الجمعة، ديسمبر 19، 2008

غزة: اليوم ترعد الحناجر


كتبت عن غزة والحصار المفروض عليها حتى ظننت أنني لن أكتب بعد، ونعيت الأحرف التي تهدر على أبوابها وأنا أرى كل ما يُكتب تذروه الريح كالهشيم، وعشت حالة من اليأس التي تودي إلى التسليم بالعجز عن فعل أي شيء.

واليوم يبدو الوضع مختلفاً..

قد لا تكون الكلمات التي كُتبت هي وحدها التي رسمت خطاً أبيض على صفحة أمتنا السوداء، وقد لا تكون التصريحات وحدها هي التي تحولت بتوحدها صرخة تهز جدار الحصار، وقد لا تكون التظاهرات، اليوم وبالأمس وفي الغد، هي التي ستكسر القضبان التي تحيط بأبناء شعبنا الفلسطيني، ولكن كل هذه النقاط الصغيرة ستتحول إلى طوفان سيفجر الحصار والمحاصَرين، ليعيد بسمة لطفل جفت شفاهه من العطش، والنور لعجوز ترغب ببعض النور في آخر أيام الحياة.

اليوم يلتقي الجميع ليقوموا بفعل، ليعلنوا بجلاء، الرفض المطلق لما يرتكبه الأعداء، ولما يفعله العملاء، ولما يصمت عليه "الأشقاء".

اليوم ترعد الحناجر، وتجتمع القلوب على كلمة واحدة: لا صمت بعد اليوم على الحصار، لأن الصمت على الحصار حصار.

اليوم تعلن الأمة أن فيها قوة فاعلة، وأنها قادرة على تغيير وجه التاريخ، وعلى أن ترسم بالقبضات وبالنبضات وبالصرخات وبالدموع وبالدماء طريقاً جديداً مختلفاً، غير ذلك الطريق الذي يرسمه المجرمون لغزة ولأهل غزة ولفلسطين ولكل فلسطين وللعرب والمسلمين.

إنه يوم فصل، يوم يحمل الحلم بهزيمة "إسرائيل"، ولو عبر دلو ماء يلقيه كل مسلم على هذا الكيان ليجرفه إلى مكانه الذي يستحقه في التاريخ.

إنه يوم الصرخة الكبرى، يوم النداء الذي لن تستكين الصرخات بعده، ولن تسكت الأصوات.

كلنا لكِ يا غزة..

كلنا لفلسطين..

محمود ريّا

الأربعاء، ديسمبر 17، 2008

صحافيون.. عملاء

كنت قد قررت ألا أسير في موجة الكتابة عن حذاء منتظر الزبيدي الذي كاد أن يصك جبهة بوش، لولا أنني وجدت بعض أيتام بوش يعبرون عن حزنهم لهذه الظاهرة، منتقدين إياها ومعتبرين أنهم يدافعون عن "الحرية" التي انتهكها هذا الصحافي وعن مهنة الصحافة التي خرج عنها باطلاق حذائه بدل قلمه في انتقاد بوش ونظامه.
ليس غريباً أن يدافع هؤلاء الأيتام البوشيّون عن سيدهم وهو يكاد يغادر منصبه، ويأخذ معه مظاهر القوة الموهومة التي تفرعنوا بها على الناس بأقلامهم وبالحماية التي حصلوا عليها من سياسيي المال والشتم والطاعة لولي الأمر القريب والبعيد، ولكن ما قد يكون غريباً هو جرأتهم في انتقاد من عبّر عن دعمه للصحافي المواطن الانسان الذي وجد من احتل بلده وقتل أهله وشرّد أقرباءه على بعد أمتار منه، فلم يملك إلا أن يوجه صواريخه الصاعقة إلى رأسه، معبراً عن رغبة ملايين العرب في أن تكون "القبلة الوداعية" لسيد البيت الأبيض من حذاء أسود هو أكثر نظافة منه ومن تاريخ الملوث بدماء الأبرياء.
هؤلاء الأيتام وجدوا في مبادرة نقابتي الصحافة والمحررين في لبنان إلى التضامن مع الصحافي العراقي مثاراً للنقد، معتبرين أن انفلاتهم في شتم القريب والبعيد خدمة للدولارات التي يقبضونها وتنفيذاً لـ "تعهداتهم" السرية أحق في التضامن معه وأولى في الوقوف إلى جانبه، لأنهم هم الذين يحملون راية الحرية ويبحثون عن المستقبل الأفضل لهذا الوطن.
وإذا كان لم يُسجّل لهؤلاء في يوم من الأيام موقف متضامن مع صحافيي العراق وفلسطين الذين يعانون من الاحتلالين الأميركي والصهيوني، فهم متخصصون في إطلاق أبواق أقلامهم في اتجاه كل وطني في لبنان والمنطقة.. ودائماً خدمة لبوش ولزبانية بوش ولأصغر موظف في إدارة بوش.
إنهم "صحافيون" مأجورون، يسيرون كما يريد الأميركي، وعملاء الأميركي، حتى ولو كان ذلك في تعارض مع أمتهم، ومع تاريخها وحاضرها ومستقبلها ومشاعر أبائها.
إنهم مجرد عملاء
محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 12، 2008

ديموقراطية الرُّشَى

تثير فضيحة حاكم ولاية ايللينويز رود بلاغوفيتش الكثير من الحرج للرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، ولكنها تثير أيضاً الكثير من الأسئلة حول "الديموقراطية" الأميركية ومدى صدقية تمثيلها لخيارات المواطنين.
الحاكم الذي أراد "بيع" مقعد الرئيس أوباما نفسه ـ الذي شغر بانتخابه رئيساً للولايات المتحدة ـ معتمداً على "صلاحية التعيين" التي يملكها، لا يمكن أن يكون حالة فريدة في "المؤسسة الأميركية"، وإنما هو وقع بسبب طول لسانه وجشعه الذي لا يمكن وصفه، وفساده الذي باتت رائحته لا تطاق، بعد أن انتخب خلفاً للحاكم السابق الذي يقبع في السجن.. بسبب إدانته بالفساد أيضاً.
لقد وجهت الأنظار إلى السيد بلاغوفيتش لأنه أراد إصابة عدة عصافير في المقعد البرلماني الذي بات بحاجة لمن يملأه بعد مغادرة أوباما له، فهو يريد مبلغاً يتراوح بين مئتين إلى ثلاثمئة ألف دولار نقداً، ويريد امتيازات بأكثر من مئة وخمسين ألف دولار سنوياً، كما يطالب بوظيفة لزوجته بمبلغ مماثل مقابل إعطاء المقعد للمستفيد.
وليس هذا فقط، بل هو يقوم بمنع مساعدات عن المؤسسة الصحافية الأكبر في الولاية والبلاد حتى ترضخ فتقيل مجلس إدارتها المعادي له، وتتوقف عن كشف أوراقه على صفحاتها.
لقد طلب ثمناً غالياً وتعرض للصحافة ووسّع إطار "البازار" حتى فضح أمره وبات يشكل علامة سوداء في سجل الديموقراطيين، وفي سجل الإدارة الديموقراطية القادمة.
ولكن كم من عمليات المساومة تتم من دون أن يدري بها أحد، وكيف تدار دولة كل شيء فيها يباع ويشرى بالدولارات وبصرف النفوذ، وكيف يمكن الوثوق بديموقراطية يخلف الفاسدون فيها الفاسدين ويذهب مرتشٍ ليأتي طالب رشوة؟
وإذا كان يسجل لهذه الديموقراطية قدرتها على قمع ما يظهر على السطح، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم تحتاج هذه "الدولة الديموقراطية" إلى مراقبة لديموقراطيتها ولديموقراطييها ولسياسييها ولانتخاباتها وتعييناتها، وهل يفيض عنها لجان وشخصيات، كي تراقب العمليات الديموقراطية في الدول الأخرى؟
محمود ريا

الجمعة، ديسمبر 05، 2008

في الاتجاه الصحيح


لماذا جاء ديفيد بترايوس إلى بيروت؟ وما الذي يشكله هذا البلد من أهمية في منطقة تمتد من المغرب إلى باكستان حتى يخصص له هذا القائد العسكري الأميركي جزءاً من وقته؟
ولماذا جاء قبله مساعد مدير المخابرات متخفياً بصفة مساعد نائب وزيرة الخارجية الأميركية؟
ولماذا سيأتي بعدهما من سيأتي، بعد أن أتى قبلهما من أتى؟
ماذا يشكل لبنان في استراتيجية المرحلة الانتقالية الأميركية حتى يغزوه نجوم الحرب والسياسة واحداً بعد آخر، فارضين ظلهم عليه، ومعلنين أنفسهم أوصياء على سياسته وتسلحه، وما سيدخل إليه ومن سيخرج منه؟
تبدو هذه الأسئلة مكررة، أو ربما أصبح الحديث عن الاحتلال الأميركي السياسي لبعض مفاصل السلطة اللبنانية داخلاً في إطار لزوم ما لا يلزم، لكن يبقى البحث عن إجابات أمراً مطلوباً، لأن الخطر الذي يرافق هذه التحركات لم ينجلِِ بعد، بل لعله أصبح داهماً أكثر مما كان متوقعاً.
الهجمة الأميركية في هذه المرحلة تحتمل تفسيرات كثيرة، بعضها يشير إلى التحضير للإقرار بالهزيمة التي أصابت الإدارة الأميركية على الأرض اللبنانية، وبعضها الآخر يعتبر أن أميركا السياسية والعسكرية تحضر لشيء ما، وهي ترسم من بيروت خطوط هذا الشيء.
وبين هذا وذاك، تستمر الزيارات، ويستمر معها سكوت دعاة السيادة والحرية والاستقلال عن التدخل الأميركي الفظ في كل شاردة وواردة من الشؤون اللبنانية، مركزين اهتمامهم على عملية إعادة الأوضاع إلى طبيعتها بين البلدين الشقيقين لبنان وسوريا، ومتتبعين الزيارات الرسمية الودية والندية التي يقوم بها مسؤولون وزعماء لبنانيون إلى سوريا، وزيارات مقابلة يقوم بها مسؤولون سوريون إلى لبنان.
أما آن لهؤلاء أن يلتفتوا إلى الخطر الحقيقي الذي يتهدد بلدنا؟ أما حان الوقت ليستفيقوا من غفوتهم وغفلتهم؟ أو أن يخرجوا من مواقعهم التي حشروا أنفسهم بها تحت خيمة الهيمنة الأميركية؟
محمود ريا

الأربعاء، ديسمبر 03، 2008

المالديف ونحن.. والآتي


مرّ قبل أيام خبر صغير مرور الكرام، فلم يتوقف عنده أحد، ولكنه عاد إلى ذاكرتي لألف سبب وسبب.
رئيس دولة المالديف المؤلفة من آلاف الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، يفكر بـ"شراء أو استئجار وطن جديد" لأبناء شعبه، لأن الأرض التي يقيمون عليها ستغمرها مياه البحر في العقود أو السنوات المقبلة، نتيجة عوامل الاحترار العالمي وارتفاع مستوى المحيطات.
يثير هذا الخبر الكثير من القلق لسكان هذه الجزر الذين لا يتجاوزون ثلاثمئة ألف نسمة، باعتبارهم ربما يكونون من أوائل ضحايا تدمير الإنسان للبيئة التي تحتضنه، فإذا بهم يخسرون مكوّناً أساسياً من مكوّنات وجود دولتهم، ألا وهو الأرض.
ولكنه يثير بالمقابل الشعور بالإعجاب بهذا الشعب الصغير الذي قرر أن يتجاوز هذه المحنة موحداً محتفظاً بالمكوّنين الآخرين لوطنه، ألا وهما "الشعب الواحد" و"المؤسسات الموحدة".
هو شعب قرر الانتقال بشكل جماعي إلى منطقة أخرى لإقامة دولة المالديف الجديدة، التي خسرت الجزر لتربح البقاء بعلم ونشيد ومؤسسات وكيان.
هو شعب حضاري تالياً، واعٍ ومتماسك، يعرف معنى العيش المشترك، ويفكر بشكل جماعي من أجل تحقيق مصلحته الوطنية، بعيداً عن التشتت والتمزق والتفرق أيدي سبأ.
فماذا عن شعوب أخرى في العالم، ليس من خطر بيئي ـ حتى الآن ـ يتهدد أرضها بالزوال، في حين ان المكونات الأخرى للوطن تترنح تحت شعارات وطروحات أقل ما يقال فيها انها طروحات تؤدي إلى اضمحلال الوطن وتشتت الكيان؟
ماذا عن الشعب اللبناني مثلاً، الذي يفقد أبناؤه كل يوم ما يمكن أن يجمعهم من أفكار وتطلعات ومصالح مشتركة؟
ماذا عن الشعب اللبناني الذي لا يفكر بعض أبنائه إلا بالفيدرالية والتقسيم والكانتونات والكيانات المجزأة والسلطات المهشمة والمواجهات الطائفية والمنفعية والأخلاقية (اللاأخلاقية)؟
ربما يكون هناك أكثر من دافع يجعل الواحد منا يتمنى أن يكون من أبناء المالديف، ليس أكثرها أن هذا البلد رائع الجمال ـ برغم أن هذا الجمال سيندثر تحت ماء البحر ـ ولا أقلها أن هناك مسؤولين في ذلك البلد يفكرون بمستقبل شعبهم بعد سنوات، لا بمصالحهم الذاتية الضيقة خلال الانتخابات النيابية القادمة.
محمود ريا

الاثنين، ديسمبر 01، 2008

الهرب من لحظة الحقيقة


ملأت الصرخات والخطابات والتصريحات الهواء عن "تعطيل" التشريع ومنع رئيس المجلس النيابي البرلمان من الانعقاد، ما يعطّل مصالح المواطنين ويمنع البلد من التقدم ويعقّد عملية حل المشاكل وتذليل العقبات من أمام التطور.


وبالرغم من أن الأسباب التي كانت تؤدي إلى تعطيل مجلس النواب في تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلاد واضحة، وتعطي رئيس المجلس كل المشروعية في تجميد العمل التشريعي كي لا يسري فيه الانقسام الذي ضرب السلطة التنفيذية، فإن الأصوات المرتفعة لم تخفت، هاتفة بضرورة إعادة العمل البرلماني وإطلاق المجلس من عقاله.

ولما انعقد المجلس، وبدأ بمعالجة المشاكل، فرّ الصارخون وتخاذلوا عن القيام بواجباتهم، وطيّروا النصاب، معطلين التشريع وموجهين إهانة إلى المجلس النيابي الذي انتخبه الناس كي يرعى مصالحهم، وليس كي يفر من التزاماته تجاههم.

هذا التصرف من قبل "الجوقة" إياها ليس فريداً، ولا يمكن اعتباره سحابة صيف عابرة، وإنما هو ديدن هؤلاء الذين ما تركوا قضية إلا واستغلوها لإطلاق الاتهامات فيما هم ليسوا فوق الشبهات، بل إنهم تحت سيف الإدانة.

فقد سبق لهؤلاء أن لعبوا اللعبة نفسها مع موقع رئاسة الجمهورية، محطمين هيبته، ومن ثم مانعين وصول مرشح معين إلى الرئاسة، ولما "وقع القضاء" كانوا أول السائرين في عرس التطبيل والتزمير لما حصل.

ومع الجيش لعبوا اللعبة نفسها أيضاً، فمن ناحية هم يطلقون التصريحات المشيدة بالجيش، ومن ناحية أخرى هم يغطون كل الممارسات المسيئة بحقه وبحق سمعته، مستهدفين قيادته وضباطه وعناصره بالكلام، فيما الخارجون من أكمام سادتهم يستهدفونه بالتفجيرات والرصاص.

إنهم معتادون على هذا النوع من التلون، ومعتادون على "الميوعة" بين الموقف والتصرف، ومعتادون أن يمشوا بالريموت كونترول، ولا أمل منهم وفيهم، والمنتظِر خيراً من ورائهم، كمن ينتظر إقراراً لقانون سلسلة الرتب والرواتب من قبل جماعة تهرب في لحظة الحقيقة من الاعتراف بحق مكتسب.

محمود ريا

الثلاثاء، نوفمبر 25، 2008

ظلمة غزة ـ تابع مرة أخرى


كنا ظننا أننا لن نكتب عن حصار غزة مرة أخرى، ليس لأننا أمَلْنا بانتهاء هذا الحصار، فالعرب والغرب مصرون على معاقبة الغزّيين والفلسطينيين جميعاً على ديموقراطيتهم ومقاومتهم وقرارهم الحر، ولكن بسبب إحساسنا بالملل من تناول الموضوع نفسه مرة بعد مرة، بالكلام نفسه والمشاعر نفسها.
ولكن ظنّنا لم يكن في محله، فقد اكتشفنا أن فينا بعدُ عِرقاً ينبض لمعاناة أهلنا في غزة، وأننا لم نجفف كلماتنا ـ كما دموعنا ـ لتصبح بلا معنى، وأننا ما زلنا ننفعل أمام ما يحصل، ونحسّ بطفل يموت بسبب انقطاع الغذاء، ومريض يقضي نتيجة انقطاع الكهرباء عن أجهزة العلاج في المستشفيات.
إنها مفاجأة فعلاً، أن نقدر على تعميق الجروح في نفوسنا أكثر، وأن نلعق المزيد من دمنا صباح مساء، وأن نقدر على احتمال المزيد من الخزي الناجم عن العجز عن الفعل إزاء ما تشهده غزة المحاصرة من مآسٍ.
إنها مفاجأة أن نجد في أنحاء وطننا العربي الكبير من لا يزال يتابع أخبار المحاصرين، مصراً على التعرف الى أحوالهم. منهم من يفعل ذلك من باب الفضول، ومنهم من يفعله من باب المواساة والمشاركة في الألم.
جيد أن هذه المشاعر لم تمت بالكامل حتى الآن.. ربما هي تنتظر أن يموت أهل غزة كي تذوي معها، فلا يعود أصحابها يشعرون بعقدة الذنب، أو أنها تنتظر معجزة ما ـ تأتي من مكان ما ـ لإنقاذ أهل غزة مما هم فيه، وتريح ما تبقى من عرب يشعرون، من مشاعرهم.
وإذا كان هناك معجزة فعلاً، فهي لن تكون أبداً.. معجزة عربية.
محمود ريا

الاثنين، نوفمبر 24، 2008

أي ثمن سياسي تطلبه الصين؟


لم يكن سعادة السفير ليو زيمينغ (السفير الصيني في لبنان) راضياً من السؤال الذي طرحته عليه في الندوة التي أقامتها جامعة القديس يوسف يوم الثلاثاء الماضي (18/11) تحت عنوان: الصين والأزمة المالية العالمية.

ربما السؤال لم يكن دبلوماسياً بما فيه الكفاية، وكان يجب أن يكون مغلفاً ببعض الكلمات التي تجعل وقعه أخف على المستمعين.

وقد يكون الحق على اللغة الفرنسية التي لم تسعفني في تنميق السؤال وجعله يتساوق مع المهمة التي يقوم به سعادة السفير، إلا أنه في النتيجة سؤال كان لا بد منه، والجواب (منه وفيه).

كان الكلام دقيقاً في المحاضرة التي كانت متخمة بالأرقام، في تأكيد على النهج الذي أصرّ سعادة السفير على اتباعه طوال الوقت: لنكن واقعيين، علينا أن ننظر إلى الوقائع، لا يمكن القفز عن الحقائق، هذه هي حقيقة الأمر.. إلى ما هنالك من التعابير التي كانت تؤكد على حقيقة يرغب الصينيون في التأكيد عليها دائماً، وهي أن الصين ليست غولاً سيبتلع العالم، وهي لم تصبح قوية بما يكفي لتستغني عن الآخرين، بل هي دولة قوية مقارنة مع الدول الأخرى ولكنها ما تزال في طور النمو مقارنة مع حاجاتها ومتطلباتها وعدد الأفواه التي ينبغي إطعامها.

من أجل ذلك كان السؤال صادماً ربما.

بعد الحديث عن تريليونين من الدولارات من الاحتياطي النقدي تمتلكها الصين، وبعد شرح بعض تفاصيل خطة الصين لمساعدة العالم على الخروج من أزمته الاقتصادية كان السؤال: بما أن كل العالم ينظر إلى هذا المبلغ الكبير الذي تملكه الصين والذي تحتاجه الدول الغربية، ما هو الثمن السياسي الذي تطلبه الصين كي تساهم في حل الأزمة الاقتصادية العالمية؟

معروف أن الصينيين لا يرغبون أبداً بالحديث عما يريدونه من العالم، وأنهم متحفظون كثيراً في مزج السياسة بالاقتصاد، وأنهم يفضلون ترك هذا الأمر إلى ما بعد عام 2020.

من أجل ذلك رأى سعادة السفير أنه من المبكر جداً الإجابة على السؤال، لا بل من المبكر طرحه من الأساس.

إلا أن هذه الدبلوماسية ـ المغلفة بمسحة الواقعيةـ لا يمكن أن تنفي أن الصين تنتظر العروض التي تنهال عليها من كل حدب وصوب من أجل انتقاء الأكثر مناسبة لها كي ترخي يدها عن ملياراتها المكدّسة لديها.

وهذه المحاولة الحثيثة لإبعاد السياسة عن الاقتصاد لم تفلح في إخماد الهمهمات المتصاعدة حول مكاسب في تايوان وفي ملف حقوق الإنسان، وفي تقاسم مختلف للنفوذ الاقتصادي والسياسي في قارات معينة، يتوقع أن تحصدها بكين في المرحلة القادمة.

ولعل سعادة السفير لمّح دون تصريح إلى ملف من أهم هذه الملفات، هو ملف حقوق الإنسان حين تساءل رداً على سؤال: أي حق للإنسان أهم من حق الحياة وحق أن يأكل؟؟

بالضبط، هذا هو النهج الصيني في الاقتصاد وفي حقوق الانسان، وربما هو ما أراد سعادة السفير أن يشير إلى أنه سيصبح نهجاً اقتصادياً عالميا، ونهجاً في الحياة.

محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 21، 2008

الهوكر هنتر في سمائنا


قد يكون أبناء الجيل الجديد قد تعرفوا الى الهوكر هنتر لأول مرة قبل أيام، حيث شاهدوها تقوم بطلعات تجريبية في سماء العاصمة بيروت وضواحيها للمشاركة في عرض الاستقلال، ولذلك فهم لا يعرفون عنها وعن شكلها الكثير.

ولكن ابن تلك المنطقة من البقاع اللبناني، الواقعة على تخوم مطار رياق العسكري، يعرف طائرة الهوكر هنتر "قطعة قطعة"، ويميز هديرها عن هدير كل الطائرات الأخرى، ويميز شكلها من بين كل الأشكال، فهي مطبوعة في ذهنه مثل وجه أمه وأبيه، وهو الذي
عاش معها بشكل يومي، يصحو على صوت إقلاعها، ويقضي الساعات على سطح منزله، يراقب تحركاتها، مصفقاً لبطولات طياريها وهم يقومون ببعض الحركات البهلوانية، ومحلقاً في أحلامه معها إلى فوق، إلى أعالي السماء.

هو يعرف الهوكر هنتر، ويتذكر الفوجا ميستر، ولا تذهب من ذهنه صورة تلك الطائرة وهو يراها تهوي في السهول القريبة، كما انه لا ينساها تحلق بجناحيها الخلفيين المميزين.

أما الصورة التي لا تفارقه أبداً فهي لتلك الطائرة المثلثة الأجنحة التي كان يشاهدها تخترق سماء بلدته فيطير فرحاً ويزهو فخراً وهو يحس أن بلده يمتلك من عناصر القوة ما قد يساعده على رد جزء من العدوان الجوي الصهيوني المتواصل على أهله ومواطنيه في كل مكان.

كانت الميراج في سماء لبنان كحلم يتحقق، وربما من أجل ذلك حولوها إلى حلم موؤود.

واليوم، تعود الهوكر هنتر إلى الأجواء لتثير كل هذه الأشجان، وليتساءل معها ابن ذلك البقاعي الذي عاصر الطائرة في عزّها: لماذا لا يملك بلدنا طائرات من تلك التي نسمع عنها ونرى صورها، فتحمي أجواءنا وتمنع عدونا من استهدافنا؟

لماذا تخلّت دولتنا عن الميراج، ولم تؤمّن ما هو بتطورها أو أحدث منها، وأي قرار "دولي" يمنع عنا أن نكون بمستوى الأمم القادرة على حماية سيادتها؟

لقد أسقطت الهوكر هنتر مرة طائرة صهيونية، وهي تطير اليوم لتذكرنا بوجوب أن يكون لدينا ما يكافئ طائرات العدو فيسقطها من الجو، أو ما يشل فاعليتها من الأرض، المهم أن يكون لدينا شيء.
محمود ريا

الخميس، نوفمبر 20، 2008

إضراب.. مرة أخرى


يُضرب المعلمون الثلاثاء ويتوقف التعليم في المدارس اللبنانية.
هذا الخبر ليس جديداً، فقد اعتاد اللبنانيون على إضراب المعلمين في المدارس الرسمية والخاصة منذ سنين، وتمر الأيام، وتبقى الحقوق التي يطالب المعلمون بها تركض أمامهم، ويبقى الإضراب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن اليأس من تحقق وعود المسؤولين.
قد يظن البعض أن هؤلاء المعلمين متطلبون كثيراً، وهم لا يحققون مطلباً حتى يطرحوا الآخر في عملية ابتزاز للدولة المسكينة التي لا تستطيع أن "تلحّق" على طلباتهم.
ولكن مهلاً.. القضية ليست كذلك، فالمطالب التي يُضرب المعلمون من أجل تحقيقها لم تتغير، ولم تتحقق، ولا يأمل المطالبون بها بتحققها في القريب العاجل، ولذلك هم يُضربون.
لو أن حكومة من الحكومات المتعاقبة لم تسطُ على حقوق المعلمين، لو أن مسؤولاً أنصفهم أو عمل بشكل فعلي لإنصافهم، لو أن وزيراً وقف معهم، فاستقام أو استقال، لما اضطروا للجأر بالشكوى، ولاتخاذ الإجراءات التي سمح لهم بها القانون، إجراءات الإضراب والاعتصام والتصعيد أكثر فأكثر.
ولكن..
هؤلاء الذين حملوا الحرف وتعهدوا بنقله إلى أطفالنا وأبنائنا وأجيالنا الجديدة قتلتهم الحرقة وهم ينتظرون بعض إنصاف، أو قليلاً من الاهتمام، أو شيئاً من التقدير لدورهم ولمهمتهم.. وبالتالي الاهتمام بمستقبل أجيالنا وأولادنا.
لقد أصبح التعليم تجارة، ولكن البضاعة التي يُتاجر بها هي عَرق المعلم وتعبه وسهره.
وصار العلم سلعة يجهد المتنافسون في الاستفادة منها كي يحققوا أعلى المكاسب على حساب وسيلة إيصالها إلى من يريدها.
وبات المعلم أهون المكوّنات في طبخة لا أحد يدري من يطبخها ولا من يأكلها ولا من يأكل ثمنها.
ومن أجل ذلك انتفض المعلّم، ومن أجل ذلك يُضرب اليوم.. ولكل ما تقدّم.. نحن معه.
محمود ريا