد انتظار رئيس الوزراء التركي لتغيير ـ ولو كان موهوماً ـ في الموقف الصيني أمر مهم جداً. وهنا الأهمية واقعية، وليست مثل "أهمية" أردوغان التحليلية، إن لم تكن "التخيّلية".

فأن ينتظر المسؤول التركي ما يحصل في العواصم الأخرى من تغيير، أمر يدلّ عن العجز في تحقيق التغيير بالقوى الذاتية، أي بقوة تركيا والدول المتحالفة معها.

الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.
وإذا أوغلنا في هذا الاتجاه من التحليل، يمكن القول إن الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.

وبقدر ما في هذا الواقع من إقرار بالعجز، فإنه يوحي بتضخم التمني في حصول هذه التغييرات، حتى ولو كانت هذه التمنيات هي بحجم الاصطدام بوقائع مثبتة على الأرض لا يمكن القفز فوقها.

ففي الظاهر ـ على الأقل ـ لا يبدو أن هناك أي تغيير في المسار العام للموقف الصيني من الأحداث في سوريا، حسب ما يبدو من تصريحات القادة الصينيين، وهو موقف يقوم على ثلاث قواعد: ضرورة اعتماد الحل التفاوضي بين المكوّنات السورية كافة، رفض التدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال، رفض التغيير بالقوة وعبر استخدام السلاح من قبل المعارضة.

أكثر من ذلك، فأردوغان نفسه سمع هذا الموقف الثابت من الرجل الثاني في القيادة الصينية، رئيس مجلس الدولة ون جيا باو، خلال لقائه به في التاسع من الشهر الحالي في بكين، فلماذا تعمد العاصمة الصينية إلى تسريب خبر "التغيير في التفكير" عبر وزير الخارجية الصيني إلى نظيره التركي لينقل الخبر بعد ذلك إلى أردوغان، فيما كان من الممكن أن يزف وين جياباو "الخبر السعيد" إلى ضيفه مباشرةً دون واسطة؟

وهل حصل أي طارئ خلال الأيام العشرة الماضية دفع الصين إلى اتخاذ قرار "تغيير التفكير" بهذا الشكل المفاجئ؟

من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً، وهذا ما يمكن لمسه عملياً في مواقف الصين في مجلس الأمن، حيث تقف إلى جانب روسيا في معركتها الدبلوماسية الشرسة مع "الفريق التركي"، ما أدى إلى أن تسير الأمور تماماً كما يريد "تحالف موسكو ـ بكين"، وبما يحقق المصلحة السورية الحقيقية، في تفادي العنف والسير بالعملية الإصلاحية قدماً إلى الأمام وتحت قيادة الرئيس السوري بشار الأسد.

أما أردوغان، الذي دعا له البعض في يوم من الأيام (وأنا منهم) كي ينصره الله على أعدائنا الصهاينة (إثر معاركه الكلامية معهم)، فيبدو أنه الآن بحاجة لدعاء أكثر حرارة وأشد عمقاً، كي يخرجه الله من حالة التخبّط التي يعيشها، والتي تجعله ينتظر ولو إشارة، تأتي من بعيد، علّها تحمل له خشبة إنقاذ من الورطة السياسية والاستراتيجية التي وضع نفسه فيها.

الجمعة، أبريل 06، 2012

القمّة التي نريد



 قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.
محمود ريا
28-03-2012

جميل أن يجتمع العرب. جميل أن تحتضن القادة والزعماء عاصمة عربية كل عام، ومفرح للقلب أن يكون هذا الاجتماع دوّاراً بين الدول.
كنا صغاراً، وكانت متعتنا أن نتابع شاشات التلفزة وهي تنقل مباشرةً، نعم مباشرةً، وصول طائرات الزعماء، واحدة بعد أخرى، إلى مطار الدولة التي حظيت بشرف عقد القمة على أرضها.
ملك، وراءه أمير، ثم رئيس يتلوه رئيس، وطائرة بعد طائرة، ونحن متسمّرون أمام الشاشة، نرى الصور المباشرة، ونستمع إلى المذيع ـ ذي الصوت الجهوري ـ يشرح لنا: وصلت طائرة جلالته، استقرّت طائرة سموّه على أرض المطار، نزل سيادته من على سلّم الطائرة، وكان في استقبال فخامته فخامة نظيره...
وبين البرهة والأخرى، وحين لا يكون هناك طائرات في الجو، أو في أرض المطار، كنا نتمتّع بالاستماع إلى معلومات المذيع إياه ـ ذي الصوت الجهوري ـ يتحدث عن الجامعة العربية، وتاريخ تأسيس الجامعة العربية، وأهمية الجامعة العربية، وإنجازات الجامعة العربية.
كنّا صغاراً، ولكن هذا الأمر لم يعفنا من اكتشاف خطأ هنا لزعيم، وأخطاء هناك لمن هو أكبر منه سنّاً، أو أوهن منه عظماً، فكنّا نضحك ببراءة، نحن التلاميذ الصغار، على من يُفترض أن يكون قدوة، وهو ينصب الفاعل ويرفع المفعول به، في كلمة مكتوبة بين يديه، لا بدّ أن تكون الكلمات فيها مضمّخة بالحركات النحوية.
وفي كل قمة كانت تتكرر المسألة، وكنا نستمع للخطابات، وأكثرها كان مكرّراً ممجوجاً لا حياة فيه، ولكننا كنّا نستمع، لأن هؤلاء هم زعماء العرب، وهذه هي قمتهم.
إلى أن جاء يوم واختلفت الصورة.
رأينا زعيماً عربياً يتحدث، ليس عن ورقة، ويحكي، ليس بلغة خشبية متيبّسة، وينطلق في الشرح والتحليل وتفسير الأمور وحثّ الهمم وطرح الحلول.
خفنا عليه، كما خاف منه كثيرون.
في كل قمة كانت الصورة تصبح أكثر جلاءً: هذا صنف آخر من الزعماء، ليس محنّطاً، ولا يقرأ ما يكتبه المستشارون، ولا يعاني في تهجئة الكلمات، حتى إنه يُخرج الأحرف من مخارجها، ويعطي العبارة النَفَس المناسب لها، مقترناً مع الفعل الذي يحتويها.
وفي كل قمة، وكانت القمم قد أصبحت عادة سنويّة، كانت الصورة تتكرر، ولكن دون إحساس بالملل هذه المرّة.
وخفنا.
هؤلاء لن يقبلوا بأن يأتي من سيكون طرفاً في مقارنة لن تكون لمصلحتهم أبداً.
تآمروا عليه مرّة بعد مرّة، ولم يتركوا وسيلة إلا واتّبعوها من أجل إقصائه، أو تطويعه، أو حتى إنهاء وجوده.
ولم ينجحوا، وكان يبقى حاضراً.
قبل 2003 وبعد 2003، قبل 2005 وبعد 2005، قبل 2006 وبعد 2006، قبل 2008 وبعد 2008، وكانوا يتآمرون.. وكان يبقى.
في 2012 يبدو أنهم نجحوا.
اجتمعوا دون حضوره، ظنّاً منهم أنهم استطاعوا تحييده من دربهم.
في 2012، ليست ناجحة محاولتهم.

لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، وفهمنا ماذا فعل هؤلاء فينا.
لن ننتظر كلماتهم التي كتبها مستشاروهم، ولن نجلس نتندّر على أخطائهم، وعلى تفاهاتهم.
فليعقدوا قمّتهم، لأنها لا تعنينا. ونحن ننتظر في شوارع مدينة جريحة الكلمات التي يتلهّف سمعُنا لأن تطرقه حاملةً له الموقف الحقيقي، الموقف القوي الذي لا يتزحزح.
هذه ليست قمّتنا، ليست القمّة التي نريد.
قمّتنا يكون فيها زعماء عرب، يتخذون مواقف لمصلحة أوطانهم وشعوبهم، ولمصلحة الأمة، مواقف تنبع منهم، ومن إيمانهم ومن مبادئهم، وليست مواقف تُملى عليهم، وتسيّرهم عبر "الريموت كونترول".
قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.

الخميس، أبريل 05، 2012

أوراق أجنبية في يد سوريا


المراقب الموضوعي يبقى بانتظار تأكيد رسمي لهذه الأخبار كي يبني عليها قراءات لتداعياتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء

محمود ريا
26-02-2012
تتكاثر الأخبار التي تتحدث عن إلقاء القبض على عشرات الأجانب في مدينة حمص، ولا سيما في حي باب عمرو، حيث استطاعت السلطات السورية تحقيق الكثير من الإنجازات الميدانية في مواجهتها مع المسلحين الذي كانوا يتمترسون في الحي.

وبالرغم من أن الأخبار في هذا المجال بلغت حد التواتر، فإن المراقب الموضوعي يبقى بانتظار تأكيد رسمي لهذه الأخبار كي يبني عليها قراءات لتداعياتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء.

السلطات السورية تتمهل في الإفراج عن المعلومات الرسمية المتعلقة بأصل اعتقال هؤلاء، فضلاً عن الكشف عن جنسياتهم والدول التي قدموا منها. وفي هذا التمهّل الكثير من الحكمة، وكذلك الكثير من الدلالات التي تشير إلى رباطة جأش وإمساك بالتفاصيل وقدرة على التحكم بمسار الأمور، لأن التروّي في نشر أسماء المعتقلين وانتماءاتهم يعني أن السلطات ليست بحاجة إلى هذه الأوراق في مواجهتها لما تعيشه سوريا من تطورات، وبالتالي هي ليست بحاجة لحرق هذه الأوراق واستهلاكها في سبق إعلامي لا يلبث أن يخبو بعد ساعات أو أيام.

وبغض النظر عن مدى دقة المعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية عن المعتقلين، وعن الأجهزة التي ينتمون إليها، وحتى عن الجيوش الذين ينتظمون في تشكيلاتها، فإن ما لا شك فيه أن هناك صيداً ثميناً، هو أكثر من طريدة، ومن أكثر من لون، بات في قبضة السلطات، حسب ما توحي به تسريبات واردة من مقربين من القيادة السورية، كما أن معالجة أمر هؤلاء المعتقلين يتم بهدوء ودون جلبة ومع الجهات المعنية.

وحتى ولو لم يصرّح المسؤولون في دمشق عما بات بحوزة الأجهزة الأمنية من طرائد، فإن ما يقوم به أعداء النظام في سوريا كافٍ لتكوين صورة أولية عمّا يحدث على الأراضي السورية من تدخلات أجنبية، من عرب وعجم، بهدف دعم الحركة المناهضة لهذا النظام والانخراط في نشاطاتها المتنوّعة، عسكرياً وأمنياً وإعلامياً وتعبوياً.

فمن نعي المقاتلين الليبيين الثلاثة الذين قُتلوا في حمص، إلى زف قبيلة كويتية لاثنين من أفرادها قتلا في ريف دمشق، إلى مقتل الصحافيين الأجانب الذين دخلوا إلى حمص بطريقة غير شرعية، إلى ما نشرته شبكة "فولتير.نت" الفرنسية عن اعتقال ضباط مخابرات فرنسيين على الأراضي السورية، كل هذه المعطيات تجعل الأخبار الواردة من مصادر قريبة من النظام ـ عن اعتقال ضباط استخبارات أتراك وفرنسيين وقطريين وغيرهم ـ أمراً يتجاوز دائرة الاحتمال ليدخل في دائرة الترجيح، إن لم يكن تخطاها أيضاً إلى دائرة تأكيد الحصول.

إن أوراقاً كهذه التي ينتظر الكشف عنها في الوقت المناسب هي مكتسبات مهمة لمصلحة القيادة السورية في معركتها مع الغرب

إن أوراقاً كهذه التي ينتظر الكشف عنها في الوقت المناسب هي مكتسبات مهمة لمصلحة القيادة السورية في معركتها مع الغرب والموالين له من العرب. ومع ما هو مشهور عن هذه القيادة من طول أناة وهدوء في التعامل مع الأوراق التي بين أيديها، فإن الأيام المقبلة قد تشهد العديد من المؤشرات، التي يمكن اتخاذ عودة السفير الفرنسي المفاجئة إلى دمشق نموذجاً لها.

الأربعاء، أبريل 04، 2012

سوريا تعاني.. قبل نهاية النفق


محمود ريا
17-12-2011
سوريا تعاني، وقد دخلت في طريق مظلم، وتواجهها الكثير من الصعوبات.. ولكن هناك ضوء في آخر النفق.
والواقع أن ما يلوح ليس ضوءاً واحداً، وإنما عدة أضواء دفعة واحدة.
وإذا كان الموت يحصد أرواح الكثيرين من السوريين كل يوم، فإن هذا الأمر لا يقود إلى انتظار تغيير دراماتيكي يقلب الطاولة رأساً على عقب، وإنما هو يدعو إلى الأسف على هذه الأرواح التي تذهب، في حين أن المعادلة ستبقى كما هي.. دون تغيير.
الذين يظنون أنهم يدفعون باندفاعهم ثمن تغيير الوضع القائم هم أمام واقعين متكاملَين ـ متناقضين:
الواقع الأول هو أنهم فعلاً صنعوا التغيير، فسوريا لن تعود أبداً كما كانت، وهي تسير في مسار سيقود إلى تغيير كثير من الأوضاع التي كانت قائمة فيها.
الواقع الثاني هو أن دماءهم لم تصنع الانقلاب الذي قيل لهم إنهم سيحققونه من خلال تضحياتهم. الانقلاب لم يحصل، ولن يحصل في المرحلة القادمة، وضمن المعطيات الموجودة، والأمور ستبقى سائرة في الاتجاه الذي تسير فيه هذه الأيام: إصلاحات وتحسينات وتغييرات، لكن مع بقاء النظام والحفاظ على أسسه وسياساته الخارجية، وهذا هو الأهم.
الأضواء التي يراها الكثير من المراقبين تنبعث من الداخل ومن الخارج في الوقت نفسه.
من داخل سوريا هناك عدة مؤشرات: تماسك الجيش، تظاهرات الشارع المؤيدة بقوة للنظام والتي شكّلت صدمة حقيقية للإعلام الخارجي الذي فشل في التغطية عليها، ثبات الأكثرية الشعبية إلى جانب النظام على مستوى الناس العاديين الذين يرَون في التغيير على "الطريقة العرعورية" انتكاسة كبرى لسوريا لا يمكن تحمّلها، قوة الاقتصاد الناجمة عن غياب أوراق الضغط الخارجية نتيجة غياب الديون وتأمين القسم الأكبر من الاحتياجات في مختلف المجالات داخلياً، انقسام المعارضة إلى معارضات كلّ منها يغنّي على ليلاه، انحسار المواجهات في مناطق محددة وتحوّلها إلى عمليات عسكرية مباشرة من قبل العصابات المسلّحة ضد قوات الأمن...
من خارج سوريا هناك أوراق عديدة يمكن الحديث عنها: ثبات الموقف الروسي في مواجهة الحملة الغربية ـ العربية على سوريا، تضامن الموقف الصيني مع روسيا بشكل غير قابل للاهتزاز، وقوف إيران الحاسم إلى جانب سوريا.. وحتى النهاية، الانسحاب الأميركي من العراق وتحرّر الإرادة العراقية من ربقة الانسياق وراء السياسة الأميركية، الضعف الداخلي في تركيا سواء بسبب تنامي المعارضة للسياسة الخاطئة تجاه سوريا أو نتيجة المرض المفاجئ لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ثبات الحكومة اللبنانية على موقفها الرافض لاستخدام الأراضي اللبنانية كمنصة للاعتداء على أمن سوريا بالرغم من بعض الخروقات وبعض المواقف المنحازة إلى صف التحالف المعادي لسوريا...
 
سوريا في النفق ما تزال، وهناك الكثير من المفاجآت غير السارة قد تنفتح عنها جدران هذا النفق
كل هذه المعطيات، وغيرها، تضع الموقف السوري في موقع قوة، وتسمح بالقول إن محاولات إسقاط النظام في سوريا قد تلقّت ضربة قاسية، وربما تكون قد فشلت تماماً، في ظل المستوى الذي يُعمَل عليه حالياً، ويبقى انتظار ما إذا كانت القوى التي تقف وراء هذه المحاولات قد اقتنعت بذلك فعلاً أو إنها ستعمد إلى استعمال مستوى أعلى من الهجوم، يصل إلى حد استخدام "خيار شمشون" والزج بكل ما تبقى من رصيد عسكري وسياسي وإعلامي لها في لعبة إسقاط النظام.
الكثيرون يرَون أن بعض المؤشرات تؤكد "استسلام" القوى الخارجية أمام هذه الوقائع، ويعتبرون أن عودة السفيرين الأميركي والفرنسي إلى دمشق بمثابة إعلان وفاة لمشروع إسقاط النظام، وكذلك تأجيل اجتماعات مجلس "الجامعة العربية" مرّة بعد مرّة، والانضواء تحت لواء "المبادرة العراقية" التي تشكّل مخرجاً لـ "الهزيمة" العربية الغربية، وغير ذلك من المؤشرات.
هل هذا يعني أن يبدأ المعسكر المقابل للهجمة على سوريا بالاحتفال؟
كلا، سوريا ما تزال في النفق، ومن يستعجل إعلان الانتصار لا يقرأ الوقائع بدقة، وعليه أن يتمتع بالمزيد من طول النفس وهدوء الأعصاب.
سوريا في النفق ما تزال، وهناك الكثير من المفاجآت غير السارة قد تنفتح عنها جدران هذا النفق، وأكثر ما تظهر هذه المفاجآت هو في اللحظات الأخيرة قبل نهاية المواجهة، ولذلك ينبغي التركيز أكثر على صد هذه الأخطار قبل الانبهار بالأضواء التي تنتظر المراهنين على انتهاء الأزمة بشكل نهائي.