الاثنين، أبريل 14، 2008

ماكين ومعلوف.. وبوش بينهما

محمود ريا
يا من يئستم من بوش.. انتظروا ماكين...
هذه هي الرسالة التي يحملها وليد معلوف ـ الأميركي من أصل لبناني، والذي يعمل في وكالة التنمية الدولية الأميركية ـ لمن بدأ يحس أن جورج بوش قد يكون عاجزاً عن فعل شيء، أو أنه سيغادر موقعه قبل أن يضرب الضربة الكبرى.
القلق على بوش ـ ومنه ـ مشروع، لا بل يمكن القول إن الخوف بات متمكناً من الذين وضعوا كل مستقبلهم في سلّته بانتظار قيامه بما يمنعهم من السقوط إلى الأبد في مستنقعات التاريخ الآسنة.
بات الرئيس الأميركي في لحظاته الأخيرة، ولا يفصل بينه وبين الخروج عاجزاً إلا أيام أو أسابيع، وهو لا يبدو أنه يملك القدرة على تنفيذ ما وعد به أو تحقيق ما بشّر منتظريه بأنه سيحققه، وإذا قرر أن يفعل الآن.. فالنجاح ليس مضموناً لجانبه، والفشل هو الأقرب إليه.
ضرب إيران ليس في متناول بوش، والإيعاز للكيان الصهيوني كي يضرب لبنان وسوريا لا يتحرك على لسانه، وبالتالي فإن "محور الشر" لن يتحطم، وأحلام حلفاء الإدارة الأميركية في لبنان والمنطقة لن تصبح حقيقة واقعة.
ماذا يفعل هؤلاء الذين كانوا، وما يزالون، يراهنون على انتصار "محور الخير" وهيمنة المشروع الأميركي في المنطقة؟
اليأس يتسرب إلى نفوسهم، والرغبة في ترك كل شيء والانسحاب قبل "الطوفان" أمر يدغدغ مخيلاتهم، وشوارع نيويورك ـ بـ "كل خيراتها" ـ يسمعونها تناديهم.
ولكن لا، انتظروا.
هذا هو أول ديبلوماسي أميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة باللغة العربية، والمحرك الأبرز للقرار 1559 و"اللبناني الأصيل" (بالرغم من تأمركه الوقح) الذي طالب باستقلال لبنان وسيادته وحريته.. هذا هو وليد معلوف يقدم لكم الحل: انتظروا ماكين.
جون ماكين هو مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو خليفة جورج بوش وحامل أفكاره ومتبني "منطلقاته الفكرية" ومخططاته الاستراتيجية، وهو مرشح للفوز بمقعد زميله وداعمه بوش، وإذا فاز، فانتظروا الفرج.
قال ماكين لوليد المعلوف شخصياً إنه "سيخرج حزب الله" من لبنان.
ببساطة، وبكل هدوء وثقة وعنفوان، ماكين سيفعل ما عجز عنه بوش ومن سبق بوش ومن سيأتي ما بعد بعد بوش.
وهو أوصل هذه الرسالة بـ "البريد المستعجل"، عبر وليد المعلوف المناضل الأميركي اللبناني من أجل لبنان.
جميل أن يحلم الإنسان، وأجمل منه أن يطير في الفضاء بحثاً عن لحظات فرح يفتقدها على الأرض، على أن لا تكون أحلامه من النوع الذي سيتحول إلى كوابيس.
وجميل أن يترقى لبناني في مراتب الإدارة الأميركية حتى يصبح ديبلوماسياً يتكلم من على منبر الأمم المتحدة، ولكن الأجمل من ذلك أن يعرف الموضوع الذي يتحدث عنه ويكون في كلامه منطقياً وواقعياً.. ولبنانياً.
حزب الله سيخرج من لبنان؟؟ ماكين سيخرج حزب الله من لبنان؟ بأي طريقة، وكيف يمكن أن يخرج شعب من أرضه، أم كيف يمكن أن تُسلب كرامة من أصحابها، أو أن تحرم أمة من مجدها؟
كيف يمكن لذاك القادم من وراء البحار، ولذاك الراحل إليه، أن يقررا أن حزب الله سيخرج من لبنان، وأي مستوى من السذاجة والغباء يحط في عقولهما حتى يمكن لهما أن يحلما ـ مجرد حلم ـ بهذه الطريقة؟
لقد جرب غيركما قبلكما، وذاق لوعة التجربة.
فليفز ماكين برئاسة أميركا.. واللوعة نفسها ستكون بانتظاره في لبنان.

الجمعة، أبريل 11، 2008

غزة (تناور)

ليست العملية البطولية التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية يوم الأربعاء الماضي الأولى من نوعها، وربما لا تتربع على مرتبة الصدارة في جدول حجم الخسائر التي أوقعتها في صفوف جنود الاحتلال الإسرائيلي، ولا هي ضربت مركزاً حساساً لم يضرب ربما قبل الآن. بالرغم من كل ذلك فهي عملية مميزة وتحمل صفات تعطيها أهمية لم تكن لغيرها من العمليات.
لقد أوقعت العملية قتيلين صهيونيين (حسب اعتراف العدو) وهذا عدد يؤخذ بعين الاعتبار، نظراً لحجم الاحتياطات الصهيونية في المنطقة المستهدفة، وتمكن المقاومون خلال العملية من الوصول إلى منطقة مهمة أمنياً، ومن ثم العودة بعد تنفيذ عمليتهم، وهذا نجاح آخر لا بد أن يوضع في الحساب.. ولكن ليس هذا كل شيء.
توقيت العملية يحمل ميّزتين أساسيتين تعكسان وضعاً استثنائياً وحساساً.
الميّزة الأولى تتعلق بالوضع الذي تعيشه غزة بشكل عام، وهي التي تخضع لحصار خانق يريد قهر البشر وإذلالهم ومنعهم من التنفس، فضلاً عن العيش بشكل طبيعي، ما يجعل التفكير بالمقاومة ومواجهة العدو خارج إطار أي تفكير.
والحصار ليس إسرائيلياً خالصاً، وإن كان ينبع من قرار إسرائيلي، فهناك دول عربية تبدي كل فخر لمشاركتها في الحصار، فيما مسؤولوها يكررون التهديد يوماً بعد يوم بتكسير عظام الفلسطينيين (أرجلهم وأيديهم) إذا فكروا بكسر الحصار، وهم أعلنوا حالة الاستنفار فعلاً لمواجهة أي محاولة فلسطينية لفك الطوق عن غزة.
وبالرغم من كل هذا الضغط ومن محاولات القهر ومن كل ما يمكن تخيّله من مضايقات، لا يزال الفلسطينيون يخططون وينسّقون وينفّذون عمليات عسكرية لمقاومة الاحتلال، وينجحون في تحقيق أهدافهم منها.
هذه واحدة تحسب لمنفذي هذه العملية الناجحة التي ارتعد كيان العدو منها، ولكنها ليست الوحيدة، فهناك شيء آخر يتعلق بالزمان، هو الذي دفع الجيش الإسرائيلي ربما لشن حملة رد مجنونة على العملية طاولت المدنيين ولم تنجح في منع عودة المقاومين ـ إلا واحداً منهم ـ سالمين.
التوقيت الذي نفّذت فيه عملية ناحال عوز حساس جداً، فالعملية جاءت بينما كان قادة العدو في "ذروة" استنفارهم في إطار المناورة الكبرى التي ينفذها سكان الكيان الإسرائيلي، والتي حملت اسم "المنعطف ـ2"، حيث كانت كل الأجهزة العسكرية والأمنية جاهزة للتصدي لأي هجوم يتعرض له هذا الكيان، فإذا بـ"الصفعة" تأتي قوية، ومن جانب من كان الصهاينة يتحضرون لمواجهتهم.
إنه خرق خطير إذاً، تماماً كما وصفته المصادر الإسرائيلية، ولا ينفع أبداً التلطّي وراء الشكاوى لمجلس الأمن، التي لن تغيّر واقع وجود هؤلاء الصهاينة على الأرض الفلسطينية، وحتى على الأراضي المحتلة عام 1967، ما يجعل حق مقاومة المحتلين غير مقيّد بأي قيد في القانون الدولي وفي شرعة الأمم المتحدة.
عملية الأربعاء خطيرة فعلاً، لدرجة تجعلها تستحق البحث المعمّق من قادة العدو في كيفية حصولها و"ظروف نجاحها"، وربما يبحثون طويلاً أيضاً في كيفية منع حصول عمليات أخرى مماثلة لها، لأن عمليات كهذه تضع قدرة الردع الصهيونية كلها موضع تساؤل، وتفتح الباب واسعاً على السؤال عن جدوى المناورات الكبرى وكيفية مواجهة "أخطار" أكبر وأعمق سيواجهها هذا الكيان فيما لو فكّر بتنفيذ تهديداته بالاعتداء على مناطق أخرى قريبة وبعيدة، لا تعاني من الحصار المطبق الذي يواجهه قطاع غزة، وتستطيع القوى الحيّة فيها توجيه ضربات أكثر إيلاماً وأبعد مدى وأوسع صدى من عملية نحال عوز، ولكنها تنطلق من الروحية نفسها التي حرّكت المقاومين الفلسطينيين الذين تخلوا عن كل الخلافات الداخلية للتنسيق معاً والتخطيط معاً والهجوم معاً.. والنجاح معاً.
إنها مناورة غزة التي تغلّبت على كل مناورات الاحتلال وأبطلتها وكشفت مدى هشاشتها.
محمود ريا

أوركسترا..

يحتار المراقب وهو يفتش عن القائد والمقود، المقرر والمنفّذ، الرأس.. والتابع.
يصبح البحث عن المفكّر والمفكَّر عنه أكثر تعقيداً، عندما يتلاقى عدة أطراف فجأة على رفض الحل.
من واشنطن ووزيرة خارجيتها التي لا تحسن صنعاً إلا رفع رأسها إلى الأعلى عند كل طرح يقدّم للوصول إلى قواسم مشتركة على الساحة اللبنانية، إلى باريس ووزير خارجيتها هو الآخر الذي يكثر من الحديث ويكثر من الندم حتى بات المرء يعجز عن تعداد نداماته مع تواتر تصريحاته.
وينتقل الرفض إلى عاصمة العرب الأكبر التي يطلق المتحدث باسم رئيسها "لا" رافضة لأي بحث بحل قبل تحقيق "الحلم الرئاسي" في لبنان، ومن ثم إلى عاصمة الاعتدال التي تؤوي الهاربين وتستقبل الوافدين وتزوّدهم بكل ما يمكن من أسلحة الـ"لا" والـ"كلا" والـ"ممنوع" والـ"مرفوض".
ومن هناك إلى بيروت التي يتصاعد فيها صهيل خيل المتمردين على أي مبادرة، والرافضين لأي تسوية، والمنتظرين حضور الغائب وعودة المسافر وإياب صديق العم سام كي يعلنوا بالفم الملآن: لا للحوار.
هل هذا التطابق في "الآراء" طبيعي وعفوي، أم أنه مقرّر ومقدّر؟
إنها أوركسترا.. تدار بعصا.
محمود ريا

الثلاثاء، أبريل 08، 2008

مناورات رهن الاختبار.. والانهيار

هي أيام خمسة، كل دقيقة منها تمر، تضع هذا الاحتمال على محك الواقع. فهل يفعلها هؤلاء المغفّلون؟

بقلم محمود ريا
إنهم يناورون.. حسناً.. (فليناوروا) وليكثروا من المناورات، وليجعلوا لمناوراتهم ما يشاؤون من الأسماء ومن الصفات، وليضعوا لها ما يشاؤون من الترتيبات ومن التراتبيات.
وإن كانت المناورة الأضخم منذ قيام كيانهم؟
وماذا في كون مناورتهم ستشمل كل فلسطين من الجليل إلى النقب؟
وأي انعكاس للتدريبات والاستعدادات والتكتيكات والتعليمات؟
وهل يظنون أنهم بكل هذا الصراخ وكل هذا الحراك سيفعلون ما عجزوا أن يفعلوه بالحديد والنار، وبطائرات الحقد التي دكّت المنازل وقتلت الأطفال ودمّرت أثر الحياة؟
هل يعتقدون أنهم سينزعون الرعب الذي زرعته حرب تموز في قلوبهم وأنبتته في خلايا عقولهم ليضعوه في قلوبنا وفي عقولنا؟
إنهم مخطئون، ومتوهمون، وهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من تحقيق هذا الحلم.. ولكنهم يحاولون.
لم يبقَ أمامهم إلا أن يحاولوا، عسى أن تنجح معهم المحاولة، بعد طول فشل واستفحال يأس.
عسى أن يتمكنوا من الخروج من قمقم العجز الذي حبسوا ماردهم الجبّار فيه، فبات ينتظر من يكسر القمقم بعد طول حبس.
ولكن ماذا يفعل طول الأمل مع سوء العمل؟
ماذا يستطيع التمني أن يقدّم لمن جرّب ثم جرّب، ولم يحصد إلا الخيبة والفشل؟
كيف يمكن تحطيم هذا القيد الذي بات يمسك بالمعصم فيشلّ كل حركة ويمنع أي فعل؟
هذه المناورات لن تفعل شيئاً، إلا أن تكون إعداداً لعدوان يمسح غبرة الذل التي تعلو جباه القادة وتلوّث نجوم الضباط وتحبط آمال السياسيين.
.. إلا أن تكون مقدمة لفعل كبير يريدون أن يحققوا من خلاله مرة واحدة ما عجزوا عن تحقيقه مرات ومرات طوال سنوات.
.. إلا أن تكون قراراً بالدخول في المغامرة الكبرى والمقامرة العظمى والامتحان الأخير.
وهي أيام خمسة، كل دقيقة منها تمر، تضع هذا الاحتمال على محك الواقع. فهل يفعلها هؤلاء المغفّلون؟
هل يضعون انفسهم وكيانهم ومستقبلهم أمام حقيقة المعركة الفاصلة والمسار الأخير؟
هل يجرؤون على التعرض للعقاب الذي يعده لهم أولياء الله، والذي سيأتيهم من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، وبما يتوقعون أو لا يتوقعون؟
لن يجرؤوا، لن يصل بهم الغباء إلى حدّ المغامرة بكل شيء.
ولكن ماذا إذا فعلوا؟
إنها لحظة انزياحهم النهائي نحو الفصل الأخير من تاريخهم.
إنه الوعد الإلهي بالنصر الكبير والتام، لأمة آلت على نفسها أن تكون في مواجهة الظلم والقتل والتسلط والاستكبار.
إنهم يضعون أنفسهم أمام الاختبار..
ولينتظروا نتيجته.

كفى.. أرجوكم كفى..

قُتل فتى في ربيع العمر جرّاء إطلاق النار في الهواء خلال إلقاء رئيس الحكومة غير الشرعية فؤاد السنيورة كلمة عشية انعقاد القمة العربية.
البعض رأى في هذا الحدث فرصة لتوجيه الانتقادات للرئيس السنيورة على خلفية هذه الجريمة التي ارتكبها أنصاره.
بعض آخر ـ وأنا منهم ـ يرى أن ملف الرئيس السنيورة تجاه اللبنانيين لن يصبح أكثر سواداً بسبب هذه الحادثة، لأن ما ارتكبه يكفي لتسويد كل الأفق على امتداده.
هذا البعض يحاول أن ينظر إلى المسألة بمجملها وأن يطلق صرخة حقيقية، صرخة من أحرف ثلاثة: كفى.
دعونا نستفيد من هذه الحادثة المؤلمة كي نضع حداً للاستهتار بحياة الناس وبأعصابهم كلما خرج زعيم على شاشة التلفزيون، حيث تنطلق القذائف والرصاصات والمفرقعات لتشوّه كل شيء حتى كلمة الزعيم نفسه.
المثير للانتباه أن كل زعيم يظهر على الشاشة يبدأ خطبته أو مقابلته بدعوة أنصاره إلى عدم إطلاق النار تحية له، فماذا يريد مطلقو النار أن يقولوا؟
هم إما يقولون إن أوامرك غير مطاعة وكلامك "غير مسموع"، أو أنهم يقولون للناس إن ما يقوله الزعيم في العلن مخالف لما يقوله في السر، فهل يقبل الزعماء هذه أو تلك على أنفسهم؟
كفى.. أرجوكم كفى.. ودعوا الناس يستمتعون بالخطب.. بدل أن يتوجهوا إلى المستشفيات لعلاج ضحايا الرصاص الأعمى.. إذا بقي العلاج ممكناً.
محمود ريا

الأحد، مارس 30، 2008

عودوا إلى غزة


لمن نسي نذكّره.. لمن غاب عن باله نقول له: غزة لا تزال محاصرة.. لا يزال أطفالها بلا خبز وعجزتها بلا دواء، وبيوتها بلا ضوء وحزنها بلا كتف يتكئ عليه.
ما زال الموت يتهدد الحياة النابضة ألماً وصبراً وتحدياً للاحتلال.
ما زالت غزة محاصرة بالدبابات التي تخنق الهواء، والطائرات التي تحجب الشمس، وبالجنود الذين لا يحملون في قلوبهم إلا الحقد.
هل ظن أحد أن خفوت الأنين يعني انتهاء الألم، أم اعتقد آخر أن إطباق الجفون يعني الركون للراحة؟
هل قام القائمون بالواجب فاستسلموا للراحة، وهل سكن ضمير الصامتين فانتقلوا "إلى حديث غيره"؟
غزة مطوّقة مضيّق عليها، مرهون مصيرها بصبر أبنائها وبحركة إخوانها في أنحاء العالم.
يقولون إن غزة مهددة بأزمة رغيف خلال أيام وربما خلال ساعات، فهل تنتظرون حتى يموت الأطفال لتتحرك نخوتكم؟
أيها المجتمعون.. استيقظوا.
أيها الغائبون.. المتغيّبون.. ليتكم إلى أمتكم تعودون.
لو لم تكونوا خارج السياق، خارج الأمة وخارج تاريخها منذ البداية، لما كانت غزة اليوم بلا ضوء، فيما يتنعّم أعداؤنا بغازنا الزهيد الثمن، ولما كانت غزة بلا سلاح فيما تشترون أنتم سلاح الصفقات والسمسرات الذي يُلقى بلا دور وبلا نفع.
عودوا إلى أمتكم.. عودوا إلى غزة.
محمود ريا

أمل إبليس بالجنة


قبل خمس سنوات وقف جورج بوش على متن حاملة الطائرات ليعلن بكل فخر: "لقد انتهت المهمة".
كانت أشهر قليلة قد مرّت على تاريخ التاسع عشر من آذار/ مارس، يوم انطلق أبشع وأفظع اجتياح همجي من دولة عظمى لبلد آخر في التاريخ المعاصر.
كاد رئيس الدولة الكبرى ينطق الكلمة السحرية: لقد انتصرنا، ولكنه ـ على غير عادة ـ آثر التمهّل قليلاً حتى يعلن عن النصر في احتفال أكبر وأضخم وفي توقيت أكثر مناسبة.
ولكن، حتى اليوم، بعد خمس سنوات من تاريخ ذلك الاجتياح، لم تأتِ تلك اللحظة، وما زالت أحلام بوش الوردية تهاجمه ليلاً ونهاراً على شاكلة كوابيس سوداء وحمراء لا يدري كيف الخلاص منها.
لم يعلن جورج بوش الانتصار بعد، ولا يبدو أنه سيتسنى له إعلانه وهو الذي بات على وشك مغادرة البيت الأبيض تاركاً العراق في حالة فوضى عارمة، وتاركاً جنوده عرضة للقتل، وعرضة لليأس والانهيار.
يصر بوش على أن بلاده ستنتصر في النهاية، ويكرر في كل خطاب له هذه الآمال، ولكن أمله في أن يضع على رأسه إكليل الغار مستحيل، تماماً كما أمل إبليس بالجنة.
محمود ريا

الخميس، مارس 20، 2008

تسلّح الصين وتنطّح أميركا

افتتاحية العدد السادس والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الأسبوعية الإلكترونية
مرة أخرى يعود ملف رفع الميزانية العسكرية للصين إلى السطح، وهو مرشح لأن يبقى في مقدمة جدول أعمال العلاقات الأميركية الصينية طوال السنوات القادمة.
لم تكد بكين تعلن عن زيادة الميزانية الدفاعية للعام 2008 بنسبـة 17 بالمئة حتى انتفضت الولايات المتحدة موجهة الانتقادات إلى هذا ”الاندفاع الصيني“ إلى تصعيد الأجواء العسكرية، وإلى انعدام الشفافية لدى رجل الدولة الصيني تجاه الموضوع العسكري.
هذا الكلام الأميركي لاقى رداً مناسباً من القيادة الصينية التي رفضت الانتقادات الأميركية ووجهت بالمقابل انتقادات إلى الولايات المتحدة التي يبلغ إنفاقها على التسلح (480 مليار دولار) أكثر من خمسة أضعاف الميزانية التي تقدرها واشنطن للإنفاق العسكري الصيني (حوالي 100 مليار دولار) وما يقارب عشرة أضعاف الرقم الصيني الرسمي لهذا الإنفاق ( 57 مليار دولار).
والصين تزيد على هذه المقارنة بين الميزانيتين الأميركية والصينية للإنفاق العسكري بالقول إن الصين تزيد إنفاقها لخدمة الجنود ورفع مستواهم المعيشي وليس من أجل شراء الطائرات وتكديس المعدات العسكرية.
وتذكّر الصين البنتاغون أيضاً بأن ما تضعه الولايات المتحدة في ميزانيتها العسكرية لا يشمل إنفاق واشنطن على حروبها المختلفة، والذي بلغ أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار خلال السنوات القليلة الماضية.
إذا بين الأرقام الرسمية الصينية المعتدلة جداً وبين الأرقام الأميركية التي تضخّم هذا الإنفاق، تبقى العقدة الأميركية من الصين على تضخمها، وهي التي تظهر في كل حركة أميركية، وفي كل تقرير عسكري صادر عن أي ذراع من أذرع القوة العسكرية الأميركية، حيث تحتل الصين دون غيرها من دول العالم صدارة لائحة الظهور في هذه التقارير.
وإذا كانت الصين تصر على أن جيشها ليس له أي أهداف توسعية، وإنما هدفه فقط هو حماية الحدود الصينية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، فإن التحديات الكبرى التي تواجهها الصين سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العلاقة مع الضفة الأخرى لمضيق تايوان، تدفع إلى التساؤل عن مغزى إصرار واشنطن على إظهار الصين بمظهر الوحش الذي يستعد لافتراس العالم، والذي يهدد المصالح الأميركية في الكرة الأرضية.
لا شك أن واشنطن تعلم ان المدّ الصيني بات خارج القدرة على إيقافــه، على المستوى السياسي والاقتصادي ، ولذلك هي تلجأ إلى جعـل العالم ينشغل بالأرقام العسكرية الصينية عن مراقبة أرقام النجاح الاقتصادي الصيني، دون ان تستطيع بذلك أن تحوّل الأنظار عن حقيقة الوهن الذي يصيب الامبراطورية الأميركية على مختلف المستويات.
محمود ريا

الزائر... ولحظة الصفر

لا خبر في ما تناقلته وسائل الإعلام، إنه مجرد تقرير لواقع.. مجرم ذهب لعند سادته المجرمين وعاد ليواصل إجرامه.
لا جديد في هذه الحركة التي حاول بعض الإعلام إصباغ هالة عليها، ووصل البعض إلى السؤال: كيف تستقبل الإدارة الأميركية مجرماً محكوماً عليه بالإعدام وما زال سجله العدلي بلا تنظيف بعد، بالرغم من المحاولات المبذولة أمام القضاء لتنظيفه؟
مجرد طرح هذا السؤال مسيء.
إذا لم تستقبل الإدارة الأميركية ـ كل الإدارات الأميركية والحالية منها على وجه التحديد ـ المجرمين فمن تستقبل؟
إذا لم يكن كل واحد يقع على من هم من جنسه، فعلى من يقع؟
تحتضن إدارة بوش من هم على شاكلتها، وتزيد في احتضانها لهم إذا كانوا من المنفذين المطيعين لمخططاتها، ويصبح الاحتضان يشابه الاندماج إذا كان الزائر من نوعية هذا الزائر الذي راح أخيراً إلى حيث كان يحلم.
قد يكون هناك جديد في ما سيأتي به من هناك.. مجرد جديد في التفاصيل، لأن الخطوط العريضة معروفة: عرقلة، سد الأفق، منع التلاقي، حَجر الحوار.. وتخريب البلد.
هذا معتمد من قبل الزائر، وهو ينفذه مع أقرانه بكل حماسة، ومفردات التنفيذ تتكرر في كل يوم، وتتجدد مع كل مبادرة.
قيل إنه أتى مرتاحاً جداً من زيارته، ولا يمكن الشك بهذه الراحة، فهو قد ذهب إلى أسياده وعاد من عندهم بما يطمئنه على استمرار دوره في معادلة المماطلة والتعطيل والتخريب.
وربما جلب معه خبراً يقيناً حول مستقبل قريب ينتظره هو ومن معه هنا في هذا البلد.
ربما قالوا له إنهم ما زالوا ينوون أن يقوموا بما ترددوا طويلاً في القيام به خوفاً من نتائجه، ووعدوه بأن ما سيحصل سيريحه هو وجماعته وسيجعلهم يحكمون وهم نائمون ملء الجفون.
ربما صار على علم بالسيناريو وبالخرائط، وعلى علم بالدور المطلوب منه ومن اضرابه على الأرض كي يكتمل المخطط.
ربما سامحوه هو وشلّته على تقصيرهم في حق القوة العظمى ووكيلتها في المنطقة في ذلك الصيف الذي أرادوا فيه خلق شرق أوسط جديد، فإذا بهم يرتدّون على أعقابهم أمام مارون الراس وبنت جبيل.
ولكن هذا السماح مرتبط، تماماً ككل سماح من سيد لخادم، بأن يحسن العمل في المرة القادمة.. وهو أعطى وعده هذه المرة.
وكيف يمكن أن يفلت هذه الفرصة من يده، وهو يعلم إنها ـ فعلاً ـ الفرصة الأخيرة؟
لقد رجع حاملاً أحلاماً عريضة، وهو ينتظر لحظة الصفر.
ألا يعلم هذا الخائب ومن معه أن لحظة الصفر ستجعل منهم أصفاراً مهملة.. لو جاءت؟
ألا يعرف أن ما فشل به أسياده قبل الآن لن ينجحوا به الآن، وأنهم ما زالوا يتهيّبون وقد يتراجعون، وعندها لن يكون هناك لا ناصر ولا معين؟
ألا يحسب حساب الأرض التي يعيش عليها، كرامتها وعزتها ورفضها لكل الغزاة ولفظها لكل الأساطيل والمدمرات وحاملات الطائرات؟
لا خبر في ذهابه، ولا خبر في إيابه... وربما لا خبر فيه، فهو في المعادلة الكبرى لا يرقى إلى مستوى الكلمة.. بل خارج المبتدأ والخبر.
محمود ريا

الثلاثاء، مارس 18، 2008

في كل قمة لنا عرس

تطول القصة اللبنانية، وتتفرع أغصانها إلى اليمين والشمال، وتمتد من داكار إلى أقاصي الأرض، وتسلك في مسارها كل الدروب مستخدمة كل وسائل النقل، من الطائرة العادية، الى الطائرة العسكرية، إلى السيارة والدبابة وناقلة الجند، إلى المدمرة والطرّاد والغواصة، وربما غداً إلى حاملات الطائرات.
تطول القصة اللبنانية، لأن الأزمة اللبنانية طويلة، طول سنوات الارتباط بين بعض اللبنانيين والمشروع الغربي في لبنان، وطول خضوعهم لكل وصاية ولكل تدخل أجنبي.
في كل قمة لنا عرس، وعند كل لقاء لقصتنا قرص، لا نسعى لأن نخرج من بازار التسويات، ولا نعمل لأن يكون حلنا بأيدينا، ولا نرقى لمستوى أن نمنع الآخرين من التدخل بشؤوننا.
وبعد ذلك يأتي البعض ليضحك على الناس بوثيقة حرية وسيادة واستقلال يعمل على إقرارها، من دون أن يطّلع عليها حتى من هو مطلوب منه أن يضع توقيعه على صفحاتها.
لا تصدروا الوثائق، واكتفوا بما يأتيكم من سيدكم القابع في البيت الأبيض، فهو قد أوثقكم وأحكم وثاقكم، وألغى كل قول موثّق منكم، لمصلحة الثقة التي يضعها في عدونا وعدوكم، العدو الصهيوني.

محمود ريا