محمود ريا
مع الصعود السريع للصين على مسرح العلاقات الدولية.. والحجم الكبير الذي يأخذه الاقتصاد الصيني على الخارطة الاقتصادية العالمية، يصبح السؤال عن فحوى العلاقات بين العرب والصين وما هو مطلوب لها وما هو مطلوب منها أكثر مشروعية من أي وقت مضى، فالصين هي ثالث اقتصاد في العالم الآن، وربما تصبح الاقتصاد الأول عالمياً قبل عام 2020، مع ما يعنيه ذلك من وزن سياسي واقتصادي للعملاق الأصفر في المرحلة القادمة.
إلا أن السؤال حول طبيعة العلاقات العربية الصينية يحمل في طياته عدة أسئلة اخرى: هل الصين واحدة في النظرة إلى العرب، وهل العرب يحملون نظرة واحدة لما يريدونه من الصين؟
أحد الخبراء العرب بالشؤون الصينية عاد منذ فترة من بيجينغ حاملاً نصف إجابة للسؤال الأول، ويبقى المطلوب السعي للوصول إلى استكمال الإجابة على هذا السؤال، ومن ثم الإجابة على السؤال الثاني بما يحمله من احتمالات وتعقيدات.
في دردشة، أرادها خاصة، وحاول أن ينطق بالكلمات خلالها بشكل هامس يدل على خطورة ما يقول، تحدث الخبير العربي (الذي يزور الصين أكثر من مرة في السنة) عن وجود تيار من الجيل الجديد في القيادة الصينية يطرح سؤالاً يشغل بال الجميع: ما هي العناصر المطلوبة للحفاظ على النمو المتصاعد للاقتصاد الصيني، وأين يمكن إيجاد هذه العناصر؟
يرى المنتمون إلى هذا التيار أن الحاجة ماسة إلى ثلاثة عناصر أساسية لاستمرارية نمو الاقتصاد الصيني هي المال والطاقة والتكنولوجيا العالية (الهايتيك)، ويتابعون أن الموجود في العالم العربي هو الطاقة والمال. ويبقى العنصر الثالث المطلوب، وهو التكنولوجيا العالية.
وهنا يقف أعضاء هذا التيار أمام سؤال عن الأماكن التي يمكن الحصول منها على هذه التكنولوجيا، فلا يجدون إلا مصدرين أساسيين لها: المصدر الأول هو الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الدولة تضع عقبات كثيرة أمام "نقل التكنولوجيا" إلى الصين خوفاً من المنافسة الشديدة التي يشكلها الاقتصاد الصيني للاقتصاد الأميركي. أما المصدر الثاني الذي يمكن الحصول منه على هذه التكنولوجيا العالية فهو إسرائيل.
وأمام هذه "المعادلة" ينطلق المنتمون إلى هذا التيار ليقولوا إن كلاً من المال المطلوب للاستثمارات، والطاقة اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد يمكن الحصول عليهما من مصادر أخرى غير الدول العربية، حيث أن النفط والغاز متوافران في دول كثيرة غير الدول العربية، كما أن الأموال المخصصة للاستثمارات ليست موجودة عند العرب وحدهم، ولا يتحكم بها العرب بشكل مستقل.
بالمقابل فإن التكنولوجيا العالية (وهي حاجة حيوية للاقتصاد الصيني) لا يمكن توفيرها إلا من إسرائيل ـ بعد الولايات المتحدة الأميركية ـ ويصلون إلى مفاضلة لا بد منها تقوم على قاعدة وجوب الوقوف إلى جانب إسرائيل والانسحاب من الموقف التقليدي الذي تقفه الصين إلى جانب العرب في منطقة الشرق الأوسط.
ينطق الخبير العربي هذه الكلمات ببطء ليضيف بعدها أن "السلطة الحاكمة" في الصين ترفض التسليم بالخلاصة التي يصل إليها "التيار الإسرائيلي" في القيادة الصينية، مشيراً إلى أن الشخصيات الأكثر بروزاً في القيادة الصينية تقرّ بأهمية العلاقة مع إسرائيل ولكن ليس على حساب العلاقات مع العرب، وتصرّ على الاحتفاظ بموقف متوازن من الصراع في المنطقة، حفاظاً على المصالح الاقتصادية الصينية من جهة، وتعزيزاً للدور الصيني المتنامي في السياسة الدولية من جهة أخرى.
هذا هو "نصف الجواب" الذي يقدمه الخبير العربي في الشؤون الصينية على سؤال: ماذا تريد الصين من العرب، ولكن هناك نصفاً آخر لم يتطرق إليه، وهو موقف القيادات "الأكثر تشدداً" في السلطة الصينية، سواء كانوا في الحزب الشيوعي أو في القيادة العسكرية الصينية.تفيد معطيات مستقاة من أكثر من مصدر صيني أن القيادات الأكثر راديكالية في المؤسستين العسكرية والإيديولوجية الصينية لا تزال تنظر إلى العالم على قاعدة الصراع القادم لا محالة مع الولايات المتحدة الأميركية، وترى هذه القيادات في العالم العربي (بغض النظر عمّا يراه هو في نفسه) نقطة ارتكاز أمامية في أي نزاع قد يحصل مع واشنطن، أو حتى في أي حرب تندلع معها في المستقبل.
وبناءً على هذه الرؤية، يصر كبار الحاملين لهذه الأفكار على فرملة أي اندفاعة صينية واسعة النطاق باتجاه إسرائيل التي يعتبرونها حليفة لأميركا إن لم تكن جزءاً منها في المواجهة القادمة. ويعبر هؤلاء عن مواقفهم من خلال التعاون العسكري غير الخفي مع دول عربية بعينها، ومع دول أخرى في المنطقة لا تقيم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها إيران، ومن خلال تحصين المحيط الصيني من خلال المنظمات الإقليمية كمنظمة شنغهاي وآسيان، أو من خلال علاقات أكثر حميمية مع دول مؤثرة كروسيا.
وإذا كانت الصين، الدولة الواحدة، تحمل ثلاث رؤى متباينة حول العلاقة مع العالم العربي، فكيف ينظر العرب، بعالمهم المترامي الأطراف ودولهم المتنافرة الوجهات ومصالحهم المتناقضة، إلى الصين وما يريدونه منها؟
يمكن القول إن هناك ثلاثة تيارات أيضاً تحتوي النظرة العربية إلى الصين:
ـ التيار الأول: هو تيار ما يسمى بدول الممانعة، والتي لم يبقَ منها على ما يبدو إلا سوريا وحلفائها في المنطقة، وهذه الدول تريد الصين التي تقف إلى جانب القضايا العربية بقوة، وترغب في تحقيق تعاون عميق مع بيجينغ قد يصل إلى حد التحالف، وهي لا تخفي سرورها بأي تطور تشهده العلاقات مع الصين في أي مجال من المجالات، وبالمقابل فهي تنظر بريبة واستئياء إلى كل تطور تشهده العلاقات الصينية الإسرائيلية.
ـ التيار الثاني: هو التيار الرئيسي السائد في العالم العربي والذي اصطلح على تسميته بتيار "الدول المعتدلة"، وهذا التيار يرغب في علاقات جيدة مع الصين، ويحاول الحصول من القيادة الصينية على مواقف متفهمة للمبادرات والتحركات العربية الهادفة إلى تحقيق السلام في المنطقة، ولا تمانع في قيام علاقات صينية إسرائيلية قوية، لأنها تعتبر أن الصين قد تتمكن من خلال هذه العلاقات من الضغط على إسرائيل بشكل أو بآخر للسير في عملية السلام دون تاخير. كما ان هذه الدول تريد من الصين الوقوف إلى جانب الدول العربية في مجلس الأمن، ولا سيما في ظل سيطرة الفيتو (والقرار) الأميركي على هذا المجلس في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.
ـ ويبقى التيار الثالث من الدول العربية، وهو تيار الدول التي تريد الصين كاقتصاد، وتتعامل معها على أساس الفرص المتوافرة، بغض النظر عن الموقف السياسي، وهذه الدول تقع في شرق العالم العربي وغربه، ولا تتوقف كثيراً عند ما تقوم به الصين أو تفعله، إلا لجهة كونه يشكل مجالاً للاستثمار أو للحصول على دعم أو مساعدة صينية في هذا المجال أو ذاك.
إن نظرة سريعة إلى أرقام التبادل التجاري بين العالم العربي والصين (133 مليار دولار عام 2008) مقارنة بحجم التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل (4.5 مليار دولار عام 2007) توحي أن الصين لن تتخلى عن علاقاتها مع العرب بسهولة من أجل علاقة أكثر قوة مع إسرائيل، ولكن هذا التصور يفترض أن يكون لدى العرب كلمة واحدة يقولونها للمسؤولين الصينيين، ويتطلب أن يستطيع المسؤولون العرب إقناع الصينيين بالتعامل معهم كفريق واحد، وليس كدول متفرقة كل واحدة منها لها مصالحها وتطلعاتها ونظرتها إلى الأوضاع في المنطقة والعالم
* هذا المقال نشر مع بعض الاختصار في صحيفة السفير اللبنانية في صفحة قضايا وآراء يوم الثلاثاء 16/6/2009 تحت عنوان:
هل تستبدل الصين العرب بإسرائيل؟
وهذا رابط الموضوع في صحيفة السفير
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1261&ChannelId=29108&ArticleId=1635&Author=محمود%20ريا
الجمعة، يونيو 19، 2009
السبت، يونيو 13، 2009
بلا مواربة: الطرد الملغوم.. والعدو المكلوم

بين الطرد المفخخ الذي اكتشف في مبنى الإدارة العامة للأمن العام في بيروت، والمقابلة ـ مع قناة المنار ـ التي تحدث فيها رئيس جهاز الأمن العام وفيق جزيني عن شبكات التجسس التي اكتشفها الجهاز (وتلك التي ينوي الإعلان عنها) ما لا يزيد عن اثنتي عشرة ساعة، وهذا في علم الجريمة قرينة كافية للحكم على أن الطرد المكتشف (الذي لم ينفجر لخلل تقني) هو رسالة لمن يهمهم الأمر.
المرسل ليس بحاجة إلى اكتشاف، فهو واضح وضوح العيان، والمستهدف ظاهر من عنوان استقبال الطرد، أما الرسالة فلها عدة مضامين، منها مثلاً التهديد: إياكم أن تتمادوا أكثر، ومنها الانتقام: لن نسكت على ما فعلتم، إضافة إلى ما يمكن أن يكون قد ورد في ذهن المرسل من معانٍ تحتاج إلى وقت للظهور الى العلن.
عندما تحدث اللواء جزيني عن شبكات أخرى سيتم الكشف عنها لم يكن يتحدث عن فراغ، وعندما جاء الطرد الملغوم إلى المديرية تبين أن ما قاله سعادة اللواء ينطوي على خطورة كبيرة، دفعت المجرم إلى الخروج من مخبئه والمبادرة إلى إرسال إشارة التحذير.
موسم الانتخابات انتهى، بكل ما فيه من كدر وصفو، وباتت الآن الحركة أكثر سهولة، ولم يعد هناك من اتهام بالعمل من أجل صناديق الاقتراع أو من أجل تحصيل أصوات هنا أو هناك. لقد صار العمل الآن صافياً من أجل الحفاظ على أمن لبنان واللبنانيين من الذين اخترقوه وسلموا أنفسهم للعدو الصهيوني، ينفذ بهم الجرائم ويرتكب من خلالهم ما عكّر صفو اللبنانيين وخلخل أمنهم خلال السنوات الماضية.
الرسالة المتفجرة قاسية، ولكن يجب أن يكون الرد عليها أقسى، بالاستمرار في كشف خلايا التجسس، مهما بلغ شأن المنتمين إليها، وأياً كانت أسماؤهم والمواقع التي يحتلونها.
يجب أن لا ينسينا الطرد الملغوم واجب البحث عن عملاء العدو المكلوم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1350 ـ 12 حزيران/ يونيو 2009
المرسل ليس بحاجة إلى اكتشاف، فهو واضح وضوح العيان، والمستهدف ظاهر من عنوان استقبال الطرد، أما الرسالة فلها عدة مضامين، منها مثلاً التهديد: إياكم أن تتمادوا أكثر، ومنها الانتقام: لن نسكت على ما فعلتم، إضافة إلى ما يمكن أن يكون قد ورد في ذهن المرسل من معانٍ تحتاج إلى وقت للظهور الى العلن.
عندما تحدث اللواء جزيني عن شبكات أخرى سيتم الكشف عنها لم يكن يتحدث عن فراغ، وعندما جاء الطرد الملغوم إلى المديرية تبين أن ما قاله سعادة اللواء ينطوي على خطورة كبيرة، دفعت المجرم إلى الخروج من مخبئه والمبادرة إلى إرسال إشارة التحذير.
موسم الانتخابات انتهى، بكل ما فيه من كدر وصفو، وباتت الآن الحركة أكثر سهولة، ولم يعد هناك من اتهام بالعمل من أجل صناديق الاقتراع أو من أجل تحصيل أصوات هنا أو هناك. لقد صار العمل الآن صافياً من أجل الحفاظ على أمن لبنان واللبنانيين من الذين اخترقوه وسلموا أنفسهم للعدو الصهيوني، ينفذ بهم الجرائم ويرتكب من خلالهم ما عكّر صفو اللبنانيين وخلخل أمنهم خلال السنوات الماضية.
الرسالة المتفجرة قاسية، ولكن يجب أن يكون الرد عليها أقسى، بالاستمرار في كشف خلايا التجسس، مهما بلغ شأن المنتمين إليها، وأياً كانت أسماؤهم والمواقع التي يحتلونها.
يجب أن لا ينسينا الطرد الملغوم واجب البحث عن عملاء العدو المكلوم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1350 ـ 12 حزيران/ يونيو 2009
الجمعة، يونيو 05، 2009
بلا مواربة: الانتخابات.. وقلق الانتظار

صعب أن تكتب عن الانتخابات قبل يومين من حصولها.
صعب أن تحاول استقراء الصورة وأنت تغرق في هذا الكم الهائل من التحليلات والتوقعات والتنجيمات التي تتدفق عليك كالطوفان.
صعب أن تصدق أياً من "المحللين" و"الخبراء"، وأنت تتذكر التعريف الطريف للخبير، الذي يقول إن الخبير هو الذي يقول لك اليوم لماذا لم يحصل ما قال لك بالأمس إنه سيحصل!
تنطلق الأرقام، تتصادم ببعضها، تتضارب التوقعات، في هذه الدائرة ستدور الدوائر على هذا، وفي تلك على ذاك. وأنت في وسط الأمواج المتلاطمة، ترغب في أن يسرع الزمن، فتنقضي هذه الساعات الثماني والأربعون، لتتخلص من هذه الجعجعة التي تجعل من مطلقيها نجوماً لامعة لن تلبث أن تنطفئ بسرعة بعد صدور نتائج الانتخابات.
لا يمكن أن تصدق هذا وتكذّب ذاك، وأنت تعلم أن الكثير من هذه "التوقعات" هي "غب الطلب"، تعطى لمن يريدها، مدفوعة الثمن ومعروفة النتيجة مسبقاً، وأن الكثير منها مبني على تخيلات وتحليلات، وأن البعض منها مبني على عيّنات.. تبقى عيّنات لا تستطيع أن تقدم صورة يقينية عن الواقع على الأرض.
من تصدق إذاً، وكيف تعرف النتيجة وأنت الذي تتحرق للوصول إلى ما لم يحصل بعد؟
لعل الأفضل في هذا المجال هو أن تقوم بدورك خلال الساعات القادمة، تجهّز نفسك للقيام بواجبك، وتقدّم خيارك للناس من حولك، عسى أن تقنع أحداً بأن يسير في مسارك، وأن تنتظر يوم الأحد، فهو قادم إن شاء الله، ومن بعده الاثنين ومعه النتائج.
المهم في الموضوع هو أنه بعد النتائج ستحصل تغييرات، ولكن لن تنقلب الدنيا، ولن يكون التغيير سلباً أو إيجاباً هو نهاية المطاف.
المهم أن يترك الجميع صناديق الاقتراع تتكلم، فعندها يكون الخطاب الفصل والقول اليقين.
المهم أن تكون مقتنعاً بخياراتك، وأن الشعب سيعرف ماذا سيختار، قبل الانتخابات وبعدها.. وعندها سترتاح من قلق الانتظار.
صعب أن تحاول استقراء الصورة وأنت تغرق في هذا الكم الهائل من التحليلات والتوقعات والتنجيمات التي تتدفق عليك كالطوفان.
صعب أن تصدق أياً من "المحللين" و"الخبراء"، وأنت تتذكر التعريف الطريف للخبير، الذي يقول إن الخبير هو الذي يقول لك اليوم لماذا لم يحصل ما قال لك بالأمس إنه سيحصل!
تنطلق الأرقام، تتصادم ببعضها، تتضارب التوقعات، في هذه الدائرة ستدور الدوائر على هذا، وفي تلك على ذاك. وأنت في وسط الأمواج المتلاطمة، ترغب في أن يسرع الزمن، فتنقضي هذه الساعات الثماني والأربعون، لتتخلص من هذه الجعجعة التي تجعل من مطلقيها نجوماً لامعة لن تلبث أن تنطفئ بسرعة بعد صدور نتائج الانتخابات.
لا يمكن أن تصدق هذا وتكذّب ذاك، وأنت تعلم أن الكثير من هذه "التوقعات" هي "غب الطلب"، تعطى لمن يريدها، مدفوعة الثمن ومعروفة النتيجة مسبقاً، وأن الكثير منها مبني على تخيلات وتحليلات، وأن البعض منها مبني على عيّنات.. تبقى عيّنات لا تستطيع أن تقدم صورة يقينية عن الواقع على الأرض.
من تصدق إذاً، وكيف تعرف النتيجة وأنت الذي تتحرق للوصول إلى ما لم يحصل بعد؟
لعل الأفضل في هذا المجال هو أن تقوم بدورك خلال الساعات القادمة، تجهّز نفسك للقيام بواجبك، وتقدّم خيارك للناس من حولك، عسى أن تقنع أحداً بأن يسير في مسارك، وأن تنتظر يوم الأحد، فهو قادم إن شاء الله، ومن بعده الاثنين ومعه النتائج.
المهم في الموضوع هو أنه بعد النتائج ستحصل تغييرات، ولكن لن تنقلب الدنيا، ولن يكون التغيير سلباً أو إيجاباً هو نهاية المطاف.
المهم أن يترك الجميع صناديق الاقتراع تتكلم، فعندها يكون الخطاب الفصل والقول اليقين.
المهم أن تكون مقتنعاً بخياراتك، وأن الشعب سيعرف ماذا سيختار، قبل الانتخابات وبعدها.. وعندها سترتاح من قلق الانتظار.
محمود ريا
الجمعة، مايو 29، 2009
بلا مواربة: الانتخابات.. ومحاولات الإلغاء

من يرغب بتأجيل الانتخابات النيابية في لبنان، من يحاول تعطيلها، من ضغط في الداخل والخارج من أجل تمرير يوم السابع من حزيران/ يونيو دون "شرب الكأس المرة"؟
ما يتسرّب من الجلسات المغلقة والاجتماعات التي تعقد خلف الأبواب المقفلة يشي بأن هناك من يعمل فعلاً من أجل سحب الاستحقاق الانتخابي من روزنامة الأحداث السياسية في لبنان، متوسلاً من أجل ذلك كل ما لديه من وسائل، باذلاًَ كل ما يملكه من مال، ومن ماء وجه (إذا وُجد) ومن طاقة في هذا المجال.
ولا يكتفي هؤلاء بالسعي الداخلي، أي على مستوى لبنان لتحقيق هذا "الهدف النبيل" وإنما هم "يتوسطون" لدى قوى إقليمية ودولية من أجل الموافقة معهم على هذه الخطوة. وقد تسرب من أكثر من مصدر أن هذا الطرح عُرض فعلاً في الاجتماعات مع أكثر من زائر أجنبي، وليس آخر مطّلع على هذا الطلب نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن الذي زار لبنان في الأسبوع الماضي.
يتبدى من هذه الوقائع أن الداعين إلى السير في هذا الخيار هم من أطراف فريق الرابع عشر من آذار، وإذا كان الأقطاب الفاعلون يعلنون تمسكهم بإجراء الانتخابات في موعدها، فإن "الصغار" لا يتورعون عن ترديد كلام يسمعونه من كبارهم، حتى ولو أدى ذلك إلى تعرضهم للتكذيب من الكبار في العلن.
ولكن لماذا يخاف هؤلاء من الانتخابات ومن حصولها ومن نتائجها؟
السؤال يحمل إجابته داخله. هم متوجسون فعلاً من أن تأتي النتائج كما بات الجميع مقتنعاً بانها ستأتي عليه: انتصار مدوّ للمعارضة الوطنية بكل أطيافها وفي مختلف المناطق، بما يمحو صورة الأكثرية التي تحكمت بالبلد من خارطة الفعل السياسي التي كانت سائدة في السنوات الماضية.
هل سينفع صراخ هؤلاء في منع حصول الانتخابات؟
يفترض أن يكون ما يفعله هؤلاء صراخاً في وادٍ أو زوبعة في فنجان، لولا أن البعض منهم لديه "قدرات تنفيذية" نرى بعض صورها لدى شبكات التجسس التي تنهار في لبنان.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1348 ـ 29 أيار/ مايو 2009
الجمعة، مايو 22، 2009
بلا مواربة: بالأمس نتساريم.. وغداً اورشليم

هل يذكر أحد آرييل شارون؟
هذا الغارق في غيبوبة العجز منذ سنوات بات خارج إطار التذكر كشخص، إلا أن جرائمه التي ارتكبها على مدى سنوات حياته ستبقيه على لائحة المكروهين في تاريخ البشرية، وفي موقع متقدم جداً.
إلا أن هناك شيئاً آخر يمكن تذكر آرييل شارون به، فهو الذي قال في أوائل الألفية إن مستوطنة نتساريم في قطاع غزة تماثل بالنسبة له تل أبيب في الأهمية، وهو الذي عاد بعد سنوات قليلة لرسم خطة الانسحاب من قطاع غزة وتركه للشعب الفلسطيني دون قيد أو شرط.
هذا يعني أن من أُطلق عليه "آخر أنبياء إسرائيل" اضطر صاغراً وخلال سنوات من المقاومة أن "يلحس وعوده التوراتية" وأن يترك قطاع غزة ليتحول إلى شوكة قاسية في خاصرة الكيان الصهيوني.
وهذا يعني أيضاً أن كل شبر من فلسطين ومن الأراضي المحتلة من قبل الصهاينة، يمكن ان يتحرر بالطريقة نفسها، حتى لو كانت تل الربيع (تل أبيب) ذاتها.
وهذا يعني أن احتفال الكيان الصهيوني هذه الأيام بالذكرى الثانية والأربعين لضم القدس التي احتلت عام 1967 (شرقي القدس) إلى الكيان الصهيوني وإعلانها عاصمة أبدية لهذا الكيان، هو مجرد احتفال بشيء مرّ، ولا يمكن أن يرتّب آثاراً أبدية في الواقع ما دام أن هناك من يقاوم ومن يرفض الاستسلام للواقع الصهيوني مهما كانت التضحيات.
لقد كان معبّراً جدا استسلام الصهاينة في السابق في نتساريم، لأنه يعني ان الصهاينة سيتخلون لاحقاً عن حلم "أورشليم"، لتعود المدينة قدساً عربية لأهلها الذين ما يزالون يتمسكون بها بالرغم من فرض الصهاينة اكثر من مئتي ألف من المستوطنين في قلبها وعند محيطها.
سيكون الصهاينة يائسين جداً وهم يرددون شعار: بالأمس نتساريم.. واليوم أورشليم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1347 ـ 22 أيار/ مايو 2009
هذا الغارق في غيبوبة العجز منذ سنوات بات خارج إطار التذكر كشخص، إلا أن جرائمه التي ارتكبها على مدى سنوات حياته ستبقيه على لائحة المكروهين في تاريخ البشرية، وفي موقع متقدم جداً.
إلا أن هناك شيئاً آخر يمكن تذكر آرييل شارون به، فهو الذي قال في أوائل الألفية إن مستوطنة نتساريم في قطاع غزة تماثل بالنسبة له تل أبيب في الأهمية، وهو الذي عاد بعد سنوات قليلة لرسم خطة الانسحاب من قطاع غزة وتركه للشعب الفلسطيني دون قيد أو شرط.
هذا يعني أن من أُطلق عليه "آخر أنبياء إسرائيل" اضطر صاغراً وخلال سنوات من المقاومة أن "يلحس وعوده التوراتية" وأن يترك قطاع غزة ليتحول إلى شوكة قاسية في خاصرة الكيان الصهيوني.
وهذا يعني أيضاً أن كل شبر من فلسطين ومن الأراضي المحتلة من قبل الصهاينة، يمكن ان يتحرر بالطريقة نفسها، حتى لو كانت تل الربيع (تل أبيب) ذاتها.
وهذا يعني أن احتفال الكيان الصهيوني هذه الأيام بالذكرى الثانية والأربعين لضم القدس التي احتلت عام 1967 (شرقي القدس) إلى الكيان الصهيوني وإعلانها عاصمة أبدية لهذا الكيان، هو مجرد احتفال بشيء مرّ، ولا يمكن أن يرتّب آثاراً أبدية في الواقع ما دام أن هناك من يقاوم ومن يرفض الاستسلام للواقع الصهيوني مهما كانت التضحيات.
لقد كان معبّراً جدا استسلام الصهاينة في السابق في نتساريم، لأنه يعني ان الصهاينة سيتخلون لاحقاً عن حلم "أورشليم"، لتعود المدينة قدساً عربية لأهلها الذين ما يزالون يتمسكون بها بالرغم من فرض الصهاينة اكثر من مئتي ألف من المستوطنين في قلبها وعند محيطها.
سيكون الصهاينة يائسين جداً وهم يرددون شعار: بالأمس نتساريم.. واليوم أورشليم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1347 ـ 22 أيار/ مايو 2009
السبت، مايو 16، 2009
تعالوا اخرقوا لائحتنا!

كيف تستطيع أن تسير وراء الذي لا يفي ولا يلتزم بعهد، ولا يقف عند وعد؟
كيف تقبل بأن تولّي عليك من يرفع يدك في النهار ويطعن ظهرك في الليل؟
كيف تضع مستقبلك بين يدي من لم يصدق في الماضي، ولا هو صادق في الحاضر، ولا يتوقع أن يصدق في المستقبل؟
إنها أحجية حقيقية، تلك التي تنتج عن انتظار الأمان ممن لا أمان له مع الصديق والحليف، وبشكل أولى مع المواطن والمخالف.
بالأمس وقفوا أمام الجماهير رافعين الأيدي في عهد ووعد، مؤكدين على السير معاً إلى الاستحقاق، مصدرين البيانات الرسمية التي تدعو إلى التصويت للائحة "زي ما هي".
واليوم ينبري جهابذتهم للدعوة إلى خرق اللائحة، جهاراً نهاراً، على صفحات الجرائد، دون خوف أو خشية.
أعلنوا اللائحة في طرابلس، وطلبوا من المواطن أن ينتخبها، ثم طلبوا منه مرة أخرى أن يخرقها، وأن يشكل لائحته الخاصة، وأن يضع على رأسها فلاناً، في نقض صريح وواضح للموقف العلني الرسمي الذي صدر في بيان عليه الختم والشعار.
وفي الشوف، يتعاهدون مع فريق، ثم يتركون مرشحهم للتصويت له، في نقض صريح وواضح للتعاهد مع فريقهم، ولا يرون في ذلك بأساً، ولا يعتبرون ذلك خيانة وخروجاً على المعهود من الالتزام بالعهود.
وفي مناطق أخرى، يتباحثون مع مجموعة لها حضورها، فيأخذون ويعطون، ويتوافقون ثم ينقضون، ويتحالفون ثم يتراجعون، وبالنهاية يتركون شركاءهم على قارعة الطريق كالمخدوعين.
كيف يمكن إيداع المستقبل بين يدي من ينسى في لحظة ما قاله، في حين أن شعاره أنه لن ينسى "والسما زرقا"؟
لقد برهن هؤلاء مرة بعد مرة أنهم لا مستقبل عندهم إلا لهم، في حين أن من يسير معهم وبجانبهم وخلفهم وتحتهم يبقى خارج المستقبل، بل ربما يصبح خارج الوجود.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1346 ـ 15 أيار/ مايو 2009
كيف تقبل بأن تولّي عليك من يرفع يدك في النهار ويطعن ظهرك في الليل؟
كيف تضع مستقبلك بين يدي من لم يصدق في الماضي، ولا هو صادق في الحاضر، ولا يتوقع أن يصدق في المستقبل؟
إنها أحجية حقيقية، تلك التي تنتج عن انتظار الأمان ممن لا أمان له مع الصديق والحليف، وبشكل أولى مع المواطن والمخالف.
بالأمس وقفوا أمام الجماهير رافعين الأيدي في عهد ووعد، مؤكدين على السير معاً إلى الاستحقاق، مصدرين البيانات الرسمية التي تدعو إلى التصويت للائحة "زي ما هي".
واليوم ينبري جهابذتهم للدعوة إلى خرق اللائحة، جهاراً نهاراً، على صفحات الجرائد، دون خوف أو خشية.
أعلنوا اللائحة في طرابلس، وطلبوا من المواطن أن ينتخبها، ثم طلبوا منه مرة أخرى أن يخرقها، وأن يشكل لائحته الخاصة، وأن يضع على رأسها فلاناً، في نقض صريح وواضح للموقف العلني الرسمي الذي صدر في بيان عليه الختم والشعار.
وفي الشوف، يتعاهدون مع فريق، ثم يتركون مرشحهم للتصويت له، في نقض صريح وواضح للتعاهد مع فريقهم، ولا يرون في ذلك بأساً، ولا يعتبرون ذلك خيانة وخروجاً على المعهود من الالتزام بالعهود.
وفي مناطق أخرى، يتباحثون مع مجموعة لها حضورها، فيأخذون ويعطون، ويتوافقون ثم ينقضون، ويتحالفون ثم يتراجعون، وبالنهاية يتركون شركاءهم على قارعة الطريق كالمخدوعين.
كيف يمكن إيداع المستقبل بين يدي من ينسى في لحظة ما قاله، في حين أن شعاره أنه لن ينسى "والسما زرقا"؟
لقد برهن هؤلاء مرة بعد مرة أنهم لا مستقبل عندهم إلا لهم، في حين أن من يسير معهم وبجانبهم وخلفهم وتحتهم يبقى خارج المستقبل، بل ربما يصبح خارج الوجود.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1346 ـ 15 أيار/ مايو 2009
السبت، مايو 09، 2009
العملاء: الاجتثاث.. الاجتثاث
تساقط شبكات العملاء في لبنان قد يثير اهتمام المراقبين من اكثر من وجهة نظر. فهو قد يشير إلى قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية، وقد يستعمله البعض الآخر قرينة لإعطاء شهادة "البراءة" لأجهزة أخرى (هي بحاجة إليها)، فيما قد يرى فيه بعض ثالث دلالة على هشاشة الشبكات الصهيونية وسرعة تساقطها عندما يجدّ الجدّ.ولكن بغضّ النظر عن وجهات النظر المختلفة هذه، لا بد من الوقوف عند المعنى الحقيقي الذي لا بد أن يثير كل الاهتمام، أكثر من أي معنى آخر في هذا الموضوع: إنه حقيقة وجود عدد كبير من شبكات العملاء التي تعمل للعدو الصهيوني على الأراضي اللبنانية.
هذه الحقيقة تتفرع عنها حقائق أخرى ربما تكون أكثر خطورة: "إسرائيل" تضع لبنان في رأسها، وهي لم تنسحب منه عندما سحبت قواتها، أو بشكل أكثر دقة، هي لم تسحبه من جدول أطماعها وطموحاتها ومشاريعها، وإنما سحبت الجزء الظاهر من وجودها على الأرض، وتركت ما تبقى من جنود مخفيين يعملون من أجل تحقيق مشاريعها بطريقة اعتبرتها أكثر ذكاءً وأقل إثارة للضجة.
هذا يعني أيضاً أن المخاطر التي يشكلها هذا الجيش العرمرم من العملاء ـ الموجودين سابقاً أو المجندين لاحقاً ـ هي مخاطر حقيقية وفعلية وداهمة، وهي مخاطر لا يمكن تجاهلها أو القفز عنها أو إخفاء الرأس في الرمال إزاءها، بل لا بد من التعاطي معها بما تستحق من أهمية.
لا يجب أن يلهينا أي شيء، مهما كان، عن هذه المعركة المصيرية، معركة مواجهة العملاء والقضاء عليهم واجتثاث جذورهم، ولا يجب أن تفتر الهمم في هذه المعركة التي لا يرى خطرها أولئك الذين يظنون ـ عن قناعة أو بناءً على ما يتلقونه من تلقين ـ أن لبنان يمكن أن يكون حيادياً في الصراع الدائر في منطقتنا مع الكيان الصهيوني.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1345 ـ 8 أيار/ مايو2009
السبت، مايو 02، 2009
ما بعد إطلاق الضباط الأربعة
الآن وبعد أن بلغت الفرحة مداها بإحقاق الحق وظهوره ناصعاً أبلج، وبعد خروج من كان معتقلاً بلا أي جريرة، صار يمكن الحديث بهدوء وبعيداً عن قيمة اللحظة، التي كانت على كل حال قيمة كبيرة، بكبر الظلم اللاحق بالضباط الأربعة على مدى السنوات الأربع الماضية، وبكبر المشروع الذي وقف وراء اعتقالهم، وكان يهدف إلى تغيير طبيعة لبنان التي تتسع للجميع، ووجهه المقاوم للمشروع الصهيوني الأميركي في المنطقة.
لقد سبب الحدث الذي شهده يوم الأربعاء 29 نيسان/ أبريل زلزالاً لا تقتصر آثاره على وجه واحد من وجوه الحياة السياسية في لبنان، وإنما هي آثار تمتد إلى عمق الصورة التي ترتسم لهذا البلد، وتغوص عميقاً في التوجه النهائي الذي يراد له أن يسلكه.
وإذا كان لهذا الحدث انعكاسات على مستوى الانتخابات النيابية القادمة في السابع من حزيران/ يونيو القادم (وهو سيكون له انعكاسات حتماً)، فهي لن تكون الانعكاسات الوحيدة على الواقع السياسي المحلي والإقليمي على حد سواء.
فلنقرّ قبل ذلك بأن هذا الحدث ليس قائماً بذاته، أي أن بداياته ونهاياته لا تقف عند حدود الظواهر الخارجية للقضية، من استلام المحكمة الدولية الملف، إلى اتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة، إلى الإفراج عن الضباط المعتقلين.
القضية لها ما قبلها، وهذا الـ"ما قبل" بعيد الغور، لا يقف عند حدود اعتقال الضباط، وإنما يصل إلى لحظة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وربما يكون له جذور أبعد، وصولاً إلى القرار 1559، وحتى إلى لحظة سقوط بغداد.
بناءً عليه يمكن القول إن إطلاق الضباط الأربعة هو الحلقة الأخيرة في سلسلة أحداث ترجمت سقوط هذا المشروع الخطير الذي كاد يحقق أهدافه لولا العناية الإلهية أولاً، ولولا موازين القوى الراسخة على الأرض ثانياً، ولولا وجود رجال رجال في هذا المقر الرسمي والقيادي أو ذاك، لا يرهبهم الترهيب ولا يفت في عضدهم التهويل.
لحظة إطلاق الضباط الأربعة هي تكثيف لعشرات المشاهد التي شهدها لبنان، من 14 شباط/ فبراير 2006 عندما فشل مشروع إسقاط قصر بعبدا، إلى 14 آب/ أغسطس 2006 عندما فشلت حرب الشرق الأوسط العدوانية على لبنان، إلى أواخر كانون الثاني/ يناير 2009 عندما بقيت غزة واقفة وانحنى العدو الصهيوني أمامها.
إنها لحظة كبيرة جداً، وإذا كان الـ"ما قبل" بهذا الحجم، فإن الـ"ما بعد" سيكون حتماً أكبر.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1344 ـ 2 أيار/ مايو 2009
لقد سبب الحدث الذي شهده يوم الأربعاء 29 نيسان/ أبريل زلزالاً لا تقتصر آثاره على وجه واحد من وجوه الحياة السياسية في لبنان، وإنما هي آثار تمتد إلى عمق الصورة التي ترتسم لهذا البلد، وتغوص عميقاً في التوجه النهائي الذي يراد له أن يسلكه.
وإذا كان لهذا الحدث انعكاسات على مستوى الانتخابات النيابية القادمة في السابع من حزيران/ يونيو القادم (وهو سيكون له انعكاسات حتماً)، فهي لن تكون الانعكاسات الوحيدة على الواقع السياسي المحلي والإقليمي على حد سواء.
فلنقرّ قبل ذلك بأن هذا الحدث ليس قائماً بذاته، أي أن بداياته ونهاياته لا تقف عند حدود الظواهر الخارجية للقضية، من استلام المحكمة الدولية الملف، إلى اتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة، إلى الإفراج عن الضباط المعتقلين.
القضية لها ما قبلها، وهذا الـ"ما قبل" بعيد الغور، لا يقف عند حدود اعتقال الضباط، وإنما يصل إلى لحظة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وربما يكون له جذور أبعد، وصولاً إلى القرار 1559، وحتى إلى لحظة سقوط بغداد.
بناءً عليه يمكن القول إن إطلاق الضباط الأربعة هو الحلقة الأخيرة في سلسلة أحداث ترجمت سقوط هذا المشروع الخطير الذي كاد يحقق أهدافه لولا العناية الإلهية أولاً، ولولا موازين القوى الراسخة على الأرض ثانياً، ولولا وجود رجال رجال في هذا المقر الرسمي والقيادي أو ذاك، لا يرهبهم الترهيب ولا يفت في عضدهم التهويل.
لحظة إطلاق الضباط الأربعة هي تكثيف لعشرات المشاهد التي شهدها لبنان، من 14 شباط/ فبراير 2006 عندما فشل مشروع إسقاط قصر بعبدا، إلى 14 آب/ أغسطس 2006 عندما فشلت حرب الشرق الأوسط العدوانية على لبنان، إلى أواخر كانون الثاني/ يناير 2009 عندما بقيت غزة واقفة وانحنى العدو الصهيوني أمامها.
إنها لحظة كبيرة جداً، وإذا كان الـ"ما قبل" بهذا الحجم، فإن الـ"ما بعد" سيكون حتماً أكبر.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد 1344 ـ 2 أيار/ مايو 2009
الخميس، أبريل 30، 2009
البحرية الصينية: عيد.. ودور

افتتاحية العدد التاسع والثلاثين من نشرة الصين بعيون عربية الالكترونية الأسبوعية
محمود ريا
احتفلت البحرية الصينية خلال الأسبوع الماضي بذكرى تأسيسها الستين، في استعراض للقوة لم يحصل من قبل، ما حمل أكثر من دلالة على الاستراتيجية التي وضعتها الصين للمستقبل، ليس على مستوى القوة العسكرية فحسب، وإنما على مستوى التعامل مع العالم بشكل عام.
كانت دعوة قطع بحرية من أربعة عشر بلداً حول العالم إشارة لا بد منها إلى الدول القوية بوجوب أخذ القوة الصينية المتصاعدة بالحسبان، وفي هذا تخلّ عن مبدأ كانت الصين تعمل جاهدة على الحفاظ عليه، مبدأ "الاختباء" من وجه العالم حتى تحين اللحظة المناسبة.
هذا الاختباء كان يفترض أن الصين لم تحقق بعد القوة اللازمة كي تخرج على العالم بإعلان صريح يؤكد أنها قوة عظمى ولا بد من التعامل معها على هذا الأساس، لا بل إن القياديين الصينيين كانوا يصرون دائماً على أن الصين دولة من الدول التي لا تزال على طريق النمو، وإنها دولة لا همّ لها إلا أن تحمي أرضها من أي هجوم خارجي، في رؤية دفاعية لم تتغير منذ قرون ولم تشهد أي نقض لها من أي تصرف رسمي صيني تجاه دول الخارج.
اليوم تقول الصين: بالإذن.. نحن هنا، وقد اختارت البحرية في عيدها لتقول هذه الكلمة الجريئة، وليس هذا الاختيار نابعاً من فراغ، وإنما له عمق يتمثل في قيام البحرية الصينية خلال العام الماضي بمهمتين رياديتين يحملان "الرقم واحد" بكل جدارة: الأولى إلى مياه بحر عمان وخليج عدن للمساهمة في مكافحة مشكلة القراصنة الصوماليين، وذلك في أول تحرك عسكري ردعي تقوم به الصين في تاريخها، والثانية إلى جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي حيث أكدت الصين بذلك قدرتها على فرض رأيها في قضايا الخلافات الحدودية المفتوحة في تلك المنطقة، عندما تشاء ذلك.
لقد حملت هاتان المهمتان رؤية "حماية المصالح" الصينية، ما يشكل افتراقاً عن السياسة التقليدية المتبعة والتي تنص على "حماية الأراضي" الصينية من الاعتداء.
البحرية الصينية اليوم أكبر وأقوى وأكثر فاعلية، تماماً كما هي الصين في أذهان العالم، وقد جاء احتفال هذا الأسبوع بمثابة إطلاق صافرة إنذار لا بد من سماعها جيداً.
هل تسرّعت الصين في إظهار نفسها، وهل تجاوزت برنامجها السابق الذي كان يقوم على الانتظار عشر سنوات أخرى قبل القيام بهذه الخطوة؟
هناك من يقول إن الصين أسرعت لتلاقي ظروفاً كانت تظن أنها متأخرة الحصول، ظروف انهيار القوة العالمية العظمى التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية، وانكفاء قوى دولية أخرى عن لعب دور القوة الكبرى. وبذلك وجدت الصين نفسها على حين غرة في موقع المطالب بموقف.. وهذا ما كان.
محمود ريا
احتفلت البحرية الصينية خلال الأسبوع الماضي بذكرى تأسيسها الستين، في استعراض للقوة لم يحصل من قبل، ما حمل أكثر من دلالة على الاستراتيجية التي وضعتها الصين للمستقبل، ليس على مستوى القوة العسكرية فحسب، وإنما على مستوى التعامل مع العالم بشكل عام.
كانت دعوة قطع بحرية من أربعة عشر بلداً حول العالم إشارة لا بد منها إلى الدول القوية بوجوب أخذ القوة الصينية المتصاعدة بالحسبان، وفي هذا تخلّ عن مبدأ كانت الصين تعمل جاهدة على الحفاظ عليه، مبدأ "الاختباء" من وجه العالم حتى تحين اللحظة المناسبة.
هذا الاختباء كان يفترض أن الصين لم تحقق بعد القوة اللازمة كي تخرج على العالم بإعلان صريح يؤكد أنها قوة عظمى ولا بد من التعامل معها على هذا الأساس، لا بل إن القياديين الصينيين كانوا يصرون دائماً على أن الصين دولة من الدول التي لا تزال على طريق النمو، وإنها دولة لا همّ لها إلا أن تحمي أرضها من أي هجوم خارجي، في رؤية دفاعية لم تتغير منذ قرون ولم تشهد أي نقض لها من أي تصرف رسمي صيني تجاه دول الخارج.
اليوم تقول الصين: بالإذن.. نحن هنا، وقد اختارت البحرية في عيدها لتقول هذه الكلمة الجريئة، وليس هذا الاختيار نابعاً من فراغ، وإنما له عمق يتمثل في قيام البحرية الصينية خلال العام الماضي بمهمتين رياديتين يحملان "الرقم واحد" بكل جدارة: الأولى إلى مياه بحر عمان وخليج عدن للمساهمة في مكافحة مشكلة القراصنة الصوماليين، وذلك في أول تحرك عسكري ردعي تقوم به الصين في تاريخها، والثانية إلى جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي حيث أكدت الصين بذلك قدرتها على فرض رأيها في قضايا الخلافات الحدودية المفتوحة في تلك المنطقة، عندما تشاء ذلك.
لقد حملت هاتان المهمتان رؤية "حماية المصالح" الصينية، ما يشكل افتراقاً عن السياسة التقليدية المتبعة والتي تنص على "حماية الأراضي" الصينية من الاعتداء.
البحرية الصينية اليوم أكبر وأقوى وأكثر فاعلية، تماماً كما هي الصين في أذهان العالم، وقد جاء احتفال هذا الأسبوع بمثابة إطلاق صافرة إنذار لا بد من سماعها جيداً.
هل تسرّعت الصين في إظهار نفسها، وهل تجاوزت برنامجها السابق الذي كان يقوم على الانتظار عشر سنوات أخرى قبل القيام بهذه الخطوة؟
هناك من يقول إن الصين أسرعت لتلاقي ظروفاً كانت تظن أنها متأخرة الحصول، ظروف انهيار القوة العالمية العظمى التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية، وانكفاء قوى دولية أخرى عن لعب دور القوة الكبرى. وبذلك وجدت الصين نفسها على حين غرة في موقع المطالب بموقف.. وهذا ما كان.
الأحد، أبريل 26، 2009
بلا مواربة: إنهم ليسوا منا

كُتب كثيراً عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وقيل الكثير بالإيجاب والسلب عن شخصيته وعن مواقفه وعن كل شيء حوله.
وكُتب الكثير أيضاً عن وقفته أمام العالم، سواء في الأمم المتحدة، أو في مؤتمر مناهضة العنصرية، أو في أي مؤتمر آخر يشارك فيه، إذ يقول كلمته بلا تزويق وبلا دبلوماسية.. وبلا نفاق.
وما وقفته في مؤتمر ديربان ـ2 في جنيف قبل أيام إلا واحدة من تلك الوقفات، لم يزد ما قاله فيها عمّا قاله في مكان آخر.. إنه ـ ببساطة ـ الحقيقة حول الجرائم الصهيونية التي يراها العالم كله ولا يجرؤ على انتقادها إلا النزر اليسير من الناس.
ما يجب التوقف عنده ليس خطاب أحمدي نجاد الذي رأى فيه الإعلام الدولي شيئاً عجباً، في الوقت الذي يعرف مفردات هذا الخطاب كل طفل وكبير وصغير في منطقتنا، إلى درجة أن الكثير منا كان يظن أن أحمدي نجاد يتحدث عن معاناته الشخصية مع الاحتلال الصهيوني العنصري في كل فقرة من الخطاب.
ما يجب التوقف عنده فعلاً هو المظاهر التي رافقت الخطاب في مؤتمر دولي عالمي له أصوله وبروتوكولاته الدقيقة والمحددة، حيث كانت حالة الهرج والمرج التي سادت القاعة بمثابة خطة مبرمجة من قبل منظمات وجهات محددة، سواء لجهة محاولات "التهويش" على الخطاب، أو لجهة انسحاب العديد من الوفود "الغربية" من القاعة "احتجاجاً" على الاتهامات التي وجهها أحمدي نجاد لـ"إسرائيل"، وإعادته التأكيد على كون الصهيونية وجهاً من وجوه العنصرية.
حتى هذه الحالة يمكن إمرارها، فالأمر الطبيعي هو أن تقوم القوى المتضررة من الخطاب بمحاولة التشويش عليه حفظاً لصورة "إسرائيل" التي باتت مشوّهة أمام العالم إلى درجة مثيرة للقلق لدى الحلفاء والأصدقاء.
ما أثار العجب لدى البعض من أبناء أمتنا هو انسحاب وفود تمثّل دولاً عربية مع الوفود الأوروبية احتجاجاً على اتهامات أحمدي نجاد، وهي دول تعرّض أبناؤها للكثير من الجرائم الصهيونية المنطلقة من مواقف عنصرية واضحة للعيان.
لهؤلاء المتعجبين يمكن القول: لا تتعجبوا فهؤلاء المنسحبون ليسوا منا، ولا يمثلون شعوباً عربية، وإنما يمثلون بقايا الغرب المتسلطين على رقاب هذه الشعوب.. وسيأتي اليوم الذي يرحلون فيه.. كما رحل أسيادهم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1343 ـ 24 نيسان/أبريل 2009
وكُتب الكثير أيضاً عن وقفته أمام العالم، سواء في الأمم المتحدة، أو في مؤتمر مناهضة العنصرية، أو في أي مؤتمر آخر يشارك فيه، إذ يقول كلمته بلا تزويق وبلا دبلوماسية.. وبلا نفاق.
وما وقفته في مؤتمر ديربان ـ2 في جنيف قبل أيام إلا واحدة من تلك الوقفات، لم يزد ما قاله فيها عمّا قاله في مكان آخر.. إنه ـ ببساطة ـ الحقيقة حول الجرائم الصهيونية التي يراها العالم كله ولا يجرؤ على انتقادها إلا النزر اليسير من الناس.
ما يجب التوقف عنده ليس خطاب أحمدي نجاد الذي رأى فيه الإعلام الدولي شيئاً عجباً، في الوقت الذي يعرف مفردات هذا الخطاب كل طفل وكبير وصغير في منطقتنا، إلى درجة أن الكثير منا كان يظن أن أحمدي نجاد يتحدث عن معاناته الشخصية مع الاحتلال الصهيوني العنصري في كل فقرة من الخطاب.
ما يجب التوقف عنده فعلاً هو المظاهر التي رافقت الخطاب في مؤتمر دولي عالمي له أصوله وبروتوكولاته الدقيقة والمحددة، حيث كانت حالة الهرج والمرج التي سادت القاعة بمثابة خطة مبرمجة من قبل منظمات وجهات محددة، سواء لجهة محاولات "التهويش" على الخطاب، أو لجهة انسحاب العديد من الوفود "الغربية" من القاعة "احتجاجاً" على الاتهامات التي وجهها أحمدي نجاد لـ"إسرائيل"، وإعادته التأكيد على كون الصهيونية وجهاً من وجوه العنصرية.
حتى هذه الحالة يمكن إمرارها، فالأمر الطبيعي هو أن تقوم القوى المتضررة من الخطاب بمحاولة التشويش عليه حفظاً لصورة "إسرائيل" التي باتت مشوّهة أمام العالم إلى درجة مثيرة للقلق لدى الحلفاء والأصدقاء.
ما أثار العجب لدى البعض من أبناء أمتنا هو انسحاب وفود تمثّل دولاً عربية مع الوفود الأوروبية احتجاجاً على اتهامات أحمدي نجاد، وهي دول تعرّض أبناؤها للكثير من الجرائم الصهيونية المنطلقة من مواقف عنصرية واضحة للعيان.
لهؤلاء المتعجبين يمكن القول: لا تتعجبوا فهؤلاء المنسحبون ليسوا منا، ولا يمثلون شعوباً عربية، وإنما يمثلون بقايا الغرب المتسلطين على رقاب هذه الشعوب.. وسيأتي اليوم الذي يرحلون فيه.. كما رحل أسيادهم.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1343 ـ 24 نيسان/أبريل 2009
التسميات:
العالم الإسلامي,
العرب وأميركا,
القدس والأقصى,
فلسطين
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)