الخميس، أغسطس 16، 2012

لا تُقدموا على هذه الحماقة


إلى ماذا سيؤدي هذا الضغط، وهل يعرقل مشروع الانفلاش العسكري الصهيوني في المنطقة؟



محمود ريا
14-08-2012

"على سيرة" بضع مئات من القتلى، الذين قال قادة العدو إنهم سيسقطون في المواجهة بين الكيان الصهيوني وأعدائه الحقيقيين في المنطقة، فإن هذا الرقم لم يُعجب على ما يبدو المستوطنين الصهاينة، ولذلك هم نزلوا إلى الشارع ليعبروا عن عدم رضاهم عن تسخيف القادة السياسييين للمعاناة التي سيمرون بها في حال قرر مجانين القادة أن يحوّلوا جنونهم إلى فعل.

يقول المستوطنون إن الحكومة التي لا تستطيع إطفاء حريق صغير (نسبياً) في جبل الكرمل لن تكون قادرة بتاتاً على مواجهة الحرائق الكبرى التي سيخلّفها الرد على الحماقة التي يحضّر لها بنيامين نتانياهو وإيهودا باراك.

ولكن هذه "الانتفاضة الشعبية" على "قلّة العقل" عند القادة السياسيين الصهاينة ليست يتيمة أو بلا دعم من أماكن مؤثرة في مراكز القرار، ولا سيما في المؤسستين العسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني.

قادة كبار في الجيش، وفي "الموساد" و"الشاباك" يرفعون صوتهم عالياً ويقولون: لا، لا تُقدموا على هذه الحماقة، فنحن (الصهاينة) لسنا قادرين على تحمّل كلفة أي رد على أي خطوة عسكرية من قبلنا.

وهؤلاء يعرفون أكثر من غيرهم، و"كلامهم ثقة"، وعندما يتحدثون عن "الثمن"، فإنهم يقرأون في أرقام دراسات وعمليات استقصاء علمية، ولا ينطلقون من منطلقات عاطفية أو من مصالح سياسية تحكم القادة "ذوي الرؤوس الحامية" الذين لا يحسبون حساباً إلا للمردود السياسي الذي يعتقدون أنهم سيجنونه من خطوتهم الجنونية.

وبناءً على ذلك يبدو أن هناك من يضغط فعلاً على هذه الرؤوس الحامية لمنعها من الاستفراد بالكيان الصهيوني وبالمنطقة ككل من خلال حملة عسكرية على إيران، وربما على غيرها من دول المنطقة، تحت حجة التصدي للبرنامج النووي الإيراني.

إلى ماذا سيؤدي هذا الضغط، وهل يعرقل مشروع الانفلاش العسكري الصهيوني في المنطقة؟

يبدو أن هناك سباقاً حقيقياً بين الطرفين المتقابلين، سباق يتجاوز حدود عملية تقسيم الأدوار واللعب على الحبال والتمهيد لفعلٍ ما عبر اعتماد لعبة الشد والجذب والتقدم والتراجع للتمويه على القرار الحقيقي، الذي يُفترض أن يكون متخذاً في غرفة الحسم الصهيونية السوداء.

ولا يخفى على أحد أن من أسباب الانقسام الحقيقي في مركز القرار الصهيوني تجاه الخطوة المقبلة إزاء المشروع النووي الإيراني هو العِبر التي استخلصتها القيادة الصهيونية من حرب تموز 2006، والهزيمة المنكرة التي تعرض لها جيش الاحتلال وجبهة العدو الداخلية في مواجهة المقاومين وصواريخهم.

طبعاً هذا ليس كلاماً عاطفياً، وإنما هو مستند إلى وقائع كشفها محللون صهاينة منهم ناحوم برنياع الذي تحدث في مقال موسع مشترك مع المحلل العسكري شمعون شيفر نشر الأحد في صحيفة يديعوت أحرونوت عن أن " العِبر من عام 2006 تخيّم على القيادة عام 2012".

الخلاصة من كل ذلك أن محاولة التذاكي التي قام بها قادة العدو من أجل طمأنة الصهاينة إزاء الخسائر التي سيتكبدونها في رد الفعل على هجوم صهيوني في المنطقة قد باءت بفشل ذريع.


فهل يكون هذا كافياً للجم الاندفاعة الصهيونية نحو الهاوية؟


لا أحد بإمكانه تقدير إلى أي حد صار المسؤولون الصهاينة مجانين فعلياً.

بضع مئات من القتلى؟




 إن الصهاينة يلعبون اليوم بالنار، وحاجتهم إلى اتخاذ قرار مصيري تضغط على عقولهم، وتدفعهم إلى هاوية الوقوع في الخطأ

محمود ريا
03-08-2012
ماذا يعني سقوط مئتين أو ثلاثمئة قتيل في عملية استراتيجية كبرى، لها تأثير مصيري على المستقبل؟
إنه "ثمن زهيد"، فتعالوا لندفعه في أقرب وقت، كي نتخلص من التهديد الحيوي الذي نتعرض له.
معادلة بسيطة جداً، يقدمها قادة العدو الصهيوني في هذه الأيام، ويساعدهم في ترسيخها في أذهان المستوطنين الصهاينة "إعلام مضبوط"، يدّعي الاستقلالية، فيما هو في الواقع من أسوأ أنواع "إعلام النظام" في العالم.
هذا التوجه الجديد لدى قادة العدو، وفي إعلامهم، يشير لشيء ما، لا يخلو من الخطورة، ويوحي بأن هؤلاء القادة بدأوا بالتحضير العملي لخطوة تنفيذية في المنطقة.
ولكن هل هذا الأمر صحيح؟
إن قراءة متأنية لأسباب الانخفاض المفاجئ في تقديرات أعداد القتلى نتيجة مواجهة عسكرية محدودة ـ أو شاملة ـ في المنطقة ـ يوضح حجم "التلاعب بالعقول" الذي يمارسه قادة العدو، تجاه المستوطنين أولاً، وتجاه الآخرين بشكل عام.
ففي حسبة سريعة، يقول بعض قادة العدو إن إيران لن تطلق كل صواريخها ـ التي يبلغ عددها مئات ـ باتجاه فلسطين المحتلة. والصواريخ التي ستنطلق، ستتمكن الصواريخ المضادة من إسقاط بعضها. والتي ستصل لن تصيب كلّها أهدافها، وإنما سيسقط بعضها في مناطق مفتوحة، ما يعني أن الحديث بات هنا عن بضع عشرات من الصواريخ التي قد توقع مئتي قتيل في صفوف المستوطنين، في أقصى حد؟
ولكن ماذا عن ترسانة حزب الله الصاروخية؟
هذه الترسانة أمرها بسيط أيضاً، فهي لا تحتوي إلا على مئات من الصواريخ القادرة على الوصول إلى قلب الكيان الصهيوني، ويمكن معالجة هذه الترسانة من خلال ضربات جوية، ومن خلال هجمات برية، ما يؤدي إلى عدم انطلاقها ـ كلها ـ إلى أهدافها في مدن العدو. وما ينطلق من هذه الصواريخ لن يوقع أكثر من مئة قتيل في أقصى التوقعات.
باختصار شديد، يقول أحد القادة العسكريين الصهاينة: نحن لا نواجه مئة ألف صاروخ، وإنما ألفاً أو ألفي صاروخ فقط.
الأمر بسيط أيها المستوطنون، أرأيتم، ضرب المنشآت النووية الإيرانية أمر بسيط جداً. سننفذ عمليتنا، ونعود بهدوء، لنتسلى في إحباط مفعول الصواريخ التي توجّه إلينا.. وينتهي الأمر.
ولكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟
ماذا لو كان عدد الصواريخ أكبر، وقدرتها على التدمير أكثر، وأدت إلى سقوط الآلاف المؤلفة من القتلى في صفوف المستوطنين، فضلاً عن تدمير المنشآت الحيوية في كيان العدو؟
ماذا لو كان ما يقوم به قادة العدو الآن لتبرير جموحهم باتجاه توجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني هو مجرد تسويق لوهم آخر، ينضم إلى "الأوهام النوعية" الأخرى التي سوّقوها في الغابر من الأيام؟
ماذا سيفعل القادة الصهاينة عندها؟ وأي تبرير سيقدمونه لمن سيتبقى من المستوطنين الخارجين من الملاجئ ليشاهدوا منظراً ما كانوا يحلمون برؤيته، حتى ولو في أسوأ الكوابيس؟
إن الصهاينة يلعبون اليوم بالنار، وحاجتهم إلى اتخاذ قرار مصيري تضغط على عقولهم، وتدفعهم إلى هاوية الوقوع في الخطأ.
لقد تراجع العدد المتوقع للقتلى الصهاينة الذين سيسقطون نتيجة مواجهة جديدة في المنطقة من مئة ألف إلى مئتين أو ثلاثمئة قتيل فقط، ما يعني أن هذا الرقم هو آلة طيّعة بيد القادة العسكريين والأمنيين، يمكنهم الصعود به إلى أقصى الحدود، ومن ثم الهبوط به إلى أدناها، وفقاً لرغباتهم السياسية ومشاريعهم العسكرية وتحضيراتهم الميدانية.





 فلننتظر أن يخطئ الصهاينة الخطأ المميت.. وعندها سيكون الرقم الحقيقي بين أيدي الجميع

وهذا يعني أن هذا الرقم غير علمي، وغير مبني على معطيات وتقديرات ميدانية حقيقية، وأنه رقم مزيّف.
ما هو الرقم الحقيقي إذاً؟
لماذا العجلة، فلننتظر أن يخطئ الصهاينة الخطأ المميت.. وعندها سيكون الرقم الحقيقي بين أيدي الجميع.
معظم المؤشرات تدل على أن الصهاينة يعرفون هذه الحقيقة "الحقيقية" ولذلك هم سيفكرون جيداً، جيداً جداً، قبل القيام بخطوة مجنونة.

الخميس، أغسطس 02، 2012

ما مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟



 
 ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟

محمود ريا
30-07-2012

 

لندع المبادئ جانباً، فهي باتت منبوذة في هذا العالم.

ولنترك الاتفاقيات والمعاهدات، فهذه ـ كما يقول البعض ـ تم توقيعها كي تُخرق، وليس للالتزام بها.


ولنفكر بالمصلحة وبالمصلحة فقط، حتى ولو كانت مصلحة اليوم بعيدة كل البعد عن حقيقة الوضع في المستقبل


ما هي مصلحة لبنان في افتعال مشكلة مع سوريا؟


هناك تيارات سياسية تتخذ موقفاً سلبياً من النظام في دمشق، وهذا يدخل في إطار حرية الرأي، بغض النظر عن مدى صوابية هذا الموقف والمنطلقات التي ينطلق منها.


هذه التيارات تطلق التصريحات وتوجه الدعوات وتنظّم التظاهرات، والبعض يتهمها بأنها لا تكتفي بتقديم المساعدات للمعارضة السورية، وإنما تتطرف إلى حد تقديم السلاح والعتاد.. وحتى المقاتلين.


وهذه التيارات، وللّه الحمد، ليست في السلطة الآن.


وهذا يعني أن هذه التيارات لا تمثّل الدولة اللبنانية، ولا تشكّل جزءاً من قرارها، وهذا ما يُعفي ـ إلى حدّ ما ـ هذه الدولة من تحمّل تبعات مواقفها وتصرفاتها.. وجنونها.


فأن يرفع قادة هذه التيارات أصواتهم، ويطلقوا تصريحاتهم، يبقى أمراً مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً.


ولكن ماذا عن الدولة اللبنانية نفسها؟ هل يُسمح لها أن تتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية بخفّة ودون دراسة وبعيداً عن تقدير العواقب؟


إن نظرة سريعة إلى واقع لبنان تكشف مدى خطورة عدم التعقّل في التعاطي مع الملف اللبناني السوري، نظراً للأخطار التي يفرزها هذا الانزياح عن جادة الصواب على لبنان أولاً، قبل أي أحد آخر.


وهذا التقييم نابع من مصلحة لبنان، وفقط من مصلحة لبنان، بعيداً مرة أخرى عن المبادئ، وعن الاتفاقيات والمعاهدات.


هل نظر مطلقو التصريحات ومتخذو المواقف إلى موقع لبنان وإلى واقع المصدّرين وإلى الجغرافيا والديموغرافيا وما تعكسانه من ظلال على واقع لبنان في ظل خلاف محتمل بين البلدين؟


هل درس البعض معنى الاحتجاج، ومعنى المذكرات، ومعنى الاتهام؟


إذا بقي النظام السوري في موقعه، فإن خطوة كهذه ستؤثر ـ حتماً ـ بشكل سلبي على لبنان.


فهل إن التغيير في "مزاج" التعاطي مع الأزمة السورية مرتبط بمعلومات دقيقة بأن النظام بات على وشك الانهيار، وبالتالي فإن هذا التغيير لن ينعكس سلباً على اللبنانيين، بل إنه سيترك آثاراً إيجابية عليهم؟


من باب المصلحة، بعيداً عن المبادئ والاتفاقيات والمعاهدات، هذا أمر جيد، ودليل على مرونة في التعاطي مع المتغيرات في المنطقة، والانسجام مع النهج السائد في العالم.
ولكن، ماذا لو لم يسقط النظام السوري؟


ماذا لو لم تنجح كل هذه الحملة العالمية العربية في الفتّ من عضد القيادة السورية، واستطاع الجيش السوري تحطيم التنظيمات المسلّحة التي تقاتله كما فعل في دمشق؟
ماذا لو تم التوصل إلى اتفاق ما، في لحظة ما، بقي بنتيجتها الرئيس الأسد رئيساً، ولو تغيّرت كل التركيبة التي تليه؟








كيف سيواجه اللبناني شقيقه السوري، وكيف سيبرر احتجاجاته، وهو الذي يعرف أن الردود السورية ما كانت لتحصل لو لم يكن هناك أفعال لبنانية؟

هذا من باب المصلحة فقط، وليس أكثر، ومن باب البحث عن امكانية انتهاز الفرصة، ومن باب ما هو مشهور عند اللبنانيين من خبرة في "معرفة كيف تؤكل الكتف".


إن وجود شخص في قصر بسترس يعرف مصلحة لبنان أكثر من البعض الآخرين في قصور أخرى أمر يستحق الثناء، في عصر صار منح الثناء فيه يتطلب الكثير من التأني.

السبت، يوليو 21، 2012

إسرائيل "تقتنع".. خوفاً من الثمن

 

أي بركان ستفجره "إسرائيل" في وجهها، وأي زلزال ستعرّض كيانها له إن فعلت ما تقول إنها ستفعله؟

محمود ريا
الولايات المتحدة "أقنعت" إسرائيل بعدم مهاجمة ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية.
هذا الخبر الذي ورد في رسالة قصيرة من أحد مزودي الأخبار المحليين فتح الأفق على أسئلة كثيرة، تزيد عن عدد الكلمات القليلة التي تحملها الرسالة.
ولعل السؤال الأكبر هو كيف يمكن لطرف ما أن يقصف مخازن الأسلحة الكيماوية في بلد آخر، دون أن يحسب حساب الأضرار التي ستلحق بالمدنيين الموجودين في مناطق قريبة من أماكن هذه المخازن؟ ألا يمكن اعتبار هذا القصف جريمة إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية؟
إن استهداف "مخازن الأسلحة الكيماوية" يؤدي إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا في مساحات شاسعة من الأراضي، أفلا يحسب القاصف حساب ذلك؟
والجواب عن هذا السؤال يبدو بسيطاً بالرغم من فجاجته: من يأمن العقاب لا يحسب أي حساب.
وإذا كان هذا السؤال المركزي والمهم يحمل جوابه في طيّاته فإن هذا لا ينفي أنه يولّد أسئلة أخرى لا بد من الوقوف عندها:
أيّ عقاب مثلاً تأمن منه "إسرائيل" عند ارتكابها لهذه الجريمة المحتملة؟
هي طبعاً تأمن عقاب الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتأمن عقاب الولايات المتحدة والغرب، وتأمن عقاب جامعة الدول العربية والأنظمة العربية، وربما تأمن عقاب الشعوب العربية التي بات الضياع يأكل الكثير من قدرتها على ملاقاة العدوان الصهيوني بالغضبة الكبرى.
مقابل هذه الضربة الإسرائيلية المفترضة ليس هناك حرب عربية على المعتدي، وليس هناك عقوبات دولية عليه، ولا هناك إدانة ولا تنديد، وربما لا تظاهرة غاضبة أو تصريح منتقد.
الجو كله مطبّع، الأمور كلها مرتّبة، وسائل الإعلام لعبت دورها.. وليس هناك أي خشية من هذا الأمر.
إلا أن ذلك لا يُعفي من عقاب آخر، هو ماثل وممكن، لا بل مرجح ومؤكد.
أي بركان ستفجره "إسرائيل" في وجهها، وأي زلزال ستعرّض كيانها له إن فعلت ما تقول إنها ستفعله؟
إذا ذهب آلاف الضحايا في سوريا نتيجة عدوان صهيوني من هذا النوع، فكم سيكون الثمن الذي سيدفعه المستوطنون الصهاينة جرّاء ذلك؟
أي كابوس ـ فوق مستوى التخيّل ـ سيُطبق على من اتخذ قرار الضربة، وعلى من نصّبه عليه، ومن ثم على كل من وافق على هذه الخطوة الخرقاء المجنونة؟
بعيداً عن "الثمن الأخلاقي" الذي قد لا يدفعه الصهاينة (في عصر لا أخلاق فيه)، فإن هناك ثمناً آخر، حقيقياً ودموياً وداهماً، سيكون على الصهاينة تأديته منذ اللحظة الأولى لانطلاقهم في مسيرهم نحو المجهول.
يصبح مضحكاً حديث الأميركيين عن "إقناعهم" قادة العدو بأن لا يضربوا مخازن الأسلحة الكيماوية السورية"
إزاء هذا الواقع، يصبح مضحكاً حديث الأميركيين عن "إقناعهم" قادة العدو بأن لا يضربوا مخازن الأسلحة الكيماوية السورية".
ومع أن وجود أسلحة من هذا النوع في سوريا يبقى في إطار الافتراض، ولا دليل عليه، وهو في موقع النفي من القيادة السورية، فإن "العقاب" لن يتوقف عند كون الضربة موجهة إلى مخازن الكيمياويات، بل هو سيكون الرد على أي ضربة من أي نوع ومن أي حجم داخل سوريا أو في المحيط.
مضحك تبجّح الأميركيين بقدرتهم على إقناع الصهاينة، بينما الواقع يدعوهم إلى تذكيرهم بالثمن فقط، كي يتحوّلوا من سباع ضارية، إلى ثعالب، تضع أذيالها بين أرجلها، وتولّي الأدبار.

الجمعة، يوليو 13، 2012

استثمار في مستقبل الصين

 
يعمل العدو الصهيوني على التغلغل بهدوء وبشكل متصاعد في المجتمع الصيني، عبر الكثير من الوسائل، ومنها مراكز الدراسات


محمود ريا

خلال متابعة مراكز الدراسات العاملة في الصين، كانت المفاجأة.

في هذا البلد الكبير أكثر من عشرة مراكز دراسات تعنى بالشأن اليهودي، وبعلاقات الصين مع "إسرائيل"، وباليهود في الصين، وبكل ما له علاقة بما هو عبري، ثقافةً وسياسةً واقتصاداً وتاريخاً ومستقبلاً.

وتتمدد مراكز الدراسات هذه على بقعة جغرافية كبيرة جداً، متخذةً من الجامعات الكبرى في الصين مهداً لها.


فهذا معهد الدراسات اليهودية في جامعة مدينة نانكين، يقول التعريف عنه إنه درّب الكثير من الأشخاص الذين يحملون رتبة بروفسور، وهم يعلّمون الآن في مختلف أنحاء الصين. والمهم أن المعهد يملك حق منح شهادات الدكتوراه لطلابه.


أما مركز الدرسات اليهودية في شانغهاي فهو واحد من أهم المراكز الفاعلة في اختصاص "الثقافة اليهودية، التاريخ، و"إسرائيل المعاصرة".

وهناك مدرسة الدراسات اليهودية في جامعة هينان التي تمنح شهادات الماستر، ومركز الديانة اليهودية والعلاقات بين الأديان في جامعة شاندونغ الذي نشر أكثر من سبعين كتاباً وأربعمئة وأربعين ورقة بحثية وترجم حوالي ثلاثين كتاباً في اختصاصه المتركز على "الدراسات اليهودية"، خلال حوالي عشر سنوات.

وفي السياق نفسه يأتي مركز الدراسات اليهودية والصينية في جامعة سيتشوان للدراسات الدولية، والذي يعمل على "تقديم فهم أفضل للشعب اليهودي والثقافة اليهودية في الصين" كما يقول تعريفه.

يضاف إلى هذه المراكز مركز الدراسات حول العلاقات الدولية في جامعة يوننان، ومركز اللغة العبرية والدراسات الثقافية في مدرسة اللغات الشرقية في جامعة بكين، ومركز الدراسات اليهودية في أكاديمية هيلونغجيانغ للعلوم الاجتماعية، وغيرها الكثير من مراكز الدراسات.

هل من جديد في هذه المعلومات المفاجئة؟

لا يبدو أن هناك أمراً جديداً بشكل فعلي، فالصهاينة يجدون موطئ قدم في كل مكان، فلماذا لا يكون لهم ذلك في الصين؟


يعمل العدو الصهيوني على التغلغل بهدوء وبشكل متصاعد في المجتمع الصيني، عبر الكثير من الوسائل، ومنها مراكز الدراسات، وهذا ما عبّرت عنه الصفحة المخصصة بعرض عناوين مراكز الدراسات المتخصصة بإسرائيل واليهود في الصين. وتقول هذه الصفحة "إن قطاع الدراسات اليهودية في الصين ما يزال صغيراً، ولكنه مجال يتوسع بشكل دائم".

وليس أمراً مثيراً للدهشة القول إن الكيان الصهيوني يبذل جهوداً جبارة من أجل تنمية هذه المراكز ودعمها وتقديم كل التسهيلات لطلابها من الصينيين كي يتابعوا دراساتهم، أو كي يقوموا بدراسات تطبيقية في فلسطين المحتلة، في سياق دراساتهم في هذه المعاهد.

إنه بناء يقوم على مهل، دون ضجة، وبلا توقف، لجيل من الأكاديميين الصينيين الذين يتحوّلون إلى جزء من آلة دعائية كبرى للصهاينة في بلد المليار والنصف مليار نسمة، فضلاً عن إمكانية تحوّل هؤلاء الأكاديميين إلى موظفين ومن ثم مسؤولين في إدارات الدولة الصينية.

وهذا شيء طبيعي جداً.

الأمر غير الطبيعي موجود في مكان آخر، على الضفة الأخرى من الشرق الأوسط، عند العرب تحديداً.






 أي مراكز دراسات عربية موجودة في الصين، أو تنسّق مع الصينيين، وأي جيل صيني جديد متفهّم للقضايا العربية تبنيه هذه المراكز؟

أي مراكز دراسات عربية موجودة في الصين، أو تنسّق مع الصينيين، وأي جيل صيني جديد متفهّم للقضايا العربية تبنيه هذه المراكز؟

أي فرصة نضيّعها نحن العرب، بأموالنا وطاقاتنا، من أيدينا، من خلال استمرار تجاهلنا للعملاق الصيني الذي بدأ بالاستيقاظ؟

ألا يدري المتحكمون بالعالم العربي أن من يستثمر في مراكز الدراسات والأبحاث في الجامعات الصينية، هو يستثمر في مستقبل الصين، وبالتالي في مستقبل العالم ككل؟

هلاّ تعلّمنا من عدوّنا؟

تمنيات الغرب الروسية: مجرد دعابة


الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين

محمود ريا
6-7-2012

 

يتطلب المزاج الرائق "فضاوة البال" والخلو من المشاكل والفراغ من الاستحقاقات الطارئة والبعد عن المحطات التي تقرر المصير.
فإذا كان الواحد منا مبتلى بكل هذه العقبات دفعة واحدة، فكيف له أن يكون قادراً على المزاح، وإلقاء الدعابات؟
في أميركا اليوم كل هذه المشاكل دفعة واحدة:
انتخابات رئاسية مصيرية بعد أشهر، تراجعات هنا وهناك في أنحاء العالم، تنّين صيني ودب روسي يتهجّمان على "أطراف المملكة الأميركية العظمى" ومشاكل إقليمة ومحلية لا تُعدّ ولا تُحصى؟
وفوق ذلك هناك اقتصاد يتداعى، يخرج من أزمة ليدخل في أزمة أكبر، والمديونية تتصاعد، وطبع الدولارات بلا حساب لم يعد ورقة رابحة في أيدي الرأسماليين الأميركيين.
في أوروبا الوضع صعب أيضاً:
الأزمات الاقتصادية تكاد تودي بالكثير من البلدان إلى الإفلاس. وليس المقصود "بلدان الأطراف" فقط، وإنما حتى البلدان المركزية، وصولاً إلى بريطانيا وفرنسا، ولا تبقى إلا ألمانيا ـ إلى حد ما ـ فوق الغربال.
هذه الوقائع تكشف حقيقة واحدة: ليس عند أحد من هذه الدول "مزاج المزح والتنكيت وإلقاء الدعابات".
ما بال وزير الخارجية الروسي إذاً يرمي بعض الدول الغربية بتهمة إلقاء الدعابات في هذا الوقت العصيب؟
ما باله يقول إن طرح هذه الدول بأن تستقبل روسيا الرئيس السوري بشار الأسد كلاجئ سياسي هو مجرد دعابة.
إن ما يقوله المسؤول الروسي (المغضوب عليه غربياً) لا يمتّ إلى المزاح بأي صلة.
إنه كلام يهزأ من دول الغرب أكثر مما يعبّر عن انسجامه مع "المزاح" الذي يطلقونه بين حين وآخر.
الدليل على هزء سيرغي لافروف بنظرائه الغربيين هو الجملة المفيدة الأخرى التي أتبع بها حديثه عن الدعابة والمازحين.
لقد قال بصراحة إن الذين يغذّون الأزمة السورية يقودون الأمور إلى حرب كبيرة جداً.
وعندما تنطلق من شفاه الروس كلمة حرب، يجب على كل الوجوه أن تشدّ قسماتها، وأن تمتنع حتى عن وضع شبح ابتسامة على الشفاه.
 

 في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً"

في الوضع الذي نحن فيه، تأخذ كلمة حرب معاني أكبر من أي تصوّر مسبق عند الجميع، فكيف إذا أتبعها المسؤول الروسي بوصف هذه الحرب بأنها "كبيرة جداً".
الروس الذي يسمعون "الدعابات الغربية" لا يضحكون لها، بل يواجهونها بعبارات صارمة جداً في الظاهر، تتوازى مع ضحك في الباطن.. على مطلقيها.
روسيا ليست في وارد التخلي عن الموقف المبدئي الذي اتخذته من الوضع في سوريا، وليست في مجال الاستغناء عن الموقع الاستراتيجي لسوريا على الخريطة العالمية.
إنهم لا يفهمون هذه الحقائق الثابتة، إنهم ـ ربما ـ لا يريدون أن يفهموها.
في كل يوم يخرج علينا مسؤول غربي، أميركي أو أوروبي، أو مسؤول إقليمي، عربي أو تركي، ليتحدث عن تغيير في الموقف الروسي.
وفي كل يوم يخرج لافروف، أو غيره من المسؤولين الروس، ليقولوا لهم: لا تغيير في الموقف الروسي.
ملّ الروس من تكهّنات وتمنيّات الغرب وأتباعه في المنطقة، فلم يجدوا حلاً إلا في اعتبار أن ما يقوله هؤلاء لا يتجاوز كونه.. مجرد دعابة.

السبت، يونيو 30، 2012

موعدنا "على العيد"



المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، 
والمؤامرة مهولة، 
ولكن التصدي لها أكثر حزماً.


محمود ريا
تكثر المواعيد، وتتكرر كل يوم، ولعلّ أكثرها انتشاراً موعد اللقاء على "العيد".
هذا الموعد صار مثل أحجية، يسمعه الناس، فلا يعرفون هل المقصود به هو هذا العيد، أم العيد الذي سيأتي، أم هو عيد فقط في أذهان الذين يطلقون هذه المواقيت.
انتظروا العيد أول مرة، فمرّ، وانتظروه عيداً آخر، ومرّ هو أيضاً، وانقضى العام.. وما زالوا ينتظرون الموعد، وما زالت أصواتهم تردد: "على العيد".
إمّا أنّهم لا يملّون، وإما أن صدمة عدم تحقّق أمانيّهم تجعلهم يجترّونها، فيعيدون ويكررون، من دون أن يكون لديهم ما يحقق آمالهم، أو يُخرج الأحلام من دوائر الأوهام إلى أرض الواقع.
المعاناة كبيرة، ولكن الصمود أكبر، والمؤامرة مهولة، ولكن التصدي لها أكثر حزماً.
ليس في الأمر عواطف، وإن كانوا اعتمدوا على وعود أُعطيت لهم من أسيادهم، فربما عليهم أن يُدركوا بأن هذه الوعود هي التجسيد الحقيقي للسراب الذي يراه عطشان في الصحراء فيحسبه ماءً، فيلهث نحوه، معتقداً أنه الفرج، فإذا به لا يكسب منه إلا الخيبة والخذلان.
وهم كذلك.
وهذه هي مشكلتهم.
لا ينظرون إلى الوقائع، ولا ينطلقون من الحقائق، ولا يبنون تحليلاتهم على معطيات السياسة، التي يبني عليها كل من يريد الوصول إلى نتيجة منطقية في تحليله وتوقعه.
ولكن ربما لاينبغي لنا أن نظلمهم.
هم كذلك دائماً، وليس الآن فقط، هم لا يحللون ولا يتقصّون الحقائق ولا يبنون على الشيء مقتضاه.
هم يتلقّون، يسمعون من فلان وفلان، من هذه الدولة أو تلك، فيأخذون كلامها على محمل الجدّ، وتوهّماتها على مقياس الحقيقة.
المشكلة إذاً ليست فيهم، ما دام أنّهم لا يُعملون تفكيرهم. المشكلة في من يوسوسون لهم.
ولكن، هل هؤلاء المقيمون في عواصم الخواجات، يضحكون عليهم، يسخرون منهم، بتوقعات العيد، والعيد الذي يلي العيد، أم أنهم مثلهم، وقعوا في شرّ توقعاتهم؟
هناك من يرى أن "الأسياد" يلعبون بـ "الأولاد"، يضعون خططاً بعيدة المدى، ويتركون لمن معهم فتات العيش على انتظار الحسم السريع والتغيير الجذري.
وهناك من له رأي مخالف.
يرى هؤلاء أن الصدمة الكبرى ليست هي صدمة الأزلام، وإنما تلك التي أصابت "الكبار"، الذين كانوا يتوقعون انهياراً سريعاً، يحققونه بالتهويل والتقتيل، استناداً إلى مبدأ "الصدمة والرعب" الذي نجح معهم قبل ذلك في أكثر من مكان، وأكثر من زمان.
ولم يتحقق المأمول، لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب، ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


لم تفتّ هذه الحملة ـ المدجّجة بمئات حاملات الطائرات الإعلامية، والمدمرات النفسية، وطائرات القصف بالأكاذيب،  
ودبابات الزحف بالتلفيق ـ في عضد شعب معتاد
على مواجهة الحصار، ومرتاض على مقارعة "الكبار".


كان الحلّ بانتظار العيد التالي، ومرّ الموعد والحال هو الحال.
وجاءت مواعيد أخرى، تصاعدت قبلها ومعها الحملات، وتكاثرت الانفجارات، وصار القتل مثل شربة الماء، ومرّت المواعيد... وسوريا كما هي و"يا جبل ما يهزّك ريح".
اليوم، هناك موعد جديد، "على العيد".
هل يحققون حلمهم هذه المرة؟
"سراب بقيعة"...

السبت، يونيو 23، 2012

مقابلة إذاعية حول المواقع الإلكترونية الإسلامية

مقابلة مع إذاعة البشائر في لبنان حول "المواقع الإلكترونية الإسلامية"
بتاريخ 13/6/2012

الجزء الأول من المقابلة

الجزء الثاني من المقابلة

الجزء الثالث والأخير من المقابلة

لافروف.. قومي يميني متطرف!


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.

محمود ريا
15-06-2012

 
خاب أمل الغرب بسيرغي لافروف.. كانوا يظنونه دبلوماسياً محترفاً، يقبل "الأخذ والعطاء" فإذا به في الأشهر الماضية يبدو كقومي يميني متطرف، لا يحسب للدبلوماسية أي حساب.

وزير الخارجية الروسي أمام "مقصلة" التقييم الغربي، ومن يقف أمام هذه المقصلة يكون قد تجاوز مرحلة إمكانية التغيّر، وصار في مرحلة التغيير.


ما نقلته إحدى الصحف اللبنانية قبل أيام حول لافروف ما هو إلا انعكاس لما هو موجود في الصحافة الغربية من صدمة تجاه الموقف الروسي من الوضع في سوريا، هذا الموقف الذي يعبر عنه لافروف بكل أمانة ووضوح.


لقد نجح لافروف نجاحاً كاملاً في تظهير "التوجه الجديد" للقيادة الروسية، حسب التعريف الغربي، ما أعطاه "شرف" التعرض لانتقاد الآلة الإعلامية الغربية التي بدأت بتوجيه السهام إليه.


أما هذا التوجه الجديد، فهو ما يشغل بال الغرب، ويثير غضبه الكبير تجاه لافروف، وتجاه سيد الكرملين الجديد، فلاديمير بوتين، وتجاه روسيا كلها.


يقوم هذا التوجه على قواعد وضعها بوتين مع مجيئه إلى الحكم، خلاصتها أن عهد روسيا اليلتسينية انتهى إلى غير رجعة، وعهد روسيا "الكامنة" بدأ بالانحسار، وجاء عهد روسيا الفاعلة، روسيا القوية، روسيا التي تقرر ما هو المناسب لها في الداخل والخارج، دون "استعانة بصديق"، وخاصة إذا كان هذا الصديق عدواً في واقع الحال.


وهنا تكمن معضلة الغرب، في أن تقرر روسيا ما تريد، في موضوع الدرع الصاروخية، وفي موضوع علاقاتها مع دول "المحيط السوفياتي"، وفي تحالفها مع الصين، وفي علاقتها مع إيران، وفي موضوع التطورات في سوريا.


إنها أزمة كبيرة للغرب، الذي افتقد روسيا البراغماتية، روسيا التي تساوم على هذا الملف أو ذاك، مقابل امتيازات هنا وهناك، وروسيا المحدودة القوة، التي لا ترفع لواء الرفض لأي مشروع غربي، وإنما تحاور وتناور للحصول على أعلى حد من المكاسب.
وحتى عندما كانت تتشدّد روسيا في موقف ما، فالغرب يعرف أن هذا التشدد هو محاولة للحصول على ثمن أعلى مقابل تنازل أكبر، يحقق لهذا الغرب مصالحه، ويؤمن لروسيا بعض الاحتياجات التي كانت تبحث عنها.


وكان الغرب يظن أن الوضع ما يزال كما هو عليه.


من هنا، ملأ المسؤولون الغربيون الشاشات، والمحللون السياسيون الصفحات، بالحديث عن مرحلة تسلّم بوتين الحكم، بعد عودته رئيساً للبلاد، مبشرين بأن الموقف الروسي تجاه سوريا، وتجاه إيران سيتغير، لأن بوتين سيفاوض، وسيقبض ثمناً ما، وسيغيّر وجهة الأحداث.


وقد حصل ما توقعه الغرب، ولكن بصورة معكوسة: لقد تغيّر الموقف الروسي، باتجاه مختلف تماماً عن ذلك الذي ترغب به الكواليس الدبلوماسية الغربية، وانتقل التشدد الروسي من كونه رغبة في تحقيق مصالح روسية استراتيجية، إلى كونه تعبيراً عن إدخال موضوع سوريا في صلب السياسة الروسية الاستراتيجية، ما يعني أنه موضوع بات خارج إطار التفاوض، وبعيد عن المساومة، ولا مجال فيه للأخذ والعطاء.


إنها نكسة حقيقية للغرب، نكسة يعبّر عنها كل يوم بشكل جديد، ولعلّ آخر هذه الأشكال هجومه المباشر على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.


وهكذا بات الرجل، الذي كان شيوعياً ثم جهد لكي يتحول إلى "ديبلوماسي معاصر"، مجرد قومي يميني متطرف!


ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة

إنه ليس لافروف الذي تغيّر، بل هو كل الموقف على مستوى العالم، وعلى الغرب الذي راهن كثيراً في السابق على رشوة روسيا أن يوطّن نفسه للتعامل مع روسيا جديدة، روسيا فخورة بنفسها، قادرة وثابتة، يقودها قاهر للصعاب، لا سكّير طيّع ليّن لا يميّز بين ليل ونهار، ولا بين موسكو وواشنطن.

سياسة واشنطن تجاه بكين: ضعف وانعدام ثقة.. وخداع نفس

الصين تعلن بصراحة انزعاجها من التحركات الأميركية في "الملعب الاستراتيجي" الصيني، أي في الدائرة الاستراتيجية الأقرب إلى مصالح الصين وإلى أمنها القومي

محمود ريا
08-06-2012

 

"غياب التجانس بين الكلمات والأفعال علامة على الضعف وانعدام الثقة بل وحتى خداع النفس".

هذه الأوصاف هي خلاصة تقويم الأوساط الرسمية الصينية للسياسة الإستراتيجية الأميركية في منطقة آسيا ـ الباسيفيك، وربما في العالم ككل.

هذا التقويم جاء في مقال نشرته قبل أيام صحيفة الشعب الصينية، الصحيفة الرسمية التي تعكس دائماً وجهة النظر في المؤسسة الحاكمة الصينية، بعيداً عن اللهجة الدبلوماسية التي تعتمدها وزارة الخارجية الصينية في إصدار المواقف من الأحداث.
لقد جاء هذا الموقف الجديد ـ والمفاجئ بلهجته إلى حد ما ـ رداً على تعزيز الولايات المتحدة الأميركية لقواتها البحرية في المحيط الهادئ، وفي المناطق المجاورة للصين، ما جعل المسؤولين الصينيين يرفضون الادعاء الأميركي بأن هذا التكثيف للوجود العسكري لا يهدف إلى "احتواء الصين".

وهذا الموقف عبّر عنه باحث عسكري صيني اعتبر أن هذا الاتجاه الأميركي سيزيد مخاوف الناس من أن الولايات المتحدة تستخدم هيمنتها العسكرية للتدخل في سيادة دول المنطقة.

إذاً، الصين تعلن بصراحة انزعاجها من التحركات الأميركية في "الملعب الاستراتيجي" الصيني، أي في الدائرة الاستراتيجية الأقرب إلى مصالح الصين وإلى أمنها القومي. وخشية الصين تكمن في أن الولايات المتحدة تسعى إلى جعل الصين هدفاً ثابتاً لها، عبر إنشاء منظومة أمنية جديدة في المنطقة، تضم عدداً من الدول المجاورة للصين أو القريبة منها إلى حد مثير للقلق.

وتقوم الاستراتيجية الأميركية الجديدة على تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة، وذلك حسبما أعلن وزير الحرب ليون بانيتا خلال جولة له في المنطقة. وقال بانيتا، في مؤتمر صحافي عقده الأربعاء الماضي في مركز الدراسات الاستراتيجية والتحليل التابع لوزارة الدفاع الهندية: إن الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة ترتكز على وجود قوات المارينز الأمريكية في كوريا الجنوبية والتوسع فيما يسمى بالوجود الدوري لها في أوستراليا مع بحث إمكانية التوسع في كل من الفليبين واليابان.


إن هذا الانتشار الذي أقرّته استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة يعني وضع البرّ الصيني على بعد أقل من ساعتين من الطائرات الأميركية المتأهبة دائماً، سواء على متن حاملات الطائرات، أم في قواعد الدول التي بدأ بعضها برفع نبرة تحديه لبكين ـ كالفيليبين مثلاً ـ وهذا أمر لا يمكن أن تنظر له العسكريتاريا الصينية، ومعها السياسيون الصينيون، ببرودة أعصاب.

إن إجراءات عملية كهذه التي اتخذتها الإدارة الأميركية في منطقة الهادي ـ الباسيفيك هي التي تدفع الصين إلى اعتبار السياسة الأميركية سياسة منافقة، يغيب فيها التناسق بين الأقوال ـ التي تطمئن الصين إلى انعدام خطورة الإجراءات الأميركية ـ والأفعال التي تثبت أن استهداف الصين بالذات هو ما تعمل له الولايات المتحدة.

هناك من يرى أن ما تفعله الولايات المتحدة في شرق آسيا هو مجرد استفزاز للصين كي تدفعها إلى مفاوضات "بيع وشراء" حول العديد من الملفات الحيوية لأميركا في العالم، وعلى رأسها ملفات منطقة الشرق الأوسط، كالملف النووي الإيراني والملف السوري، بحيث تقوم بكين بتغيير مواقفها المعلنة ـ والمزعجة لواشنطن ـ من هذه الملفات، مقابل التخفيف من ضغط حاملات الطائرات الست التي تقرّر وضعها بشكل دائم في "الخاصرة الصينية".




الصراع بين الصين والولايات المتحدة هو أكثر جوهرية وعمقاً من خلاف مستجد على ملفات إقليمية يمكن إدارة الصراع فيها بطريقة أو أخرى.

إلا أن الأمور لا تبدو بهذه البساطة، فالصراع بين الصين والولايات المتحدة هو أكثر جوهرية وعمقاً من خلاف مستجد على ملفات إقليمية يمكن إدارة الصراع فيها بطريقة أو أخرى.

إنه صراع على المستقبل، صراع ليس فيه تسويات آنية، صراع من نوع: إما أن نكون نحن أسياد هذا العالم في المقبل من السنوات.. أو هم. وفي صراع من هذا النوع يصبح مفهوماً لماذا ترفع الصين يدها بالفيتو مرتين عند مناقشة الأزمة السورية في مجلس الأمن، وتهدد بالثالث وأكثر، ولماذا تزيد الصين من شرائها للنفط الإيراني ـ خلال الشهر الماضي مثلاً ـ بشكل دراماتيكي، في تحدٍّ واضح وصريح، يصل إلى حد الفجاجة، للعقوبات الأميركية والغربية على إيران.

فوق ذلك، يصبح أكثر وضوحاً معنى الكلمات التي استخدمتها الصحيفة الصينية الرسمية لوصف حال السياسة الأميركية، إنها سياسة تعاني من"غياب التجانس بين الكلمات والافعال"، وهذه "علامة على الضعف وانعدام الثقة بل وحتى خداع النفس".