الثلاثاء، مايو 03، 2011

العرس الملهاة.. وواقع المأساة




محمود ريا

انشغل العالم لساعات بالاحتفال الذي أقامته بريطانيا احتفاء بزواج الأمير ويليام من إحدى الحسناوات البريطانيات.. وبعد مرور الموجة الأسطورية التي ولّدها هذا العرس التاريخي، والذي كان أشبه بلوحة من الزمن الغابر تتجدد في العصر الحالي، صار لا بد من طرح بعض الأسئلة التي ترد على ذهن المتابع، حتى ولو لم يرَ إلا مشهداً واحداً من هذه اللوحة، كما حصل معي انا.

لماذا يهتم البريطانيون، ويدفعون العالم كله معهم للاهتمام بزواج شخصين، أيّا كان هذين الشخصين، بحيث تصبح كل الأحداث الأخرى في المرتبة الثانية، وتنقل محطات التلفزة في أنحاء العالم هذا الحدث بكل اللغات، ولماذا ينساق العالم معهم في هذه اللعبة الخيالية التي تحوّل بشراً عاديين إلى ما يشبه الأيقونات المقدسة التي تكاد تُعبد من دون الله.

هل وصل الفراغ في نفوس البشر إلى حد البحث عن وهم لملء لحظات من أيامهم التي تشهد الموت والدمار، ولا تعرف الفرح أو الاكتفاء اللذين يجب أن يكونا حقاً طبيعياً حقيقياً يلمسه كل واحد منهم في حياته اليومية؟

وهل أن ركوب شخصين في عربة ملكية تجرها الأحصنة يعيد إلى الشعوب المظلومة ما فقدته من موارد ومن طاقات خلال أيام الاستعمار البريطاني البغيض الذي رزح على صدور هذه الشعوب؟

وهل أن مشهد طفل يبلغ من العمر سبع سنوات أو أكثر قليلاً وهو يستقل سيارة رولز رويس ويلوّح بيد بشكل متكلّف للآلاف الذين يصطفون في الشوارع يستطيع أن ينسي البشر ملايين الأطفال الذي يموتون في أنحاء العالم بسبب الجوع والأمراض التي تفتك بهم دون أن يتنطّح أحد لمدّهم بالقليل القليل من احتياجاتهم؟

أم أن توجيه الكاميرات إلى ملكة (تملك ولا تحكم) يظلّل الواقع المرّ لمئات الملايين من البشر الذين يعانون من السياسات الإجرامية التي تغطيها هذه الملكة وتقدم كل الدعم لها، سواء كانت هذه السياسات أميركية أو بريطانية تقرّها "حكومة صاحبة الجلالة"؟

إن هذا الاهتمام الذي لقيه عرس الأمير ويليام هو إهانة حقيقية لمشاعر البشر الذين يعانون دون أن يلتفت إليهم أحد، والإهانة الأكبر جاءت من بعض الكتّاب الذين مجّدوا "الحدث" البريطاني، واعتبروه دليلاً على "مشروعية" شعبية تمتلكها العائلة المالكة البريطانية، في حين أنهم يغضّون النظر عن معاناة ملايين المشردين في بريطانيا نفسها، فضلاً عن المليارات من البشر الذين تسببت لهم هذه العائلة نفسها بالألم والمعاناة على مر القرون.

لقد كان العرس الإمبراطوري ملهاة حقيقية يلعبها ممثلون ملكيون لإخفاء المأساة الكونية التي يعيشها البشر في هذا العصر.

الحملة الإعلامية المضادة... والوقائع الدامغة



محمود ريا

الحملة المضادة التي يقوم بها المتورطون في تخريب الداخل السوري على الساحة اللبنانية هي دليل إضافي على مدى انخراط هؤلاء في التدخل في الأحداث الجارية، أو لنقل إنها تجسيد لتلك الحكمة العربية المشهورة: " كاد المريب أن يقول خذوني".

لم يبقَ شخص أو تنظيم أو حركة أ
و مجموعة إلا وأصدر بياناً يعلن فيه مبررات الرفض لفكرة تدخل أحد من اللبنانيين في الشؤون السورية.

منهم من رأى أن لبنان أضعف من أن يتدخل في الشؤون السورية، ومنهم من ردّ الأمر إلى تعفف عن التدخل في شؤون بلد مجاور، إذ كيف نتدخل في شؤون دولة أخرى ونحن نطلب منها أن لا تتدخل في شؤوننا. ويبقى التعليق الأطرف هو ذاك الذي تحدث عن رغبة ذلك الفريق في رؤية سوريا مستقرة ومزدهرة من دون أي اضطرابات أو مشاكل.

لنترك مسألة الأمنيات جانباً، فوثائق "ويكيليكس"، وفضائح "الحقيقة ليكس" (على تلفزيون الجديد)، لا بل التصريحات والمقابلات العلنية، كشفت عن مدى "غرام" ذلك الفريق بسوريا وباستقرارها وازدهارها، وأظهرت للعلن كم كان هذا الفريق يرغب في رؤية سوريا مدمرة محطمة مشرذمة مقصوفة من الخارج، تماماً على طريقة ما أعلنه أحدهم من العاصمة الأميركية أوائل الثمانينيات حين أكد أنه سيقصف العاصمة السورية بالمدفعية.
ولنأتِ الآن إلى الوقائع.

إن ما عرضه التلفزيون السوري من وقائع حول تورط هذه المجموعة في الشؤون الداخلية السورية يكفي لوضع هؤلاء تحت مقصلة الإدانة وليس في قفص الاتهام فقط، لا بل إن الدولة السورية قادرة بناءً على الاعترافات التي أفرج عنها إعلامياً فقط أن تطلب من الانتربول الدولي أن يضع قيادات هذه المجموعة، فضلاً عن المنفذين فيها، على لائحة المطلوبين تمهيداً لمحاكمتهم قضائياً بتهمة التآمر على الإخلال بأمن سوريا.



ويدخل في إطار هذه الوقائع الزوارق التي نقلت الأسلحة (والتي تبيّن أنها حقيقة بالرغم من محاولات إعلام هذه المجموعة تحويلها إلى وهم)، والاعترافات بتجهيز هذا النائب أو ذاك للإرهابيين بأسلحة تصلهم إلى داخل سوريا، واعتقال لبنانيين مدسوسين من الفئة نفسها يقومون بإطلاق النار في شوارع المدن السورية وتحريض بعض المواطنين السوريين على التخريب وخرق القوانين والخروج على النظام العام.

أما ما لم يُكشف بعد فإنه الأكثر خطورة، وهو لو قدّر له الظهور إلى العلن فإنه بالتأكيد سيضع النقاط على الحروف وسيكشف المخطط كاملاً من الرأس ـ إلى أصغر عنصر تم التغرير به ليلعب على حبال الأوضاع السورية من دون تقدير لمخاطر هذا الفعل الإجرامي الشنيع ـ .

إذا كانت الحملة المضادة التي يشنّها هؤلاء قادرة على إثارة بعض الغبار الإعلامي هنا وهناك للتهرب من المسؤولية، فإن الوقائع الميدانية كفيلة بجلاء كل هذا الغبار، وبوضع الأمور في نصابها، وبتوجيه الاتهام الخطير إلى لبنانيين بأنهم انخرطوا في مؤامرة إقليمية دولية كبيرة لهزّ الاستقرار داخل سوريا، وهذا فيه ما فيه من انقلاب على اتفاق الطائف، وعلى علاقات حسن الجوار، وعلى مشاعر الأخوّة بين اللبنانيين والسوريين.

فهل يعرف هؤلاء ماذا يفعلون؟

الثلاثاء، أبريل 19، 2011

صفوف الشاحنات.. وسلاح الشحن



محمود ريا
من ينظر إلى صفوف الشاحنات على المنافذ الحدودية اللبنانية نحو سوريا يدرك أن الاتهامات السورية لفصيل لبناني بمدّ أصابع يده الطويلة إلى الداخل السوري ليست مزحة، وأن القيادة السورية تراقب بدقة كل ما يصدّر من لبنان إليها، لأن هناك من يحاول العبث بأمن الدولة الشقيقة ويعمل على بذر الشقاق بين أبنائها، وينفذ مخططاً هادفاً لإثارة النعرات الطائفية في مختلف المناطق السورية.

عندما نقلت القناة الإخبارية السورية قبل أيام معلومات على شاشتها عن تورط فريق لبناني محدد بالاضطرابات التي تشهدها سوريا، رفض هؤلاء أن يصدقوا أنهم انكشفوا وباتوا تحت عين الرصد الدقيقة، ولجأوا ـ كما النعامة ـ لاتهام وسائل إعلامية لبنانية بأنها "تلفّق" اتهامات لذاك الفريق.

واليوم عندما خرج عملاء هذا الفريق من الإرهابيين والمخربين على شاشة التلفزيون السوري ليلدلوا باعترافاتهم المفصلة والدقيقة حول دورهم في الشحن المذهبي والتخريب المنهجي في سوريا، جنّ جنون قادة الفريق، ولم يجدوا أمامهم إلا أن يقولوا إن هذه الاتهامات "مفبركة" في لبنان ومقدّمة من جهات لبنانية.

وغداً، إذا خرج مسؤول سوري رفيع ـ وحتى لو كان الرئيس السوري نفسه ـ ليكشف الحقائق، ويضع هذا الفريق أمام بشاعة ما يرتكبه بحق سوريا وأمنها ومستقبلها، لربما يقول هؤلاء إن هذا المسؤول "صنع في لبنان"، وإن تصريحاته هي نتاج مؤامرة داخلية على فريق ناصع البياض وشديد البراءة.

إلا أن تصنّع البراءة و"الآدمية" لا ينفي أن مئات الشاحنات باتت تقف على الحدود اللبنانية السورية كي تخضع لتفتيش دقيق بحثاً عن السلاح والأموال والتعليمات التي ترسل إلى الداخل السوري من أجل تحويل احتجاجات شعبية مشروعة إلى محاولة تفجير الداخل السوري خدمة للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة.

وتوقف الشاحنات بهذا الشكل فيه ضرر شديد للاقتصاد اللبناني ككل، هو أكبر من أي ضرر آخر، لا بل قد يكون سبباً في انهيار هذا الاقتصاد، لأن سوريا هي الخط الوحيد لتواصل لبنان مع الدول العربية، وعندما يضيّق على هذا الخط فإن هذا يعني ضربة قاصمة لكل الصلات التجارية اللبنانية مع العالم.

والأمر لا يقتصر على الشاحنات، فزحمة الناقلات الثقيلة تؤدي بدورها إلى زحمة شاملة في النقل البري بين البلدين، مع ما يعنيه ذلك من خنق لكل البلد وعرقلة لمقومات استمراره فضلاً عن نهوضه وتطوره.

وكل هذا لماذا؟

لأن فريقاً لبنانياً يدّعي أنه يعمل من أجل "لبنان أولاً"، يقوم بتقديم مصلحة خليجية صهيونية أميركية على المصلحة اللبنانية والعربية، ثم يأتي للمحاضرة في عفاف الموقف الذي يجب أن يكون لبنانياً صرفاً بعيداً عن خدمة المحاور والمشاريع الأجنبية.

هذا الفريق يضع لبنان أمام مفترق خطر، ويحمّل اللبنانيين مسؤولية العداء لسوريا، بما تمثله من عمق استراتيجي وجغرافي وتاريخي ومستقبلي للبنان، فقط لأن رغبة الأمير هي الحاكمة، وعبارة "أمرك سيدنا" هي الفيصل في التعامل مع رغبات الإمارة التي تتحول فوراً إلى أوامر.

متى يفهم هؤلاء أن الأمور لا تسير "على ذوقهم فقط"، وأن هناك من يرفض أن يكون عبداً لـ "طويل العمر"، لأن هذا الرافض حريص على مصالح لبنان ومستقبله.

متى يفقهون أن لبنان لا يمكن أن يتحوّل إلى إمارة من إمارات المملكة، وأنه سيبقى لبنان الشقيق لأشقّائه، العامل من أجل مصلحتهم، حفاظاً على مصالحه.
متى يقتنع هؤلاء أنهم لا يحتكرون تمثيل اللبنانيين مهما رفعوا من شعارات التلبنن، ولا يمتلكون المستقبل، ولا يتحكمون بمصير الحقيقة؟

الثلاثاء، أبريل 05، 2011

ثورات العرب.. والمسجد.. والزلزال



محمود ريا

كان العرب قد اعتادوا أن يسمعوا كل يوم نبأ استشهاد فلسطيني أو اثنين أو أكثر في قصف أو اعتداء أو اشتباك.
اعتادوا الخبر إلى درجة أن عرضه كخبر أول في نشرات الأخبار كان يدفعهم دائماً إلى انتظار الخبر الذي يليه، لأنه قد يكون أكثر جِدّةً وإثارةً. وسار الأمر على هذه الحال، أجيالاً وراء أجيال، إلى أن وصلنا في هذه الأيام إلى ما هو أسوأ بكثير من هذه الحال.

لقد وصلنا إلى لحظة بات فيها الخبر الفلسطيني ملحقاً بنشرات الأخبار، فيقتل الواحد والخمسة والعشرة، فلا يجد هذا الحدث مكاناً له في نشرة الأخبار كلها، فضلاً عن وجوب احتلاله صدر النشرات في المحطات التلفزيونية والإذاعية وعلى صفحات الصحف ومواقع الإنترنت.

صحيح أن اهتمامات العرب تنوعت وتشعبت خلال الفترة الماضية، وصحيح أن الكثير مما يحظى بالاهتمام هو مهم فعلاً، ولكن هذا لا يعني أن تطمس أخبار هذا البلد أو ذاك، وهذه الثورة أو تلك، أخبار فلسطين، وهي أخبار تتجدد كل يوم، لا بل كل ساعة لمن لا يعرف ذلك، أو لمن يريد تجاهل ذلك.


كم مواطناً فلسطينياً مثلاً استشهد خلال الأسبوع الماضي؟ كم طفلاً قتلوا وهم يلعبون بكرة القدم (هل سمع أحد بأن أطفالاً قتلوا وهم يلهون في قطاع غزة قبل أيام)؟ كم مستوطنة بنى الصهاينة في الضفة وحول القدس، وكم بيتاً فلسطينياً هدموا؟ كم قانوناً عنصرياً أقرّوا بهدف تشريد ما تبقى من مواطني الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948؟ أكثر من ذلك...

هل سمع أحد بالخبر الذي مرّ بخجل في شريط الأخبار في إحدى المحطات التلفزيونية ومفاده أن المسجد الأقصى سيكون عرضة للانهيار بشكل كامل إذا ضربت هزة أرضية قوتها أربع درجات فقط على مقياس ريختر الأراضي الفلسطينية؟


وإذا كان أحدنا قد سمع الخبر، فهل يعرف لماذا سيكون مصير المسجد الأقصى التهديم نتيجة هزة أرضية تعتبر بسيطة جداً إذا ما قورنت بالزلازل العظمى التي ضربت اليابان في الفترة الأخيرة؟


لمن لا يعرف، فإن السبب ببساطة هو الأنفاق التي شقّها ويشقّها الصهاينة الغاصبون تحت أساسات المسجد، والتي أدت إلى خلخلة هذه الأساسات وإلى تحويل المسجد إلى مبنى هشّ لا يمكن أن يصمد حتى أمام عاصفة عاتية تضرب الأراضي الفلسطينية.


السبب هو السرطان الصهيوني الذي تغلغل في مفاصل البنى الفلسطينية وفي حياة الفلسطينيين ويكاد يدمر مستقبلهم تماماً كما هو يهدد بتدمير المسجد الأقصى، إما انهياراً بهزّة أرضية، أو مباشرة عبر اعتداءات ينفذها المستوطنون غير آبهين بكل الاحتجاجات اللفظية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.


الثورات التي تحصل في عالمنا العربي مهمة جدا، ومن الضروري الاهتمام بها، ولكن هذه الثورات تستحق أن تكون في مركز الرؤية بقدر ما تقرّبنا من فلسطين، وبقدر ما تقدّم من دعم للمجاهدين من أجل تحرير القدس والأقصى، لأن أي دولة عربية لن تبقى بخير، ولن تحقق آمال شعوبها، ما دام كيان الاحتلال في ساحة الوجود.

الخميس، مارس 31، 2011

اللعب بالداخل السوري: لبنانيون يرتكبون جريمة لا تغتفر


محمود ريا
لم يكن الخبر الذي وضعته محطة "الإخبارية السورية" على شاشتها عشرات المرات خلال الأيام الماضية خبراً عادياً، وإنما يحمل في طياته الكثير من المؤشرات التي لا بد من الوقوف عندها في ظل ما تعيشه سوريا من أجواء متحركة ومفتوحة على تطورات كثيرة.

يقول الخبر الذي كان يرد مرة كل حوالي ربع ساعة ضمن سلة من الأخبار التي كانت تكتب على الشاشة تحت عنوان"هام": أنباء عن حجز سفن محمّلة بالأسلحة وقادمة من طرابلس لبنان إلى اللاذقية، والسوريون يشكّون بمساهمة تيار المستقبل بما يجري في بلادهم".

هذا الخبر الصادر عن وسيلة إعلام رسمية سورية، مهما حاولت هذه الوسيلة التركيز على الاستقلالية التي تتمتع بها، يؤكد أن هناك ما هو ملموس ومسجّل وموثق حول هذا التدخل المباشر والخطير لتيار لبناني في شؤون دولة عربية أخرى هي سوريا.

وربما تكشف الأيام المقبلة الكثير من المعطيات التي تؤكد الحديث عن وجود مؤامرة خارجية تستهدف سوريا وقيادتها، مؤامرة جرى التخطيط لها في بلاد ذات رمل، وتنفذها أيدٍ وأرجل موزعة هنا وهناك، ومنها ما هو موجود في لبنان.

المهم في موضوع إشتراك تيار لبناني في اضطرابات سورية أن هذه المشاركة تنفي بشكل مطلق الطهورية الوطنية التي يدّعيها هذا التيار من خلال رفعه شعار "لبنان أولاً"، كما تسقط حملته الدعائية التي ينفذها هو وحلفاؤه حول "تأثير" الوقوف إلى جانب الانتفاضة البحرانية على اللبنانيين المقيمين في الخليج.

إلا أنه وبالرغم من الأهمية التي تمثلها العلاقات اللبنانية الخليجية على الوضع الاقتصادي اللبناني، فإن "اللعب" في الداخل السوري له آثار تدميرية تتجاوز الاقتصاد اللبناني لتصل بخطورتها إلى تهديد أصل وجود لبنان وتضع مستقبله في دائرة الخطر.

إن قيام تيار لبناني بالتحريض على القيادة السورية، ومدّ المتمردين على النظام هناك بالأسلحة وتوفير منصة إعلامية مرئية وإلكترونية لهم للقيام بحملاتهم التحريضية يشكّل زجّاً للبنان في أتون مشكلة داخلية سورية لن يخرج لبنان منها سالماً بأي حالٍ من الأحوال، عندما تتمكن القيادة السورية من إنهاء الإشكالات التي تعيشها سوريا.

لقد خرق تيار "المستقبل" كل محظور من خلاله انسياقه وراء قوى مخابراتية غربية وعربية متأمركة والقيام بتحريك أصابع الفتنة داخل سوريا، لأنه بذلك وضع لبنان كله في معرض رد الفعل السوري على من يهدد الأمن والاستقرار في سوريا.

وفضلاً عن خرق كل قواعد التعامل مع الدول الشقيقة والصديقة، والأقرب منها إلينا بشكل خاص، فتيار "المستقبل" خرق كل محرّمات البلد، وانتهك مقررات اتفاق الطائف، وعلى رأسها مبدأ عدم تحول لبنان إلى مقر أو ممر لأي مؤامرة تجاه سوريا.

ليست سوريا في موقع الخليج بالنسبة للبنان، وليست في موقع أي دولة أخرى في العالم، فهي الطريق وهي الرئة وهي المجال الاستراتيجي والسياسي، وهي الدولة التي تملك التأثير الأكبر على الواقع في لبنان، ووضع بلدنا في موقع العداوة معها، يجعل الفريق الذي يقوم بهذا العمل مغامراً بكل ما في كلمة مغامرة من معنى، لا بل هو متآمر على البلد وعلى مستقبله، بهدف تحقيق أهداف تخدم مشروعاً أجنبياً يظن أن من خلاله يمكن أن يحقق مكاسب ذاتية على مستوى الحكم والتحكم.

إن تأييد ثورة هنا وإعلان موقف مناصر لشعب مظلوم هناك هو موقف يدخل في دائرة التفهّم، أما تحريك أصابع العبث وإرسال السلاح والمسلّحين إلى داخل دولة من أجل تقتيل الناس وإثارة الفتنة والتخريب فهو جريمة كاملة الأوصاف لا يجب أن يسكت عليها أحد، ولا سيما بعد ظهور الدلائل التي ستكشفها التحقيقات الجارية مع المجرمين في الداخل السوري، وما سيقولونه عن مموليهم ومحرّكيهم.

الثلاثاء، مارس 22، 2011

الشعب يريد هنا.. والشعب يريد هناك

محمود ريا
لما مات الموات الذي هيمن لعقود على أمتنا، عاشت الحياة في شرايينها، وعشنا معها لحظات ما كنا لنحلم بها، وما كانت لتخطر في ظنون من سبقنا، ممّن "هرموا" وهم ينتظرون فرجاً لم يكونوا يعرفون من أين سيأتي.
فجأة، لم نعد نكره الخبر العاجل، ولا عدنا نسأم نشرات الأخبار، وتلاشت الابتسامة الصفراء التي كانت تعلو شفاهنا ونحن نتابع ما يحصل هنا وهناك.
الاندهاش الذي كنا قد فقدنا طعمه ونحن نرى سنيّ الأمة تمر مرّ السحاب العقيم، بلا برق يضيء الظلام، ولا رعد يهزّ عروش الظلاّم، بلا مطر يسقي العطشى، ولا سيول تزيل الفساد والفاسدين، هذا الاندهاش بات اليوم سمة تفرض نفسها على عيون الجميع، الكبار والصغار، الرجال والنساء، بعد أن تكاثرت الأحداث التي تدعو فعلاً إلى فتح العيون على وسعها تلقفاً للآتي.
عادت أسماء مثل بغداد وطرابلس، مثل القاهرة وصنعاء، مثل السويس والرباط، عادت تعني لنا الكثير، بعدما انحصر اهتمامنا بأسماء زواريب تضغط علينا بصراع الديكة الذي كان يسود بين زعمائها.
لقد تعرّفنا إلى أنفسنا من جديد، وعاد الواحد منا يتطلّع إلى عيون صاحبه، فيرى فيها جذوة انطفأت أو كادت، وليشعر بأن "الآخر" هو الذات، وبأن البعيد هو الأنا، وبأن ما يفصل بين المنامة وطرابلس الغرب لا يزيد عن الذي يفصل بين بيروت وطرابلس الأخرى: الهموم نفسها، والتطلعات نفسها، والشعارات هي هي، الشعب يريد هنا، والشعب يريد هناك.
أليس هكذا تكون الأمة الواحدة؟ ألم نتعلّم أن ما يجمع بين أبناء الأمة هو الماضي المشترك واللغة الواحدة والآمال المشتركة؟
إن هذه أمتنا أمة واحدة، بلغتها وبشبابها وبشعاراتها وبدمها المسفوح في كل الشوارع، ريّاً لزرع كانوا يقولون إنه مات منذ زمن بعيد.
وما يجب أن يبقى في البال أن انبهارنا بروح الشباب التي دبّت فجأة في عروق الأمة لم يجعلنا ننسى أن هذه الثمار هي نتيجة لبذار سكن الأرض منذ سنين، فأنتج نبتاً عرفناه باسم التحرير في عام 2000، وشهدناه يتخطى"العواصف الخمس"، ويسقى دماً قانياً في تموز عام 2006، وفي كوانين ما بين عامي 2008 و2009، فاهتزّت أرض هذه الأمة ورَبَت، لتخرج أُكُلَها في كل حين وفي كل مكان.
كنا في في موقع الانتظار، وها نحن الآن في موقع الفعل، مع صرخة تمتد من مصر إلى عدن، ومن الشام لتطوانِ،.. ها هي فعلاً.. بلاد العُرب أوطاني.

العربي بين مستحيلين


محمود ريا
سألني صديق من تونس كان من المحاورين الدائمين لي خلال أحداث الثورة التونسية وما تلاها: "هل نفرح أم نحزن لما يحصل في ليبيا في هذه الساعات؟"
وبغض النظر عن التقييم الذي يمكن أن يصدر عن شخص مثلي، وبعيداً عن التسرع بالإجابة وإصدارموقف، فإنه لا بد من التوقف عند السؤال نفسه وحجم الإشكالية التي يطرحها على مستوى الشارع العربي.
لقد وضعت تطورات الأحداث التي تجري في ليبيا المواطن العربي بين خيارين أحلاهما مرّ: إما ان يكون مع مبدئه الرافض لأي تدخل أجنبي في أي بلد عربي، وبالتالي يقف متفرجاً على إبادة أبناء الشعب الليبي، وإما أن يصفّق لقصف الطائرات الأميركية والغربية لكوامن القوة الليبية وصولاً إلى قتل المدنيين الليبيين في مختلف المدن.
طبعاً، ليست هذه المرة الأولى التي يوضع المواطن العربي في هذا الموقف المحرج، فهو كان يقف بين هذين الخيارين الصعبين عندما كان يرى بغداد تقصف من الطائرات الأميركية فيما كان نظام صدام يقتل شعبه وينكّل به بلا هوادة، وكان السكوت على عملية الإبادة الصدّامية المنظمة للمواطنين العراقيين والانتهاك المتواصل لحقوقهم مستحيلاً، فيما كان قبول قيام الولايات المتحدة بدور المنقذ فيما هي تعمّق جراح العراقيين وتحتل أرضهم مستحيلاً آخر لا يمكن قبوله.
وإذا تجاوزنا الحرج الأخلاقي الذي يقع فيه الإنسان العربي وهو يسمع أخبار قصف الطائرات الأميركية للقدرات العسكرية الليبية التي يستخدمها القذافي بحق المواطنين الليبيين، فإن السؤال الأساسي الذي يطرأ على الذهن هو عن المسؤول عن وصول الأمور إلى هذه الحال، ولماذا يضطر العربي إلى انتظار الأميركي والغربي للقيام بمهمة "إنقاذه" من براثن النظام الذي يحكمه.
السؤال بمعنى آخر هو عن عجز الدول العربية عن القيام بدور حقيقي وفعال في حماية الشعوب من البطش، وهو عجز مركب ما يزيد من خطورته وآثاره السلبية:
ـ هو عجز النظام في الدولة نفسها عن تقديم نموذج ديموقراطي حقيقي يقدم لشعبه الحقوق الأساسية التي ينبغي أن تتوفر لكل إنسان، ما يجعل النظام آلة قمع حقيقية تخنق أنفاس المواطنين وتذلّهم وتدفعهم إلى الثورة.
ـ وهو عجز الدول العربية الأخرى عن القيام بدور فعال في معالجة أي أزمة تقع في دولة عربية، بحيث تتدخل هذه الدول بالطريقة المناسبة لحل هذه الأزمة، ابتداء من القيام بدور الوسيط، وصولاً إلى حد التلويح باستخدام القوة، وحتى القيام باستخدامها من أجل وقف قمع النظام وحماية المدنيين عندما تقتضي الضرورة. وهذا التدخل الفاعل هو السبيل الأنجع لمنع أي تدخل أجنبي في شؤون الدول العربية.
ولعلّ الأخطر في الموضوع أن الحالة الوحيدة التي "تجرأ" فيها العرب على التدخل في شؤون دولة عربية أخرى كان النموذج الذي قدموه خلالها من السوء بحيث جعلت المواطن العربي يتمنى أن يبقى العرب على عجزهم، وأن لا يشربوا حليب السباع في تعاطيهم مع القضايا المطروحة.
والمقصود هنا هو تدخل دول الخليج عسكرياً في البحرين، فقد جاء هذا التدخل ليشكل دعماً للنظام الذي يقمع الشعب، وليساعده في عملية القمع هذه، بما يشكّل عبئاً مضاعفاً على المواطن البحراني المسالم، ويعقّد عملية حل الأزمة في ذلك البلد بدل أن يسهّلها.
من أجل ذلك، وبعد استعراض كل هذه الأفكار في رأسي، كان الجواب البديهي الذي قدّمته لصديقي التونسي الذي سألني إن كان علينا أن نفرح أو أن نحزن لما نراه من تدخل عسكري غربي في ليبيا: ربما كان علينا أن نفرح وأن نحزن في الوقت نفسه، وهذا هو المستحيل بعينه، تماماً كما هي استحالة الأمل بقيام دور عربي فعّال ومنصف في آن واحد.

الخميس، فبراير 24، 2011

أمة واحدة تبحث عن إعلامها

محمود ريا
تزداد حماوة الأحداث في مناطق مختلفة من عالمنا العربي، ومع ارتفاع حماوة التطورات، تصبح وسائل الإعلام بمختلف أشكالها حاجة حقيقية عند ابناء الأمة الذين باتوا ينتظرون " الخبر العاجل" القادم من أربع رياح الأرض العربية كما ينتظرون الخبر المتعلق ببلدهم، أو حتى بمنطقتهم.
لقد بات اللبناني ينتظر الخبر التونسي كما ينتظر البحراني الخبر المصري وكذلك الحال مع المغربي الذي لا يستطيع أن ينام قبل أن يطمئن على آخر ما جرى في الكويت أو ليبيا.
لقد حقق الشهران الماضيان من التواصل بين أبناء الأمة ما لم تستطع تحقيقه عقود كثيرة من الحديث النخبوي عن الأمة الواحدة والحلم المشترك ووحدة المصير.
وفي ظل هذا التواصل الحقيقي النابع من اهتمام حقيقي بما يجري عند الشقيق، تصبح وسائل الإعلام هي الوسيلة للحصول على المعلومات.
وإذا كانت وسائل الإعلام الجديد تلعب دورها الحاسم في تحريك الأحداث وتحقيق التواصل لتنسيق الفعاليات، فإن المحطات التلفزيونية ما تزال بدورها تأخذ حيّزاً هاماً من اهتمام المواطنين العرب، بحيث تتسمر الأعين على ما تنقله هذه المحطات من صور، وإن كانت قليلة، من هذا البلد أوذاك، وتتابع الأسماع بكثير من الاهتمام آخر المعلومات التي يقرأها مذيعون ومذيعات صاروا بشهرة نجوم الفن والأدب.
وفي ظل هذه الطفرة التلفزيونية يتم تقاسم حصص المشاهدة بنسب تقوم على أساس مدى اهتمام هذه المحطة وتلك بإعطاء المشاهدين صورة متكاملة عن الأحداث في مختلف المدن العربية.
وإزاء هذا الواقع يمكن القول إن المحطات التي تهتم بقضايا قُطرية ضيقة، والتي تتعامل مع الأحداث الجارية في عواصم عربية أخرى على أنها أحداث تجري في "الخارج" باتت محطات غير محسوبة في خريطة المشاهدة التلفزيونية، لأنها لا تتحسس حقيقة اندماج اهتمامات المشاهدين الذين باتت الأخبار المحلية آخر همّهم.
إن الأحداث التي نراها أمامنا حوّلت الدول العربية المتباعدة إلى نطاق عمل واحد، إن لم نقل إلى دولة واحدة ـ بكل ما في الكلمة من معنى ـ بحيث توحدت الاهتمامات وتماهت التطلعات مع بعضها البعض، إلى درجة تتجاوز كل الشعارات التي أطلقها عتاة المنظّرين بالوحدة، لا بل ربما إلى درجة فاجأت حتى أولئك الذين كانوا يرفعون شعار الوحدة العربية وبنوا كل منظومتهم الفكرية على أساس هذا الشعار.
إن المحطة التلفزيونية التي ما زالت تتعامل مع تشكيلة وزارية محلية هنا، أو اجتماع رئيس مع مرؤوس هناك، أو التي تتعاطى مع الأحداث بشكل بارد مقتضب، صارت في هذه الأيام خارج المسار المتحرك للتاريخ العربي، ولا بدّ لها من إعادة تقييم وضعها، قبل أن تتحول عند المشاهدين إلى محطة لا لزوم لها، أو على الأقل قبل أن توضع في مصاف المحطات الهامشية التي تهتم بإضحاك المشاهدين أو عرض آخر الوصفات المطبخية لهم.
إن أمة حيّة، واحدة بآمالها وآلامها، كالأمة العربية في مرحلتها المتقدمة هذه، تحتاج إلى إعلام حي ومتحرك يتابع ما يجري فيها من أحداث من منطلق شامل وبنظرة واسعة، لا أن تبقى بعض وسائل الإعلام تتعامل مع الأحداث على قاعدة ما قبل كانون الثاني/ يناير 2011، لأنها حينها ستكون قد ذهبت مع الذين ذهبوا من الطواغيت الذين كانت بعض وسائل الإعلام هذه تسبّح بمجدهم ليلَ نهار.

الثلاثاء، فبراير 08، 2011

إعلام النظام المصري وسناريوهات التدخل الخارجي





محمود ريا
من يراقب الفضائيات المصرية، سواء منها التابعة للنظام مباشرة، أو التي تهيمن عليها الرؤية الرسمية للأحداث طوعاً أو كرهاً، يمكنه استخلاص حقيقة أكيدة وهي أن رجال النظام القائم قد فقدوا صوابهم وباتوا يتخيلون أنّ كل صرخة هي عليهم وعلى رأس نظامهم.
ومع تكاثر الأدلّة على هذا الواقع الذي بات المسؤولون يتخبطون فيه، فإن نغمة التدخل الأجنبي في الأحداث التي تقع في مصر كشفت أكثر من غيرها عن فقدان المنطق والرؤية الصحيحة للأمور، وبالتالي المسارعة إلى إطلاق الأحكام جزافاً وبشكل هستيري، دون أدلّة، أو من خلال اختراع سيناريوهات وهمية يبدو الاصطناع فيها فجّاً ومثيراً للسخرية.
فقد تناسى رجال النظام كل الأسباب التي أدّت إلى قيام الشعب المصري، بكامل فئاته، بالنزول إلى الشارع وتقديم أنفسهم شهداء من أجل الحرية، وتجاوزوا مطالب الجماهير التي تعتصم منذ أيام في الميادين والساحات، في القاهرة والاسكندرية والسويس ومختلف المدن الأخرى، وتوقفوا عند الحديث على تدخل الدول الأجنبية في الشؤون المصرية، مصوّرين الملايين الذين انتفضوا كأطفال قصّر لا يستطيعون التصرف من أنفسهم، وإنما تحركوا بناء على "أجندات خارجية"، وانصاعوا لأوامر صدرت من وراء الحدود.
ولو أن السيناريوهات التي وضعها "جهابذة" النظام تملك ذرة من المنطق والواقعية لاستطاعت إقناع البعض، ولكن التخبط الذي ضاعت فيه هذه السيناريوهات جعل ترديدها من قبل السياسيين والإعلاميين التابعين للنظام بمثابة نكتة سمجة لا يمكن حتى الاستماع إليها.
فقد أطلق أحد المنتفعين على التفزيون المصري تصوراً مفاده ان هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران و"إسرائيل" وقطر على تخريب الاستقرار في مصر، وأن اجتماعات عقدت قبل فترة من أجل وضع الخطط المناسبة لإطلاق الفوضى في شوارع مصر!
"خبيرعسكري" من جماعة النظام اختصر هذه التوليفة، واقتصر في السيناريو الذي قدّمه عبر شاشة تلفزيونية مصرية ـ تقول عن نفسها إنها مستقلة ـ على اجتماعات بين مسؤولين قطريين ومسؤولين من الموساد الصهيوني لتحضير خطة هدم الاستقرار في مصر، مع رسم دور أساسي في هذه الخطة لقناة الجزيرة الفضائية، التي ستقوم بتهييج الشعب المصري ودفعه إلى النزول إلى الشارع!
شخص آخر ذهب إلى تحميل إبران كل المسؤولية، وجعل كل ما يحصل في الشارع المصري نتيجة لخطة جهنمية إيرانية تهدف إلى القضاء على مصر لأنها "المنافس الاستراتيجي" لإيران في المنطقة.
ومع غرابة هذه السيناريوهات وبعدها عن المنطق، بقي هناك سيناريو هو الاكثر إثارة للأسئلة حول مدى الصحة العقلية لمطلقي هذه التصورات، وهو يقوم على رواية مفادها أن الولايات المتحدة هي التي درّبت الشباب المتفتّح الذي دعا للانتفاضة من خلال وسائل الإعلام الحديثة وعلى رأسها الفايسبوك والتويتر وغيرها. هذه الرواية كانت خرافية لدرجة تفوق التصوّر، لذلك عمل أزلام النظام على ابتكار رواية مكمّلة لها، عسى أن تعطيها بعض المصداقية، فتم تسويق "اعتراف" من إحدى الفتيات يفيد أنها تدرّبت لدى الأميركيين بهدف إسقاط النظام في مصر!
وبالرغم من أنه لا يمكن تبرئة الإدارة الأميركية من التدخل في شؤون الدول الأخرى، فإن رواية تدريب الأميركيين لشباب مصريين كي يقلبوا نظام حسني مبارك ترتقي إلى مستوى الكوميديا السوداء التي يبرع بها الخيال الأمني المتحكم بالمؤسسة الحاكمة المصرية، إذ ان النظام المصري هو من أكثر عملاء واشنطن إخلاصاً وأهمهم نفعاً للسياسة الأميركية في المنطقة، ولم تسحب الإدارة الأميركية دعمها له إلا بعد أن استشرفت واشنطن المستقبل الأسود لهذا النظام، إثر الانتفاضة الشعبية المليونية.
لقد تناست هذه المؤسسة كل الأسباب الموجبة للنقمة التي تسود الشعب المصري إزاء النظام وحيتانه والمتحكمين بالسياسة والاقتصاد والأمن، وإزاء البلطجية والزعران الذين عاثوا في البلاد فساداً ، وتناست انحيازها إلى جانب الكيان الصهوني في مواجهة الشعوب العربية، وتناست عمالة النظام للولايات المتحدة وتنفيذه كل ما تطلبه منه واشنطن على مستوى الداخل والخارج، كي ترفع عقيرتها بالحديث عن تدخل خارجي بالشؤون المصرية،.
ومقابل هذه السخافة الحكومية التي وصلت إلى حد اتهام الكيان الصهيوني بالتآمر على النظام العربي الأكثر خدمة لهذا الكيان العدو، يبقى الشعب المصري المتحصن بحقه وبشرعيته الجماهيرية مقيماً في الشارع، غير مكترث بما تبثه آلة الإعلام الرسمية الصدئة من تهويلات وسيناريوهات مفضوحة وبائخة ومكررة لا تؤثر في معنويات الجماهير التي نزلت بملء إرادتها من أجل تحقيق التغيير الحقيقي، التغيير الذي يلبي آمال وتطلعات الشعب المصري أولاَ، ومن ثم آمال وتطلعات الأمة العربية والإسلامية بكاملها.

الاثنين، يناير 31، 2011

الانتفاضة المصرية في نظرة استراتيجية



محمود ريا

ربما من الصعب القول إن النظام المصري سيسقط خلال الأيام أو الساعات المقبلة، ولكن هذا التوقع لم يعد مستحيلاً، وهذا ما يعتبر تحولاً استراتيجياً بكل معنى الكلمة.
إن لتحوّل النظام المصري من موقعه كفاعل على مستوى المنطقة إلى موقع المنتظر للفعل من خارجه آثاراً كثيرة على التطورات في المنطقة ربما العالم.

وبالرغم من الحديث الذي ساد في الفترة الأخيرة عن ضعف الدور المصري في المنطقة وعن تقلص تأثير النظام في الأحداث التي تدور على امتداد الرقعة الجغرافية للإقليم، فإن هذا النظام حافظ على أدوار شديدة الحساسية وبالغة الفعالية، لم يكن غيره ـ ولن يكون ـ قادراً على القيام بها.
فالنظام المصري كان ـ وما يزال ـ يشكل على مدى العقود الماضية الركن الذي ترتكز عليه الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، وهو بذلك يلعب دوراً خارج إطار المنافسة بين أقرانه من الأنظمة القائمة. ويضاف إلى ذلك أن هذا النظام هو رأس جسر الإستراتيجية السياسية والعسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا دور فعّال أيضاً ولا يمكن الإنقاص من أهميته بأي حال من الأحوال.

واستناداً إلى قيامه بهذين الدورين المحوريين، كان النظام المصري ينام على حرير الكثير من الأدوار الأخرى التفصيلية، والتي جعلت منه وكيلاً للإدارة الأميركية في الكثير من قضايا المنطقة، ومنفذاً للإستراتيجية الإسرائيلية على أكثر من ساحة.

وفي استعراض سريع لهذه الأدوار (الثانوية) يمكن التوقف عند الدور المصري في القضية الفلسطينية مثلاً، حيث كانت السياسة المصرية ولا تزال تمثل العصا التي ترفعها الإدارة الأميركية، والحكومة الإسرائيلية، في وجه السلطة الفلسطينية لمنعها حتى من التفكير في التراجع عن السير في عملية التسوية، وفي وجه المقاومة الفلسطينية من خلال حصار غزة والتعاون مع المؤسسات الأمنية الصهيونية والأميركية لمحاصرة الحركات المقاومة وإضعافها.

وفي لبنان كان الدور المصري دائماً يكمّل الدور الأميركي في الضغط على القوى الرافضة للانصياع لرغبات الإدارة الأميركية، وفي تقديم الدعم المطلق على مختلف المستويات السياسية والأمنية والعسكرية للقوى السائرة في المشروع الأميركي والمعادية للمقاومة.

وعلى المستوى الإقليمي أيضاً كان النظام المصري رأس حربة أميركية صهيونية في مواجهة المشروع النووي الإيراني وفي الترويج للخطر الإيراني المزعوم على المنطقة.
لكل ذلك، ولغيره، كان النظام المصري يلعب دوراً استراتيجياً حساساً لا يمكن إنكاره، وإن كان هذا الدور مخالفاً لرغبات شعوب المنطقة ولتطلعات أبناء أمتنا العربية والإسلامية.

اليوم، بات النظام المصري في موقع صعب، وسواء سقط بشكل كامل، أو سقط رأسه مع بقاء هيكله قائماً من خلال تسليم الحكم لآخرين فيه، أو حتى مع بقاء رأسه مع بعض التعديلات التي قام ـ وسيقوم ـ بها، فإن هذا النظام قد تعرض لضربة قوية جداً، وهذه الضربة ستنعكس على دوره الاستراتيجي في مختلف الساحات التي كان "يلعب" عليها.

ومع أن كل احتمال من الاحتمالات الثلاثة سيترك آثاراً مختلفة عن الآثار التي يتركها أي احتمال آخر، فإن المشترَك بين مختلف هذه الاحتمالات هو أن هذا النظام يترنّح وهو بحاجة لفترة طويلة جداً لكي يتمكن من استعادة موقعه الجيواستراتيجي، بما يسمح له بلعب الأدوار المطلوبة منه من جديد (هذا مع احتمال بقائه)، وهذا سيترك بدوره آثاراً سلبية قاسية جداً على المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة، هذا المشروع الذي سيفتقد وجود الحليف الأقوى في المنطقة، وسيفتقد أيضاً التدخلات التي كان يقوم بها هذا الحليف لمصلحة واشنطن وتل أبيب.

إن مرحلة ترنّح النظام المصري قبل سقوطه هي المرحلة الأنسب للتفكير بالخيارات الاستراتيجية التي تمنع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من استعادة توازن مشروعهما الاستكباري، بما يؤدي فعلاً إلى دفع هذا المشروع قدماً نحو الانهيار، تمهيداً لتحرير أمتنا من ربقته، وتحقيق أهداف الحرية الحقيقية للأمة كل الأمة، بما فيها فلسطين المغتصبة.

إن ما قام به شباب مصر حتى الآن يصنع جزءاً مشرقاً من تاريخ أمتنا، وإذا تمكن هؤلاء الشباب من إتمام المهمة المقدّسة الملقاة على عاتقهم، فهم سيرسمون فعلاً الخريطة الجديدة للمنطقة، وربما للعالم كله.