الاثنين، سبتمبر 19، 2005

المستهتر


"اذا كان بوش جاداً في رغبته أن يمد يده لبقية العالم فلماذا اختار رجلاً يستهتر الي هذا الحد بالعمل بالتعاون مع حلفائنا؟"
هذا "التقييم" المختصر الذي قدمه المرشح الديموقراطي إلى انتخابات الرئاسة الأميركية جون كيري قد يكفي للتعبير عن الصورة التي يقدمها جون بولتون، مرشح الرئيس الأميركي جورج بوش لترؤس بعثة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة.
ولد جون بولتون في مدينة بالتمور في 20 نونبر 1948 وانخرط مبكرا في صفوف اليمين المتطرف العنصري الأمريكي خلال دراسته الجامعية، وبعد أن حصل على ديبلوم في القانون انضم إلى مكتب محاماة. وفي بداية عهد الرئيس رونالد ريغان، وبالضبط سنة 1981 دخل إلى دهاليز السياسة الأمريكية. في البداية عمل مستشارا في الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي (USAID) وفي سنة 1989 عمل مساعدا لوزير العدل آنداك إدوين ميز، في هذه الفترة سيشتهر بمحاولاته عرقلة مسيرة التحقيقات التي كانت تقوم بها لجنة من الكونغرس يقودها جون كيري، الذي انهزم قبل أشهر أمام بوش في النزال الرئاسي، حول تجارة المخدرات.
عندما تسلم الديمقراطيون البيت الأبيض تحت قيادة كلنتون، غادر وزارة العدل وأسس مع آخرين مكتبا للمحاماة وراح يشارك بفعالية في منتديات البحث التي يشرف عليها المحافظون الجدد ومن خلالها أخذ يطلق النار على كل القوانين والمعاهدات الدولية إلى أن دخل بوش البيت الأبيض فعين في منصب مساعد وزير الخارجية المكلف بمراقبة التسلح،وكان من أشد أنصار غزو العراق.كما وقف الجمهور الواسع على انعدام حس الفكاهة لدى الرجل وإن بدا مبتسما في بعض الصور، كما اشتهر خلال هذه الفترة بفـظاظته خاصة اتجاه كوريا الشمالية.
يعتبر بولتون مثل بقية أعضاء الادارة الأمريكية من المؤيدين لـ "اسرائيل" وهو احد مؤسسي ومديري المعهد اليهودي لشئون الأمن القومي الذي ينتسب اليه ايضاً كل من ديك تشيني ومساعد وزير الحرب دوجلاس فيث وغيرهما من صقور البيت الأبيض.
أظهر بولتون عداء شديداً لتشكيل المحكمة الجنائية الدولية وكان من أشد المعارضين لانضمام الولايات المتحدة لتلك المحكمة ووصف بولتون توقيعه علي رفض الانضمام للمحكمة رسمياً الي الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بأنها كانت أسعد لحظة في حياته المهنية كدبلوماسي!!
وتحدث دبلوماسيون سابقون عملوا في ظل رؤساء أمريكيين سابقين من ريتشارد نيكسون إلى بيل كلينتون عن موقف بولتون الذي لا يرى في الأمم المتحدة قيمة إلا إذا خدمت وبشكل مباشر مصالح الولايات المتحدة.
"ليس هناك شيء اسمه الأمم المتحدة، وإذا فقد بناء الأمانة العامة في نيويورك عشرة طوابق فلن يغير ذلك من الأمر شيئا".
هذا الكلام قاله بولتون عام 1994، وربما من أجل هذا الكلام أجّل الكونغرس تعيينه إلى أجل غير مسمى، وربما لن يعيّنه أبداً، كي لا يتحقق ما قاله وزير الخارجية السابق كولن باول: "إن تعيينه.. يشبه تعيين مولع بالحرائق للإشراف على معمل للمفرقعات".
هذه الحقيقة التي عرفها الكونغرس فلم يوافق على تعيين بولتون عرفها أيضاً جورج بوش فأصر على تعيينه، واستخدم سلطاته الدستورية لتعيينه رغماً عن أنف الكونغرس.. في بلد الديموقراطية!!
محمود ريا

الأحد، سبتمبر 18، 2005

صحافة الكويت وتطورات الوضع في لبنان



يلاحظ المراقب للتغطية الصحافية العربية لأحداث لبنان والتطورات التي حصلت فيه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وربما قبل ذلك، حماوة خاصة في تغطية الصحف الكويتية لهذه الأحداث، إلى الحد الذي جعل البعض يتساءل عن السبب في هذه الحماوة، وعن مغزى كون الصحافة الكويتية "تحمل السلّم بالعرض" كما يقال عندنا في لبنان، فتصبح الباب الأكثر طرقاً لتسريب "المعلومات" والشائعات والأخبار ـ التي يتبين بعد ذلك أن معظمها غير صحيح ـ حول عملية الاغتيال أولاً، ومن ثم حول التحقيقات المحلية ومن بعدها التحقيقات الدولية والتي يصول نجمها ديتليف ميليس ويجول، تاركاً الصحافة تلحق بها، إلا بعض الصحف المختارة التي تحصل على معلومات فتنشرها ثم يصدر نفي لها.
وبعد متابعة شبه يومية للصحافة الكويتية يمكن للمراقب أن يستنتج وجود شيء ما في طريقة تعاطي هذه الصحف مع حدث التفجير، ما يدفع للتساؤل ما إذا كانت بعض هذه الصحف تملك الحقيقة الكاملة فعلاً عما حدث، أو أنها تستخدم كمنبر لتمرير رؤية معينة تهدف إلى توجيه أصابع الاتهام في اتجاه معين، أو كجسر يتم من خلاله تسريب معلومة معينة ـ بغض النظر عن صحتها ـ ومن ثم يتم استعمالها على أساس النقل عن صحيفة عربية، وليس على أساس التبني لهذه المعلومة.
وإذا كانت كل الصحف الكويتية "غير مقصرة" في هذا المجال ـ ومن بينها صحف يفترض أن تكون متمعة بنوع من المصداقية والموضوعية ـ فإن صحيفة واحدة تبرز من بين الصحف الكويتية لتعلن عداءها المطلق لكل الجو السياسي الحاضن للمقاومة، والمروج للمنطق الأميركي الغربي في التعاطي مع الجريمة ومع التداعيات المفترضة لها على المستوى اللبناني، وهذه الصحيفة ـ ولا أظن أن القارئ المتابع سيفاجأ ـ هي صحيفة السياسة الكويتية .
ولمن لا يعرف هذه الصحيفة ورئيس تحريرها أحمد الجار الله يمكن القول إنها تمثل الحامل لفكر الرضوخ عند أعتاب أميركا والمروج لفكرة التطبيع مع إسرائئيل والساعي إلى إجهاض فكر المقاومة والجهاد والمطلق الاتهامات والإهانات لكل محاولة رفض للعصر الأميركي الإسرائيلي الذي يحاول فرض نفسه على المنطقة كلها.
إن حمل هذه الصحيفة للواء بث الإشاعات وتسريب المعلومات حول عملية التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يطرح ألف سؤال عن الرابط بين الترويج للا منطق الانبطاح أمام العدو الصهيوني والسعي إلى توجيه الأنظار نحو المقاومين لهذا العدو وداعميهم على الساحة العربية في عملية الاغتيال، ويفتح المجال للشك في وجود خطة مبرمجة تستخدم فيها هذه الصحف الصفراء من أجل تشويه الأحداث ولوي عنق الحقيقةوتحويل مسار التحقيقات، ومن ثم رمي الاتهامات والشبهات على المقاومين والمجاهدين.
والقارئ لافتتاحية أحمد الجار الله أمس السبت بالذات
يشعر بمدى الانحراف الفكري والسياسي الذي يعشش في رأس هذا الرجل وهو يمتدح الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على وضعه كل البيض في السلة الأميركية وشده على يد وزير خارجية قطر الذي دعا للإنحناء للعدو الصهيوني ولملاقاة "إسرائيل" في منتصف الطريق
ولإقامة علاقات معها حتى قبل التوصل إلى "سلام" معها.
إذاً، هذه هي المنظومة الفكرية التي تقود الهجمة على لبنان وعلى مواقفه وعلى مقاومته، وهؤلاء هم الأشخاص الذين يدّعون الحرص على الرئيس رفيق الحريري، فيما هم يهدفون إلى القضاء على كل نقاط القوة التي ما زالت تزخر بها أمتنا وعلى رأسها "التنظيمات الأصولية المسلحة كحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحزب الله" على حد قول صحيفة السياسة الكويتية نفسها.
محمود ريا


ملاحظة: أعدت نشر افتتاحية أحمد الجار الله في صحيفة السياسة الكويتية لإظهار الفكر المنحرف والدعوات الاستسلامية التي يملكها والتي يروج لها في عالمنا، ما يظهر استغلاله لأزمة لبنان من أجل تمرير أفكاره الداعية إلى الانهزام والتطبيع.


نرجوكم أن تفهموا
القمة العالمية أطلقت جملة من الزلازل في كل اتجاه, سنتجاوز زلزال فتح الأسواق, سنتجاوز الموقف من سورية, سنتجاوز البرنامج النووي الإيراني واعتماد الديبلوماسية لإحالة الملف الى مجلس الأمن.. لنتجاوز كل هذا الى الشرق الأوسط بما هو قضية دولة عبرية موجودة بقوة الأمر الواقع وقوة وسلاح وقضية دول عربية معها لا تعترف بالأمر الواقع وليس لديها القوة لتغييره.
في القمة العالمية بذلت محاولتان من طرفي القضية, محاولة شارون الذي مد يد المصالحة وقيل أنه رجل سلام, ومحاولة وزير خارجيته سلفان شالوم الذي دعا الى رفع الهمس العربي الاسرائيلي المكتوم الى مستوى العدم, ومحاولة وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر الذي لاقى شالوم في منتصف الطريق وطالب بإقامة علاقات مع اسرائيل, وبجعل الاتصالات السرية معها ترقى الى مستوى العلن.
ما أوصل الأمور الى هذا الحد تناقض الخطاب العربي بين الحرب والسلام, وتناقض المفهوم الاسرائيلي بين السلام المعروض وفق قرارات الشرعية الدولية والسلام كما تراه إسرائيل, وتحديداً سلام المنتصرين كون اسرائيل انتصرت على العرب في كل حروبها.
وفي كل الأحوال فإن التباس المواقف وتناقضها لا يمكن أن يحل بعيداً عن طاولة المفاوضات, حتى لو سبقت العلاقات التوصل الى اتفاقات سلام معها.
هل هي الظروف الحاكمة? نحن نقول نعم, وهي ذاتها الظروف التي خلفتها تغيرات الزمن الذي تجمد عند العرب بذريعة المحافظة على المبادئ, حيث أصبحت هذه الذريعة بلا مفعول كونها مستعملة في زمان غير زمانها. ووحده الرئيس المصري الراحل أنور السادات أدرك لعبة تغير الظروف وربطها بتغير الزمن, فرأيناه يكتشف أن 99 في المئة من أوراق الحل بيد الولايات المتحدة وان القضية كلها موجودة في أميركا. طور سياساته, وأخرجها من الارتهان الى الزمن المتجمد, وقد كان زمناً سوفياتياً, وبدأ يتعامل بمقتضى الأشياء, ومقتنعاً ان السلام مع اسرائيل هو من أكبر المخاطر عليها, إلى جانب ان هذا السلام سيعيد اليه سيناء وقناة السويس وكل شبر احتلته اسرائيل من أرضه.
وبدلاً من فهم السادات قام العرب باتباع الحرمانية القومية عليه, وظلوا أمناء للزمن الجامد, الذي انسحب جموداً على سياساتهم وأحالهم الى وجود أصم في عالم متحرك يرى ويسمع ويتكلم. وبالتالي فشل العرب في إقامة جسر من التفاهم مع الغرب عموماً, ومع أميركا خصوصاً, وظلوا, في الاعتبار الأخلاقي, يرون أن هذا التعامل ينال من طهرانيتهم الوطنية, ومن سمعتهم القومية, ومن نضالهم الأرشيفي المنطوق.
بدوران الزمن وتغير الظروف, وبوجود حقائق دولية جديدة أصبحت قائمة على الأرض تفرغ العرب للقتال بين بعضهم البعض, وإشعال الحروب الأهلية بين بعضهم البعض, والطرف المهزوم دائماً كان الطرف الذي يدعي الحفاظ على المبادئ, وانكشف القناع عن وجهه ليبدو واحداً من أكبر أسباب التخلف, وواحداً من أقسى مظاهر البطش والتنكيل الموجه الى الشعب المحكوم الذي أصبح هو الآخر شعباً غير مسيس لا يفهم إلا لغة الغرائز, ولا عمل له سوى الجري وراء رغيف الخبز.
علينا أن نعترف الآن أن تحديات التنمية والسلام أصبحت مستحقة علينا, والأخطر مع ذلك ان من يتخلف عن التلبية والتناغم لن يبقى سعيداً في مكانه يعزف على أوتار المبادئ, لأن الزمن لا يستمع اليه ولا ينتظره.
أعجبنا الشيخ حمد بن جاسم حين دعا إلى الخروج من سراديب الريبة والكذب, الى نور اليقين والصدق, فلا بأس لو تلاءمنا مع الظروف الدولية, ولا بأس لو تخلينا عن المفاهيم الموروثة, ذلك ان شعرة واحدة لن تسقط من رؤوسنا, وأن سمعتنا الوطنية والقومية لن تمس, اضافة الى ان محصلات جديدة من حقائق السياسة قد تتكون بين أيدينا, وفي أولها الفهم بأن المتغير الزمني لا يلعب علينا وحدنا, بل على اسرائيل أيضاً. إذ ربما جاءت ظروف الزمن الآتي وجعل منها دولة ذائبة في محيط عربي لا تستطيع العيش بدونه أو مغادرته.
نرجوكم أن تفهموا ودعوا عنكم ضرب الدفوف ونفخ المزامير, واستجداء شعبوية ما عادت كما كانت قابلة للخداع والكذب.

الجمعة، سبتمبر 16، 2005

قوة اسرائيلية خطفت اثنين من الرعاة قرب بركة النقارـ شبعا



تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتتنزوع بين انتهاكات جوية وممارسات عدوانية على الأرض.
وفي آخر هذه الاعتداءات إقدام قوة اسرائيلية ظهراليوم على اختطاف المواطنين رياض مصطفى هاشم (40 عاما) وحسين قاسم زهرة (15 عاما) في منطقة نقار شبعا.
وفي التفاصيل كما ذكرتها مصادر امنية في مرجعيون، ان قوة اسرائيلية تجاوزت الخط الازرق باتجاه الجانب اللبناني متقدمة من موقع رويسات العلم وقام عناصرها بخطف هاشم وزهرة اثناء قيامهما برعي قطيع من الغنم والماعز في محيط بركة النقار، ونقلتهما الى جهة مجهولة داخل مزارع شبعا اللبنانية المحتلة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها قوات الاحتلال باجتياز الخط الفاصل بين المنطقتين المحررة والمحتلة من مزارع ضبعا من أجل القيام باعتداءاتها.
وقد استنكرت "هيئة ابناء العرقوب ومزارع شبعا" قيام قوات العدو الإسرائيلية باختطاف المواطنين اللبنانيين من بلدة شبعا.
واصدرت "الهيئة" بيانا اشارت فيه الى "ان الإعتداءات الإسرائيلية ليست جديدة، ولكنها تأكيد جديد على خطورة استمراراحتلال مزارع شبعا من قبل اسرئيل, وهذا ما يؤكد على الطبيعة العدوانية لإسرائيل، التي لا تخدم القرارات الدولية ولا الخطوط الزرقاء أو الحمراء، بسبب تواطؤ الولايات المتحدة معها وتغطيتها في أعمالها العدوانية".
اضاف البيان: "ان هذا العدوان الذي أدى إلى خطف المواطنين رياض مصطفى هاشم وحسن قاسم زهرة, يؤكد على ضرورة أن تقوم الأمم المتحدة بدورها بالضغط على إسرائيل لاستكمال تنفيذ القرار 425 الذي نعتبره غير منفذ بشكل كامل، طالما هناك اراض لبنانية محتلة وفي طليعتها مزارع شبعا".
وزير الخارجية

قضية لااعين المخطوفين انتقلت إلى نيويورك حيث وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ الذي تبلغ من الامين العام لوزارة الخارجية السفير بطرس عساكر نبأ خطف قوات الاحتلال الاسرائيلي المواطنين اللبنانيين
كما أبلغه ان قوة "اليونيفيل" الموجودة في المنطقة بدأت بالاتصالات مع السلطات الاسرائيلية المحتلة للافراج عنهما.
وقد زوده الوزير صلوخ بتوجيهاته وضرورة ابقاء الاتصالات مع اجهزة الامم المتحدة المعنية في الجنوب للوصول الى تحريرهما وعودتهما الى الاراضي اللبنانية.
وقال انه سيثير "هذا العدوان الاسرائيلي الجديد خلال لقاءاته مع المسؤولين في الامم المتحدة ومع المسؤولين المشاركين في اجتماعات الجمعية العمومية، للضغط على "اسرائيل" من أجل وقف اعتداءاتها على لبنان، لأن مثل هذه الاعتداءات يؤكد رغبة "اسرائيل" في عدم الوصول الى السلام".
ويبدو هذا الاعتداء كرسالة من الإسرائيليين توحي بوجودهم على خريطة الساحة اللبنانية التي انتقل أبرز سادتها إلى الخارج في زيارات مختلفة الأهداف والمشارب فتوزعوا بين باريس ونيويورك واسبانيا وغيرها من مناطفق العالم.
محمود ريا

الخميس، سبتمبر 15، 2005

حركة علمائية لبنانية لمواجهة محاولات تفجير الفتنة الطائفية في العراق والمنطقة

تركت التصريحات الطائفية الخطيرة التي صدرت من المسلحين الذين يرتكبون الجرائم بحق الأبرياء في العراق انعكاسات على مجمل المنطقة، حيث تحركت فعاليات دينية وسياسية في أكثر من عاصمة من أجل تدارك الآثار الخطيرة لهذه التصريحات.‏

وفي بيروت رصد أكثر من تحرك هادف إلى منع هذه المواقف المتشنجة من فعل فعلها في الداخل العراقي، ومن ترك أي آثار في الداخل اللبناني نفسه من جهة ثانية.‏

وفي هذا الإطار سجل اتصال أجراه نائب رئيس المجلس لإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان بمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وبشيخ الأزهر في مصر الشيخ محمد سيد طنطاوي جرى فيهما "تشاور في الأوضاع الخطيرة في العراق"، وطالب الشيخ قبلان الشيخين قباني وطنطاوي بـ "التدخل سريعا لوضع حد لما يجري في العراق باسم الإسلام وتدارك تداعيات هذه العمليات الإرهابية والبيانات التحريضية قبل فوات الأوان"‏

الشيخ قباني حذّر بدوره من "وقوع العراق في فخ الفتنة الطائفية ومن التصريحات الطائفية غير المسؤولة".‏

وقال خلال لقائه ممثل هيئة علماء المسلمين العراقيين في الخارج الدكتور محمد عياش كبيسي: "ان التصريحات الطائفية التي سمعناها بالامس في العراق لاقت استنكارا من هيئة علماء المسلمين ومن كل المراجع السنية والشيعية في العراق، كما استنكرت، في الوقت نفسه، عمليات الابادة التي قامت بها القوات الاميركية في تلعفر".‏

واضاف: "ان الولايات المتحدة الاميركية المحتلة للعراق هي المسؤولة عن كل ما يجري اليوم فيه من صراعات وقتل وتدمير وفتن طائفية, واننا ننبه الى ان مشروع الدستور العراقي الذي يخرج العراق من عروبته سيكون هو الباب الكبير للفتن التي ستغرق العراق في مزيد من الصراعات في المستقبل".‏

ودعا "أبناءنا واخواننا العراقيين ومرجعياتهم, سنة وشيعة, الى اظهار المزيد من الوحدة الاسلامية في وجه المحتل الاجنبي الذي يعمل لبقائه في العراق باغراق البلاد في دوامة الصراعات الطائفية".‏

الكبيسي‏

وقال الدكتور الكبيسي بعد اللقاء: "نقلنا الى سماحته صورة ما يجري في العراق وللاسترشاد بارأئه. وقد لمسنا من سماحته متابعته الدقيقة للاحداث التي تجري في العراق".‏

سئل: هناك تخوف من فتنة طائفية في العراق خصوصا بعد بيان ابو مصعب الزرقاوي فما رأيكم بذلك؟‏

اجاب: "على رغم ما حدث في تلعفر وكان من المتوقع ان تكون هناك ردات فعل غير مدروسة وغير متوازنة، لكن الذي يطمئن ان ردة فعل هذه لم تأت من اي طرف عراقي وانما جاءت على لسان شخص ليس عراقيا لا يعرف طبيعة المجتمع العراقي. المؤسسات السنية العراقية كلها رفضت ردة الفعل هذه على رغم انها ردة فعل على جريمة نكراء حصلت في تلعفر. لكن الجميع اجمع على ادانة استهداف المدنيين تحت اي مسمى ومبرر, والذي نحن نطمئن اليه انها لم تحصل ردة الفعل من اي ممثل للسنة او غير السنة في العراق".‏

نداء إلى علماء المسلمين في العالم‏

بالعودة إلى تحرك الشيخ قبلان باتجاه المرجعيتين السنيتين في بيروت والقاهرة فإن هذا التحرك استكمل ببيان أصدره الشيخ قبلان ووجهه إلى علماء المسلمين في العالم، جاء فيه:‏

"إلى أصحاب السماحة أئمة المسلمين وعلمائهم في العالم أصحاب العلم والحلم، نخاطبكم ونناشدكم ونستصرخكم للوقوف ضد المجازر التي ترتكب في العراق ممن يدعي الإسلام والإسلام بريء منه. إن موقفكم اليوم هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر لأن الفتن التي تخرج من كلام هؤلاء وتصريحاتهم وبياناتهم هي اخطر من سهام العدو الإسرائيلي وقذائفه المسممة. فعليكم جميعا محاربتها والتنديد بمطلقيها والوقوف ضد معلني الحرب على طائفة إسلامية لا تزال، من حين وجودوها إلى يومنا هذا، تدافع عن الدين والتراث والمبادىء السمحاء".‏

واضاف: "نخاطبكم، أيها العلماء، أن تقولوا قولكم وتبذلوا جهدكم وكل ما في وسعكم لوضع حد لهذا التطرف ولهذه الأعمال الاجرامية البشعة ولهذه البيانات الفتنة بين المسلمين. نعم، إن أعمال القتل التي تجري في العراق أعمال وحشية وإجرامية لا تمت إلى الدين بصلة ولا إلى الأخلاق بمعرفة، بل هي أعمال همجية نابعة من نفوس حاقدة وقلوب خبيثة. أقول لكم قبل نفاد الصبر: أدركوا الأمور وكونوا في يقظة مستمرة لأن هؤلاء سيجرون البلاد العربية والإسلامية إلى الهاوية، وأطالبكم بالتحرك سريعا لوأد الفتن ووضع حد للمتطرفين الخارجين عن الإسلام الذين يعملون لمصلحة الاحتلال والعدو الإسرائيلي. أناشدكم أن تكونوا مع الوحدة الإسلامية، وإياكم والانجرار الى مهاوي الفتنة والمشاكل التي لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي".‏

وطالب الجامعة العربية ومنظمة مؤتمر العالم الإسلامي والملوك والرؤساء العرب والمسلمين في العالم ومجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وهي تجتمع اليوم في المؤتمر العالمي، بال"تحرك لوقف مسلسل الإجرام والإرهاب في العراق"، متسائلا: "أين هي حقوق الإنسان التي يعملون لحفظها؟ وهل أصبحت حياة الإنسان رخيصة إلى هذا الحد!".‏

محمود ريا

الصمت مشاركة في الجريمة

ليس مفاجئاً خروج مجموعة من الطفيليين الذين يعيشون على هامش الحياة السياسية في لبنان من أجل التبشير بمواقف سياسية أقل ما يقال فيها إنها عنصرية وإجرامية وبعيدة عن أي منطق.
وغياب المفاجأة لا ينجم عن "طبيعية" ما يفكر به هؤلاء، وما يعملون من أجل تحقيقه، وإنما من التردي الذي يعيشه لبنان في هذه المرحلة، بحيث لم يعد الدفاع عن العملاء عيباً، كما أن يخرج العملاء أنفسهم، ، ومن "قلب لبنان" للتنظير للعمالة، والمطالبة بإعطاء العملاء أوسمة الشرف والوطنية.
لا بد من التأكيد أن هؤلاء معزولون ومطرودون من "رحمة التوافق" اللبناني، وأن ما يحملونه من أفكار متطرف لدرجة أن أحداً لا يمكنه أن يدافع عنها.. وعنهم.
ولكن هل يكفي هذا؟
هل يعبّر الصمت عمّا يجب أن يكون عليه موقف اللبنانيين من هذه الطروحات الإجرامية؟
إن الصمت هنا هو موافقة على طروحات هؤلاء العملاء المتسترين بألقاب مهنية كبيرة، والسكوت عن مثل هذه الخزعبلات قد يمهّد الطريق لاختيار ضباط أو مسؤولين صهاينة كبار في المستقبل لـ"قلب لبنان" من أجل عقد مؤتمرات صحافية يشرحون من خلالها وجهات نظرهم من الأحداث في المنطقة.
ما قاله هؤلاء إجرام، والصمت عن جريمتهم خيانة.
ومن دون أن يكون المقصود توزيع شهادات في الوطنية، يمكن القول إن الحد الذي يميّز بين إيمان اللبناني بوطنه وكفره به، هو التصدي لهؤلاء المجرمين وإدانة معتقداتهم البائدة.
وإلا.. فالويل للبنان.
محمود ريا

الأربعاء، سبتمبر 14، 2005

القوات: أزمة هوية وتصارع على الأدوار


تعيش القوات اللبنانية حالة من الصراع الداخلي الذي لم تعد عمليات التجميل المتتالية التي تجري في لبنان والخارج قادرة على إخفائه.
وتنبع حالة الصراع هذه من العديد من العوامل التي تضافرت وتعقدت في علاقاتها فيما بينها إلى الحد الذي جعل عملية الحد منها ـ فضلاً عن محوها ـ عصية على التحقق.
فمن الانقسامات التاريخية التي كانت القوات تعيشها منذ ما قبل حلها عام 1994 (والمعروف أن القوات هي في أصلها تجمع لتيارات متعددة وليست حزباً واحداً له عقيدة محددة يتم على أساسها الانتساب إليها) إلى الخلاف بين تيار العسكر وتيار الأمن خلال سنوات اعتقال سمير جعجع، إلى الرفض الكبير الذي عبر عنه الكثير من كوادر القوات لتحوّل ستريدا زوجة سمير جعجع إلى قائدة بديلة عن زوجها، إلى الخلاف القائم بين قوات الداخل وقوات الخارج، وبين الكوادر العسكرية والتيار السياسي... كاها مشاكل تواجه قيادة القوات في المرحلة الحالية.
وقد جاءت مواقف القيادة الحالية للقوات في مرحلة ما بعد 14 آذار والتحالف الاستلحاقي مع تيار المستقبل والتيار الديموقراطي برئاسة وليد جنبلاط لتزيد طين الخلافات بلّة ولتصعّد الخلافات بين الشخصيات السياسية المختلفة داخل القوات، فطرد توفيق الهندي وجان عزيز (اللذان أبعدا بشكل رسمي وعلني عن تمثيل القوات في لقاء قرنة شهوان قبل انحلاله) ووقف النائب جورج عدوان بقوة في وجه ستريدا جعجع معلناً مواقف مخالفة تماماً للمواقف التي أعلنتها (ولا سيما فيما يتعلق بقداس "شهداء القوات" بين حريصا وسيدة إيليج حيث أعلنت جعجع أن لاعلاقة للقوات من قريب ولا من بعيد بقداس سيدة إيليج فيما قال عدوان إن هذا الكلام غير صحيح)، وحضرت ستريدا جعجع على عجل إلى بيروت بحجة تنظيم قداس حريصا ومن ثم غادرت على عجل دون أن تحضر القداس بحجة التهديدات الأمنية، وخرج سمير جعجع بخطابه الموجه إلى القواتيين والذي ميّز فيه إلى حد ما بين العلاقة مع الأطراف المسيحية والعلاقة مع تيار المستقبل وجنبلاط، وذلك في تراجع لافت عن وضع هذه التيارات كلها في صف واحد عند خروجه من السجن إلى المطار الشهر الماضي.
ويبدو أن الخلاف بين القواتيين مركب وهو لا يقتصر على سبب واحد أو على موضوع واحد.
فهناك أولاً الخلاف على الأدوار في المرحلة المقبلة، ومن يكسب ود قائد القوات سمير جعجع بشكل أكثر ليكون صاحب الكلمة المسموعة والرأي المطاع.
وهناك الخلاف على الممتلكات المادية للقوات، وهي تبلغ ملايين الدولارات إن لم يكن عشرات الملايين، وهي تتراوح بين ممتلكات عينية تتمثل في مؤسسات إعلامية ( أل بي سي، إذاعة لبنان الحر ومجلة المسيرة) وتجارية وغيرها في لبنان والخارج، وبين مبالغ مالية طائلة أخرجت قبيل مرحلة حل حزب القوات من لبنان واستثمرت في بنوك غربية وباتت تبلغ أضعافاً مضاعفة عن المبالغ الأصلية.
وهناك أيضاً الخلاف على كيفية تنظيم القوات في المستقبل، وهل تتحول إلى حزب سياسي مغلق أم إلى تيار سياسي مفتوح يفسح في المجال أمام تعدد الآراء والتباين في المواقف تحت مظلة خطوط عريضة يقبل بها الجميع.
ويبقى الخلاف الأكبر حول التوجه السياسي في المستقبل، وكيفية التعاطي مع الأحداث السياسية التي يمر بها لبنان وما تحمله من تطورات على مختلف الصعد، وخصوصاً أن لبنان يمر بمرحلة مصيرية ستحدد مستقبله على مدى عقود.
ويقوم الخلاف حول الجهة التي ستقيم معها القوات اللبنانية العلاقة الاستراتيجية، فهل تقف إلى جانب البطريركية المارونية وبالتالي إلى جانب العماد ميشال عون الذي نصّبه البطريرك زعيماً سياسياً للموارنة، أم تقف إلى جانب تحالف الحريري ـ جنبلاط، مع ما يعنيه ذلك من انفصال عن القاعدة الشعبية التي تعاني أصلاً من انقسامات حادة واستقطابات على مختلف الصعد بين التيارات السياسية المختلفة على الساحة المسيحية.
ويبدو كلا الخيارين مرّاً، فالوقوف إلى جانب البطريرك والعماد عون يعني التحاقاً بتيار سياسي سيفرض رأيه على القوات بأي شكل من الأشكال وسينزلها من مستوى الشريك في اتخاذ القرار إلى مستوى التابع الذي عليه تنفيذ الأوامر ممن كانوا حتى الأمس الأعداء الأكثر شراسة ومن اللاعبين الطبيعيين على الساحة التي تستقي منها القوات شعبيتها، بما يعني "محاشرة سياسية" تخلف "المحاشرة العسكرية" التي عاشتها الساحة المسيحية بين القوات والعونيين خلال الحرب الدموية التي دارت بينهم عام 1990.
ومعروف أن نواب القوات قاطعوا البطريرك الماروني لفترة طويلة بعد انتخابهم، واعتبروا أن البطريرك انحاز إلىعون في المعركة الانتخابية ولا سيما في الجبل والشمال، ما خلق حالة من التشنج في العلاقة بين الطرفين عبرت عن نفسها في انتقادات وجهت للبطريرك وفي مقاطعة بكركي وفي إطلاق مواقف حادة من العماد عون وصلت إلى حد تجاهله في مسيرة شعلة شهداء القوات الشهر الماضي، وقد كان هذا التجاهل لافتاً جداً ومثيراً للكثير من التساؤلات.
وبالمقابل فإن البقاء على خط الحريري جنبلاط مكلف جداً: مكلف على مستوى السياسة وعلى مستوى الشعبية وعلى مستوى المستقبل.
فالقوات لم تخفِ خلال الفترة الماضية انزعاجها من استثنائها من الكثير من المشاورات الدائرة بين تيارات المعارضة والتيار الشيعي في لبنان حول العديد من القضايا المتعلقة بمستقبل البلاد، كما عبرت عن رفض كبير للمس برئاسة الجمهورية التي تعتبر رمزاً مارونياً بامتياز ويعتبر المس بها اعتداء على حقوق الطائفة. وبينما كان بعض نواب القوات يعبرون عن هذا الرأي كان رئيس الجمهورية يتعرض لحملة شرسة من قبل القيادات المتحالفة مع القوات.
وكذلك انزعجت القوات من تمثيلها في حكومة السنيورة بوزير واحد، في حين سمّى حلفاؤها في تحالف الحريري ـ جنبلاط العديد من الوزراء الموارنة، ما اعتبر تعدياً على حقوق الطائفة وإضعافاً لموقف ممثلها في التحالف، أي القوات اللبنانية.
ويحس قادة القوات أن التقرب من تحالف الحريري ـ جنبلاط غير مقبول من قبل القاعدة الشعبية المارونية المستعدة لتناسي الخلافات مع ميشال عون في حين هي غير مستعدة لمسح تاريخ الصراع مع الجنبلاطيين ومع المسلمين بشكل عام على مستقبل البلاد.
وبقدر ما يعكس فتح هذه الملفات مع بعضها البعض من إرباك داخل القيادة القواتية، فإنه يثير خلافات بين المسؤولين القواتيين الذين يتبنى كل واحد منهم وجهة نظر معينة ويعمل على فرضها على الفرقاء الآخرين، إلى الحد الذي باتت فيه القوات فيدرالية قيادات لا يربط بينها في الوقت الحاضر سوى الوجود الضعيف لسمير جعجع على مسرح اللعبة.
وعلى أهمية هذه المواقف المطروحة وما تثيره من أزمات فإن الملف الأكبر الذي لم يجد معالجة له هو ذلك المتعلق بالمشروع الإيديولوجي الحقيقي للقوات والمتمثل في تحويل لبنان إلى فيدرالية، وهو المشروع الذي يبدو أن أحداً من المسؤولين القواتيين لم يتخلّ عنه، إلا أن الخلاف هو حول كيفية تظهير هذا المشروع ومدى ملائمة طرحه حالياً على الملأ، والانعكاسات التي يتركها هذا الطرح على مجمل علاقات القوات مع القوى السياسية الأخرى، وخصوصاً مع وجود نقاط تباين ـ في العلن على الأقل ـ مع هذه القوى الحليفة، ولا سيما حول تنفيذ القرار الدولي 1559 وما تلاه من قرارات، وحول سحب سلاح المقاومة وغيها من القضايا المصيرية المستقبلية.
وبناء على هذه المعطيات تبدو القوات اللبنانية مفتقدة بشكل حقيقي إلى رأسها وضامن وحدتها حتى الآن سمير جعجع الذي قرر ترك الأوضاع على تفاقمها والسفر لـ "النقاهة" والعلاج في الخارج.
وإن كان جعجع يقوم بتحركات ويدلي بمواقف تحاول الإيحاء بأن القوات كتلة متماسكة فإن الوقائع على الأرض تظهر عكس ذلك وتؤكد أن القوات تعاني كماً متراكماً من الأزمات، تبدأ مع أزمة الهوية والدور، ولا تنتهي عند أزمة فرض القيادات السياسية لنفسها على مسرح اللعبة، بما يجعل هذا الصراع الدائر حتى الآن ينفجر بصمت ويودي بالقوات وربما بقائدها وعناصرها ومستقبلها.

محمود ريا

الجمعة، سبتمبر 09، 2005

كاترينا.. وسفن العبيد


تذكر الأميركيون من أصل أفريقي.. السود .. "النيغرو" إنهم في النهاية ليسوا أكثر من عبيد، أو أحفاد للعبيد، وإن ما كان يسري عليهم قبل مئة أو مئتي سنة.. ما يزال هو الساري الآن.
تذكروا أسلافهم وهم يُنقلون بسفن العبيد ويُلقَون ككمّ مهمل، كبضاعة مثل أي بضاعة أخرى، حيث ينتقى من بينهم القوي والصالح لخدمة اقتصاد البيض، فيما يترك المرضى والعجّز والذين أنهكتهم الرحلة من "الأصل الأفريقي" إلى مكان الاستعباد في "البلاد الجديدة" كي يلقوا مصيرهم المحتوم، موتاً وغرقاً وسحقاً تحت عجلات آلة التفرقة العنصرية.
كل الجهود التي بذلت، والتي قيل إنها أنهت التفرقة العنصرية بان أنها مجرّد غطاء لإخفاء حقيقة مرّة: الناس يموتون أو لا يموتون بناء على لون بشرتهم.. وعلى ما يملكونه من نقود.
ليس ما حصل على شواطئ خليج المكسيك كارثة طبيعية، فدور الطبيعة جزء بسيط من مسبّبات ما حصل.
كما إن غضب الطبيعة هو مجرد نتيجة لمجموعة من الجرائم البشرية، التي ترتكب بحق البيئة والمناخ، فتزيد من عتوّ الظواهر الطبيعية وتضاعف الخسائر التي يمكن أن تنتج عنها.
مهلاً، ولكن هذا ليس صنع الطبيعة فقط.
هناك دور للبشر فيما حصل، لا بل هو الدور الأكبر والأخطر.
دور يتراوح بين اختيار موقع المدينة في الماضي، وعدم الاهتمام بسبل منع الأخطار الناجمة عن هذه الأخطار في الحاضر، ما جعل "الكارثة العادية" تصبح "سوبر ـ كارثة"، ويتحول إعصار قوي بأضرار كبيرة إلى ما يشبه ضرب مدينة نيو أورليانز بقنبلة نووية.
ولا تقتصر جرائم البشر على حدود الإهمال والتقصير، ولكن هناك الجريمة الناجمة عن سابق إصرار وترصد، جريمة دفع المقتدرين إلى الخروج من المدينة قبل حصول الإعصار، وترك الفقراء والمعدمين يلاقون مصيرهم بلا أي مقوّمات للصمود.
وبعد حصول الكارثة كان التحرك الأسرع لإنقاذ مئات من الأغنياء البيض في مجمعات سياحية، فيما ترك المرضى والعجّز في المستشفيات ودور العجزة يلاقون مصيرهم الأسود نتيجة البرد والجوع والأوبئة والسموم.
السموم لوحدها جريمة لا توصف، إنها ناجمة عن اختلاط صناعة البترول بالصناعات الكيميائية بالصناعات السرية الموجودة في المنطقة والتي لا يريد أحد الحديث عنها.
إنها جريمة مركّبة لا بل إنها مجموعة من الجرائم التسلسلية التي تختلف ظروف تنفيذها دون أن يتغير المخطِّط لها والمنفّذ.. والمستفيد.
لا مشكلة، طالما أن الضحايا هم الفقراء والسود، وتحديداً السود، فهم خلقوا منذ البداية ليكونوا أدوات بيد أسيادهم البيض، يفعلون بهم ما يشاؤون يستخدمونهم كما يريدون ويتخلصون منهم ساعة يرغبون.
أي عنصرية عبّر عنها الدعاة إلى الديموقراطية، وإذا كانوا يتعاملون بهذا الشكل مع من يحملون الجنسية الأميركية، ويتشاركون معهم في المواطنية، فهل من يسأل بعد لماذا يتعاملون مع البشر في الدول الأخرى بهذا الشكل المستفز.. المتعالي والمسيء؟
محمود ريا

شيراك: هل نقلق؟


يبدو وضع الرئيس الفرنسي جاك شيراك مثيراً للقلق، بعد الصعوبات الصحية التي يعاني منها، والتي ضربته في الدماغ.
القلق هو الشعور الذي ينتاب المحيطين بشيراك والذين يعملون معه، والذين يحبونه، بالرغم من أن المعلومات تتحدث عن تحسن صحته وعن خروجه من المستشفى مع نهاية الأسبوع.
إلا أن الخروج من المستشفى ليس كالدخول إليه، والمارد القوي الذي كان شيراك يمثله على مدى سنوات انكسر أو يكاد، وبدأت الصراعات على خلافته، حتى وهو ما يزال "في ريعان الشباب".
فمن ساركوزي إلى دوفيلبان في الحزب الديغولي، إلى المسؤولين المنافسين في الحزب الاشتراكي، تحتدم المعارك، وإن كانت حظوظ ساركوزي تبدو أكبر نظراً لتقمصه دور الشخصية الحديدية التي لا تقهر.
وبانتظار ما سترسو عليه الأمور، يبدو شيراك كمرحلة في السياسة الفرنسية على وشك الانقضاء، وكورقة من كتاب التاريخ الأوروبي والدولي على وشك الانقضاء.
وفي هذا ما يثير القلق لدى محبيه ومؤيديه.
ولكن هل نقلق نحن؟
آخر استطلاعات الرأي تفيد أن خمسة وثمانين بالمئة من الفرنسيين ما زالوا يعارضون سياسات جورج بوش العالمية، وكذلك الوضع بالنسبة لاثنين وسبعين من الأوروبيين، هذه السياسات التي اختار شيراك في الأيام الأخيرة من مرحلة "مجده السياسي" أن يتآلف معها ولا سيما في منطقتنا.
كنا قلقنا فعلاً لو كان شيراك.. ما زال شيراك.
محمود ريا

الخميس، سبتمبر 08، 2005

أطراف دولية على المائدة اللبنانية

محادثات في العواصم وهجرات ومداخلات

تحوّل لبنان إلى بند أول في المفكرة الدولية، وبات مجلس الأمن أكثر "لبنانية" من مواقع السلطة في بيروت وبعبدا، فيما أصبحت باريس "مربط الخيل"، إليها المقصد، ومنها تصدر مواقف تؤثر على تفاصيل الوضع اللبناني.‏

محادثات ومشاورات تحدث عنها مسؤولون في الخارجية الأميركية، وتضم ممثلين للعديد من الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهي جرت في لندن "لمناقشة سبل السير قدماً في حل بعض القضايا الخاصة بلبنان وسوريا".‏

مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد وولش كشف عن "اتصالات على مستوى أعلى.. لدرجة تشمل رؤساء وقادة دول لأننا نعتقد أن هناك قضايا مهمة تتعلق بسوريا ولبنان".‏

تتزامن هذه اللقاءات "العالية المستوى" مع تصريحات أطلقها الرئيس الفرنسي جاك شيراك حول ضرورة تطبيق القرارات الدولية 1559 و1595 و1614 حرفياً، مع ما يحمله ذلك من اتجاه إلى تصليب المواقف الدولية حول الوضع اللبناني.‏

في هذا السياق نفسه يأتي تأجيل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا والمبعوث الدولي تيري رود لارسن زيارتيهما إلى بيروت، اللتين كانتا مقررتين أول هذا الشهر.‏

وبالرغم من أن سولانا سرّب عبر اتصال هاتفي صحافي نفياً لارتباط إلغاء زيارته للبنان بما يدور على ساحته السياسية من تطورات، فإن توازي هذا الإلغاء مع إلغاء زيارة لارسن لزيارته إلى بيروت، وترافقه مع التحركات الدولية المحمومة التي تدور في المدار اللبناني، يوحي أن هناك الكثير مما يجري وراء الأكمة، والذي ينتظر اللحظة المناسبة ليتحول إلى وقائع متحركة على الأرض.‏

ويبدو من متابعة الخيوط المتشابكة أن ما يحضر هو "خارطة طريق" للمسار السياسي الذي ينبغي أن تتخذه الأمور في لبنان في المرحلة المقبلة، والذي تتداخل عوامل عديدة في رسم تفاصيله.‏

فهناك بدايةً الأوضاع الإقليمية المتحركة بشدة، ابتداءً من التطورات الفلسطينية وصولاً إلى الجديد على الساحة العراقية، دون أن يكون الموضوع النووي الإيراني بعيداً عن الصورة، بما يعطي فكرة عن البيئة التي تتحرك فيها المعطيات اللبنانية.‏

وهناك تداعيات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما طرأ على التحقيق فيها من تطورات دراماتيكية مثّلتها عملية الاشتباه بأربعة من القادة الأمنيين السابقين والحاليين البارزين، وما تعكسه هذه التحقيقات من أبعاد سياسية تطال "النظام الأمني" الذي لعب هؤلاء القادة دوراً أساسياً فيه.‏

وهناك على ضفاف هذا الموضوع استمرار التوتر الأمني المتمثل بعودة نغمة التفجيرات من خلال انفجار الذوق، والحديث المتكرر من قبل معارضين سابقين عن لائحة اغتيالات موضوعة من قبل جهة ما تطال أسماء بارزة على الساحة المحلية، ما أفرز نزوحاً سياسياً لافتاً إلى العاصمة الفرنسية، حيث سجل وجود عدد كبير من المسؤولين اللبنانيين، وزراء ونواباً وشخصيات سياسية، في باريس "بانتظار جلاء الأوضاع".‏

إلا أن هذه الهجرة السياسية لم تكن نتيجتها إخلاء الساحة اللبنانية من السياسة، بل نقل السياسة اللبنانية إلى هناك حيث تتكثف المشاورات على أكثر من خط وفي أكثر من اتجاه، ما يجعل باريس العاصمة السياسية لـ"لبنان الجديد"، في حين ينتظر لبنان المقيم عودة الحياة السياسية إليه بعد انتفاء "الأخطار الأمنية" عن المنفيين اختيارياً والذين تتغير بورصة أسمائهم بشكل دائم مع تغير شكل ولون اللوائح التي تضمّهم، وهذا الأمر الذي يبدو بعيداً عن التحقق في وقت قريب، وربما ما يعبر عن هذا التوقع هو تأجيل جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي كان مقرراً عقدها بالأمس بسبب "وعكة صحية ألمّت بالرئيس فؤاد السنيورة" حسب ما أعلنته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.‏

كل هذه "الطبخة" يفترض أن تظهر "رائحتها" إلى الملأ خلال الأسابيع القادمة، وربما يكون شهر تشرين الأول/ أكتوبر أو تشرين الثاني/ نوفمبر القادمين المسرح الزمني الأمثل لتظهير كل الصورة السياسية، ولإعطاء المشروع الذي يبدو أن هناك جهوداً حثيثة لتحضيره الفرصة الملائمة للتطبيق.‏

فهل ينجح الطباخون في إخراج طبخة تؤكل أم أن تعدد الطباخين سيؤدي إلى تعدد آرائهم، وبالتالي إلى اختلافهم على نوع الطبخة وعلى كيفية تقديمها، بما يؤدي إلى البحث عن مزيد من الوقت من أجل الوصول إلى المشروع الأمثل للمصالح الدولية المتقاطعة مع مصالح لبنانية متشعبة ومختلفة المناحي والمرامي، وهل يكون موضوع الاتفاق على طرح استحقاق رئاسة الجمهورية اللبنانية "البروفة" التي سيؤدي نجاحها إلى استكمال العمل على المشروع النهائي؟‏

على كل حال، حتى ولو كان موضوع رئاسة الجمهورية مطروحاً بقوة في هذه الفترة على السكّتين الدولية والمحلية، ولو اتفقت الأطراف المتعددة والمتنوعة على التغيير ـ بناءً على المعطيات التي ستفرزها عملية التحقيق باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ـ فإن الخلاف على الاسم البديل للرئيس إميل لحود، وتعدد الراغبين كما تعدد المؤثرين محلياً وإقليمياً ودولياً في عملية الاختيار، يجعل المسألة كطبخة بحص لا أحد يدري متى تؤتي أُكُلها.‏

ولننتظر.‏

محمود ريا‏

الحقد الاعمى

ليس هناك ضرورة لانتظار بيان يصدر عبر الانترنت أو يذاع عبر فضائية ما لتوجيه إصبع الاتهام نحو "فكر" معين بالمسؤولية عن الجريمة الفظيعة التي شهدها العراق يوم الأربعاء الماضي.‏

إن متابعة بسيطة لما ينشره حاملو هذا "الفكر" على منتدياتهم ومواقعهم الإلكترونية المتكاثرة كالفطر، تعطي صورة واضحة عن مدى استعدادهم لارتكاب هذه الجريمة وما هو أفظع منها، من دون أي رادع أو وازع.‏

لماذا كل هذا الحقد؟ وعلى أي أسس دينية وأخلاقية يُبنى؟‏

إن مراجعة سريعة لـ"المبنى" الذي يقوم عليه ما يمكن تسميته اصطلاحاً فكرهم، هو الكره للجميع، والحقد على الجميع، وتمني الموت للجميع.. ولغة المخاطبة الوحيدة التي يفهمون مفرداتها ويخاطبون العالم بها، هي لغة التكفير والتنفير والرفض والتحقير.‏

وهذا لا يستهدف طائفة بعينها، وإنما قليل من الاحتكاك مع هؤلاء يحوّل شراراتهم إلى جميع الطوائف، وحتى إلى الطائفة التي يزعمون الانتماء إليها. لا بل إن الكراهية تمتد إلى التيار نفسه الذي يقاتلون الآخرين باسمه، فترى هذا يدّعي الصفاء وينفيه عن ذاك "الملوّث"، ويرد عليه ذاك شاهراً سلاح الولاء والبراء بشكل أعمى، من دون أي تأصيل فقهي لمضمونه.‏

هؤلاء آفة العالم الإسلامي وبلاء المسلمين، وخطرهم يمتد على كل الساحة، والتهوين من مدى شرّهم يؤدي إلى استفحال خطرهم.‏

فهل من يلتفت قبل فوات الأوان؟‏

محمود ريّا‏