الجمعة، نوفمبر 14، 2008

الندم قادم


السيد بوش نادم..
والندم أتى متأخراً بعض الشيء، وربما يشرح أسبابه بشكل أفضل في كتابه الذي ينوي إصداره بعد خروجه من البيت الأبيض وذهابه إلى تكساس التي يعشقها، والتي يرغب في الالتقاء بأصدقائه القدامى فيها.
إلا أن انتظار الكتاب الذي قال إنه سيضمّنه تفصيل لحظات اتخاذ العديد من القرارات الحاسمة في فترة ولايته، لا يمنع التوقف عند مسألتين أساسيتين أبدى سيد البيت الأبيض (حتى هذه اللحظة) ندمه عليهما.
المسألة الأولى يمكن اعتبارها ركناً من أركان حكمه خلال السنوات الماضية، وندمه عليها يعني أنه نادم على كل لحظة قضاها منذ عام 2003 حتى اليوم في الحكم.
إنها الجملة الشهيرة التي غطت خلفية خطابه الذي ألقاه على متن بارجة حربية بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الأميركي على العراق، وهو الخطاب الذي كرر فيه الجملة ذاتها، ومفادها: المهمة انتهت.
هو لم يقل فعلاً إن النصر قد تحقق، وإن الحرب قد انتهت، ولكن كل الأجواء الاحتفالية التي رافقت تلك اللحظة التاريخية كانت توحي بهذا المعنى، وتشي بالإيحاءات الهوليودية التي تعودناها في الأفلام السينمائية الأميركية.
وبعد خمس سنوات من تلك اللحظة، ظهر أن الفيلم لم ينتهِ بعد، وأن البطل لم يُتح له أن يطلق صيحة النصر، وأن المهمة لم تنتهِ، ولذلك فإن بوش نادم.
أما المسألة الثانية التي ندم عليها بوش فهي قوله (عن "الإرهابيين"): عليكم بهم.
هو لم يندم لأن هذا القول يصدر من نفسية تكساسية قائمة على تجاوز كل القوانين والأعراف في تصيّد الأعداء، وإنما ندم لأنه تفوّه بهذه الكلمات في العلن، فقد نبهته السيدة الأولى (زوجته) إلى أنه رئيس الولايات المتحدة، وأنه لا ينبغي له التحدث بهذه الطريقة.
هل يكون هذا الندم هو مقدمة للندم الأكبر الذي عبرت عنه مجموعة من المتطوعين طبعت نسخة مقلّدة من صحيفة "نيويورك تايمز"، وكان الخبر الرئيس في العدد منقسماً إلى ثلاثة أقسام: حرب العراق انتهت، بوش يحاكم بتهمة الخيانة العظمى، ورايس تعتذر بسبب الكذب في شأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
ربما على السيد بوش أن يندم فعلاً عندما يرى أن كل ما كان يحلم به قد انهار، من دون أن يأتيه وحي ما يعلّمه كيف يتعامل مع هذا الندم.

محمود ريّا

الخميس، نوفمبر 13، 2008

ظلمة غزة ـ تابع


محرجة الكتابة عن العتمة، عندما يرى الإنسان أن القلوب باتت أكثر ظلمة من الليالي الحالكات التي تعيشها غزة مرة بعد مرة.
يحس الواحد منا أن ما يكتبه هو مجرد ترداد لكلام كتب في السابق، وهو مجرد تكرار لعبارات تضامن لا يمكن أن تسمن ولا أن تغني من جوع.
ويصبح من "يحمل قلماً" بين خيارين: أن يكتب، وأن لا يكتب.
فإذا هو استنكف عن الكتابة انسجاماً مع عجزه عن الفعل، يصبح كالذي "يعطي الأذن الطرشاء" لآلام مئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين العرب الذين ينامون بلا ضوء، وبلا كهرباء لغرف العناية الفائقة في المستشفيات، وبلا أبسط مقومات العيش التي هي حق لكل إنسان.
وإذا هو كتب، فيكون من "الذين يصفّون الحكي"، مجرد كلام، لا يردع عدوان المعتدين ولا يدفع زعيماً للتحرك والإنجاز، ولا يدخل ليتراً من الوقود إلى قلب الحصار الذي تعاني منه غزة وقطاعها وأهلها.
هل هي المرة الثانية التي نكتب فيها عن الحصار، أم الثالثة، هل هي آخر مرة أم سنكتب بعد، هل سنسأم من تدبيج المقالات ورسم الكلمات، فنترك المحاصرين لحصارهم، ونهتم نحن بالحوارات الحضارية الدائرة في أربع جهات الكون؟
هل سنرى في المرة القادمة الصورة التي اعتدنا على ربطها بالمواضيع التي تمررها الصحافة على استحياء، أطفال يحملون الشموع ويسيرون في ليل غزة احتجاجاً على حرمانهم من حق النور، أم أن وكالات الأنباء ستكتفي بأن تحيلنا إلى الأرشيف بعد أن يصبح الحدث "بلا قيمة إخبارية"، ويصبح مجرد تكرار لحدث سابق؟
هل نحن الذين كان في تاريخهم من يهب لصرخة مظلوم وينتفض لدعوة مكلوم ولا ينام على ضيم مُضام؟
هل نحن الذين ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟
محمود ريا

السبت، نوفمبر 08، 2008

الصين وموسم القطاف

تبدو الدعوة الأوروبية للصين ودول الخليج كي "تساهم" في حل الأزمة المالية العالمية، مليئة بظواهر القصور في الفهم والعنجهية في الطرح والاستسهال في تحميل المسؤوليات.
رئيس المفوضية الأوروبية يقول إن الصين استفادت من العولمة، وإن على دول الخليج أن تبدي حساً بالمسؤولية. وهكذا يكون على هذه الدول أن تتحمل جزءاً من ـ إن لم يكن كل ـ وزر الأخطاء الكبرى والخطايا التي لا تغتفر التي ارتكبها الطامعون والمغامرون والمستهترون من الغربيين خلال السنوات الماضية، في مسار أوصل إلى الأزمة المالية المستفحلة.
وإذا كانت دول الخليج العربية لا تدري كيف ترد على الدعوة التي وُجهت لها كي "تتحلى بالمسؤولية"، فإن الصين أعلنت سلفاً أنها ستبذل أقصى جهودها للمساهمة في حل الأزمة.. ولكنها لم تنسَ أن تذكّر بأن ستساهم على طريقتها وحسب ما تقتضي مصلحتها، في مقابل أثمان لن تتراجع عنها.
فالصين مهتمة بحماية "الأسواق الاستهلاكية" التي تصدّر إليها بضائعها. وهي أيضاً مهتمة ببقاء النظام الاقتصادي الأميركي قائماً حفاظاً على تريليون دولار أميركي من سندات الخزينة الحكومية الأميركية التي تمتلكها. ولكنها مهتمة أيضاً بتحقيق أهداف سياسية كانت صعبة المنال قبل هذه اللحظة التاريخية التي ترى فيها منقذاً رئيسياً ـ وربما المنقذ الأول ـ للاقتصاد العالمي، من خلال الفائض في احتياط العملات الأجنبية الذي تمتلكه، والذي يزيد عن تريليوني دولار أميركي.
وإذا كانت الأهداف السياسية الصينية متعددة، فإن أكثرها بروزاً هو السعي لإلغاء صفقة تسلح أميركية لتايوان تبلغ قيمتها حوالى ستة مليارات دولار، إضافة إلى إبعاد العين الدولية عنها لجهة اتهامها بانتهاك حقوق الإنسان والقمع في التيبت وسينكيانغ (تركستان الشرقية).
على أن الطلبات الصينية لا تبدو الآن بعيدة المنال، فملف حقوق الإنسان ومعه ملف الأقليات والأقاليم في الصين لم يُفتح في الدوائر الغربية إلا لغايات سياسية تهدف للضغط على الصين في مرحلة صعودها المنافس للقوة الأميركية، وإقفالهما اليوم يمكن أن يتحقق لأسباب سياسية تتلخص بمساهمة الصين في إنقاذ اقتصاد أصدقائها ـ خصومها الغربيين!
ولا يبدو أن الغرب سيعاند كثيراً، كما لا يبدو أن الصين ستتدلل كثيراً قبل أن تبدأ بالقطاف.
محمود ريا

الشبكات.. التي تتساقط


تشبك الشبكات بعضها ببعض، وفي لحظة الاشتباك ينفك الانشباك، فتسقط الشبكة وحدها، وتبقى الشبكات الأخرى تعمل حتى تسقط واحدة بعد أخرى.
الشبكة العميلة التي فككت في الأيام الأخيرة ليست آخر شبكة للعدو على أرضنا. فالعدو خلال سنوات طوال، زرع الكثيرين من العملاء، منهم من ربطه بآخرين، ومنهم من تركه يعمل منفرداً، يؤدي مهمة محددة، تسمح له بالتخفي طويلا، وليس الاختفاء إلى الأبد.
لا بد لكل شبكة عميلة من أن تقع، عاجلاً أم آجلاً، قد يتأخر اكتشافها لفترة، وقد يكتشف بعضها ويتخفى البعض، ولكن النهاية محتومة ومعروفة، ولن يتضرر إلا الذين كانوا فيها، نتيجة الأضرار التي سببوها لأمن الأمة ولأمن الشعب، فيما العدو الذي استغلهم سيتركهم وسيلفظهم وسينساهم في السجون.. وعلى أعواد المشانق.
الدرس المستفاد هو أن ما من عميل للعدو إلا وسيسقط في يوم من الأيام في قبضة العدالة، فإن لم تكن معجّلة وأمام الناس هنا، فهي لن تتأخر هناك، وربما ينال العقابين معاً، وبأقسى ما يمكن توقعه من عقاب.
ومقابل ماذا كل هذا؟
حفنة من الدولارات، بيت وسيارة، ووجاهة فارغة، يقابلها قلق دائم وموت محيط لا يدري في أي لحظة يأتي، وحبل يلتف على الرقبة، حارماً صاحبها من حياة ملوثة بالشؤم والدم.
ليس الحديث عن العدو الصهيوني وخطره على أمننا وعلى مجتمعنا، فهذا أمر معروف وله مكان آخر، وإنما الحديث عن أولئك الذين يبيعون نفساً كرّمها الله للعدو برخص وخساسة، ويقبضون ثمنها بضعة دولارات لا تكفي لكي تريح ليل البائع أو تهدئ نهاره.
ليس المهم كم يتخفى العميل، المهم أن يعرف أن هناك من يتابع العملاء، ويعمل كل جهده للقبض عليهم والتخلص منهم، وإذا لم يُقبض عليه اليوم فسيُقبض عليه غداً، وإذا لم تسقط شبكته كلها سيسقط منها البعض وسيعترفون وستكون الفضيحة على رؤوس الأشهاد.
العهد عهد على أن لا تهدأ النفوس قبل القبض على كل العملاء وتوجيههم إلى المكان الذي يستحقون.. إلى مزابل التاريخ.
محمود ريا

الجمعة، نوفمبر 07، 2008

هل يصل أوباما إلى البيت الأبيض؟


كانت المسيرة التي قطعها باراك أوباما للوصول إلى عتبة البيت الأبيض طويلة جداً، امتدت على مدى أكثر من سنتين، ولم يبقَ أمامه سوى سبعين يوماً ليدخل من الباب العريض.. فهل تحين هذه اللحظة؟
ليس السؤال إلا ترجمة لمجموعة من المخاوف التي تنتاب بعض المتابعين لـ"عملية التغيير" التي أطلقها فوز الرئيس الأسود في السباق إلى الموقع الأول في الولايات المتحدة الأميركية.
فـ"الرئيس الجديد" يواجه مجموعة من التحديات الكبرى التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق عملية انتقال سلس للسلطة، برغم أن المؤسسات التي تحكم هذه العملية راسخة ومستقرة ولا يمكن التشكيك فيها بأي حال من الأحوال.
ولكن لكل قاعدة استثناء، وكما كان أوباما استثناءً عن الرؤساء الأميركيين بلونه وبحجم النجاح الذي حققه، فإن الحديث عن استثناء في وصوله إلى المكتب البيضاوي لا ينبع من فراغ.
الأكثر إثارة للقلق هو أن انتخاب أوباما كان بمثابة "انقلاب" على "العصابة" الحاكمة في البيت الأبيض، هذه العصابة التي يقف في واجهتها جورج بوش ويقودها نائبه ديك تشيني، فيما يشكل عمدتها جماعة المحافظين الجدد الذين أقنعوا أنفسهم بأن لديهم مهمة مقدسة عليهم أن يؤدوها مهما كلّف ذلك من ضحايا.
فهل يتنازل هؤلاء عن تحقيق "مهمّتهم" نزولاً عند رغبة الناخب الأميركي؟ وهل يمكن للذي أرسل آلاف الشبان الأميركيين إلى المحرقة في أفغانستان والعراق لتنفيذ "الرؤيا"، أن يحسب حساب أصوات يعتبر أنها ناتجة عن عوام لا يدركون مصلحة بلادهم، ولا يرضخون لـ"رغبة الخالق" الذي يكلّم رئيسهم ويطلب منه القيام بمهمة إنقاذ العالم من "الأشرار"؟
لا يزال أمام هؤلاء سبعون يوماً، فماذا يمكن أن يفعلوا؟
هل يصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض، أم يسقط على الطريق إليه كما سقط قبله عدد من الرؤساء الأميركيين؟
وإذا وصل، فهل تتركه هذه العصابة يقود البلاد في طريق التغيير، أم أن أعضاءها جهزوا أنفسهم لملء طريقه بأشواك حرب أخرى يورطونه فيها قبل خروج القرار من أيديهم؟
إنها مسيرة صعبة، ودائماً ما تكون الأمتار المئة الأخيرة هي الأصعب في السباقات الكبرى.
محمود ريا

الخميس، أكتوبر 30، 2008

ليس غيمة صيف



أيام قلائل تفصل العالم عن محطة مهمة، وأشهر أخرى تفصلهم عن محطة أكبر، وبين هذه الأيام والأشهر تبقى الشعوب على كف عفريت منتظرة ما يمكن ان يطرأ على عقول مجموعة من البشر من عوارض جنون ويأس واكتئاب وإجرام.

الأيام تقترب ومعها موعد الانتخابات الأميركية، حيث سيكون لهذه الانتخابات تأثير كبير على التوجه الذي ستسلكه الأوضاع في المنطقة والعالم. وإن كان لا يؤمل من مسؤول أميركي خير، فإن المحللين يرون في مرشحٍ شراً أقل سوءاً من مرشح آخر، وعلى كل حال فإن التبديل بحد ذاته أمر جيد، فما هو موجود الآن سيئ جداً لدرجة يرجى معها أن يكون القادم أقل شراً.

ولكن من الآن وحتى تحصل الانتخابات في الأيام المقبلة، وبعدها الفترة الفاصلة بين الانتخابات والتسلم والتسليم في كانون الثاني/ يناير القادم، تبقى نذر الشر محيطة بكل مفاصل الكرة الأرضية، ولا سيما أن الذين انتهى دورهم لن يسلّموا بسهولة أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً كاملاً مطلقاً في كل المشاريع التي قاموا بها، وعلى رأسها مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

ما حصل في البوكمال ليس صاعقة في سماء صافية ولا غيمة صيف عابرة، وإنما هو إشارة إلى ما يمكن أن يحصل في الأيام القادمة فيما لو حسمت عصبة السوء المقيمة في البيت الأبيض ترددها، وقررت القيام بشيء كبير "تخلّد" فيه ذكراها قبل رحيلها.

لا يجب أن يخاف العالم، ولكن يجب أن يكون حذراً أمام تمكّن مجموعة من البهلوانيين أصحاب الأفكار المتحجرة بأزرار القوة العسكرية الهائلة، وتسخيرها لخدمة مشاريع شخصية ضيقة يزعمون انها مشاريع تهدف إلى خدمة الأمة الأميركية.

إذا مرّت هذه المرحلة على خير، يكون العالم قد نجا من كارثة مهولة.. وبأعجوبة.

محمود ريا

السبت، أكتوبر 25، 2008

العرب والفضاء


تأتينا الأخبار من كل حدب وصوب، فنتلقاها ونهضمها ونسمعها، ولا نفعل أي شيء إزاءها.
تطيّر الصين مركبة فضائية مأهولة، فيخرج ملاحوها في جولة في الفضاء الخارجي، ونحن نتفرج!
تطلق الهند مركبة نحو القمر، ونحن "نراقب"!
تتهيأ هذه الدولة أو تلك لاختبار طاقاتها العلمية وتفجير مواهب شبابها في كل اتجاه، ونحن نقف على قارعة التاريخ، نشحذ نصراً مرّ قبل ألف سنة، ونستعير عالماً برز في الخارج لنقول: إنه عربي! ونتسوّل اختراعاً لم تكن لنا فيه يد، إلا أن الذي قام به يحمل اسماً مؤلفاً من حروف عربية!
أمر مؤلم هو الذي نعيشه، والأكثر إيلاماً أن المسببين به يظنون أنفسهم أنهم يرفعون الشمس أو يكتبون أسماءهم بنجوم السماء.
تتابع عيوننا الدخان المنبعث من الصاروخ المنطلق نحو الفضاء والدموع تنهمر منها، لا لأننا قريبون من هذا الدخان، بل لأننا بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، وربما عشرات السنوات، فلا نحلم بصناعة فضائية عربية، ولا نرجو مركبات تطير وتعود، أو حتى تذهب بلا عودة.
أي خجل ورثناه من أهالينا على تخلف بلداننا، ونحن حَمَلة العلم؟! بل أي خجل نورثه لأطفالنا ونحن نمر في هذه الحياة، فلا نجد إنجازاً واحداً يمكن لنا أن نبرر به وجودنا أمام أولادنا.
عندما نفتقد وجود جامعة عربية واحدة في اللائحة التي تضم أفضل مئتي جامعة في العالم، وعندما يطل الدكتور فاروق باز (المصري مولداً) من مقعد رئاسة برنامج الفضاء في وكالة ناسا الأميركية، وعندما تطير الهند والصين ـ ومعها إيران قريباً ـ إلى الفضاء، بينما نحن نخلد الى الأرض، يصبح السؤال عن مستقبل هذه الأمة مطروحاً بقوة، ويصبح البحث عن حل أمراً أكثر إلحاحاً من التفتيش عن جنس الملائكة أو الفوارق بين المذاهب أو الغزوات المتبادلة بين القبائل.
يا عرب، قد لا يجدي فيكم ـ فينا ـ إلا قول الشاعر: أيا أمة ضحكت من جهلها الأمم.
محمود ريا

الثلاثاء، أكتوبر 21، 2008

صرخة في واد؟

هل دخلنا في المحنة الحقيقية؟

قد لا يصدق أحدنا أننا وصلنا فعلاً إلى مرحلة الحضيض على المستوى الأخلاقي، وقد يقول أحد آخر ـ ومعه حق ولا شك ـ إن ما حصل حالة فردية لا يمكن أن تعمم.

ولكن مجرد حصول مثل هذا الأمر يدفع إلى دق ناقوس الخطر والتفكير ألف مرة بالوضع الأخلاقي الذي وصلنا إليه.
شاب حباه الله بنعمة البصيرة وحرمه نعمة البصر، يذهب يومياً إلى جامعته بسيارة الأجرة، فيجد من يساعده بالوصول إلى مدخل كليته، وهكذا يحصل كل يوم، إلا منذ أيام عندما "رماه" سائق سيارة أجرة على الجانب الآخر من الطريق، فارضاً عليه أن يقطع الطريق مع كل المخاطر، بعد أن خدعه، فأخذ منه ورقة من فئة الخمسة آلاف ليرة، وورقة من فئة الألف، بدل أن يأخذ ورقتين من فئة الألف، لتصبح الجريمة مزدوجة، تحصل في وقت واحد، وبحق شخص واحد.

هذه القضية الشخصية قد لا تكون أكثر من حادثة فردية، ولكنها أيضاً حادثة أرجو أن تكون فريدة، وهي تناقض كل ما تعلمناه وكل ما ينص عليه ديننا وأخلاقنا وإنسانيتنا في التعامل مع الناس ذوي الأوضاع الخاصة الذين ابتلاهم الله تعالى بفقدان أحد الأعضاء، أو إحدى الحواس.

لا يمكن السكوت أمام حالة من هذا النوع، بل ويجب التشهير بالفاعل لولا أنه لم يتم التعرف اليه، وقد لا يمكن أن يحصل ذلك عما قريب.

إلا أن عدم التعرف الى الشخص لا ينفي وجوب إنكار هذا الفعل، وكل فعل آخر ينافي الأخلاق التي كانت وما تزال، ويجب أن تبقى أساس التعامل بين البشر.

لقد بُعث رسول الله (ص) ليتمم مكارم الأخلاق، والشاعر قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فهل سنذهب بعد أن تذهب أخلاقنا أم سنقف وقفة تعيد الأمور إلى نصابها وتعيد إيقاظ الفطرة السليمة فينا؟

هي صرخة.. حمّلني إياها صديقي الطالب الجامعي، وأحببت نقلها.. بلا مواربة، فأرجو أن لا تكون صرخة في واد.

محمود ريا

الاثنين، أكتوبر 20، 2008

خير على خير

انعقدت النية مراسيم واتفاقات، وصارت الرغبات تواقيع وتحضيرات، وبات لبنان وسوريا على أهبة الاستعداد لقص الشريط الافتتاحي في دمشق وبيروت، معلنا هنا وهناك عن فتح السفارات وانطلاق العلاقات.

جميل جداً، لا بل هو فوق الجمال بمراحل، أن تصبح العلاقات بين الدولتين منظمة عبر بروتوكولات ومراسيم تجعل هذه العلاقات رسمية ومقوننة.

هذا الشعور بالراحة إزاء ما حصل، قد لا يكون نتيجة اطمئنان الى أن العلاقات بين لبنان وسوريا سوف تتطور، لأن تبادل السفارات واعتماد السفراء لا ينشئ علاقة بين دولتين، وإنما هو يعبر عن متانة هذه العلاقة وعن الرغبة في تطويرها وجعلها أكثر قوة وعمقاً.

بين دولتين مثل لبنان وسوريا هناك من العلاقات والوشائج ما لا تقويه إقامة علاقات دبلوماسية، ولا يضعفه عدم وجود هذه العلاقات. ما بينهما وصل منذ القدم إلى الحد الأقصى، فلا ينخفض نتيجة إجراء قانوني ولا ينهار بسبب موقف سياسي.

هذان البلدان هما معا، بغض النظر عن الظروف هنا والظروف هناك، ومن يرد أن يخضع العلاقة بين الدولتين إلى ميزان العلاقة بين الدول الأخرى، لا يعلم ماذا يعني كل بلد بالنسبة الى الآخر، ولا كل شعب بالنسبة الى الآخر.

العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا هي أمر جيد، جيد فحسب، قد يكون من التطرف وصفها بأنها "لزوم ما لا يلزم"، ولكن قد يكون من التطرف بالمقابل إعطاؤها وصف أكبر من أنها "خير على خير" تزيد الألفة وترفع نسبة المحبة.. وحسب.

عندما يكون التاريخ واحداً، والجغرافيا واحدة، والآمال واحدة، والمخاطر واحدة، والمستقبل هو نفسه، والشعب هو الشعب، والفرح لا يقسّم والحزن لا يُجزّأ، يصبح الحديث عن العلاقات الدبلوماسية من نافلة الحديث، ويصبح المطلوب الانطلاق إلى الأمام بسرعة للبحث في كيفية مواجهة التحديات، والاستفادة من الفرص التي تكون بيد واحدة أو لا تكون.
محمود ريّا

الثلاثاء، أكتوبر 14، 2008

لا للتعميم


أصعب ما مرّ على أمتنا أن العالم، وبتحريض من قوى مسيطرة فيه، أخذ هذه الأمة بجريرة بعض أبنائها، فصار كل المسلمين إرهابيين وكلهم انتحاريين، وكلهم تحت الشبهة الأمنية والمراقبة الدقيقة، بما يحرمهم حقوقهم المدنية ويضعهم في موقع الملاحق دائماً.
ليس من المستساغ أن نطبّق هذه السياسة على أنفسنا، فنقوم بعزل منطقة من المناطق اللبنانية، أو نسم أهلها بتهمة الإرهاب، بجريرة بعض الأشخاص الذين لا يمكن إلا أن يكونوا خارج الإجماع الديني والوطني، كما كانت القوة التي عملوا في إطارها وهم عملوا بالجرائم التي ارتكبوها على "الثأر" لها.
العناصر الفاسدة هي عناصر، محددة ومشخّصة، وهم لا يعبرون عن أي توجه أياً كان، ولا يمكن أن نضع منطقة بكاملها في موقع الاتهام لأن البعض من أبنائها قاموا بأعمال كلها إجرام باعتراف القريب قبل الغريب.
ومع الاقتناع الكامل بهذه الجزئية من المعادلة، لا بد من النظر إلى الجزئية الأخرى، وهي التي تقوم على مبدأ إعلان أهل المنطقة التي خرج هؤلاء الإرهابيون منها بشكل واضح وصريح، وبشكل عملي وملموس أنهم يعارضون كل ما قام به هؤلاء المجرمون، وأنهم يدينون قتل الأطفال وقتل المدنيين، وقتل الجنود اللبنانيين، الذين هم أبناء هذا الشعب وأخوة المواطنين وليسوا أعداءهم.
لقد صدرت العديد من التصريحات التي تؤكد هذا المعنى، وهي تصريحات مطلوبة ومقدّرة، وما هو مطلوب بعدها هو بذل كل جهد ممكن من أجل تسهيل عمل القوى الأمنية المعنية في اعتقال المشبوهين، والإشارة إلى أي بقعة مظلمة قد تشكل بؤرة حماية ونصرة ومساندة لهذه العمليات الإرهابية التي تترك آثارها السلبية على البلد كله، وليس فقط على منطقة واحدة فيه.
المطلوب أن نكون كلنا اليوم في موقع واحد، كي يكون الإرهابيون وحدهم في موقع آخر، فيسهل تحديدهم وتشخيصهم ومحاصرتهم.. والقضاء عليهم.
محمود ريا