الثلاثاء، فبراير 08، 2011

إعلام النظام المصري وسناريوهات التدخل الخارجي





محمود ريا
من يراقب الفضائيات المصرية، سواء منها التابعة للنظام مباشرة، أو التي تهيمن عليها الرؤية الرسمية للأحداث طوعاً أو كرهاً، يمكنه استخلاص حقيقة أكيدة وهي أن رجال النظام القائم قد فقدوا صوابهم وباتوا يتخيلون أنّ كل صرخة هي عليهم وعلى رأس نظامهم.
ومع تكاثر الأدلّة على هذا الواقع الذي بات المسؤولون يتخبطون فيه، فإن نغمة التدخل الأجنبي في الأحداث التي تقع في مصر كشفت أكثر من غيرها عن فقدان المنطق والرؤية الصحيحة للأمور، وبالتالي المسارعة إلى إطلاق الأحكام جزافاً وبشكل هستيري، دون أدلّة، أو من خلال اختراع سيناريوهات وهمية يبدو الاصطناع فيها فجّاً ومثيراً للسخرية.
فقد تناسى رجال النظام كل الأسباب التي أدّت إلى قيام الشعب المصري، بكامل فئاته، بالنزول إلى الشارع وتقديم أنفسهم شهداء من أجل الحرية، وتجاوزوا مطالب الجماهير التي تعتصم منذ أيام في الميادين والساحات، في القاهرة والاسكندرية والسويس ومختلف المدن الأخرى، وتوقفوا عند الحديث على تدخل الدول الأجنبية في الشؤون المصرية، مصوّرين الملايين الذين انتفضوا كأطفال قصّر لا يستطيعون التصرف من أنفسهم، وإنما تحركوا بناء على "أجندات خارجية"، وانصاعوا لأوامر صدرت من وراء الحدود.
ولو أن السيناريوهات التي وضعها "جهابذة" النظام تملك ذرة من المنطق والواقعية لاستطاعت إقناع البعض، ولكن التخبط الذي ضاعت فيه هذه السيناريوهات جعل ترديدها من قبل السياسيين والإعلاميين التابعين للنظام بمثابة نكتة سمجة لا يمكن حتى الاستماع إليها.
فقد أطلق أحد المنتفعين على التفزيون المصري تصوراً مفاده ان هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران و"إسرائيل" وقطر على تخريب الاستقرار في مصر، وأن اجتماعات عقدت قبل فترة من أجل وضع الخطط المناسبة لإطلاق الفوضى في شوارع مصر!
"خبيرعسكري" من جماعة النظام اختصر هذه التوليفة، واقتصر في السيناريو الذي قدّمه عبر شاشة تلفزيونية مصرية ـ تقول عن نفسها إنها مستقلة ـ على اجتماعات بين مسؤولين قطريين ومسؤولين من الموساد الصهيوني لتحضير خطة هدم الاستقرار في مصر، مع رسم دور أساسي في هذه الخطة لقناة الجزيرة الفضائية، التي ستقوم بتهييج الشعب المصري ودفعه إلى النزول إلى الشارع!
شخص آخر ذهب إلى تحميل إبران كل المسؤولية، وجعل كل ما يحصل في الشارع المصري نتيجة لخطة جهنمية إيرانية تهدف إلى القضاء على مصر لأنها "المنافس الاستراتيجي" لإيران في المنطقة.
ومع غرابة هذه السيناريوهات وبعدها عن المنطق، بقي هناك سيناريو هو الاكثر إثارة للأسئلة حول مدى الصحة العقلية لمطلقي هذه التصورات، وهو يقوم على رواية مفادها أن الولايات المتحدة هي التي درّبت الشباب المتفتّح الذي دعا للانتفاضة من خلال وسائل الإعلام الحديثة وعلى رأسها الفايسبوك والتويتر وغيرها. هذه الرواية كانت خرافية لدرجة تفوق التصوّر، لذلك عمل أزلام النظام على ابتكار رواية مكمّلة لها، عسى أن تعطيها بعض المصداقية، فتم تسويق "اعتراف" من إحدى الفتيات يفيد أنها تدرّبت لدى الأميركيين بهدف إسقاط النظام في مصر!
وبالرغم من أنه لا يمكن تبرئة الإدارة الأميركية من التدخل في شؤون الدول الأخرى، فإن رواية تدريب الأميركيين لشباب مصريين كي يقلبوا نظام حسني مبارك ترتقي إلى مستوى الكوميديا السوداء التي يبرع بها الخيال الأمني المتحكم بالمؤسسة الحاكمة المصرية، إذ ان النظام المصري هو من أكثر عملاء واشنطن إخلاصاً وأهمهم نفعاً للسياسة الأميركية في المنطقة، ولم تسحب الإدارة الأميركية دعمها له إلا بعد أن استشرفت واشنطن المستقبل الأسود لهذا النظام، إثر الانتفاضة الشعبية المليونية.
لقد تناست هذه المؤسسة كل الأسباب الموجبة للنقمة التي تسود الشعب المصري إزاء النظام وحيتانه والمتحكمين بالسياسة والاقتصاد والأمن، وإزاء البلطجية والزعران الذين عاثوا في البلاد فساداً ، وتناست انحيازها إلى جانب الكيان الصهوني في مواجهة الشعوب العربية، وتناست عمالة النظام للولايات المتحدة وتنفيذه كل ما تطلبه منه واشنطن على مستوى الداخل والخارج، كي ترفع عقيرتها بالحديث عن تدخل خارجي بالشؤون المصرية،.
ومقابل هذه السخافة الحكومية التي وصلت إلى حد اتهام الكيان الصهيوني بالتآمر على النظام العربي الأكثر خدمة لهذا الكيان العدو، يبقى الشعب المصري المتحصن بحقه وبشرعيته الجماهيرية مقيماً في الشارع، غير مكترث بما تبثه آلة الإعلام الرسمية الصدئة من تهويلات وسيناريوهات مفضوحة وبائخة ومكررة لا تؤثر في معنويات الجماهير التي نزلت بملء إرادتها من أجل تحقيق التغيير الحقيقي، التغيير الذي يلبي آمال وتطلعات الشعب المصري أولاَ، ومن ثم آمال وتطلعات الأمة العربية والإسلامية بكاملها.

الاثنين، يناير 31، 2011

الانتفاضة المصرية في نظرة استراتيجية



محمود ريا

ربما من الصعب القول إن النظام المصري سيسقط خلال الأيام أو الساعات المقبلة، ولكن هذا التوقع لم يعد مستحيلاً، وهذا ما يعتبر تحولاً استراتيجياً بكل معنى الكلمة.
إن لتحوّل النظام المصري من موقعه كفاعل على مستوى المنطقة إلى موقع المنتظر للفعل من خارجه آثاراً كثيرة على التطورات في المنطقة ربما العالم.

وبالرغم من الحديث الذي ساد في الفترة الأخيرة عن ضعف الدور المصري في المنطقة وعن تقلص تأثير النظام في الأحداث التي تدور على امتداد الرقعة الجغرافية للإقليم، فإن هذا النظام حافظ على أدوار شديدة الحساسية وبالغة الفعالية، لم يكن غيره ـ ولن يكون ـ قادراً على القيام بها.
فالنظام المصري كان ـ وما يزال ـ يشكل على مدى العقود الماضية الركن الذي ترتكز عليه الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، وهو بذلك يلعب دوراً خارج إطار المنافسة بين أقرانه من الأنظمة القائمة. ويضاف إلى ذلك أن هذا النظام هو رأس جسر الإستراتيجية السياسية والعسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا دور فعّال أيضاً ولا يمكن الإنقاص من أهميته بأي حال من الأحوال.

واستناداً إلى قيامه بهذين الدورين المحوريين، كان النظام المصري ينام على حرير الكثير من الأدوار الأخرى التفصيلية، والتي جعلت منه وكيلاً للإدارة الأميركية في الكثير من قضايا المنطقة، ومنفذاً للإستراتيجية الإسرائيلية على أكثر من ساحة.

وفي استعراض سريع لهذه الأدوار (الثانوية) يمكن التوقف عند الدور المصري في القضية الفلسطينية مثلاً، حيث كانت السياسة المصرية ولا تزال تمثل العصا التي ترفعها الإدارة الأميركية، والحكومة الإسرائيلية، في وجه السلطة الفلسطينية لمنعها حتى من التفكير في التراجع عن السير في عملية التسوية، وفي وجه المقاومة الفلسطينية من خلال حصار غزة والتعاون مع المؤسسات الأمنية الصهيونية والأميركية لمحاصرة الحركات المقاومة وإضعافها.

وفي لبنان كان الدور المصري دائماً يكمّل الدور الأميركي في الضغط على القوى الرافضة للانصياع لرغبات الإدارة الأميركية، وفي تقديم الدعم المطلق على مختلف المستويات السياسية والأمنية والعسكرية للقوى السائرة في المشروع الأميركي والمعادية للمقاومة.

وعلى المستوى الإقليمي أيضاً كان النظام المصري رأس حربة أميركية صهيونية في مواجهة المشروع النووي الإيراني وفي الترويج للخطر الإيراني المزعوم على المنطقة.
لكل ذلك، ولغيره، كان النظام المصري يلعب دوراً استراتيجياً حساساً لا يمكن إنكاره، وإن كان هذا الدور مخالفاً لرغبات شعوب المنطقة ولتطلعات أبناء أمتنا العربية والإسلامية.

اليوم، بات النظام المصري في موقع صعب، وسواء سقط بشكل كامل، أو سقط رأسه مع بقاء هيكله قائماً من خلال تسليم الحكم لآخرين فيه، أو حتى مع بقاء رأسه مع بعض التعديلات التي قام ـ وسيقوم ـ بها، فإن هذا النظام قد تعرض لضربة قوية جداً، وهذه الضربة ستنعكس على دوره الاستراتيجي في مختلف الساحات التي كان "يلعب" عليها.

ومع أن كل احتمال من الاحتمالات الثلاثة سيترك آثاراً مختلفة عن الآثار التي يتركها أي احتمال آخر، فإن المشترَك بين مختلف هذه الاحتمالات هو أن هذا النظام يترنّح وهو بحاجة لفترة طويلة جداً لكي يتمكن من استعادة موقعه الجيواستراتيجي، بما يسمح له بلعب الأدوار المطلوبة منه من جديد (هذا مع احتمال بقائه)، وهذا سيترك بدوره آثاراً سلبية قاسية جداً على المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة، هذا المشروع الذي سيفتقد وجود الحليف الأقوى في المنطقة، وسيفتقد أيضاً التدخلات التي كان يقوم بها هذا الحليف لمصلحة واشنطن وتل أبيب.

إن مرحلة ترنّح النظام المصري قبل سقوطه هي المرحلة الأنسب للتفكير بالخيارات الاستراتيجية التي تمنع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من استعادة توازن مشروعهما الاستكباري، بما يؤدي فعلاً إلى دفع هذا المشروع قدماً نحو الانهيار، تمهيداً لتحرير أمتنا من ربقته، وتحقيق أهداف الحرية الحقيقية للأمة كل الأمة، بما فيها فلسطين المغتصبة.

إن ما قام به شباب مصر حتى الآن يصنع جزءاً مشرقاً من تاريخ أمتنا، وإذا تمكن هؤلاء الشباب من إتمام المهمة المقدّسة الملقاة على عاتقهم، فهم سيرسمون فعلاً الخريطة الجديدة للمنطقة، وربما للعالم كله.

الجمعة، يناير 28، 2011

ماذا فعل بك؟



محمود ريا

جاء وقت الحساب، وصار لا بد من السؤال: ماذا فعل بك؟
لقد قادك من بين أبناء أمتك، ساقك في المرة الأولى، وعاد في مرة أخرى... وما يزال.
في كل مرحلة من المراحل كنتَ بين خيارين، إما أن تقف إلى جانب الذين يرغبون في الوقوف معك لبناء وطن واحد، انطلاقاً من موقع الشراكة الذي لا يمكن أن يتجاوزه أحد، أو أن تقف إلى جانبه، محرّضاً لك على أهلك وأبناء وطنك، واعداً إياك بجنّة الحكم الذي لا ينتهي، وبين هذا الخيار وذاك، كنت تختاره هو.
كم مرة كادت الأمور تصطلح، وكان الحل قاب قوسين أو أدنى، وكان أبناء بلدك يستبشرون بأن أوضاعهم ستتحسن بعد أن ينتهي الاضطراب وتروق النفوس وتهدأ التوترات، فنعود إلى البناء معاً، بدل تضييع الوقت والغرق في متاهات التفاصيل، وعند وصول الأمور إلى خواتيمها كان يأتي إليك زائراً، بفحيح يحدّثك، وبهمس يوقر أذنيك، فتنكص، وتعود الأوضاع إلى التشنج والتوتر؟
ألا تتذكر اتفاق الرياض أوائل بروزك، عندما تم الاتفاق مع المشايخ، فواجهته أنت وعرّابك بالرفض، بعدما أوعز لكم صاحبكم بوجوب الرفض؟
أوَتذكر غيره وغيره من الاتفاقات والتفاهمات والتسويات منذ ذلك الحين إلى آخر "غطّة" خاطفة له على أرضنا، فخرّب ما خرّب، وأنت أدرى بما خرّب؟
وفي نيويورك، كان "حاضراً ناظراً"، وما كنت قد وافقتَ عليه هنا (ولو بطلبك أثماناً باهظة) ذهبتَ إلى هناك، والتقى بك، ومنعك من تنفيذ الاتفاق، بالرغم من أن المشايخ كانوا يقودونك بطريق آخر.
هل غاب عن ذهنك كل هذا؟
عليك أن تتذكره جيداً اليوم.. كي ترى نتيجة الطريق الذي سيّرك به.
لقد قادك إلى هذه النهاية السوداء، لقد قادك إلى خسارة "ملك" لم تستطع الحفاظ عليه.
ماذا سيفعل من أجلك اليوم؟
لا شيء.. صدّق.. لا شيء.
سينتقل للبحث على طريقة يلتفّ بها على خليفتك، وليرتّب أمور بلاده في بلادنا دونك، دون الاهتمام بحزنك، ودون الالتفات لمصيرك.
هل علمت إلى أين ينبغي أن توجّه غضبك وحنقك، لتعبّر عن يأسك؟
هل علمت ماذا فعل بك فيلتمان.. يا سعد الدين؟

الأربعاء، يناير 12، 2011

دعونا ندخل إلى الموقع

محمود ريا
بشّرت وزارة الداخلية المواطنين بأن عدد مخالفات السير التي سجّلتها الرادارات الثابتة والمتنقلة لقوى الأمن الداخلي على مختلف الطرق اللبنانية قد تجاوز 67 ألف مخالفة خلال شهر ونصف، وصولاً إلى نهاية العام المنصرم.
عدد المخالفات لافت، فهو يدل على مدى انفلات اللبنانيين وتحلّلهم من الالتزام بقوانين السير، هذا مع وجود رادارات تراقب حركتهم، وتحصي عليهم أنفاسهم ولا سيما على الطرقات الرئيسية، فكيف الأمر بهذا اللبناني وهو متروك "على راحته" يفعل ما يشاء حيث يشاء، دون حسيب أو رقيب.
لا شك أن كل واحد من السائقين على الطرقات قد لحظ حالة "الانسياب" والسكون التي تسيطر على السيارات، بحيث أنه يمكن تصوّر أن السيارات مربوطة ببعضها، فلا تتحرك الواحدة أسرع من الأخرى، وهذه ظاهرة لم نعتد عليها في هذا البلد، حيث كان السائق لا يستطيع توقع اللحظة التي تمر بجانبه "سيارة طائرة" تكسر كل حدود السرعة، وتحطم بدربها ما يعترضها من سيارات ومواطنين وأبنية وغير ذلك.
الآن يمكن أن يشهد كل واحد منا أن هدوءاً غريباً يتحكم بحركة السيارات، وبالرغم من ذلك نجد أن عدد المخالفات وصل إلى الرقم الذي ذكرته وزارة الداخلية، والأمل أن لا يزداد هذا الرقم بسرعة، وأن ينخفض معدل السيارات المضبوطة، ليس بسبب تعطل الرادارات، وإنما نتيجة اقتناع المواطنين بأن دفع الغرامة المقررة على كل مخالفة أمر مرهق، ويستحق أن يخفض المرء سرعته خلال القيادة تجنباً للوقوع في مطب مخالفة قانون السير.
ولا بد هنا من الإشارة إلى بعض الملاحظات التي تشوب عملية ضبط حركة السيارات عبر الرادارات، وأبرزها اثنتان:
ـ الأولى هي أن عدداً كبيراً من السيارات في لبنان تباع وتشترى من خلال وكالات البيع ووكالات السوق، وشئنا أم أبينا هناك عشرات الآلاف من السيارات التي لا تزال دون تسجيل على اسم صاحبها الحالي، بالرغم من مرور سنوات على شرائها، وبالرغم من تنقلها من شارٍ إلى شارٍ.
وهذا الواقع يدفع إلى التساؤل عن موقف مواطن باع سيارته قبل عشر سنوات مثلاً، ليفاجأ بموظف من شركة ليبان بوست يدق بابه ليسلّمه مخالفة سرعة، دون أن يعرف هو أين هي السيارة الآن ومع من؟
هل يدفع المخالفة، أم يضع نفسه تحت طائلة التعرض للتحويل إلى المحاكمة؟
هذا الواقع يتطلب من وزارة الداخلية استكمال آلية المحاسبة من خلال التشديد على المواطنين بضرورة "ملاحقة" السيارات المسجلة على اسمهم ومتابعة مصيرها، كي لا يكونوا عرضة لهذه المفاجآت السارة في يوم من الأيام.
ـ الملاحظة الثانية تتعلق بكيفية الاطلاع على مخالفات السير من خلا ل الموقع الإلكتروني لقوى الأمن الداخلي على شبكة الإنترنت.
إن المهتم بمعرفة واقع العلاقة بين عدّاد السرعة في سيارته وصور الرادارات على الطرقات سيجد صعوبة كبيرة في تأمين تواصل حقيقي وفعّال مع هذا الموقع، حيث تشكل عملية الدخول إلى الموقع معاناة حقيقية لكثرة ما يظهر من فشل في إمكانية الوصول إلى الموقع ومعلوماته.
قد يكون هذا الفشل ناجماً عن ضعف الموقع، أو عن ضيق سعة النطاق الممنوح له من أجل الدخول إليه، أو بسبب الضغط الكثيف لطلبات الدخول.
"أظهرت إحصاءات وزارة الداخلية اللبنانية ارتفاعا في عدد السيارات والمركبات المسجلة في لبنان حيث بلغ عددها مليونا و720 ألف سيارة للعام 2010 في لبنان عامة منها 900 ألف في العاصمة اللبنانية بيروت".
إذا كان هذا هو عدد السيارات كما ذكره خبر منشور في حزيران/ يونيو من العام الماضي، وإذا كان هناك خمسون بالمئة فقط من اللبنانيين مهتمين بمعرفة ما إذا كان عليهم مخالفات سرعة أم لا، وإذا أخذنا بالاعتبار أن المواطن سيدخل مرة في الأسبوع على الأقل للاطلاع على "صفحة سوابقه" المرورية، فإن هذا يعني أن لدينا مئات الآلاف من النقرات على موقع قوى الأمن الداخلي يومياً، فهل أمّن المختصون في المعلوماتية في المديرية العامة البنية التقنية اللازمة لتلقي هذا العدد من النقرات؟
لا يبدو ذلك. والدليل هو الفشل في الدخول إلى الموقع، الذي يعاني منه المواطن مرة بعد مرة، ما يجعله بعد فترة يائساً من التجربة، ويضعه أمام خيار إهمال الإطلاع على ما يمكن أن يطرأ من مخالفات على سيارته، ويقلّل من جدوى إجراء وضع الرادارات على الطرقات.
فيا وزارة الداخلية، يا أيها المعنيون في موقع قوى الأمن الداخلي، نحن، المواطنين اللبنانيين، نرجوكم أن تسمحوا لنا بالدخول بسهولة إلى موقعكم.

الخميس، ديسمبر 30، 2010

لبنان يتوحّد على خبر



محمود ريّا
كانت صدمة للبنانيين عندما استيقظوا في صبيحة اليوم الفائت، ليجدوا أن الصحف الكثيرة الصادرة في بلدهم تحمل عنواناً واحداً على صفحاتها الأولى، أو ما اشتهر عندهم بتسميته بـ "المانشيت".
كان من الطبيعي أن تتفق الصحف اللبنانية على معالجة موضوع واحد في افتتاحياتها، وقد يحصل أحياناً (وإن نادراً) أن تكون المعالجة متقاربة وبكلمات فيها بعض التجانس.
ولكن أن تكون كلمات العنوان الرئيسي هي نفسها في كل الصحف، فهذا ما لا يتذكره كل اللبنانيين كباراً وصغاراً، لا بل هذا ما لم تشهده الصحافة اللبنانية في تاريخها الطويل.

لا بد أن شيئاً ما قد حصل، بل لا بد أن ترتيباً ما هو الذي يقف وراء توحد عناوين الصحف.
الحشرية التي استشرت بين اللبنانيين لمعرفة ما يقف وراء هذا الحدث الفريد، لم تستطع أن تحجب الحيرة التي نشأت بعد الاطلاع على العنوان، وعلى الموضوع الذي يعالجه.

لقد كان العنوان بكل بساطة: طائرات العدو الإسرائيلي تخرق الأجواء اللبنانية بوقاحة، ولبنان لن يسكت بعد الآن. لم يعتد اللبنانيون أن يأخذ هذا الموضوع حيّزاً كبيراً من الاهتمام في صحفهم، أو أن يقف محررو الصفحات المحلية عند البيانات المتلاحقة التي تصدرها قيادة الجيش بهذا القدر من الحماسة.
وكان متابعو الصحف اللبنانية ( السبع ـ العشر ـ التي لا تعدّ) يخجلون من أنفسهم وهم يرَون هذه البيانات مركونة في أسفل الصفحات الأخيرة من المحليات، مع أخبار أخرى من قبيل القبض على لص، أو تعثّر دابّة على طريق.
فما الذي حصل حتى يحتل خبر كهذا، الذي يتكرر كل يوم، الصفحة الأولى في كل صحيفة لبنانية، حتى غطى على زيارات المسؤولين اللبنانيين (مَن كان منهم في البلاد خلال عطلة الأعياد) إلى المناطق اللبنانية، شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، وعلى كل أخبار الوساطات واللقاءات والمآدب والحفلات؟ لم يطل الوقت حتى بدأت الصورة تتوضح.
لقد كان عدد من المسؤولين في جولة خارج العاصمة، وهذا إنجاز بحد ذاته، وقد لَفَتهم أن الطائرات الحربية والتجسسية الصهيونية لم تغادر أجواء المناطق التي زاروها طوال وقت وجودهم فيها، ولما سألوا عن سبب هذا التحليق الكثيف للطائرات المعادية، وما إذا كان مرتبطاً بوجودهم في تلك المناطق، فوجئوا بأن هذا الوضع ليس جديداً، وأن كل يوم لبناني هو يوم حافل بتحليق طيران العدو بمختلف أشكاله في "السماوات" اللبنانية، مقلقاً الكبار ومرعباً الصغار، دون أي حسيب أو رقيب، وأن ما يصدر من بيانات رسمية حول هذا التحليق يحمل معلومات حقيقية ويتحدث عن وقائع يمكن تلمّس آثارها في أعصاب اللبنانيين.

عند هذا الحد، جمع المسؤولون أنفسهم، وعقدوا اجتماعاً شاملاً، كانت النتيجة الوحيدة له أنه لا يمكن السكوت بعد الآن عن هذا الخرق الفاضح للسيادة اللبنانية.
وبناء على هذه النتيجة صدرت القرارات:
ـ وزير الإعلام مكلف بتوحيد عناوين الصحف اللبنانية على لفت النظر إلى هذه الجريمة الصهيونية المتمادية.

ـ وزير الخارجية مكلف بإبلاغ دول العالم بأن لبنان سيقطع علاقاته الدبلوماسية مع كل دولة لا تدين الخرق الجوي الصهيوني بأقسى العبارات ولا تستخدم نفوذها لمنع الطيران المعادي من الدخول إلى الأجواء اللبنانية بعد الآن.

ـ وزير الدفاع مكلف بتأمين كل وسائل الدفاع الجوي للتصدي للطائرات المعادية حين اختراقها سماءنا.
ـ وزير الشؤون الاجتماعية مكلف بإقامة حلقات لأطفال لبنان تدعمهم نفسياً في مواجهة القلق الذي يسببه وجود طائرات العدو فوق رؤوسهم بشكل دائم.

ـ وزير الداخلية مكلف...
ـ وزير الاقتصاد..

ـ وزير ..

ـ ...
صار لا بد من الاستيقاظ من الحلم على صوت الطائرات المعادية وهي تخترق جدار الصوت فوق رؤوسنا.. وكل حلم وأنتم بخير.

الاثنين، ديسمبر 27، 2010

ليو شياو باو: على السلام.. السلام



محمود ريا

لعل الكثيرين لم يعودوا يتابعون "مسرحية جائزة نوبل للسلام" منذ حصل عليها أشخاص لا يوجد أي صلة بينهم وبين السلام في العالم، كالمجرم مناحيم بيغن والقاتل شمعون بيريز ومكسّر عظام الأطفال إسحاق رابين، وكذلك أشخاص باعوا أوطانهم ومبادئهم من أجل قطعة ورق وبضعة دراهم، وبينهم من هم "من عندنا". كان الشعور ـ وما يزال ـ لدى فاقدي الاهتمام بهذه "الجائزة العالمية" أن القائمين عليها أضاعوا البوصلة وخانوا المبدأ الذي أطلقت من أجله هذه التظاهرة العالمية، وباتوا يعطون هذا الوسام لمن لا يستحقه، انطلاقاً من أجندة سياسية نابعة من إرادة القوة الكبرى في العالم، وليس انطلاقاً مما قدمه هذا الشخص للسلام العالمي. ولعل النماذج التي وردت آنفاً تدل على مدى بُعد الحاصلين على الجائزة عن السلام، وحجم الفظائع التي ارتكبوها ـ هم وغيرهم ـ بحق الأمم والشعوب على مدى العقود الماضية. إلا أن الوضع هذه السنة اختلف قليلاً، فقد شدّت الجائزة بعض الاهتمام، ولا سيما أن الحاصل عليها شخص يقبع في السجن، ما يعني أنه يضحي من أجل قضية عادلة، ولا يرتكب الجرائم. ولذلك بدأ المتابعون يسألون عن السبب الذي دفع لجنة جائزة نوبل إلى الالتفات إلى المقهورين والاهتمام بهم وبقضاياهم. ومع قليل من البحث اتضحت الصورة. ليو شياو باو، الصيني المعارض والمسجون، حاز جائزة نوبل لأنه أعلن مواقف مناهضة للحكم في الصين، وأصرّ على رفع صوته في وجه قمع الحريات في الصين. إلى هنا قد يبدو الأمر عادياً، فالحريات في الصين، كما في الكثير من بلدان العالم ليست مضمونة كما يجب، والنضال من أجل تحقيقها قد يكون تضحية من أجل قضية مبدئية شريفة لا غبار عليها. ولكن، لم تقف الأمور عند هذا الحد. فالرجل لا يريد الحرية للصينيين كما يدعي، وإنما هو يكره الصين ويكره تاريخها ويريدها في مستقبلها كالدول الغربية تماماً دون أي فرق. وليس هذا كل شيء، فالرجل معجب بالولايات المتحدة وبمعالجتها للقضايا العالمية بشكل يفوق الوصف. ولا يقتصر هذا الإعجاب على طريقة العيش في نيويورك أو لوس انجلوس، ولكنه يتعداه إلى تأييد كل الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة ضد دول العالم، في الماضي البعيد وفي الحاضر أيضاً، كحروب فيتنام وكوريا، وغزوات أفغانستان والعراق، مع ما شهدته هذه الحروب الفظيعة من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية. وفي مقال له بعنوان "دروس من الحرب الباردة"، يقول ليو إن "العالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة قد حارب تقريباً كل الأنظمة التي انتهكت حقوق الإنسان.. والحروب الكبرى التي أصبحت الولايات المتحدة مشاركة فيها هي كلها يمكن الدفاع عنها من الناحية الأخلاقية". هذا هو ليو شياو باو الذي حصل على جائزة نوبل للسلام، فهو من التبريريين الذين تحتاجهم واشنطن للدفاع عن نهجها السياسي في العالم. ولعلّ جورج بوش هو الأكثر سعادة بالمنشق الصيني "النوبلي"، فشياوباو يرى عام 2004 أنه "لا يمكن إلغاء الإنجاز الرائع الذي حققه جورج بوش في مكافحة الإرهاب لمجرد افتراءات (المرشح الديموقراطي حينها جون) كيري.. ومع ذلك فمهما كان حجم الخطر الذي يجب تحمّله في سبيل إسقاط صدام حسين، فاعلم أنه ليس هناك أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى خطر أكبر. ويثبت ذلك كل من الحرب العالمية الثانية والحادي عشر من سبتمبر! وبغض النظر عن أي شيء فإن الحرب ضد صدام حسين هي حرب عادلة! وقرار جورج بوش هو قرار صحيح!". ولكن هناك من يحتاج ليو شيا باو كذلك، فهو يثني بشدة على موقف إسرائيل في صراع الشرق الأوسط، وهو يلقي اللوم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الفلسطينيين، الذين يرى أنهم هم "غالبا المستفزون". هل اتضحت الصورة؟ ليو شياباو هو نسخة صينية للفاشية الأميركية، وللعربدة الصهيونية، ولذلك حاز جائزة نوبل للسلام. هو صورة طبق الأصل لمناحيم بيغن وشمعون بيريز، ولهنري كيسنجر وجيمي كارتر، ولكل المجرمين الذين قتلوا بأيديهم أو بأفكارهم، والذين ارتكبوا الفظائع خدمة لـ "المؤسسة الأميركية" التي باتت هي من يصدر القرار بمن يحصل على جائزة نوبل للسلام. وعلى السلام.. السلام.

الثلاثاء، ديسمبر 21، 2010

المريخ ـ الصين.. والأرض ـ أميركا



محمود ريا

سادت السينما الأميركية موجة من الأفلام التي تنتمي إلى فئة الخيال العلمي والتي تقوم على فكرة غزو المخلوقات الفضائية للأرض. وتنوعت المعالجات الهوليودية لهذا السيناريو، باختلاف المخرجين والأفلام التي خرجت من تحت أيديهم.
إلا أن الفكرة الأكثر تردداً بين تلك الأفلام كانت الفكرة التي تقوم على "الغزو الناعم" من قبل المخلوقات الفضائية للأرض، بحيث يأتي الفضائيون بصفة أصدقاء مسالمين، وعندما يبنون علاقة طيبة مع سكان الأرض ويتغلغلون في مفاصل الكرة الأرضية يظهرون صورتهم الحقيقية كغزاة محتلين يسعون للسيطرة على الأرض وإبادة الجنس البشري، أو استعباده على الأقل.
ولعلّ فيلم "غزاة المريخ" المنتج عام 1996 هو من أكثر الأفلام تعبيراً عن هذه الأفلام وعن هذه الفكرة الخيالية التي يحاول السينمائيون الأميركيون التعبير عنها من خلال هذه النوعية من الأفلام.
إلا أن وضع هذا النوع من الإنتاج في فئة الأفلام الخيالية لا يعني أن الواقفين وراءه لا يريدون من خلاله التعبير عن فكرة واقعية تسيطر على عقول الأميركيين، وهي فكرة الخوف من الغزو الخارجي، الغزو الذي يريد أن يسلب الأميركيين (بصفتهم الطبقة الأرقى بين البشر الأرضيين) ما يملكونه من حياة رغيدة، ويهدف إلى السيطرة على بلادهم ومنعهم من البقاء القوة العظمى (الخيّرة) على مستوى العالم.
وهذا الخوف يتملّك الأميركيين ليس من المخلوقات الفضائية فقط، وإنما من البشر الآخرين أيضاً، ولا سيما البشر الأقوياء، الذين يملكون القدرة على أن يكونوا مستقلين عن الأميركيين، والذين يحملون تطلعات التخلص من الهيمنة الأميركية على العالم.
ومن أوجه هذا الخوف ذلك الذي يسيطر على الأميركيين كلما ذكرت أمامهم كلمة الصين.
وآخر مظاهر البارانويا الأميركية تجاه الصينيين عبّر عنه كاتب أميركي قدير، له باعه في التحليل السياسي، ويُحسب حسابه بين المفكرين الذين يرسمون من خلال مقالاتهم آفاقاً للسياسة الأميركية لا بد من احترامها.
الكاتب هو توماس فريدمان، الذي نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثاني من الشهر الحالي، ركب من خلاله موجة تسريبات ويكليكس، ولكنه قاد الأمور باتجاه مختلف عن ذلك الذي تسلكه البرقيات المسرّبة، حيث لعب لعبة "اكتشاف" برقية متخيّلة مرسلة من السفارة الصينية في واشنطن إلى وزارة الخارجية في بكين، يضع فيها كل أوهامه حول مساعي الصين للسيطرة على الولايات المتحدة، التي يعترف أنها باتت دولة ضعيفة منقسمة تتوهم نفسها دولة عظمى، بينما هي أصبحت لقمة سائغة في فم التنين الصيني الذي يوشك على التهامها في أي لحظة.
ولعل أقسى عبارة في "البرقية المتخيّلة" التي تحمل عنوان ـ كل شيء في الولايات المتحدة يسير كما نرغب (في الصين) ـ قول فريدمان في ختامها على لسان الدبلوماسي الصيني الذي "كتبها": يدرس رقم قياسي من الطلاب في المدارس الثانوية الأميركية الآن اللغة الصينية، ما سيزوّدنا بمخزون متواصل من اليد العاملة الرخيصة التي تتقن لغتنا في حين نستخدم احتياطنا البالغ تريليونين و300 مليار دولار لشراء المصانع الأميركية في الخفاء.
إنها الصين التي تستحوذ على عقول الأميركيين وتستحوذ على أموالهم أيضاً، وهي الدولة التي يرون فيها القدر القادم لسلب أميركا تفوقها ورفاهيتها وحتى مستقبلها. وإذا كان فريدمان ينقل عن "الدبلوماسي الصيني المتخيّل" قوله: نحمد الله لأن الأميركيين يعجزون عن قراءة برقياتنا الدبلوماسية، فإن "النوايا الصينية الشريرة" لا تبدو خافية على الأميركيين، لا بل ها هي تتحول إلى كوابيس تؤرقهم.
مقال فريدمان يستحق القراءة فعلاً، لا بل يستحق تحويله إلى وثيقة (وإن لم تكن رسمية وحقيقية) تفضح النظام الأميركي بمجمله، كما تكشف الرؤية الأميركية الحقيقية للعالم كله، بأرضه وبفضائه.

الأحد، أكتوبر 24، 2010

كي لا تودوا بأنفسكم إلى التهلكة

محمود ريا
يبدو أن للطريقة الجديدة التي تعمل بها السيارات الحديثة دوراً أساسياً في الازدياد المخيف في حوادث السير في العالم، وفي لبنان أيضاً، حيث تم تسجيل مئات الحوادث التي أدت إلى مقتل المئات من الأشخاص.
صحيح أن وزارة الداخلية تكرّمت بإصدار بيان يعتبر أن عدد قتلى حوادث السيارات ما زال أقل من عددهم في السنوات الماضية، ولكن الجمعية اللبنانية المتخصصة بمتابعة شؤون السير والحوادث ( اليازا) لديها رأي آخر، وهو يقوم على أن عدد ضحايا حوادث السير هو ضعفا العدد الذي أعلنته وزارة الداخلية.
وبغض النظر عن صحة الرقمين (350 أو 700) فإنه يبقى رقماً مرتفعاً، فهو يحصي أرواح الناس، وهذه الأرواح ليست رخيصة أبداً، سواء كانت روحاً واحدة أو ألف روح.
وبناءً عليه فإن الأمر يعتبر كارثة حقيقة: هو كارثة على الوطن الذي يخسر أبناءه شباباً وشيباً لأسباب يمكن معالجتها، وهو كارثة أكبر على العوائل التي تخسر أفرادها وتترك وحيدة مع حزنها، دون أن تكون عقوبات هذه الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية من مستوى ما يرتكبه كل قاتل، إلا اللهم من يذهب ضحية تهوّره أو عدم اهتمامه بقوانين السير، فيكون الثمن الذي يدفعة كبيراً جداً جداً، إنه حياته التي يفقدها في طرفة عين، أو قدرته على الحركة نتيجة الأضرار الجسدية التي تلحق به.
لقد أصبحت أخبار حوادث السير مثل أخبار البورصة التي تتكرر في النشرات الإخبارية كل يوم، إلا أن الألوان المستخدمة هي بعكس تلك التي تستخدم في لعبة الأسهم للتعبير عن ارتفاعها أو انخفاضها، فـ "هناك" تكون الألوان خضراء كلما ارتفعت قيمة السهم، و"هنا" يكون اللون أحمر قانياً كلما كانت بورصة قتلى حوادث السير أكثر ارتفاعاً.
وبالعودة إلى بداية هذا الحديث يمكن القول إن "التطورات" التي طرأت على تصنيع السيارات في العالم لها دور كبير في ارتفاع حوادث السيارات، دون أن ننسى الاختلالات التي تكتشف في السيارات الحديثة والتي تدفع الشركات المصنّعة للسيارات إلى سحب الآلاف (وأحياناً الملايين) منها دفعة واحدة، نتيجة اكتشاف خلل في المكابح أو في تصميم السيارة أو في مقودها أو في أجهزة أخرى فيها.
إلا أن الاختلالات ليست هي السبب الوحيد لهذه الحوادث، فهناك أصل تصنيع السيارة الذي يلعب دوراً كبيراً في هذا المجال.
فسيارات هذه الأيام تشبه الصواريخ التي تمشي على الأرض. وعندما يسلّم مراهق مقود سيارة قوّتها تقدّر بمئات الأحصنة، ويمكن استخدامها كسيّارات للسباق في "الفورميلا وان"، دون وجود ضوابط تمنعه من استخدام كل هذه القوة الجبارة للتباهي وللتنفيس عن الغضب ولتفريغ شحنات المراهقة التي تجتاحه، ودون أن يكون حاصلاً على رخصة سوق قانونية وحقيقية تعرّفه على المخاطر التي تواجهه خلال القيادة، فإن النتيجة ستكون كما نرى الآن: ارتفاع حوادث السير وتصاعد عدد القتلى، وطوفان الدموع التي تذرفها عيون أهالي الضحايا في كل لبنان.
أمام هذا الواقع المؤلم، وبعد النظر إلى ما يحصل على الساحة اللبنانية، فإن الإقتراح الأول الذي يطرأ على البال، هو عدم تسليم أي مراهق مقود سيارة يعمل على الزيت، حتى التأكد من قدرته على التحكم به، حتى لا يؤذي نفسه ويؤذي الآخرين، ويودي بما يقوده إلى التهلكة.
فهل من يسمع؟

الثلاثاء، أكتوبر 05، 2010

الصين واليابان: التأزم يتصاعد



إفتتاحية العدد الثالث والأربعين من نشرة الصين بعيون عربية

كانت العلاقات الصينية اليابانية متأزمة على امتداد السنوات المئة الماضية، وهي متأزمة الآن، ولا يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.
ليس في ما تشهده العلاقات الصينية اليابانية من توتر ما يفاجئ، فالبلدان يخوضان منذ عقود صراعاً أسهله يترجم نفسه علاقات باردة، وأصعبه يعبر عن نفسه بحرب دامية لا تبقي ولا تذر، لا تزال آثارها حتى اليوم تعتمل في نفوس الصينيين الذين لا يمكن أن ينسوا احتلال أرضهم ومحاولة تقسيم بلادهم (جمهورية منشوريا) ولا الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بحقهم(مجزرة نانكين كمثال).
واليوم وبعد فترة من الهدوء اللافت بين البلدين، والذي استفاد منه الاقتصادان الصيني والياباني، تعود نبرة الاختلاف إلى الارتفاع، وصولاً إلى إطلاق تهديدات ناعمة (حتى الآن) تتراوح بين التلويح بعقوبات اقتصادية متبادلة والحديث عن الزوارق الحربية والأراضي التي لا بد أن تستعاد من جهة أخرى.
وليست مسألة الجزر المتنازع عليها بين البلدين (تسميها الصين دياويو واليابان سينكاكو) إلا شرارة إطلاق السباق نحو التصعيد المتبادل، فالحادث البسيط الذي حدث عند هذه الجزر بين قارب صيد صيني وزورقي دورية يابانيين كان يمكن أن يعالج بكل هدوء لـو أن هنـاك نيـة حقيقية بعدم إثارة القضايا الخلافية المتعددة التي تحكم العلاقة بين البلدين.
وإذا كانت الجزر المتنازع عليها تملك قيمة اقتصادية عالية لجهة كون محيطها غنياً بمصائد الأسماك من جهة، وبالبترول والغاز من جهة أخرى، فإن الخلاف عليها يظل واحداً من الملفات السياسية والاقتصادية والتاريخية المفتوحة بين البلدين.
وفي نظرة إلى ما خلف الظواهر والأسباب المعلنة للخلاف، يبدو للمتابع أن هناك نوعاً من الكباش المعنوي بين البلدين، أو لنقل إنه صراع على إثبات الوجود لكل طرف في وجه الآخر.
اليابان تريد أن تقول إنها ما تزال تلك الدولة الكبرى التي احتلّت في الماضي وأقامت الإمبراطورية العسكريتارية الكبرى التي لا يمكن أن تمحى بصماتها عن التاريخ، وإنها الدولة التي حققت نهضة كبرى خوّلتها الوصول إلى المرتبة الثانية على المستوى الاقتصادي في العالم، وإنها ما تزال في تلك المرتبة ولا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة.. وخصوصاً لجارتها القريبة البعيدة.
والصين تريد أن تأخذ من جزر دياويو ذريعة لإطلاق صافرة الإعلان عن وجودها كدولة عظمى في شرق آسيا، ومن ثم في العالم ككل، وترغب في جعل قضية هذه الجزر الإشارة المطلوبة لليابان كي تتنحى عن دورها التاريخي في المنطقة، وكذلك كي تتراجع عن موقعها الاقتصادي المميز بين دول العالم، ولا سيما إن الصين تجاوزت العام الماضي ألمانيا وباتت الدولة الثالثة على المستوى الاقتصادي في العالم.
ولكن إلى أين سيوصل هذا التصعيد؟
لا أحد يعتقد أن الحرب ستدور بين البلدين، فالروابط الاقتصادية بينهما قوية جداً، والمنطق لا يسمح لأي منهما باستعادة مراحل الحروب العالمية ومآسيها، ولكن هذا لا يمنع من تصور تصاعد التوتر بين الطرفين إلى مستوى محسوب، يعطي لأحد الطرفين (والأرجح أنه الصين) الفرصة لتأكيد نوع من الهيمنة على البحر الفاصل بين البلدين، وإظهار صورة الصين الجديدة التي لم تنسَ دعوة الزعيم التاريخي دينغ سياو بينغ للتخفي، ولكنها ترغب في إظهار بعض القدرة المتوافرة لديها بين الحين والآخر.

الاثنين، سبتمبر 13، 2010

إيران والصين.. علاقة ثابتة على الدوام



إفتتاحية العدد الثاني والأربعين من نشرة الصين بعيون عربية


سأل كثيرون عن السبب الكامن وراء موافقة الصين على قرار مجلس الأمن رقم 1929 الذي يفرض عقوبات جديدة على إيران، واعتبرت تحليلات عديدة أن إيران والصين باتا في موقعين متعارضين، متوقعة أن يتسع الشرخ أكثر فأكثر بين بكين وطهران، بما يؤدي إلى اندثار العلاقة المميزة التي تجمع بينهما.
بعد مرور ثلاثة أشهر على القرار يبدو مما يرد من أخبار أن العلاقة بين الصين وإيران هي أقوى اليوم مما كانت عليه قبل إصدار القرار الدولي، بما خيّب آمال الكثيرين في الغرب والشرق على السواء.
تقدّم الصين الدليل تلو الآخر على أنها لا يمكن أن تتخلى عن أصدقائها بسهولة، ولا سيما إذا كان هؤلاء الأصدقاء يمتلكون وزناً استراتيجياً كذلك الذي تملكه إيران، في حين أن طهران لا يمكن أن تضحي بعلاقة تاريخية ومصيرية كتلك التي تجمعها بالصين.
مشاريع تلو أخرى يتم التوقيع عليها بين البلدين، ليس آخرها مشروع مد خط قطار بين طهران والحدود العراقية بقيمة مليار ونصف مليار دولار ستتولى الصين تنفيذه في القريب العاجل، كما ذكرت صحيفة دايلي تلغراف البريطانية.
المهم في الخبر أن هذا المشروع هو جزء من "خط حرير جديد" يربط الصين بالشرق الأوسط عبر دول آسيا الوسطى ومن خلال المرور بطهران ليكون خطاً تجارياً يملك مواصفات وقدرات دولية فائقة.
إن المتتبع لمسار العلاقات الصينية الإيرانية يكتشف يوماً بعد يوم صدق النظرة التي تعطي لهذه العلاقة بعداً حضارياً تاريخياً يعود إلى آلاف السنوات، بما يشير إلى أن علاقة مستمرة على امتداد الزمن لا يمكن أن يعرقلها حدث هنا أو مشكلة هناك.
لعل أفضل من أرّخ لتاريخ العلاقات الإيرانية الصينية وحاضرها ومستقبلها هو الكاتب الأميركي جون جارفر في كتابه: "الصين وإيران: شريكان قديمان في عالم ما بعد الإمبريالية" والصادر معرّباً عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.
يقول الكاتب في آخر عبارة من كتابه الذي يحوي أكثر من 500 صفحة: "بالرغم من أن سبل التعاون بين الصين وإيران وقنواته ستتغير بتغير المصالح المتبادلة، إلا أن الحوافز التي تقف وراءه ستظل ثابتة على الدوام".
إن هذه العبارة تحكم في الحقيقة العلاقات المستمرة بين البلدين والتي شهدت الكثير من التحولات على مدى الإمبراطوريات الماضية، وقبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها، فالصين ترى في إيران ركناً من أركان سياستها الخارجية ومتنفساً لها إلى الخليج و "قلب العالم"، وإيران ترى في الصين عمقاً لا تنضب إيجابياته، ولذلك فإن ضغوطاً من هنا وهناك لن تترك على هذه العلاقات إلا ندوباً طفيفة ما أسرع ما تندمل لتعود هذه العلاقات إلى طبيعتها المشرقة.
كانت موافقة الصين على العقوبات فرصة للتخلص من الضغوط الأميركية الشديدة، لتعاود بكين ترتيب ملفات علاقاتها مع طهران، وما رفض القيادة الصينية لتصعيد العقوبات وتشديدها من خلال قرارات أميركية أحادية إلا دليل على أن الصين جارت واشنطن إلى حدود معينة، وذلك بعد أن بذلت جهودها لإفراغ العقوبات من تأثيراتها القاسية على طهران، وذلك كما فعلت تماماً عام 1997، وهي ستستمر في السير في هذا الطريق حفاظاً على الروح الحقيقية للعلاقة مع إيران والتي يصفها الكاتب جون جارفر في كتابها بأنها تقوم على عنصرين: الحضارة والقوة.