أخبار المنار

السبت، أغسطس 20، 2005

البوليفاري

حاول الدخول إلى القصر بالقوة، فحملته الجماهير بـ "أصواتها" إليه، وحاولوا إخراجه بالقوة أيضاً فأعادته الجماهير بقبضاتها وثبتته بعد ذلك.. بأصواتها أيضاً.
هوغو شافيز عاش في خمسين عاماً ـ هي عمره ـ تقلبات لا يبدو أنها مرّت على رئيس قبله، وهو الذي يقف كصخرة في وجه أطماع أميركية تحاول استغلال بلده فنزويلا، بلاد النفط والذهب، كما يحلو للبعض أن يسميها.
منذ أن كان ضابطاً في سلاح المظليين في الجيش الفنزويلي اعتنق شافيز أفكار المحرر سيمون بوليفار، وعلى رأسها تحقيق الاستقلال الحقيقي بعيداً عن صورة "جمهوريات الموز" التي كانت الولايات المتحدة تحكم أميركا اللاتينية من خلالها، ووصل إلى ذروة الانفعال بهذه الفكرة عندما قاد في عام 1992 انقلاباً عسكرياً كاد أن ينجح.. قبل أن يكون مصيره السجن.
بعد سنتين نحي الرئيس كارلوس آندريه بيريز الذي كاد يطيحه هو ـ بسبب فساده ـ فأخرجه الرئيس اللاحق من السجن ليشكل حركة سياسية حملت اسم "الجمهورية الخامسة"، تستوحي أفكار بوليفار، وهي أوصلته إلى رئاسة الجمهورية أواخر عام 1998، بأصوات ملايين المواطنين مكتسحاً الحزبين الرئيسيين اللذين كانا يهيمنان على الحياة السياسية في البلاد.
ومنذ وصوله إلى السلطة كانت واشنطن له بالمرصاد، وهو الذي لم يهادن في إعلان مقته لها ورفضه لسياساتها في أنحاء العالم، فألّبت عليه القوى الرأسمالية المتضررة من وجوده كحامٍ للفقراء على رأس الحكم، وخلقت في وجه حكمه العديد من المشاكل، وصولاً في الوقاحة والتدخل في شؤون بلاده إلى درجة تدبير انقلاب عسكري مغطى بطبقة سياسية رأسمالية ضده عام 2002، وكان الملحق العسكري الأميركي في سفارة الولايات المتحدة في كاراكاس حاضراً بشكل دائم مع الانقلابيين يوجههم ويقود خطواتهم!
إلا أن حساب التدخل الأميركي لم ينطبق على بيدر التضامن الشعبي الشامل مع شافيز الذي أعادته قبضات الجماهير بالقوة إلى القصر الرئاسي.
وهكذا نجا البوليفاري الثائر من مطب أميركي، لتدبر له واشنطن مطباً آخر، يتمثل في استخدام الدستور الذي وضعه هو كأداة لمحاولة تغييره، من خلال دفع القوى الفنزويلية التابعة لها للمطالبة باستفتاء على بقاء شافيز في الحكم، رغم إعلان المعارضة علناً أنها لا توافق على هذه المادة في الدستور (المتعلقة بالاستفتاء) وأنها ستعمل على تغييرها لحظة ترك شافيز السلطة.
ولكن.. مرة أخرى كان الشعب بالمرصاد للقوى الرأسمالية المنتفعة من هيمنة واشنطن المطلوبة، وقرر ـ أوائل الشهر الحالي ـ أن شافيز يجب أن يبقى في الحكم.. وأعلنت واشنطن رفضها لنتائج الاستفتاء الذي شهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر نفسه على نزاهته!
بقي شافيز الرافض لأن تكون بلاده مستعمرة أميركية ( كما قال هو نفسه) رئيساً لفنزويلا، ومنيت واشنطن بهزيمة أخرى، فماذا تخبئ إدارة الشر في المستقبل لهذا البلد الذي يعتبر خامس منتج للنفط في العالم؟
محمود ريا

جبهة بمواجهة قلعة "كروافورد"

تبدو سيندي شيهان جبهة وحدها. تقف على "متراسها" في مواجهة "قلعة كراوفورد" وفي مكان لم يستطع أي "عدو" اختراقه قبل الآن. لقد أصبح طريق رئيس أكبر دولة في العالم "خطراً"، وهو لا يستطيع المرور عليه براحة، وفي كل ذهاب وإياب عليه أن يتقي من "القنص" و"القصف" بأقسى أنواع الأسلحة: دمعة أم. تقف شيهان وحدها، لتقول لجورج بوش إنه لا يستطيع أن يتمتع بإجازته الصيفية في مزرعته في كروافورد بولاية تكساس، فيما يرقد ابنها كايسي تحت التراب منذ نيسان/ أبريل عام 2004 نتيجة قرار أخرق اتخذه الرئيس الأميركي، فيما ينتظر الكثير من الأبناء دورهم للذهاب إلى.. المحرقة. كانت سيندي ظاهرة، مجرد لافتة وشعار، بالكاد تشكل دعوة للرئيس كي يعيد مراجعة حساباته.
اليوم باتت سيندي حركة تتسع يوماً بعد يوم، وربما إذا بقيت على إصرارها الذي ينبع من عاطفتها كأم مفجوعة، فقد تصبح حركتها أشبه بتلك الحركة التي حملت اسم "حركة الأمهات الأربع"، التي لعبت دوراً هاماً في إخراج الصهاينة مذلولين من جنوب لبنان. اليوم سيندي تقول لبوش: أخرج من العراق الذي قتلت ابني على أرضه، وعلى بوش الذي لم يتوقف موكبه مرة واحدة للاستماع لها أن يحسب حساباً لما يمكن أن ينتج عن أم تسلحت بجرح ابنها كي تدعو الإدارة الأميركية لاتخاذ قرار صحيح.. ولو لمرة واحدة في تاريخها.
محمود ريا