الاثنين، سبتمبر 05، 2011

إنترنت.. "متل العالم"؟






محمود ريا
لم أتوجه إلى حديقة السيوفي كي أتمتع بخدمة الإنترنت المجانية التي أمّنتها وزارة الاتصالات في الحديقة، ولكن قد أتوجه إلى أي حديقة عامة قريبة للاستفادة من هذا الإنجاز التقني، لأن الوزارة وعدت ـ ويبدو أنها تفي بوعودها ـ بأن هذه الخدمة ستعمّم قريباً على كل الحدائق العامة، في بيروت ومحيطها على الأقل.
وإن كنت لم أستفد من هذه الخدمة، فأنا موعود بإنترنت أسرع ثلاثماية وخمسين مرة عمّا هو موجود اليوم، عند بدء تشغيل الخدمة الجديدة للإنترنت، ابتداء من شهر أيلول/ سبتمبر المقبل.

طبعاً هذه خدمة تبقى متواضعة مقارنة بما هو موجود في العالم، ولكنها مذهلة وفعّالة جداً قياساً إلى المعاناة التي نعانيها مع خدمة الإنترنت السلحفاتية والمتقطعة التي نحصل عليها اليوم.

ومن يطّلع على "قصة" تحقيق هذا التقدم يمكنه أن يشعر بحجم الحرب التي تعرض لها "الوزير الأحمر"، قبل أن يتمكن من تنفيذ إرادته التحديثية، من قبل المتضررين والمنتفعين وأصحاب العمى السياسي الذين يبدون استعداداً لتدمير كل جميل، طالما إنه صدر من يد أخصامهم (مع العلم أنه لم يصدر من أيديهم هُم أي جميل).

إنه إنجاز آخر لوزارة الاتصالات، بعد أن "وقعت" في أيدي وزراء تطويريين متطلعين إلى المستقبل، راغبين في خدمة الناس، وفي رفع مستوى الخدمات في بلدهم، وبعد أن خرجت من أيدي وزراء (وزير) احتكاريين نفعيين يبحثون عن مصالحهم ومصالح أبنائهم ومصالح الشركات الخاصة المحتكرة والهرمة، على حساب مصلحة المواطن.




طبعاً ليس هذا هو الإنجاز الوحيد، فهناك الكثير من التطورات الأخرى التي شهدناها في قطاع الاتصالات خلال السنتين الماضيتين، من توفير خطوط الهاتف الخلوية بأسعار أقل بكثير، إلى تأمين الإنترنت عبر الـ DSL، إلى غيرها من التطورات.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة، ونيلها الثقة قريباً كما هو مفترض، فإن الوزير الجديد سيكمل ما أنجزه الوزير السابق، تأسيساً على ما بناه الوزير الذي سبقه، أي أن مسيرة "التغيير والإصلاح" التي تشهدها وزارة الاتصال ستظل مستمرة حتى تؤمن للبنانيين، الراغبين والكارهين على حد سواء، خدمة اتصالات تليق بهم وببلدهم الذي تركه وزراء اتصالات العهد البائد عاجزاً متخلفاً متأخراً سنوات عن دول العالم، حتى تلك الدول البدائية منها.

لقد بتنا نحلم أن نستفيد من الإنترنت، بدل أن يستفيد أطباء الضغط والأعصاب منا، كلما قررنا أن "نتورط" في استعمال شبكة الإنترنت للحصول على المعلومات أو لتحقيق التواصل مع الآخرين في لبنان والعالم.

كان هذا الحلم ممنوعاً، بحجة الحفاظ على مالية الدولة، وكان هذا الحلم مقموعاً بهدف تكديس الأرباح لدى الشركات الخاصة، وشركات الأولاد والأحفاد.
نقلة نوعية نشهدها في قطاع الاتصالات، نأمل أن تطال القطاعات الأخرى كلها، بعد الانطلاق في إبعاد يد التعطيل والتخريب والنهب والزبائنية عن مفاصل الدولة، ولاسيما تلك المفاصل الأكثر حساسية والأدق من الناحية التقنية.

الاثنين، مايو 16، 2011

مجلس التعاون... أي تعاون؟



محمود ريا

تنتاب المراقبين الحيرة وهم يقلّبون وجوه القضية، فلا يصلون إلى جواب شافٍ.

المسألة معقدة فعلاً، وتستحق كل هذا الوقت من التفكير.

فأيّ اسم يمكننا أن نطلق على هذا التجمّع الجديد؟

بالأمس عندما التقت المصلحة على تجميع مصر والعراق واليمن والأردن، اهتدى الدبلوماسيون إلى اسم: مجلس التعاون العربي.

وعندما اجتمع الخليجيون لسبب، وهم ما كانوا ليجتمعوا من أجل مصلحتهم ومصلحة أمّتهم، سمّوا أنفسهم باسم مجلس التعاون الخليجي.

ولكن اليوم ماذا نسمي التجمع الجديد؟

كيف يمكن أن نجمع الدول الخليجية مع الأردن مثلاً، تحت اي مظلة؟ وأي تسمية نطلقها لجمع هذه الدول كلها مع المغرب؟

هل سيبقى المجلس يحمل اسم "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"؟ وبأي حق؟

هل سيجد جهابذة الدبلوماسيين العرب صيغة تجمع كل هذه المتناقضات الجغرافية تحت مسمى جديد؟

أم سيتركون المهمة للذين أوعزوا إليهم بتشكيل هذا الكيان الغريب، كي يقوموا هم أيضاً بتسمية المولود الجديد؟

بعد كل هذه التساؤلات، حول الاسم والشكل، يأتي السؤال الحقيقي حول المضمون وحول الهدف وحول التوقيت.

ما الذي استدعى هذه الحماسة لـ "توحيد الطاقات العربية" بعد عقود من العمل السري والعلني لإحباط أي مسعى توحيدي عربي، وبعد دفع مليارات الدولارات لتقسيم المقسّم وتفتيت المفتّت، وتدبير المؤامرات التي تستهدف الدول ذات التفكير الوحدوي والمشروع القومي؟

أي "وحي" هبط فجأة على أمراء القبائل والعشائر وشيوخ الأجباب والأفخاذ والعوائل كي يبدأوا بطرح المشاريع العابرة للأقاليم والمتجاوزة حتى للقارات؟

هل فكّر هؤلاء الملوك والأمراء مثلاً أن ملياراتهم تسمح لهم بحفر فروع للخليج تصل بمياهه الدافئة إلى شرق الأردن، أو شق قنوات بين هذا الخليج والبحر المتوسط، بما يسمح لمياههما بالاختلاط والامتزاج، فيغسل ملك المغرب رجليه بالمياه الخليجية، ويصبح أهلاً للانضمام إلى هذه التجربة التعاونية؟

أيّا كان السبب، فإنه بلا شك سبب وجيه هو ذاك الذي يدفع مشايخ الخليج إلى إضافة المزيد من عناصر التأزيم والاضطراب والاختلاف إلى سلّة المشاكل والمخاطر التي تعيشها دول الخليج، وهي سلّة مترعة أصلاً بالقضايا الكبرى التي لم ينجح المجلس الخليجي في حلّ أيّ منها في يوم من الأيام.

وحتى عندما أراد المجلس أن يتدخل بقضية ما، فإنه تدخل بغباء وبقصر نظر وبعنف في مسألة البحرين، ليحوّل مشكلة داخلية إلى أزمة إقليمية، وليخلّف آثاراً سلبية وعوامل اضطراب كامنة في المنطقة كلها.

كل هذه الوقائع تشي بأن "فكرة" توسيع مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليست فكرة محلية، وليست من بنات أفكار الملك الفلاني أو الأمير العلاّني، وإنما هي "من فوق"، أي من دوائر السياسة الغربية ـ والأميركية تحديداً ـ ومن اقتراحات الذين يريدون تجميع طاقات الملوك في خدمة المشروع الأميركي في المنطقة.

إذا كان من تعاون يريد الأميركيون لدول مجلس التعاون أن تتعاون فيه على شيء ما، فهو بالتأكيد ليس تعاوناً على البر والتقوى، وإنما هو تعاون على الإثم والعدوان.

السبت، مايو 07، 2011

وهم الغادري... وتوهم المعارضات



محمود ريا

لم يكن ما قام به فريد الغادري غلطة، وإنما هو أمر مخطط ومدروس... والدليل أن حديثه الفجّ حول رفع العلم الإسرائيلي في سماء دمشق جاء في مقابلة صحافية "فعلية" مع موقع "إيلاف" المعروف.

يريد الغادري، وتريد "إيلاف" معه، تحقيق أهداف محددة من هذه المقابلة اللافتة:

أولاً: هما يريدان ـ بالتكافل والتضامن ـ كسر حاجز الرفض لـ"إسرائيل" في عالمنا العربي (وهذه مهمة يجهد موقع إيلاف لتحقيقها منذ سنوات) من خلال دفع الخيال إلى تصوّر صورة العلم الصهيوني يرفرف في دمشق، عسى أن يأتي يوم يتحول فيه هذا الخيال إلى واقع.

وللعلم فإن هذا المشهد هو حلم صهيوني بقي قادة العدو يركضون وراءه لسنوات، ودائماً كان هذا الحلم يتحول إلى سراب.

ثانياً: يريد الغادري من هذا الطرح أن يقدّم اوراق اعتماد أكثر تماسكاً لدى قادة العدو الصهيوني اولاً، ولدى الإدارة الأميريكة وقيادات الدول الغربية ثانياً، لتبنيه كمكوّن أساسي في "المعارضة السورية"، بما يسمح له بلعب دور أساسي في المستقبل السوري كما يتخيله هو ومن يقف معه وحوله ووراءه.

ثالثاً: يريد الغادري أيضاً أن يترك أثراً طيباً لدى الشعوب الغربية التي يوجهها قادة الرأي فيها (ليسوا كلهم) لخدمة " إسرائيل" والدفاع عنها... فهذا الوجه الشاب والمنفتح والمحب للسلام والمؤيد للصداقة مع "إسرائيل" سيصبح نجمة الشاشات الغربية ويلقى كل تعاطف ودعم من قبل الميديا الغربية وربما العربية المتغربة أيضاً.

رابعاً: تريد "إيلاف" عثمان العمير أن تكرّس صورتها المعروفة كراعية لكل غريب وشاذ في عالمنا العربي، بما يعطيها ترتيباً أعلى في موقع ألكسا لترتيب المواقع، وهذا ما يسمح لها بأن تعزز دورها الاختراقي التغريبي الصهيوني في أمتنا.
وإذا كانت التصريحات الغادرية ليست جديدة ومفاجئة، فهو قال مثلها وأكثر في قلب الكنيست الصهيوني، فإن صدورها في هذا الوقت بالذات يجعل منها "برنامج عمل" لوجه من وجوه المعارضات السورية التي تحمل لواء إسقاط النظام في دمشق.

ومع أن تصريحات الغادري فجّة ومباشرة، وقد تكون غير مقبولة لدى قطاع واسع من المعارضين السوريين، إلا ان هذه التصريحات ليست إلا الوجه الظاهر من مواقف قد تكون أكثر خطورة، كدعوة المعارض هيثم المالح مثلاً، الولايات المتحدة لضرب سوريا دعماً لـ "الثورة" فيها، أو تعاون عبد الحليم خدام مع جماعة 14 آذار/ مارس اللبنانية الملتحقة بالمشروع الأميركي في المنطقة، أو حتى في حماية رفعت الأسد وأولاده لشهود الزور الذين عملوا على تلبيس القيادة السورية تهمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري.

هذه هي القيادات التي تقدم نفسها للسير في طليعة التظاهرات التي خرجت في عدد من المدن السورية مطالبةً بالاصلاح والتغيير، وهي ـ إلى جانب العصابات المسلحة والمجموعات التي ترفع الشعارات التكفيرية من دون خجل ـ تشكل بطاقة فشل أي مشروع يستهدف القيادة السورية، لأن الشعب السوري الذي رفع دائماً لواء معاداة "إسرائيل"، والذي لا يمكن أن يغفل عمّا حل بالعراق الجار الشقيق من جرّاء الاحتلال الأميركي لأراضيه، والذي يرى ما فعلته وتفعله جماعات 14 آذار بالمواطن اللبناني، والذي يعرف مدى حقد شهود الزور ومن يحميهم، وكذلك الذي يرفض التعصب والطائفية، ويأبى ان يتحول الاستقرار الذي يعيشه إلى فوضى مسلحة يقتل فيها الأخ أخاه، هذا الشعب وقف وسيبقى في وجه هذه القيادات لتبديد أوهامها وتسفيه أحلامها وتوهماتها.

إن بضاعة الغادري كاسدة وفاسدة، ولن تجد من يشتريها من أبناء الشعب السوري، وكذلك كل "البضائع المستوردة" من قريب أو بعيد.

الثلاثاء، مايو 03، 2011

العرس الملهاة.. وواقع المأساة




محمود ريا

انشغل العالم لساعات بالاحتفال الذي أقامته بريطانيا احتفاء بزواج الأمير ويليام من إحدى الحسناوات البريطانيات.. وبعد مرور الموجة الأسطورية التي ولّدها هذا العرس التاريخي، والذي كان أشبه بلوحة من الزمن الغابر تتجدد في العصر الحالي، صار لا بد من طرح بعض الأسئلة التي ترد على ذهن المتابع، حتى ولو لم يرَ إلا مشهداً واحداً من هذه اللوحة، كما حصل معي انا.

لماذا يهتم البريطانيون، ويدفعون العالم كله معهم للاهتمام بزواج شخصين، أيّا كان هذين الشخصين، بحيث تصبح كل الأحداث الأخرى في المرتبة الثانية، وتنقل محطات التلفزة في أنحاء العالم هذا الحدث بكل اللغات، ولماذا ينساق العالم معهم في هذه اللعبة الخيالية التي تحوّل بشراً عاديين إلى ما يشبه الأيقونات المقدسة التي تكاد تُعبد من دون الله.

هل وصل الفراغ في نفوس البشر إلى حد البحث عن وهم لملء لحظات من أيامهم التي تشهد الموت والدمار، ولا تعرف الفرح أو الاكتفاء اللذين يجب أن يكونا حقاً طبيعياً حقيقياً يلمسه كل واحد منهم في حياته اليومية؟

وهل أن ركوب شخصين في عربة ملكية تجرها الأحصنة يعيد إلى الشعوب المظلومة ما فقدته من موارد ومن طاقات خلال أيام الاستعمار البريطاني البغيض الذي رزح على صدور هذه الشعوب؟

وهل أن مشهد طفل يبلغ من العمر سبع سنوات أو أكثر قليلاً وهو يستقل سيارة رولز رويس ويلوّح بيد بشكل متكلّف للآلاف الذين يصطفون في الشوارع يستطيع أن ينسي البشر ملايين الأطفال الذي يموتون في أنحاء العالم بسبب الجوع والأمراض التي تفتك بهم دون أن يتنطّح أحد لمدّهم بالقليل القليل من احتياجاتهم؟

أم أن توجيه الكاميرات إلى ملكة (تملك ولا تحكم) يظلّل الواقع المرّ لمئات الملايين من البشر الذين يعانون من السياسات الإجرامية التي تغطيها هذه الملكة وتقدم كل الدعم لها، سواء كانت هذه السياسات أميركية أو بريطانية تقرّها "حكومة صاحبة الجلالة"؟

إن هذا الاهتمام الذي لقيه عرس الأمير ويليام هو إهانة حقيقية لمشاعر البشر الذين يعانون دون أن يلتفت إليهم أحد، والإهانة الأكبر جاءت من بعض الكتّاب الذين مجّدوا "الحدث" البريطاني، واعتبروه دليلاً على "مشروعية" شعبية تمتلكها العائلة المالكة البريطانية، في حين أنهم يغضّون النظر عن معاناة ملايين المشردين في بريطانيا نفسها، فضلاً عن المليارات من البشر الذين تسببت لهم هذه العائلة نفسها بالألم والمعاناة على مر القرون.

لقد كان العرس الإمبراطوري ملهاة حقيقية يلعبها ممثلون ملكيون لإخفاء المأساة الكونية التي يعيشها البشر في هذا العصر.

الحملة الإعلامية المضادة... والوقائع الدامغة



محمود ريا

الحملة المضادة التي يقوم بها المتورطون في تخريب الداخل السوري على الساحة اللبنانية هي دليل إضافي على مدى انخراط هؤلاء في التدخل في الأحداث الجارية، أو لنقل إنها تجسيد لتلك الحكمة العربية المشهورة: " كاد المريب أن يقول خذوني".

لم يبقَ شخص أو تنظيم أو حركة أ
و مجموعة إلا وأصدر بياناً يعلن فيه مبررات الرفض لفكرة تدخل أحد من اللبنانيين في الشؤون السورية.

منهم من رأى أن لبنان أضعف من أن يتدخل في الشؤون السورية، ومنهم من ردّ الأمر إلى تعفف عن التدخل في شؤون بلد مجاور، إذ كيف نتدخل في شؤون دولة أخرى ونحن نطلب منها أن لا تتدخل في شؤوننا. ويبقى التعليق الأطرف هو ذاك الذي تحدث عن رغبة ذلك الفريق في رؤية سوريا مستقرة ومزدهرة من دون أي اضطرابات أو مشاكل.

لنترك مسألة الأمنيات جانباً، فوثائق "ويكيليكس"، وفضائح "الحقيقة ليكس" (على تلفزيون الجديد)، لا بل التصريحات والمقابلات العلنية، كشفت عن مدى "غرام" ذلك الفريق بسوريا وباستقرارها وازدهارها، وأظهرت للعلن كم كان هذا الفريق يرغب في رؤية سوريا مدمرة محطمة مشرذمة مقصوفة من الخارج، تماماً على طريقة ما أعلنه أحدهم من العاصمة الأميركية أوائل الثمانينيات حين أكد أنه سيقصف العاصمة السورية بالمدفعية.
ولنأتِ الآن إلى الوقائع.

إن ما عرضه التلفزيون السوري من وقائع حول تورط هذه المجموعة في الشؤون الداخلية السورية يكفي لوضع هؤلاء تحت مقصلة الإدانة وليس في قفص الاتهام فقط، لا بل إن الدولة السورية قادرة بناءً على الاعترافات التي أفرج عنها إعلامياً فقط أن تطلب من الانتربول الدولي أن يضع قيادات هذه المجموعة، فضلاً عن المنفذين فيها، على لائحة المطلوبين تمهيداً لمحاكمتهم قضائياً بتهمة التآمر على الإخلال بأمن سوريا.



ويدخل في إطار هذه الوقائع الزوارق التي نقلت الأسلحة (والتي تبيّن أنها حقيقة بالرغم من محاولات إعلام هذه المجموعة تحويلها إلى وهم)، والاعترافات بتجهيز هذا النائب أو ذاك للإرهابيين بأسلحة تصلهم إلى داخل سوريا، واعتقال لبنانيين مدسوسين من الفئة نفسها يقومون بإطلاق النار في شوارع المدن السورية وتحريض بعض المواطنين السوريين على التخريب وخرق القوانين والخروج على النظام العام.

أما ما لم يُكشف بعد فإنه الأكثر خطورة، وهو لو قدّر له الظهور إلى العلن فإنه بالتأكيد سيضع النقاط على الحروف وسيكشف المخطط كاملاً من الرأس ـ إلى أصغر عنصر تم التغرير به ليلعب على حبال الأوضاع السورية من دون تقدير لمخاطر هذا الفعل الإجرامي الشنيع ـ .

إذا كانت الحملة المضادة التي يشنّها هؤلاء قادرة على إثارة بعض الغبار الإعلامي هنا وهناك للتهرب من المسؤولية، فإن الوقائع الميدانية كفيلة بجلاء كل هذا الغبار، وبوضع الأمور في نصابها، وبتوجيه الاتهام الخطير إلى لبنانيين بأنهم انخرطوا في مؤامرة إقليمية دولية كبيرة لهزّ الاستقرار داخل سوريا، وهذا فيه ما فيه من انقلاب على اتفاق الطائف، وعلى علاقات حسن الجوار، وعلى مشاعر الأخوّة بين اللبنانيين والسوريين.

فهل يعرف هؤلاء ماذا يفعلون؟

الثلاثاء، أبريل 19، 2011

صفوف الشاحنات.. وسلاح الشحن



محمود ريا
من ينظر إلى صفوف الشاحنات على المنافذ الحدودية اللبنانية نحو سوريا يدرك أن الاتهامات السورية لفصيل لبناني بمدّ أصابع يده الطويلة إلى الداخل السوري ليست مزحة، وأن القيادة السورية تراقب بدقة كل ما يصدّر من لبنان إليها، لأن هناك من يحاول العبث بأمن الدولة الشقيقة ويعمل على بذر الشقاق بين أبنائها، وينفذ مخططاً هادفاً لإثارة النعرات الطائفية في مختلف المناطق السورية.

عندما نقلت القناة الإخبارية السورية قبل أيام معلومات على شاشتها عن تورط فريق لبناني محدد بالاضطرابات التي تشهدها سوريا، رفض هؤلاء أن يصدقوا أنهم انكشفوا وباتوا تحت عين الرصد الدقيقة، ولجأوا ـ كما النعامة ـ لاتهام وسائل إعلامية لبنانية بأنها "تلفّق" اتهامات لذاك الفريق.

واليوم عندما خرج عملاء هذا الفريق من الإرهابيين والمخربين على شاشة التلفزيون السوري ليلدلوا باعترافاتهم المفصلة والدقيقة حول دورهم في الشحن المذهبي والتخريب المنهجي في سوريا، جنّ جنون قادة الفريق، ولم يجدوا أمامهم إلا أن يقولوا إن هذه الاتهامات "مفبركة" في لبنان ومقدّمة من جهات لبنانية.

وغداً، إذا خرج مسؤول سوري رفيع ـ وحتى لو كان الرئيس السوري نفسه ـ ليكشف الحقائق، ويضع هذا الفريق أمام بشاعة ما يرتكبه بحق سوريا وأمنها ومستقبلها، لربما يقول هؤلاء إن هذا المسؤول "صنع في لبنان"، وإن تصريحاته هي نتاج مؤامرة داخلية على فريق ناصع البياض وشديد البراءة.

إلا أن تصنّع البراءة و"الآدمية" لا ينفي أن مئات الشاحنات باتت تقف على الحدود اللبنانية السورية كي تخضع لتفتيش دقيق بحثاً عن السلاح والأموال والتعليمات التي ترسل إلى الداخل السوري من أجل تحويل احتجاجات شعبية مشروعة إلى محاولة تفجير الداخل السوري خدمة للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة.

وتوقف الشاحنات بهذا الشكل فيه ضرر شديد للاقتصاد اللبناني ككل، هو أكبر من أي ضرر آخر، لا بل قد يكون سبباً في انهيار هذا الاقتصاد، لأن سوريا هي الخط الوحيد لتواصل لبنان مع الدول العربية، وعندما يضيّق على هذا الخط فإن هذا يعني ضربة قاصمة لكل الصلات التجارية اللبنانية مع العالم.

والأمر لا يقتصر على الشاحنات، فزحمة الناقلات الثقيلة تؤدي بدورها إلى زحمة شاملة في النقل البري بين البلدين، مع ما يعنيه ذلك من خنق لكل البلد وعرقلة لمقومات استمراره فضلاً عن نهوضه وتطوره.

وكل هذا لماذا؟

لأن فريقاً لبنانياً يدّعي أنه يعمل من أجل "لبنان أولاً"، يقوم بتقديم مصلحة خليجية صهيونية أميركية على المصلحة اللبنانية والعربية، ثم يأتي للمحاضرة في عفاف الموقف الذي يجب أن يكون لبنانياً صرفاً بعيداً عن خدمة المحاور والمشاريع الأجنبية.

هذا الفريق يضع لبنان أمام مفترق خطر، ويحمّل اللبنانيين مسؤولية العداء لسوريا، بما تمثله من عمق استراتيجي وجغرافي وتاريخي ومستقبلي للبنان، فقط لأن رغبة الأمير هي الحاكمة، وعبارة "أمرك سيدنا" هي الفيصل في التعامل مع رغبات الإمارة التي تتحول فوراً إلى أوامر.

متى يفهم هؤلاء أن الأمور لا تسير "على ذوقهم فقط"، وأن هناك من يرفض أن يكون عبداً لـ "طويل العمر"، لأن هذا الرافض حريص على مصالح لبنان ومستقبله.

متى يفقهون أن لبنان لا يمكن أن يتحوّل إلى إمارة من إمارات المملكة، وأنه سيبقى لبنان الشقيق لأشقّائه، العامل من أجل مصلحتهم، حفاظاً على مصالحه.
متى يقتنع هؤلاء أنهم لا يحتكرون تمثيل اللبنانيين مهما رفعوا من شعارات التلبنن، ولا يمتلكون المستقبل، ولا يتحكمون بمصير الحقيقة؟

الثلاثاء، أبريل 05، 2011

ثورات العرب.. والمسجد.. والزلزال



محمود ريا

كان العرب قد اعتادوا أن يسمعوا كل يوم نبأ استشهاد فلسطيني أو اثنين أو أكثر في قصف أو اعتداء أو اشتباك.
اعتادوا الخبر إلى درجة أن عرضه كخبر أول في نشرات الأخبار كان يدفعهم دائماً إلى انتظار الخبر الذي يليه، لأنه قد يكون أكثر جِدّةً وإثارةً. وسار الأمر على هذه الحال، أجيالاً وراء أجيال، إلى أن وصلنا في هذه الأيام إلى ما هو أسوأ بكثير من هذه الحال.

لقد وصلنا إلى لحظة بات فيها الخبر الفلسطيني ملحقاً بنشرات الأخبار، فيقتل الواحد والخمسة والعشرة، فلا يجد هذا الحدث مكاناً له في نشرة الأخبار كلها، فضلاً عن وجوب احتلاله صدر النشرات في المحطات التلفزيونية والإذاعية وعلى صفحات الصحف ومواقع الإنترنت.

صحيح أن اهتمامات العرب تنوعت وتشعبت خلال الفترة الماضية، وصحيح أن الكثير مما يحظى بالاهتمام هو مهم فعلاً، ولكن هذا لا يعني أن تطمس أخبار هذا البلد أو ذاك، وهذه الثورة أو تلك، أخبار فلسطين، وهي أخبار تتجدد كل يوم، لا بل كل ساعة لمن لا يعرف ذلك، أو لمن يريد تجاهل ذلك.


كم مواطناً فلسطينياً مثلاً استشهد خلال الأسبوع الماضي؟ كم طفلاً قتلوا وهم يلعبون بكرة القدم (هل سمع أحد بأن أطفالاً قتلوا وهم يلهون في قطاع غزة قبل أيام)؟ كم مستوطنة بنى الصهاينة في الضفة وحول القدس، وكم بيتاً فلسطينياً هدموا؟ كم قانوناً عنصرياً أقرّوا بهدف تشريد ما تبقى من مواطني الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948؟ أكثر من ذلك...

هل سمع أحد بالخبر الذي مرّ بخجل في شريط الأخبار في إحدى المحطات التلفزيونية ومفاده أن المسجد الأقصى سيكون عرضة للانهيار بشكل كامل إذا ضربت هزة أرضية قوتها أربع درجات فقط على مقياس ريختر الأراضي الفلسطينية؟


وإذا كان أحدنا قد سمع الخبر، فهل يعرف لماذا سيكون مصير المسجد الأقصى التهديم نتيجة هزة أرضية تعتبر بسيطة جداً إذا ما قورنت بالزلازل العظمى التي ضربت اليابان في الفترة الأخيرة؟


لمن لا يعرف، فإن السبب ببساطة هو الأنفاق التي شقّها ويشقّها الصهاينة الغاصبون تحت أساسات المسجد، والتي أدت إلى خلخلة هذه الأساسات وإلى تحويل المسجد إلى مبنى هشّ لا يمكن أن يصمد حتى أمام عاصفة عاتية تضرب الأراضي الفلسطينية.


السبب هو السرطان الصهيوني الذي تغلغل في مفاصل البنى الفلسطينية وفي حياة الفلسطينيين ويكاد يدمر مستقبلهم تماماً كما هو يهدد بتدمير المسجد الأقصى، إما انهياراً بهزّة أرضية، أو مباشرة عبر اعتداءات ينفذها المستوطنون غير آبهين بكل الاحتجاجات اللفظية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.


الثورات التي تحصل في عالمنا العربي مهمة جدا، ومن الضروري الاهتمام بها، ولكن هذه الثورات تستحق أن تكون في مركز الرؤية بقدر ما تقرّبنا من فلسطين، وبقدر ما تقدّم من دعم للمجاهدين من أجل تحرير القدس والأقصى، لأن أي دولة عربية لن تبقى بخير، ولن تحقق آمال شعوبها، ما دام كيان الاحتلال في ساحة الوجود.

الخميس، مارس 31، 2011

اللعب بالداخل السوري: لبنانيون يرتكبون جريمة لا تغتفر


محمود ريا
لم يكن الخبر الذي وضعته محطة "الإخبارية السورية" على شاشتها عشرات المرات خلال الأيام الماضية خبراً عادياً، وإنما يحمل في طياته الكثير من المؤشرات التي لا بد من الوقوف عندها في ظل ما تعيشه سوريا من أجواء متحركة ومفتوحة على تطورات كثيرة.

يقول الخبر الذي كان يرد مرة كل حوالي ربع ساعة ضمن سلة من الأخبار التي كانت تكتب على الشاشة تحت عنوان"هام": أنباء عن حجز سفن محمّلة بالأسلحة وقادمة من طرابلس لبنان إلى اللاذقية، والسوريون يشكّون بمساهمة تيار المستقبل بما يجري في بلادهم".

هذا الخبر الصادر عن وسيلة إعلام رسمية سورية، مهما حاولت هذه الوسيلة التركيز على الاستقلالية التي تتمتع بها، يؤكد أن هناك ما هو ملموس ومسجّل وموثق حول هذا التدخل المباشر والخطير لتيار لبناني في شؤون دولة عربية أخرى هي سوريا.

وربما تكشف الأيام المقبلة الكثير من المعطيات التي تؤكد الحديث عن وجود مؤامرة خارجية تستهدف سوريا وقيادتها، مؤامرة جرى التخطيط لها في بلاد ذات رمل، وتنفذها أيدٍ وأرجل موزعة هنا وهناك، ومنها ما هو موجود في لبنان.

المهم في موضوع إشتراك تيار لبناني في اضطرابات سورية أن هذه المشاركة تنفي بشكل مطلق الطهورية الوطنية التي يدّعيها هذا التيار من خلال رفعه شعار "لبنان أولاً"، كما تسقط حملته الدعائية التي ينفذها هو وحلفاؤه حول "تأثير" الوقوف إلى جانب الانتفاضة البحرانية على اللبنانيين المقيمين في الخليج.

إلا أنه وبالرغم من الأهمية التي تمثلها العلاقات اللبنانية الخليجية على الوضع الاقتصادي اللبناني، فإن "اللعب" في الداخل السوري له آثار تدميرية تتجاوز الاقتصاد اللبناني لتصل بخطورتها إلى تهديد أصل وجود لبنان وتضع مستقبله في دائرة الخطر.

إن قيام تيار لبناني بالتحريض على القيادة السورية، ومدّ المتمردين على النظام هناك بالأسلحة وتوفير منصة إعلامية مرئية وإلكترونية لهم للقيام بحملاتهم التحريضية يشكّل زجّاً للبنان في أتون مشكلة داخلية سورية لن يخرج لبنان منها سالماً بأي حالٍ من الأحوال، عندما تتمكن القيادة السورية من إنهاء الإشكالات التي تعيشها سوريا.

لقد خرق تيار "المستقبل" كل محظور من خلاله انسياقه وراء قوى مخابراتية غربية وعربية متأمركة والقيام بتحريك أصابع الفتنة داخل سوريا، لأنه بذلك وضع لبنان كله في معرض رد الفعل السوري على من يهدد الأمن والاستقرار في سوريا.

وفضلاً عن خرق كل قواعد التعامل مع الدول الشقيقة والصديقة، والأقرب منها إلينا بشكل خاص، فتيار "المستقبل" خرق كل محرّمات البلد، وانتهك مقررات اتفاق الطائف، وعلى رأسها مبدأ عدم تحول لبنان إلى مقر أو ممر لأي مؤامرة تجاه سوريا.

ليست سوريا في موقع الخليج بالنسبة للبنان، وليست في موقع أي دولة أخرى في العالم، فهي الطريق وهي الرئة وهي المجال الاستراتيجي والسياسي، وهي الدولة التي تملك التأثير الأكبر على الواقع في لبنان، ووضع بلدنا في موقع العداوة معها، يجعل الفريق الذي يقوم بهذا العمل مغامراً بكل ما في كلمة مغامرة من معنى، لا بل هو متآمر على البلد وعلى مستقبله، بهدف تحقيق أهداف تخدم مشروعاً أجنبياً يظن أن من خلاله يمكن أن يحقق مكاسب ذاتية على مستوى الحكم والتحكم.

إن تأييد ثورة هنا وإعلان موقف مناصر لشعب مظلوم هناك هو موقف يدخل في دائرة التفهّم، أما تحريك أصابع العبث وإرسال السلاح والمسلّحين إلى داخل دولة من أجل تقتيل الناس وإثارة الفتنة والتخريب فهو جريمة كاملة الأوصاف لا يجب أن يسكت عليها أحد، ولا سيما بعد ظهور الدلائل التي ستكشفها التحقيقات الجارية مع المجرمين في الداخل السوري، وما سيقولونه عن مموليهم ومحرّكيهم.

الثلاثاء، مارس 22، 2011

الشعب يريد هنا.. والشعب يريد هناك

محمود ريا
لما مات الموات الذي هيمن لعقود على أمتنا، عاشت الحياة في شرايينها، وعشنا معها لحظات ما كنا لنحلم بها، وما كانت لتخطر في ظنون من سبقنا، ممّن "هرموا" وهم ينتظرون فرجاً لم يكونوا يعرفون من أين سيأتي.
فجأة، لم نعد نكره الخبر العاجل، ولا عدنا نسأم نشرات الأخبار، وتلاشت الابتسامة الصفراء التي كانت تعلو شفاهنا ونحن نتابع ما يحصل هنا وهناك.
الاندهاش الذي كنا قد فقدنا طعمه ونحن نرى سنيّ الأمة تمر مرّ السحاب العقيم، بلا برق يضيء الظلام، ولا رعد يهزّ عروش الظلاّم، بلا مطر يسقي العطشى، ولا سيول تزيل الفساد والفاسدين، هذا الاندهاش بات اليوم سمة تفرض نفسها على عيون الجميع، الكبار والصغار، الرجال والنساء، بعد أن تكاثرت الأحداث التي تدعو فعلاً إلى فتح العيون على وسعها تلقفاً للآتي.
عادت أسماء مثل بغداد وطرابلس، مثل القاهرة وصنعاء، مثل السويس والرباط، عادت تعني لنا الكثير، بعدما انحصر اهتمامنا بأسماء زواريب تضغط علينا بصراع الديكة الذي كان يسود بين زعمائها.
لقد تعرّفنا إلى أنفسنا من جديد، وعاد الواحد منا يتطلّع إلى عيون صاحبه، فيرى فيها جذوة انطفأت أو كادت، وليشعر بأن "الآخر" هو الذات، وبأن البعيد هو الأنا، وبأن ما يفصل بين المنامة وطرابلس الغرب لا يزيد عن الذي يفصل بين بيروت وطرابلس الأخرى: الهموم نفسها، والتطلعات نفسها، والشعارات هي هي، الشعب يريد هنا، والشعب يريد هناك.
أليس هكذا تكون الأمة الواحدة؟ ألم نتعلّم أن ما يجمع بين أبناء الأمة هو الماضي المشترك واللغة الواحدة والآمال المشتركة؟
إن هذه أمتنا أمة واحدة، بلغتها وبشبابها وبشعاراتها وبدمها المسفوح في كل الشوارع، ريّاً لزرع كانوا يقولون إنه مات منذ زمن بعيد.
وما يجب أن يبقى في البال أن انبهارنا بروح الشباب التي دبّت فجأة في عروق الأمة لم يجعلنا ننسى أن هذه الثمار هي نتيجة لبذار سكن الأرض منذ سنين، فأنتج نبتاً عرفناه باسم التحرير في عام 2000، وشهدناه يتخطى"العواصف الخمس"، ويسقى دماً قانياً في تموز عام 2006، وفي كوانين ما بين عامي 2008 و2009، فاهتزّت أرض هذه الأمة ورَبَت، لتخرج أُكُلَها في كل حين وفي كل مكان.
كنا في في موقع الانتظار، وها نحن الآن في موقع الفعل، مع صرخة تمتد من مصر إلى عدن، ومن الشام لتطوانِ،.. ها هي فعلاً.. بلاد العُرب أوطاني.

العربي بين مستحيلين


محمود ريا
سألني صديق من تونس كان من المحاورين الدائمين لي خلال أحداث الثورة التونسية وما تلاها: "هل نفرح أم نحزن لما يحصل في ليبيا في هذه الساعات؟"
وبغض النظر عن التقييم الذي يمكن أن يصدر عن شخص مثلي، وبعيداً عن التسرع بالإجابة وإصدارموقف، فإنه لا بد من التوقف عند السؤال نفسه وحجم الإشكالية التي يطرحها على مستوى الشارع العربي.
لقد وضعت تطورات الأحداث التي تجري في ليبيا المواطن العربي بين خيارين أحلاهما مرّ: إما ان يكون مع مبدئه الرافض لأي تدخل أجنبي في أي بلد عربي، وبالتالي يقف متفرجاً على إبادة أبناء الشعب الليبي، وإما أن يصفّق لقصف الطائرات الأميركية والغربية لكوامن القوة الليبية وصولاً إلى قتل المدنيين الليبيين في مختلف المدن.
طبعاً، ليست هذه المرة الأولى التي يوضع المواطن العربي في هذا الموقف المحرج، فهو كان يقف بين هذين الخيارين الصعبين عندما كان يرى بغداد تقصف من الطائرات الأميركية فيما كان نظام صدام يقتل شعبه وينكّل به بلا هوادة، وكان السكوت على عملية الإبادة الصدّامية المنظمة للمواطنين العراقيين والانتهاك المتواصل لحقوقهم مستحيلاً، فيما كان قبول قيام الولايات المتحدة بدور المنقذ فيما هي تعمّق جراح العراقيين وتحتل أرضهم مستحيلاً آخر لا يمكن قبوله.
وإذا تجاوزنا الحرج الأخلاقي الذي يقع فيه الإنسان العربي وهو يسمع أخبار قصف الطائرات الأميركية للقدرات العسكرية الليبية التي يستخدمها القذافي بحق المواطنين الليبيين، فإن السؤال الأساسي الذي يطرأ على الذهن هو عن المسؤول عن وصول الأمور إلى هذه الحال، ولماذا يضطر العربي إلى انتظار الأميركي والغربي للقيام بمهمة "إنقاذه" من براثن النظام الذي يحكمه.
السؤال بمعنى آخر هو عن عجز الدول العربية عن القيام بدور حقيقي وفعال في حماية الشعوب من البطش، وهو عجز مركب ما يزيد من خطورته وآثاره السلبية:
ـ هو عجز النظام في الدولة نفسها عن تقديم نموذج ديموقراطي حقيقي يقدم لشعبه الحقوق الأساسية التي ينبغي أن تتوفر لكل إنسان، ما يجعل النظام آلة قمع حقيقية تخنق أنفاس المواطنين وتذلّهم وتدفعهم إلى الثورة.
ـ وهو عجز الدول العربية الأخرى عن القيام بدور فعال في معالجة أي أزمة تقع في دولة عربية، بحيث تتدخل هذه الدول بالطريقة المناسبة لحل هذه الأزمة، ابتداء من القيام بدور الوسيط، وصولاً إلى حد التلويح باستخدام القوة، وحتى القيام باستخدامها من أجل وقف قمع النظام وحماية المدنيين عندما تقتضي الضرورة. وهذا التدخل الفاعل هو السبيل الأنجع لمنع أي تدخل أجنبي في شؤون الدول العربية.
ولعلّ الأخطر في الموضوع أن الحالة الوحيدة التي "تجرأ" فيها العرب على التدخل في شؤون دولة عربية أخرى كان النموذج الذي قدموه خلالها من السوء بحيث جعلت المواطن العربي يتمنى أن يبقى العرب على عجزهم، وأن لا يشربوا حليب السباع في تعاطيهم مع القضايا المطروحة.
والمقصود هنا هو تدخل دول الخليج عسكرياً في البحرين، فقد جاء هذا التدخل ليشكل دعماً للنظام الذي يقمع الشعب، وليساعده في عملية القمع هذه، بما يشكّل عبئاً مضاعفاً على المواطن البحراني المسالم، ويعقّد عملية حل الأزمة في ذلك البلد بدل أن يسهّلها.
من أجل ذلك، وبعد استعراض كل هذه الأفكار في رأسي، كان الجواب البديهي الذي قدّمته لصديقي التونسي الذي سألني إن كان علينا أن نفرح أو أن نحزن لما نراه من تدخل عسكري غربي في ليبيا: ربما كان علينا أن نفرح وأن نحزن في الوقت نفسه، وهذا هو المستحيل بعينه، تماماً كما هي استحالة الأمل بقيام دور عربي فعّال ومنصف في آن واحد.