أخبار المنار

الخميس، أكتوبر 27، 2005

"القضية اللبنانية" ستبقى طويلاً في مجلس الأمن

الهجمة الغربية والفيتو الروسي ـ الصيني بين أولويات ومصالح الأطراف المتناقضة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يكاد المراقب لما يجري في نيويورك يحس بأن العالم بات واحة سلام، وأن أقطار الأرض أضحت بلا مشاكل ولا تعقيدات، وأن كل المدافع "خرست" وكل القضايا عولجت، وأن مجلس الأمن الدولي، لمّا وجد نفسه بلا وظيفة، وأن الأمن الدولي استتب، ويكاد يصبح بلا حاجة إلى مجلس لرعايته، انصرفت هذه المؤسسة الدولية العريقة إلى قضية واحدة لا غير، لم يعد هناك سواها يحمل الطابع المتفجر في العالم، ووضعتها على طاولة الاجتماعات الدائرية ، لتشبعها بحثاً ونقاشاً ومداولات ومحاورات، قبل أن تصدر القرار النهائي فيها، فتحل الأزمة، وتعيد الحق لأصحابه، ويعود المجلس "مجلساً" للأمن والسلام.
القضية التي تحمل الرقم واحد في عالم اليوم هي "القضية اللبنانية" حيث بات موضوع "الحقيقة" والسيادة ونزع الوصاية وتحقيق الاستقلال الناجز الشغل الشاغل لقوى دولية عرف عنها في السابق أنها لا تعير هذه العناوين أي اهتمام، سواء في ممارساتها الخاصة، أو في ممارسة الآخرين لها على مستوى العالم.. إلا حين يكون هذا الاهتمام ذا مردود إيجابي لمصلحة هذه القوى، وهذا ما نشهده الآن.
ومن أجل "الغوص" في أعماق القضية هناك اليوم تقريران يتفاعلان في قاعات مبنى الأمم المتحدة، الأول صدر مساء الأربعاء وهو الذي أعدّه "الناظر الأمني والسياسي للأمم المتحدة في لبنان" تيري رود لارسن وينطلق من القرار الدولي 1559 والثاني ورد إلى المجلس قبل ذلك بأيام وهو الذي كتبه "الناظر العدلي للأمم المتحدة" ديتليف ميليس وينطلق من القرار 1595.
قد يكون مكرراً الحديث عن أن اختيار هذين الرقمين للقرارين اللذين يتناولان "القضية اللبنانية" ليس بريئاً، كونهما يحملان المكوّنات (الأعداد) نفسها دون أن يمنع ذلك من الاعتقاد أنهما يحملان أيضاً المضامين (الأهداف) نفسها.
ويبدو في هذا الإطار الحماس الأميركي البريطاني الفرنسي للسير في التقريرين ( وفي القرارين) قدماً وفي القوت نفسه وكأنه يأتي كدليل على أن الذي كتب هذين القرارين هو "كاتب سيناريو" واحد ولمسلسل واحد ولكنه مؤلف من حلقتين.
ترى مصادر متابعة لحركة الثلاثي الأميركي البريطاني الفرنسي رغبة مشتركة لدى العواصم الكبرى الثلاث لتحقيق النتائج نفسها، بغض النظر عن مدى تطابق الأهداف، حيث المطلوب "كشف الحقيقة" في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري (من القرار 1595) وإنهاء "الهيمنة السورية" على لبنان ونزع سلاح الميليشيات (المقاومة الإسلامية والفلسطينيين)، وإلغاء مفاعيل التمديد لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود (من القرار 1559).
وتستعر الحركة بين هذه الأطراف الثلاثة من أجل الإسراع في تحقيق هذه النتائج، دون أن يكون هناك اتفاق في المقابل على المدى الذي يجب أن تصل إليه هذه السرعة.
فالأميركيون والبريطانيون يريدون نتائج فورية وحاسمة تصدر الآن، بحيث يـأتي موعد انتهاء عمل لجنة التحقيق الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 15 كانون الأول/ ديسمبر والعدّة معدّة للتنفيذ، بعد أن تكون سوريا قد أدينت بهذا الاغتيال (تحضيراً لبدء العمل ضدها)، ويكون لبنان (الجديد) اتخذ الإجراءات اللازمة لإنهاء ملف السلاح الفلسطيني وفتح ملف سلاح المقاومة على مصراعيه، ويبقى موضوع رئيس الجمهورية الذي يفقد حينها حجمه من الأهمية والتأثير فيعالج على قاعد أن التغيير (في الشخص أو في النهج ) بات تحصيل حاصل.
أما الفرنسيون فإنهم يرتبون الأولويات بشكل آخر، فهم لا يريدون الاستعجال في فتح الملف السوري، ويضعون موضوع رئاسة الجمهورية ربما قبل حسم ملف السلاح، دون أن يعني هذا فتوراً من جانبهم في فتح هذا الملف، وإنما يريدون أن يتركوا للحركة الداخلية اللبنانية أن تقود إلى معالجة هذا الموضوع، ولكن في الاتجاه الذي يريدونه طبعاً.
وإذا كان الاجتماع الذي جرى في باريس الأسبوع قبل الماضي بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزيرة الخارجية الأميركيةغونداليزا رايس قد وضع الخطوط العريضة لـ "المسار التغييري الشامل" المنشود، فإن كون الولايات المتحدة تملك أصابع تحترق في العراق، وترغب في تحرك سريع ضد سوريا من البوابة اللبنانية لتخفيف النار العراقية، مقابل "الراحة الفرنسية تجاه المف العراقي بكل مكوّناته العسكرية والسياسية، يجعل العاصمتين الأميركية والفرسية لا تتحدثان "على الموجة نفسها" ويفتح المجال أمام اختلاف في المواعيد، بين من يريد عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية في مجلس الأمن يوم الاثنين المقبل (واشنطن) وبين من لا يحبذ هذا الاجتماع، بل يعمل لعرقلته (باريس).
وفي ظل تصارع الحلفاء على جبنة امتلاك الكلمة الأخيرة في عملية تحديد مسار الحركة وسرعتها وأولوياتها، يبدو أن هناك من لديه أولويات أخرى مختلفة تماماً، لا بل هو لديه رؤية تتناقض بشدة مع رؤية الثلاثي الغربي المتحالف.
وهنا تقف دولتان تملك كلٌّ منهما ما يجعل واشنطن وغيرها من العواصم الغربية تفكران كثيراً قبل الإقدام على أي خطوة في مجلس الأمن: روسيا والصين.
القيادة الروسية أعلنت بكل وضوح أنها ستعمل على محاولة منع المسار الأميركي من أن يأخذ مداه وذلك من خلال فرملة الاندفاعة الأميركية لفرض التغيير في المسار السوري (النظام أو الأشخاص أو النهج)، هذا التغيير الذي يفترض أن يتم من خلال عملية متكاملة تبدأ بفرض عقوبات اقتصادية على سوريا ولا تنتهي إلا عند حدود العمل العسكري.
ومع استعمال موسكو للهجة دبلوماسية في التعبير عن هذا الموقف، فإن الدولة الأخرى، مالكة حق النقض (الفيتو)، وهي الصين أعلنت بوضوح ودون أي مراوغة أنها ستستخدم هذا الحق من أجل منع أي استهداف لسوريا في مجلس الأمن.
لا شك أن لكل من موسكو وبكين أسبابها ومعطياته ومصالحها التي تدفعها لاتخاذ هذه المواقف الحاسمة، وهذا يعني أن إزالة الاعتراضات الروسية والصينية من أمام المشروع الأميركي ـ البريطاني ـ الفرنسي لإدانة سوريا وضربها بالعصا الدولية يستلزم دفع أثمان باهظة جداًَ على المستوى الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي، وهذا ما لا يبدو أن الولايات المتحدة ـ ومعها حليفتاها ـ قادرة على القيام به، ولا سيما في الظروف الحالية التي تعيشها واشنطن على المستوى الدولي.
وفي ظل هذه التعقيدات المتشابكة التي يشهدها حبل الملف اللبناني الذي يحاول كل طرف شده باتجاهه، يبدو أن "القضية اللبنانية" ستبقى حاضرة بقوة في مجلس الأمن الدولي، ومعها النتائج المتوخاة من الأطراف الذين يحاولون استخدام هذه القضية جسراً للعبور إلى أهدافهم الاستراتيجية في المنطقة.
محمود ريا