الجمعة، سبتمبر 16، 2005

قوة اسرائيلية خطفت اثنين من الرعاة قرب بركة النقارـ شبعا



تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتتنزوع بين انتهاكات جوية وممارسات عدوانية على الأرض.
وفي آخر هذه الاعتداءات إقدام قوة اسرائيلية ظهراليوم على اختطاف المواطنين رياض مصطفى هاشم (40 عاما) وحسين قاسم زهرة (15 عاما) في منطقة نقار شبعا.
وفي التفاصيل كما ذكرتها مصادر امنية في مرجعيون، ان قوة اسرائيلية تجاوزت الخط الازرق باتجاه الجانب اللبناني متقدمة من موقع رويسات العلم وقام عناصرها بخطف هاشم وزهرة اثناء قيامهما برعي قطيع من الغنم والماعز في محيط بركة النقار، ونقلتهما الى جهة مجهولة داخل مزارع شبعا اللبنانية المحتلة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها قوات الاحتلال باجتياز الخط الفاصل بين المنطقتين المحررة والمحتلة من مزارع ضبعا من أجل القيام باعتداءاتها.
وقد استنكرت "هيئة ابناء العرقوب ومزارع شبعا" قيام قوات العدو الإسرائيلية باختطاف المواطنين اللبنانيين من بلدة شبعا.
واصدرت "الهيئة" بيانا اشارت فيه الى "ان الإعتداءات الإسرائيلية ليست جديدة، ولكنها تأكيد جديد على خطورة استمراراحتلال مزارع شبعا من قبل اسرئيل, وهذا ما يؤكد على الطبيعة العدوانية لإسرائيل، التي لا تخدم القرارات الدولية ولا الخطوط الزرقاء أو الحمراء، بسبب تواطؤ الولايات المتحدة معها وتغطيتها في أعمالها العدوانية".
اضاف البيان: "ان هذا العدوان الذي أدى إلى خطف المواطنين رياض مصطفى هاشم وحسن قاسم زهرة, يؤكد على ضرورة أن تقوم الأمم المتحدة بدورها بالضغط على إسرائيل لاستكمال تنفيذ القرار 425 الذي نعتبره غير منفذ بشكل كامل، طالما هناك اراض لبنانية محتلة وفي طليعتها مزارع شبعا".
وزير الخارجية

قضية لااعين المخطوفين انتقلت إلى نيويورك حيث وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ الذي تبلغ من الامين العام لوزارة الخارجية السفير بطرس عساكر نبأ خطف قوات الاحتلال الاسرائيلي المواطنين اللبنانيين
كما أبلغه ان قوة "اليونيفيل" الموجودة في المنطقة بدأت بالاتصالات مع السلطات الاسرائيلية المحتلة للافراج عنهما.
وقد زوده الوزير صلوخ بتوجيهاته وضرورة ابقاء الاتصالات مع اجهزة الامم المتحدة المعنية في الجنوب للوصول الى تحريرهما وعودتهما الى الاراضي اللبنانية.
وقال انه سيثير "هذا العدوان الاسرائيلي الجديد خلال لقاءاته مع المسؤولين في الامم المتحدة ومع المسؤولين المشاركين في اجتماعات الجمعية العمومية، للضغط على "اسرائيل" من أجل وقف اعتداءاتها على لبنان، لأن مثل هذه الاعتداءات يؤكد رغبة "اسرائيل" في عدم الوصول الى السلام".
ويبدو هذا الاعتداء كرسالة من الإسرائيليين توحي بوجودهم على خريطة الساحة اللبنانية التي انتقل أبرز سادتها إلى الخارج في زيارات مختلفة الأهداف والمشارب فتوزعوا بين باريس ونيويورك واسبانيا وغيرها من مناطفق العالم.
محمود ريا

الخميس، سبتمبر 15، 2005

حركة علمائية لبنانية لمواجهة محاولات تفجير الفتنة الطائفية في العراق والمنطقة

تركت التصريحات الطائفية الخطيرة التي صدرت من المسلحين الذين يرتكبون الجرائم بحق الأبرياء في العراق انعكاسات على مجمل المنطقة، حيث تحركت فعاليات دينية وسياسية في أكثر من عاصمة من أجل تدارك الآثار الخطيرة لهذه التصريحات.‏

وفي بيروت رصد أكثر من تحرك هادف إلى منع هذه المواقف المتشنجة من فعل فعلها في الداخل العراقي، ومن ترك أي آثار في الداخل اللبناني نفسه من جهة ثانية.‏

وفي هذا الإطار سجل اتصال أجراه نائب رئيس المجلس لإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان بمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وبشيخ الأزهر في مصر الشيخ محمد سيد طنطاوي جرى فيهما "تشاور في الأوضاع الخطيرة في العراق"، وطالب الشيخ قبلان الشيخين قباني وطنطاوي بـ "التدخل سريعا لوضع حد لما يجري في العراق باسم الإسلام وتدارك تداعيات هذه العمليات الإرهابية والبيانات التحريضية قبل فوات الأوان"‏

الشيخ قباني حذّر بدوره من "وقوع العراق في فخ الفتنة الطائفية ومن التصريحات الطائفية غير المسؤولة".‏

وقال خلال لقائه ممثل هيئة علماء المسلمين العراقيين في الخارج الدكتور محمد عياش كبيسي: "ان التصريحات الطائفية التي سمعناها بالامس في العراق لاقت استنكارا من هيئة علماء المسلمين ومن كل المراجع السنية والشيعية في العراق، كما استنكرت، في الوقت نفسه، عمليات الابادة التي قامت بها القوات الاميركية في تلعفر".‏

واضاف: "ان الولايات المتحدة الاميركية المحتلة للعراق هي المسؤولة عن كل ما يجري اليوم فيه من صراعات وقتل وتدمير وفتن طائفية, واننا ننبه الى ان مشروع الدستور العراقي الذي يخرج العراق من عروبته سيكون هو الباب الكبير للفتن التي ستغرق العراق في مزيد من الصراعات في المستقبل".‏

ودعا "أبناءنا واخواننا العراقيين ومرجعياتهم, سنة وشيعة, الى اظهار المزيد من الوحدة الاسلامية في وجه المحتل الاجنبي الذي يعمل لبقائه في العراق باغراق البلاد في دوامة الصراعات الطائفية".‏

الكبيسي‏

وقال الدكتور الكبيسي بعد اللقاء: "نقلنا الى سماحته صورة ما يجري في العراق وللاسترشاد بارأئه. وقد لمسنا من سماحته متابعته الدقيقة للاحداث التي تجري في العراق".‏

سئل: هناك تخوف من فتنة طائفية في العراق خصوصا بعد بيان ابو مصعب الزرقاوي فما رأيكم بذلك؟‏

اجاب: "على رغم ما حدث في تلعفر وكان من المتوقع ان تكون هناك ردات فعل غير مدروسة وغير متوازنة، لكن الذي يطمئن ان ردة فعل هذه لم تأت من اي طرف عراقي وانما جاءت على لسان شخص ليس عراقيا لا يعرف طبيعة المجتمع العراقي. المؤسسات السنية العراقية كلها رفضت ردة الفعل هذه على رغم انها ردة فعل على جريمة نكراء حصلت في تلعفر. لكن الجميع اجمع على ادانة استهداف المدنيين تحت اي مسمى ومبرر, والذي نحن نطمئن اليه انها لم تحصل ردة الفعل من اي ممثل للسنة او غير السنة في العراق".‏

نداء إلى علماء المسلمين في العالم‏

بالعودة إلى تحرك الشيخ قبلان باتجاه المرجعيتين السنيتين في بيروت والقاهرة فإن هذا التحرك استكمل ببيان أصدره الشيخ قبلان ووجهه إلى علماء المسلمين في العالم، جاء فيه:‏

"إلى أصحاب السماحة أئمة المسلمين وعلمائهم في العالم أصحاب العلم والحلم، نخاطبكم ونناشدكم ونستصرخكم للوقوف ضد المجازر التي ترتكب في العراق ممن يدعي الإسلام والإسلام بريء منه. إن موقفكم اليوم هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر لأن الفتن التي تخرج من كلام هؤلاء وتصريحاتهم وبياناتهم هي اخطر من سهام العدو الإسرائيلي وقذائفه المسممة. فعليكم جميعا محاربتها والتنديد بمطلقيها والوقوف ضد معلني الحرب على طائفة إسلامية لا تزال، من حين وجودوها إلى يومنا هذا، تدافع عن الدين والتراث والمبادىء السمحاء".‏

واضاف: "نخاطبكم، أيها العلماء، أن تقولوا قولكم وتبذلوا جهدكم وكل ما في وسعكم لوضع حد لهذا التطرف ولهذه الأعمال الاجرامية البشعة ولهذه البيانات الفتنة بين المسلمين. نعم، إن أعمال القتل التي تجري في العراق أعمال وحشية وإجرامية لا تمت إلى الدين بصلة ولا إلى الأخلاق بمعرفة، بل هي أعمال همجية نابعة من نفوس حاقدة وقلوب خبيثة. أقول لكم قبل نفاد الصبر: أدركوا الأمور وكونوا في يقظة مستمرة لأن هؤلاء سيجرون البلاد العربية والإسلامية إلى الهاوية، وأطالبكم بالتحرك سريعا لوأد الفتن ووضع حد للمتطرفين الخارجين عن الإسلام الذين يعملون لمصلحة الاحتلال والعدو الإسرائيلي. أناشدكم أن تكونوا مع الوحدة الإسلامية، وإياكم والانجرار الى مهاوي الفتنة والمشاكل التي لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي".‏

وطالب الجامعة العربية ومنظمة مؤتمر العالم الإسلامي والملوك والرؤساء العرب والمسلمين في العالم ومجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وهي تجتمع اليوم في المؤتمر العالمي، بال"تحرك لوقف مسلسل الإجرام والإرهاب في العراق"، متسائلا: "أين هي حقوق الإنسان التي يعملون لحفظها؟ وهل أصبحت حياة الإنسان رخيصة إلى هذا الحد!".‏

محمود ريا

الصمت مشاركة في الجريمة

ليس مفاجئاً خروج مجموعة من الطفيليين الذين يعيشون على هامش الحياة السياسية في لبنان من أجل التبشير بمواقف سياسية أقل ما يقال فيها إنها عنصرية وإجرامية وبعيدة عن أي منطق.
وغياب المفاجأة لا ينجم عن "طبيعية" ما يفكر به هؤلاء، وما يعملون من أجل تحقيقه، وإنما من التردي الذي يعيشه لبنان في هذه المرحلة، بحيث لم يعد الدفاع عن العملاء عيباً، كما أن يخرج العملاء أنفسهم، ، ومن "قلب لبنان" للتنظير للعمالة، والمطالبة بإعطاء العملاء أوسمة الشرف والوطنية.
لا بد من التأكيد أن هؤلاء معزولون ومطرودون من "رحمة التوافق" اللبناني، وأن ما يحملونه من أفكار متطرف لدرجة أن أحداً لا يمكنه أن يدافع عنها.. وعنهم.
ولكن هل يكفي هذا؟
هل يعبّر الصمت عمّا يجب أن يكون عليه موقف اللبنانيين من هذه الطروحات الإجرامية؟
إن الصمت هنا هو موافقة على طروحات هؤلاء العملاء المتسترين بألقاب مهنية كبيرة، والسكوت عن مثل هذه الخزعبلات قد يمهّد الطريق لاختيار ضباط أو مسؤولين صهاينة كبار في المستقبل لـ"قلب لبنان" من أجل عقد مؤتمرات صحافية يشرحون من خلالها وجهات نظرهم من الأحداث في المنطقة.
ما قاله هؤلاء إجرام، والصمت عن جريمتهم خيانة.
ومن دون أن يكون المقصود توزيع شهادات في الوطنية، يمكن القول إن الحد الذي يميّز بين إيمان اللبناني بوطنه وكفره به، هو التصدي لهؤلاء المجرمين وإدانة معتقداتهم البائدة.
وإلا.. فالويل للبنان.
محمود ريا

الأربعاء، سبتمبر 14، 2005

القوات: أزمة هوية وتصارع على الأدوار


تعيش القوات اللبنانية حالة من الصراع الداخلي الذي لم تعد عمليات التجميل المتتالية التي تجري في لبنان والخارج قادرة على إخفائه.
وتنبع حالة الصراع هذه من العديد من العوامل التي تضافرت وتعقدت في علاقاتها فيما بينها إلى الحد الذي جعل عملية الحد منها ـ فضلاً عن محوها ـ عصية على التحقق.
فمن الانقسامات التاريخية التي كانت القوات تعيشها منذ ما قبل حلها عام 1994 (والمعروف أن القوات هي في أصلها تجمع لتيارات متعددة وليست حزباً واحداً له عقيدة محددة يتم على أساسها الانتساب إليها) إلى الخلاف بين تيار العسكر وتيار الأمن خلال سنوات اعتقال سمير جعجع، إلى الرفض الكبير الذي عبر عنه الكثير من كوادر القوات لتحوّل ستريدا زوجة سمير جعجع إلى قائدة بديلة عن زوجها، إلى الخلاف القائم بين قوات الداخل وقوات الخارج، وبين الكوادر العسكرية والتيار السياسي... كاها مشاكل تواجه قيادة القوات في المرحلة الحالية.
وقد جاءت مواقف القيادة الحالية للقوات في مرحلة ما بعد 14 آذار والتحالف الاستلحاقي مع تيار المستقبل والتيار الديموقراطي برئاسة وليد جنبلاط لتزيد طين الخلافات بلّة ولتصعّد الخلافات بين الشخصيات السياسية المختلفة داخل القوات، فطرد توفيق الهندي وجان عزيز (اللذان أبعدا بشكل رسمي وعلني عن تمثيل القوات في لقاء قرنة شهوان قبل انحلاله) ووقف النائب جورج عدوان بقوة في وجه ستريدا جعجع معلناً مواقف مخالفة تماماً للمواقف التي أعلنتها (ولا سيما فيما يتعلق بقداس "شهداء القوات" بين حريصا وسيدة إيليج حيث أعلنت جعجع أن لاعلاقة للقوات من قريب ولا من بعيد بقداس سيدة إيليج فيما قال عدوان إن هذا الكلام غير صحيح)، وحضرت ستريدا جعجع على عجل إلى بيروت بحجة تنظيم قداس حريصا ومن ثم غادرت على عجل دون أن تحضر القداس بحجة التهديدات الأمنية، وخرج سمير جعجع بخطابه الموجه إلى القواتيين والذي ميّز فيه إلى حد ما بين العلاقة مع الأطراف المسيحية والعلاقة مع تيار المستقبل وجنبلاط، وذلك في تراجع لافت عن وضع هذه التيارات كلها في صف واحد عند خروجه من السجن إلى المطار الشهر الماضي.
ويبدو أن الخلاف بين القواتيين مركب وهو لا يقتصر على سبب واحد أو على موضوع واحد.
فهناك أولاً الخلاف على الأدوار في المرحلة المقبلة، ومن يكسب ود قائد القوات سمير جعجع بشكل أكثر ليكون صاحب الكلمة المسموعة والرأي المطاع.
وهناك الخلاف على الممتلكات المادية للقوات، وهي تبلغ ملايين الدولارات إن لم يكن عشرات الملايين، وهي تتراوح بين ممتلكات عينية تتمثل في مؤسسات إعلامية ( أل بي سي، إذاعة لبنان الحر ومجلة المسيرة) وتجارية وغيرها في لبنان والخارج، وبين مبالغ مالية طائلة أخرجت قبيل مرحلة حل حزب القوات من لبنان واستثمرت في بنوك غربية وباتت تبلغ أضعافاً مضاعفة عن المبالغ الأصلية.
وهناك أيضاً الخلاف على كيفية تنظيم القوات في المستقبل، وهل تتحول إلى حزب سياسي مغلق أم إلى تيار سياسي مفتوح يفسح في المجال أمام تعدد الآراء والتباين في المواقف تحت مظلة خطوط عريضة يقبل بها الجميع.
ويبقى الخلاف الأكبر حول التوجه السياسي في المستقبل، وكيفية التعاطي مع الأحداث السياسية التي يمر بها لبنان وما تحمله من تطورات على مختلف الصعد، وخصوصاً أن لبنان يمر بمرحلة مصيرية ستحدد مستقبله على مدى عقود.
ويقوم الخلاف حول الجهة التي ستقيم معها القوات اللبنانية العلاقة الاستراتيجية، فهل تقف إلى جانب البطريركية المارونية وبالتالي إلى جانب العماد ميشال عون الذي نصّبه البطريرك زعيماً سياسياً للموارنة، أم تقف إلى جانب تحالف الحريري ـ جنبلاط، مع ما يعنيه ذلك من انفصال عن القاعدة الشعبية التي تعاني أصلاً من انقسامات حادة واستقطابات على مختلف الصعد بين التيارات السياسية المختلفة على الساحة المسيحية.
ويبدو كلا الخيارين مرّاً، فالوقوف إلى جانب البطريرك والعماد عون يعني التحاقاً بتيار سياسي سيفرض رأيه على القوات بأي شكل من الأشكال وسينزلها من مستوى الشريك في اتخاذ القرار إلى مستوى التابع الذي عليه تنفيذ الأوامر ممن كانوا حتى الأمس الأعداء الأكثر شراسة ومن اللاعبين الطبيعيين على الساحة التي تستقي منها القوات شعبيتها، بما يعني "محاشرة سياسية" تخلف "المحاشرة العسكرية" التي عاشتها الساحة المسيحية بين القوات والعونيين خلال الحرب الدموية التي دارت بينهم عام 1990.
ومعروف أن نواب القوات قاطعوا البطريرك الماروني لفترة طويلة بعد انتخابهم، واعتبروا أن البطريرك انحاز إلىعون في المعركة الانتخابية ولا سيما في الجبل والشمال، ما خلق حالة من التشنج في العلاقة بين الطرفين عبرت عن نفسها في انتقادات وجهت للبطريرك وفي مقاطعة بكركي وفي إطلاق مواقف حادة من العماد عون وصلت إلى حد تجاهله في مسيرة شعلة شهداء القوات الشهر الماضي، وقد كان هذا التجاهل لافتاً جداً ومثيراً للكثير من التساؤلات.
وبالمقابل فإن البقاء على خط الحريري جنبلاط مكلف جداً: مكلف على مستوى السياسة وعلى مستوى الشعبية وعلى مستوى المستقبل.
فالقوات لم تخفِ خلال الفترة الماضية انزعاجها من استثنائها من الكثير من المشاورات الدائرة بين تيارات المعارضة والتيار الشيعي في لبنان حول العديد من القضايا المتعلقة بمستقبل البلاد، كما عبرت عن رفض كبير للمس برئاسة الجمهورية التي تعتبر رمزاً مارونياً بامتياز ويعتبر المس بها اعتداء على حقوق الطائفة. وبينما كان بعض نواب القوات يعبرون عن هذا الرأي كان رئيس الجمهورية يتعرض لحملة شرسة من قبل القيادات المتحالفة مع القوات.
وكذلك انزعجت القوات من تمثيلها في حكومة السنيورة بوزير واحد، في حين سمّى حلفاؤها في تحالف الحريري ـ جنبلاط العديد من الوزراء الموارنة، ما اعتبر تعدياً على حقوق الطائفة وإضعافاً لموقف ممثلها في التحالف، أي القوات اللبنانية.
ويحس قادة القوات أن التقرب من تحالف الحريري ـ جنبلاط غير مقبول من قبل القاعدة الشعبية المارونية المستعدة لتناسي الخلافات مع ميشال عون في حين هي غير مستعدة لمسح تاريخ الصراع مع الجنبلاطيين ومع المسلمين بشكل عام على مستقبل البلاد.
وبقدر ما يعكس فتح هذه الملفات مع بعضها البعض من إرباك داخل القيادة القواتية، فإنه يثير خلافات بين المسؤولين القواتيين الذين يتبنى كل واحد منهم وجهة نظر معينة ويعمل على فرضها على الفرقاء الآخرين، إلى الحد الذي باتت فيه القوات فيدرالية قيادات لا يربط بينها في الوقت الحاضر سوى الوجود الضعيف لسمير جعجع على مسرح اللعبة.
وعلى أهمية هذه المواقف المطروحة وما تثيره من أزمات فإن الملف الأكبر الذي لم يجد معالجة له هو ذلك المتعلق بالمشروع الإيديولوجي الحقيقي للقوات والمتمثل في تحويل لبنان إلى فيدرالية، وهو المشروع الذي يبدو أن أحداً من المسؤولين القواتيين لم يتخلّ عنه، إلا أن الخلاف هو حول كيفية تظهير هذا المشروع ومدى ملائمة طرحه حالياً على الملأ، والانعكاسات التي يتركها هذا الطرح على مجمل علاقات القوات مع القوى السياسية الأخرى، وخصوصاً مع وجود نقاط تباين ـ في العلن على الأقل ـ مع هذه القوى الحليفة، ولا سيما حول تنفيذ القرار الدولي 1559 وما تلاه من قرارات، وحول سحب سلاح المقاومة وغيها من القضايا المصيرية المستقبلية.
وبناء على هذه المعطيات تبدو القوات اللبنانية مفتقدة بشكل حقيقي إلى رأسها وضامن وحدتها حتى الآن سمير جعجع الذي قرر ترك الأوضاع على تفاقمها والسفر لـ "النقاهة" والعلاج في الخارج.
وإن كان جعجع يقوم بتحركات ويدلي بمواقف تحاول الإيحاء بأن القوات كتلة متماسكة فإن الوقائع على الأرض تظهر عكس ذلك وتؤكد أن القوات تعاني كماً متراكماً من الأزمات، تبدأ مع أزمة الهوية والدور، ولا تنتهي عند أزمة فرض القيادات السياسية لنفسها على مسرح اللعبة، بما يجعل هذا الصراع الدائر حتى الآن ينفجر بصمت ويودي بالقوات وربما بقائدها وعناصرها ومستقبلها.

محمود ريا

الجمعة، سبتمبر 09، 2005

كاترينا.. وسفن العبيد


تذكر الأميركيون من أصل أفريقي.. السود .. "النيغرو" إنهم في النهاية ليسوا أكثر من عبيد، أو أحفاد للعبيد، وإن ما كان يسري عليهم قبل مئة أو مئتي سنة.. ما يزال هو الساري الآن.
تذكروا أسلافهم وهم يُنقلون بسفن العبيد ويُلقَون ككمّ مهمل، كبضاعة مثل أي بضاعة أخرى، حيث ينتقى من بينهم القوي والصالح لخدمة اقتصاد البيض، فيما يترك المرضى والعجّز والذين أنهكتهم الرحلة من "الأصل الأفريقي" إلى مكان الاستعباد في "البلاد الجديدة" كي يلقوا مصيرهم المحتوم، موتاً وغرقاً وسحقاً تحت عجلات آلة التفرقة العنصرية.
كل الجهود التي بذلت، والتي قيل إنها أنهت التفرقة العنصرية بان أنها مجرّد غطاء لإخفاء حقيقة مرّة: الناس يموتون أو لا يموتون بناء على لون بشرتهم.. وعلى ما يملكونه من نقود.
ليس ما حصل على شواطئ خليج المكسيك كارثة طبيعية، فدور الطبيعة جزء بسيط من مسبّبات ما حصل.
كما إن غضب الطبيعة هو مجرد نتيجة لمجموعة من الجرائم البشرية، التي ترتكب بحق البيئة والمناخ، فتزيد من عتوّ الظواهر الطبيعية وتضاعف الخسائر التي يمكن أن تنتج عنها.
مهلاً، ولكن هذا ليس صنع الطبيعة فقط.
هناك دور للبشر فيما حصل، لا بل هو الدور الأكبر والأخطر.
دور يتراوح بين اختيار موقع المدينة في الماضي، وعدم الاهتمام بسبل منع الأخطار الناجمة عن هذه الأخطار في الحاضر، ما جعل "الكارثة العادية" تصبح "سوبر ـ كارثة"، ويتحول إعصار قوي بأضرار كبيرة إلى ما يشبه ضرب مدينة نيو أورليانز بقنبلة نووية.
ولا تقتصر جرائم البشر على حدود الإهمال والتقصير، ولكن هناك الجريمة الناجمة عن سابق إصرار وترصد، جريمة دفع المقتدرين إلى الخروج من المدينة قبل حصول الإعصار، وترك الفقراء والمعدمين يلاقون مصيرهم بلا أي مقوّمات للصمود.
وبعد حصول الكارثة كان التحرك الأسرع لإنقاذ مئات من الأغنياء البيض في مجمعات سياحية، فيما ترك المرضى والعجّز في المستشفيات ودور العجزة يلاقون مصيرهم الأسود نتيجة البرد والجوع والأوبئة والسموم.
السموم لوحدها جريمة لا توصف، إنها ناجمة عن اختلاط صناعة البترول بالصناعات الكيميائية بالصناعات السرية الموجودة في المنطقة والتي لا يريد أحد الحديث عنها.
إنها جريمة مركّبة لا بل إنها مجموعة من الجرائم التسلسلية التي تختلف ظروف تنفيذها دون أن يتغير المخطِّط لها والمنفّذ.. والمستفيد.
لا مشكلة، طالما أن الضحايا هم الفقراء والسود، وتحديداً السود، فهم خلقوا منذ البداية ليكونوا أدوات بيد أسيادهم البيض، يفعلون بهم ما يشاؤون يستخدمونهم كما يريدون ويتخلصون منهم ساعة يرغبون.
أي عنصرية عبّر عنها الدعاة إلى الديموقراطية، وإذا كانوا يتعاملون بهذا الشكل مع من يحملون الجنسية الأميركية، ويتشاركون معهم في المواطنية، فهل من يسأل بعد لماذا يتعاملون مع البشر في الدول الأخرى بهذا الشكل المستفز.. المتعالي والمسيء؟
محمود ريا

شيراك: هل نقلق؟


يبدو وضع الرئيس الفرنسي جاك شيراك مثيراً للقلق، بعد الصعوبات الصحية التي يعاني منها، والتي ضربته في الدماغ.
القلق هو الشعور الذي ينتاب المحيطين بشيراك والذين يعملون معه، والذين يحبونه، بالرغم من أن المعلومات تتحدث عن تحسن صحته وعن خروجه من المستشفى مع نهاية الأسبوع.
إلا أن الخروج من المستشفى ليس كالدخول إليه، والمارد القوي الذي كان شيراك يمثله على مدى سنوات انكسر أو يكاد، وبدأت الصراعات على خلافته، حتى وهو ما يزال "في ريعان الشباب".
فمن ساركوزي إلى دوفيلبان في الحزب الديغولي، إلى المسؤولين المنافسين في الحزب الاشتراكي، تحتدم المعارك، وإن كانت حظوظ ساركوزي تبدو أكبر نظراً لتقمصه دور الشخصية الحديدية التي لا تقهر.
وبانتظار ما سترسو عليه الأمور، يبدو شيراك كمرحلة في السياسة الفرنسية على وشك الانقضاء، وكورقة من كتاب التاريخ الأوروبي والدولي على وشك الانقضاء.
وفي هذا ما يثير القلق لدى محبيه ومؤيديه.
ولكن هل نقلق نحن؟
آخر استطلاعات الرأي تفيد أن خمسة وثمانين بالمئة من الفرنسيين ما زالوا يعارضون سياسات جورج بوش العالمية، وكذلك الوضع بالنسبة لاثنين وسبعين من الأوروبيين، هذه السياسات التي اختار شيراك في الأيام الأخيرة من مرحلة "مجده السياسي" أن يتآلف معها ولا سيما في منطقتنا.
كنا قلقنا فعلاً لو كان شيراك.. ما زال شيراك.
محمود ريا

الخميس، سبتمبر 08، 2005

أطراف دولية على المائدة اللبنانية

محادثات في العواصم وهجرات ومداخلات

تحوّل لبنان إلى بند أول في المفكرة الدولية، وبات مجلس الأمن أكثر "لبنانية" من مواقع السلطة في بيروت وبعبدا، فيما أصبحت باريس "مربط الخيل"، إليها المقصد، ومنها تصدر مواقف تؤثر على تفاصيل الوضع اللبناني.‏

محادثات ومشاورات تحدث عنها مسؤولون في الخارجية الأميركية، وتضم ممثلين للعديد من الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهي جرت في لندن "لمناقشة سبل السير قدماً في حل بعض القضايا الخاصة بلبنان وسوريا".‏

مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد وولش كشف عن "اتصالات على مستوى أعلى.. لدرجة تشمل رؤساء وقادة دول لأننا نعتقد أن هناك قضايا مهمة تتعلق بسوريا ولبنان".‏

تتزامن هذه اللقاءات "العالية المستوى" مع تصريحات أطلقها الرئيس الفرنسي جاك شيراك حول ضرورة تطبيق القرارات الدولية 1559 و1595 و1614 حرفياً، مع ما يحمله ذلك من اتجاه إلى تصليب المواقف الدولية حول الوضع اللبناني.‏

في هذا السياق نفسه يأتي تأجيل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا والمبعوث الدولي تيري رود لارسن زيارتيهما إلى بيروت، اللتين كانتا مقررتين أول هذا الشهر.‏

وبالرغم من أن سولانا سرّب عبر اتصال هاتفي صحافي نفياً لارتباط إلغاء زيارته للبنان بما يدور على ساحته السياسية من تطورات، فإن توازي هذا الإلغاء مع إلغاء زيارة لارسن لزيارته إلى بيروت، وترافقه مع التحركات الدولية المحمومة التي تدور في المدار اللبناني، يوحي أن هناك الكثير مما يجري وراء الأكمة، والذي ينتظر اللحظة المناسبة ليتحول إلى وقائع متحركة على الأرض.‏

ويبدو من متابعة الخيوط المتشابكة أن ما يحضر هو "خارطة طريق" للمسار السياسي الذي ينبغي أن تتخذه الأمور في لبنان في المرحلة المقبلة، والذي تتداخل عوامل عديدة في رسم تفاصيله.‏

فهناك بدايةً الأوضاع الإقليمية المتحركة بشدة، ابتداءً من التطورات الفلسطينية وصولاً إلى الجديد على الساحة العراقية، دون أن يكون الموضوع النووي الإيراني بعيداً عن الصورة، بما يعطي فكرة عن البيئة التي تتحرك فيها المعطيات اللبنانية.‏

وهناك تداعيات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما طرأ على التحقيق فيها من تطورات دراماتيكية مثّلتها عملية الاشتباه بأربعة من القادة الأمنيين السابقين والحاليين البارزين، وما تعكسه هذه التحقيقات من أبعاد سياسية تطال "النظام الأمني" الذي لعب هؤلاء القادة دوراً أساسياً فيه.‏

وهناك على ضفاف هذا الموضوع استمرار التوتر الأمني المتمثل بعودة نغمة التفجيرات من خلال انفجار الذوق، والحديث المتكرر من قبل معارضين سابقين عن لائحة اغتيالات موضوعة من قبل جهة ما تطال أسماء بارزة على الساحة المحلية، ما أفرز نزوحاً سياسياً لافتاً إلى العاصمة الفرنسية، حيث سجل وجود عدد كبير من المسؤولين اللبنانيين، وزراء ونواباً وشخصيات سياسية، في باريس "بانتظار جلاء الأوضاع".‏

إلا أن هذه الهجرة السياسية لم تكن نتيجتها إخلاء الساحة اللبنانية من السياسة، بل نقل السياسة اللبنانية إلى هناك حيث تتكثف المشاورات على أكثر من خط وفي أكثر من اتجاه، ما يجعل باريس العاصمة السياسية لـ"لبنان الجديد"، في حين ينتظر لبنان المقيم عودة الحياة السياسية إليه بعد انتفاء "الأخطار الأمنية" عن المنفيين اختيارياً والذين تتغير بورصة أسمائهم بشكل دائم مع تغير شكل ولون اللوائح التي تضمّهم، وهذا الأمر الذي يبدو بعيداً عن التحقق في وقت قريب، وربما ما يعبر عن هذا التوقع هو تأجيل جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي كان مقرراً عقدها بالأمس بسبب "وعكة صحية ألمّت بالرئيس فؤاد السنيورة" حسب ما أعلنته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.‏

كل هذه "الطبخة" يفترض أن تظهر "رائحتها" إلى الملأ خلال الأسابيع القادمة، وربما يكون شهر تشرين الأول/ أكتوبر أو تشرين الثاني/ نوفمبر القادمين المسرح الزمني الأمثل لتظهير كل الصورة السياسية، ولإعطاء المشروع الذي يبدو أن هناك جهوداً حثيثة لتحضيره الفرصة الملائمة للتطبيق.‏

فهل ينجح الطباخون في إخراج طبخة تؤكل أم أن تعدد الطباخين سيؤدي إلى تعدد آرائهم، وبالتالي إلى اختلافهم على نوع الطبخة وعلى كيفية تقديمها، بما يؤدي إلى البحث عن مزيد من الوقت من أجل الوصول إلى المشروع الأمثل للمصالح الدولية المتقاطعة مع مصالح لبنانية متشعبة ومختلفة المناحي والمرامي، وهل يكون موضوع الاتفاق على طرح استحقاق رئاسة الجمهورية اللبنانية "البروفة" التي سيؤدي نجاحها إلى استكمال العمل على المشروع النهائي؟‏

على كل حال، حتى ولو كان موضوع رئاسة الجمهورية مطروحاً بقوة في هذه الفترة على السكّتين الدولية والمحلية، ولو اتفقت الأطراف المتعددة والمتنوعة على التغيير ـ بناءً على المعطيات التي ستفرزها عملية التحقيق باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ـ فإن الخلاف على الاسم البديل للرئيس إميل لحود، وتعدد الراغبين كما تعدد المؤثرين محلياً وإقليمياً ودولياً في عملية الاختيار، يجعل المسألة كطبخة بحص لا أحد يدري متى تؤتي أُكُلها.‏

ولننتظر.‏

محمود ريا‏

الحقد الاعمى

ليس هناك ضرورة لانتظار بيان يصدر عبر الانترنت أو يذاع عبر فضائية ما لتوجيه إصبع الاتهام نحو "فكر" معين بالمسؤولية عن الجريمة الفظيعة التي شهدها العراق يوم الأربعاء الماضي.‏

إن متابعة بسيطة لما ينشره حاملو هذا "الفكر" على منتدياتهم ومواقعهم الإلكترونية المتكاثرة كالفطر، تعطي صورة واضحة عن مدى استعدادهم لارتكاب هذه الجريمة وما هو أفظع منها، من دون أي رادع أو وازع.‏

لماذا كل هذا الحقد؟ وعلى أي أسس دينية وأخلاقية يُبنى؟‏

إن مراجعة سريعة لـ"المبنى" الذي يقوم عليه ما يمكن تسميته اصطلاحاً فكرهم، هو الكره للجميع، والحقد على الجميع، وتمني الموت للجميع.. ولغة المخاطبة الوحيدة التي يفهمون مفرداتها ويخاطبون العالم بها، هي لغة التكفير والتنفير والرفض والتحقير.‏

وهذا لا يستهدف طائفة بعينها، وإنما قليل من الاحتكاك مع هؤلاء يحوّل شراراتهم إلى جميع الطوائف، وحتى إلى الطائفة التي يزعمون الانتماء إليها. لا بل إن الكراهية تمتد إلى التيار نفسه الذي يقاتلون الآخرين باسمه، فترى هذا يدّعي الصفاء وينفيه عن ذاك "الملوّث"، ويرد عليه ذاك شاهراً سلاح الولاء والبراء بشكل أعمى، من دون أي تأصيل فقهي لمضمونه.‏

هؤلاء آفة العالم الإسلامي وبلاء المسلمين، وخطرهم يمتد على كل الساحة، والتهوين من مدى شرّهم يؤدي إلى استفحال خطرهم.‏

فهل من يلتفت قبل فوات الأوان؟‏

محمود ريّا‏

الاثنين، سبتمبر 05، 2005

المعطى الطائفي في المعادلة الإقليمية

انخراط في مشروع التفتيت المرسوم للمنطقة

دخول المعطى الطائفي على خريطة التكوينات التي تحكم صورة المنطقة بعد التغييرات التي شهدتها في المرحلة الماضية بات على ما يبدو مطلباً ملحاً لدى الذين يرسمون السياسات، بعدما كان هذا المعطى احتياطاً استراتيجياً يستخدم عند الملمّات، ويبدو فعلاً أنه حان وقته.

ليس في ما قيل عن "الهلال الشيعي" الذي "يستهدف" المنطقة مفاجأة تثير الذهول، وإنما هو خطوة أخرى في سياقٍ بدأت ملامحه تظهر منذ فترة، ولا سيما منذ الاحتلال الأميركي للعراق، بعدما خبا الحديث بهذه اللغة الطائفية خلال السنوات الماضية.

وإذا كان نظام صدام حسين قد أظهر على مدى عقود تجليات الآثار السلبية للخلاف الفقهي و"الفكري" بين المسلمين من خلال ممارساته الطائفية البشعة داخلياً (الجرائم بحق العلماء والمذابح الجماعية) وخارجياً (حربه على الجمهورية الإسلامية ولعبه على الوتر الطائفي لكسب تأييد عربي)، فإن الواقع يقتضي الاعتراف بوجود الكثير من المعطيات التي تؤسس لبروز هذا الخلاف، ولا سيما في ظل وجود تيارات معينة تعمل على تغذية الاختلافات بين السنة والشيعة ـ التي يمكن ملاحظة وجود مثلها بنسبة أقل أو أكثر بين أي مذهبين إسلاميين ـ وتحويلها إلى افتراق تاريخي لا يمكن جبره أو تجاوزه بأي حال من الأحوال.

إلا أن تحول هذا الخلاف المذهبي والعقائدي (تجاوزاً) إلى معطى سياسي يدخل في طبيعة المعادلات المرسومة للمنطقة، ومن ثم الحديث عن "هلال شيعي" يهدد التوازنات القائمة، ليس في حقيقته أكثر من إعلان تبنّ لما يفكر به الكثيرون من زعماء المنطقة من جهة، ولما يمارسه أشخاص يرتكبون الموبقات الكبار على أرض العراق تحت غطاء أعمال المقاومة في العراق، بما يشوّه حقيقة المقاومة ويجعل الكثيرين يبتعدون عنها بدل التعبير عن التأييد لها والاعتراف بشرعيتها.

والخطير في الحديث عن "الهلال الشيعي" هو طرحه من قبل شخص يعتبر دائماً من الداخلين في صلب المعادلة الأميركية في المنطقة، إلا أن الأخطر فعلاً هو تقديم ما قاله هذا الشخص (الملك الأردني عبد الله الثاني) على أنه نصيحة للولايات المتحدة من مخاطر هذا الهلال على مصالحها في المنطقة، وتأثيره على التوازنات التي تحمي حلفاءها، لأن في هذه النصيحة محاولة ساذجة لتبرئة الإدارة الأميركية من تهمة إثارة النوازع الطائفية في المنطقة خدمة لمخططاتها، وتحويلاً للنزاع (المرغوب به) إلى صراع داخلي بحت، ينبغي على الأميركيين المسارعة إلى منع حدوثه!

وإذا كان في ما قاله الملك الأردني تعبير عما يدور في خواطر الكثيرين من حكام المنطقة الذين يتحفظون عن لعب دور "الناصح" للإدارة الأميركية، فإن تحويل صورة ما يجري في العراق من أحداث إلى صراع (سياسي أو عسكري) بين الشيعة والسنة، يأتي ليتكامل مع دعوة أكثر من مسؤول عربي الأميركيين إلى إبقاء احتلالهم للعراق حفظاً لأهله من "الفتنة" ـ القادمة ـ وهذا ما قد يكشف جانباً من "اللعبة" التي تتنقل مفرداتها من مذابح همجية تجري على الأرض إلى محاولة محمومة لمنع العراقيين من التعبير عن آرائهم ـ ولو بشكل مبتسر تحت وطأة الاحتلال الأميركي ـ لأنه قد يكون في الانتخابات القادمة فرصة لنزع أي شرعية يمكن أن تبقى ـ ولو على المستوى النفسي ـ لبقاء القوات المحتلة على الأراضي العراقية.

لقد تحولت الساحة العراقية في هذه المرحلة إلى مطبخ الأحداث في المنطقة (بعد الإقفال الجزئي للمطبخ اللبناني في الفترة الماضية) وما يجري من تطورات على الأرض العراقية، وحولها في أنحاء المنطقة، يشير إلى مسار خطير تبدو الأمور سائرة فيه، في المرحلة القادمة، يتجاوز استعداء أبناء العراق ضد بعضهم البعض، إلى الانخراط في لعبة تفتيت المنطقة عبر إدخال العامل الطائفي ضمن عوامل التقسيم السياسية والأمنية الأخرى، تمهيداً لتسييد الحلف الجديد الذي يعمل لتشكيله في المنطقة تحت قيادة رئيس الحكومة الصهيونية آرييل شارون.

ويبدو هذا التوجه واضحاً في الاتهامات التي بدأت تكال من هنا وهناك، مستهدفة الدول التي وضعها الملك الأردني في إطار "الهلال الشيعي" بدءاً بإيران واتهامها بالتجسس على مصر، وسعيها لإيقاع الخلاف بين القاهرة والرياض، وصولاً إلى سوريا ولبنان والضغوط الكبرى التي تمارس عليهما من الداخل والخارج بسبب موقفهما من المقاومة ومن المشروع الأميركي بشكل عام، دون أن تتجاوز العراق الذي يعاني من إجرام المتطرفين المتحجرين مذهبياً، ومن إرهاب مسؤولين في الحكومة العراقية (المنصّبة أميركياً) يطلقون تصريحات تمسّ مكوّنات أساسية في تركيبة الشعب العراقي.

وإزاء هذه الخلطة العجيبة ـ المتشابكة المصادر والمتزامنة في التوقيت ـ يبدو أن الجهود المبذولة من قبل القوى الحية على الساحة من أجل تجاوز القطوعات التي تعترض المنطقة بحاجة إلى المزيد من التجذر، حرصاً على مستقبل المنطقة الذي تهدده قوى خارجية تستعين بأدوات داخلية تصل في "رقيها" إلى مستوى الملوك!.

محمود ريا

تراجيـ ـ كوميديا

يكاد المسرح اللبناني يصبح متخصصاً بذلك الفن الذي يمكن تجاوزاً أن نطلق عليه فن "التراجيـ ـ كوميديا"، حيث تتواتر الأحداث وبتقلب غريب بين المضحك والمبكي، وبين المفرح الذي يحمل في طياته أقسى وأقصى لحظات الحزن.
نشوة "الحرية" تتزامن مع الحرقة الناجمة عن عدم القدرة على التحرك إلا وفق "الاستشارات الملزمة" القادمة من الخارج، وقِمة "السيادة" تترافق مع قُمة الوصاية التي تكاد تقطع الهواء عن السياديين الجدد قبل أن تقطعه عن المعادين الذين يفترض أن يكونوا غير مرتاحين نتيجة الأجواء الجديدة.
أما "الحقيقة" فتكاد تضيع مع تشتت الاهتمامات ونشوء العديد من القضايا التي تتطلب كل واحدة منها حقيقتها الخاصة بها، فتختلط الحقائق بالشائعات، ويذهب "الصالح بعزا الطالح"، ولا أحد يعود يعرف "مين الضارب ومين المضروب".
أما أقصى الحركات التعبيرية في هذا المسرح اللبناني العجيب فقد أداه عنصر الـ"أف بي آي" الذي كان راكعاً على ركبتيه وهو يبحث عن جزء من دليل أمام سيارة الراحل جورج حاوي.
طبعاً لم يسأل أحد من هو هذا "الممثل" وماذا يفعل هنا، ومن أعطاه الدور، وما هو "الكاراكتير" المرسوم له، لأن اللبناني لم يعد له علاقة بالإخراج، ولا بصنع الأحداث على مسرحه، بل إن شأنه هو فقط متابعة الأحداث التي يرسمها المخرج الهوليودي، وينتقي لها من يريد من الممثلين، فـ"يضحّي ببعضهم" ويبقي آخرين على لائحة الانتظار.

محمود ريا