الأربعاء، أغسطس 13، 2008

الدب الروسي يستيقظ وعلى العالم أن يستمع إليه الآن


كيف يمكن لحملة صغيرة أن تتحول إلى حرب عالمية؟
لم يعد العالم بحاجة لتخيّل الإجابة عن هذا السؤال، وهو يراها متجسدة في ما يحصل في القوقاز هذه الأيام.
ولكن يبدو أن صيغة السؤال تحمل خطاً منهجياً: من قال إن ما قامت به جورجيا عندما وجهت قواتها لاحتلال (أو إعادة السيطرة على) أراضي جمهورية (أو إقليم) أوسيتيا الجنوبية هو مجرد حملة صغيرة؟
ومن قال إن ما حصل هو من بنات أفكار ذاك الرئيس المغامر ميخائيل سكاشيفيللي الذي فتح نار جهنم على أوسيتيا ليتلقاها حمماً مدمرة على أكثر من مدينة من مدن بلاده؟
من الذي يستطيع أن ينفي المسؤولية الكاملة للولايات المتحدة الأميركية عما يحصل في تلك المنطقة الفسيفسائية من العالم، التي تحمل في طياتها العشرات من الصواعق التي يكفي تفجير واحد منها لتفجير القنبلة (الكرة) الأرضية؟
لقد أخطأ سكاشيفيللي الحساب عندما اعتقد أن أضواء الألعاب النارية التي أطلقتها بكين في افتتاحها للألعاب الأولمبية ستغطي على نيران القذائف التي أطلقها على العاصمة (المدينة الرئيسية) الأوسيتية تسخينفالي بهدف إخضاعها والقضاء على الحكومة الموالية لروسيا فيها.
ظن هذا الرئيس المهووس أن ما يقوم به سيمر بهدوء، وأن روسيا ستسكت عن هذا الخرق الفاضح للخطوط الحمراء التي زرعتها حول مقتضيات أمنها القومي، فجاء الرد على مستوى الأمن القومي الروسي، أي على مستوى حرب باردة جديدة تكاد نارها تستعر مهددة باحتمالات خطيرة لا أحد يعرف مداها.
أين الدور الأميركي في كل هذا؟
ألم تكن الإدارة الأميركية على علم بالعملية الجورجية، أم إنها كانت تعلم وتهدف لإحراج الدب الروسي؟ أم أن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر؟
التوصل إلى إجابات حاسمة لهذه الأسئلة يحتاج إلى المزيد من الوقت كي تتضح الصورة، وربما هي تحتاج إلى انجلاء الغبار الذي يغطي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وكامل جورجيا، وربما منطقة القوقاز بكل تناقضاتها.
مسألة واحدة محسومة منذ الآن، وهي أن الدب الروسي كان يستيقظ، والآن أطلق صوته بأعلى ما يمكن، وعلى العالم أن يستمع إليه الآن.
محمود ريا

الخميس، أغسطس 07، 2008

حلم واحد


الأولمبياد ينطلق الجمعة، ومع انطلاقته تتوجه عيون مليارات البشر إلى العاصمة الصينية بكين، لمتابعة آخر ما شهده عالم الرياضة من تطورات، على صعيد بذل أقصى الجهود لتحصيل أكبر عدد من الميداليات.

ولكن مع هذه "النظرة الرياضية" إلى بكين، فإن كل عين ـ تقريباً ـ في العالم تنظر إلى الصين نظرة أخرى.

هناك من يراها من زاوية منفعة شخصية، أو أذى مادي يلحق بعمله نتيجة التدفق التجاري الصيني، وهناك من ينظر إليها كداعم على مستوى الموقف السياسي لبلده أو لحكومته، وهناك من يحاول أن يحلّ لغز هذه القوة العظمى التي لم يخبُ وهجها على امتداد التاريخ.

ولكن هناك من بين كل النظرات رؤية مختلفة، تحدّق في استاد "عش الطائر" الذي بنته الحكومة الصينية خصوصاً ليكون مكان افتتاح الأولمبياد، وترى فيه علامة على شيء ما، شيء يهدد وجود دولة كبرى، ما تزال حتى اليوم تتربع على عرش العالم.

ليس غريباً أن يشير استطلاع للرأي نشر قبل أيام في الولايات المتحدة إلى أن سبعين بالمئة من الأميركيين ينظرون إلى الصين كتهديد اقتصادي، وأن واحداً وخمسين بالمئة يرون فيها تهديداً عسكرياً.

الاستطلاع الذي وضع خلاصة له مفادها أن "الأميركيين متنبهون لتنامي الصين اقتصادياً وعسكرياً" يعكس جانباً من القلق الذي يسود الإمبراطورية الأميركية من ظهور منافس حقيقي يتمتع بإمكانيات عظمى على المستويات البشرية والمادية والعسكرية، وهو ما يزال في مرحلة الصعود، في حين أن الإمبراطورية الأميركية باتت ـ وفق رأي الكثير من المحللين ـ في مرحلة الانحدار والضمور، كمقدمة للسقوط والانهيار.

كل ما تقوم الولايات المتحدة من إثارة وتحرشات لتشويه صورة الأولمبياد الصيني لن تفلح في إخفاء الحقيقة، وهي أن الصين تحقق نجاحات كبيرة في تحقيق الشعار الذي وضعته لهذا الأولمبياد وهو: "عالم واحد، حلم واحد"، وهو عالم يحمل حلماً واحداً هو إنهاء الهيمنة الأميركية.
محمود ريا

الثلاثاء، أغسطس 05، 2008

السيادة.. والاحترام

أحب السيادة، ويعجبني منطق الدولة، وأكثر ما يستوقفني هو الغيرة على الدستور والقانون والمؤسسات.

وعندما أسمع من يتحدث عن كل ذلك، أقف بكل احترام للاستماع، فهؤلاء الذين يحملون هذا المنطق يعملون من أجل بناء بلد حر وسيد ومستقل.

هذا ما هو مفترض.
احترامي لأشخاص يطلقون هذه الشعارات يبقى مستمراً بالرغم من أنني أعرف كثيراً من تاريخهم، منه ما شاهدته وعشته وعانيت منه، ومنه ما قرأته في الكتب والجرائد وسمعت عنه من شهود عدول يوثق بهم وبما يقولون.

إلا أنني أصبح في موضع شك من موقفي عندما أسمع هؤلاء يتحدثون عن السيادة وهم يدعون إلى "تشليح" لبنان كل أسباب القوة، ويطالبون بالدولة وهم يعدّون كي يفقدوها سطوتها، ويتفاخرون بحبهم للوطن، وهم يرفضون الاعتراف بأي نصر حقيقي يحققه الوطن.

ويتحول شكي في ضرورة احترام مواقف المتحدثين عن السيادة دون قوة إلى شبه اقتناع بعدم إمكانية احترام هذه المواقف عندما أسمع بعض الأخبار الآتية من خارج البلاد وأقارنها بما حصل عندنا من عز وانتصار.

فقد رفض الكيان الصهيوني مثلاً السماح للسلطات الأردنية الإفراج عن عدد من الأسرى الأردنيين الموجودين في سجون هذه السلطات، بعد أن كانوا أسرى عند العدو، قبل أن تفرج السلطات الإسرائيلية عن أسرى فلسطينيين "ارتكبوا الجرائم نفسها التي ارتكبها الأسرى الأردنيون، أو قبل الإفراج عن الجندي الصهيوني الأسير في غزة جلعاد شاليط".

هذه دولة سيدة حرة مستقلة لا تسمح لشعبها أن يرفع رأسه في وجه الاحتلال الصهيوني ومرتبطة باتفاقية سلام معه، وهكذا يعاملها العدو، يذلّها ويحتقر حكومتها ويمنعها من تنفيذ قراراتها.

والذين يدّعون السيادة في بلدنا يأخذون الدولة الأردنية وغيرها من دول الاعتدال كمثال للدولة السيدة المتحكمة بقراراتها وبمواطنيها وبمستقبلهم ومستقبلها.

أما نحن فحررنا أسرانا رغماً عن أنف هذا العدو الذي أذلّ غيرنا بقوة مقاومتنا.

أي مقارنة هذه؟

أشعر أنني فقدت أي احترام لمواقف الذين يدعون إلى هذا النوع من السيادة.. ولأشخاصهم أيضاً.
محمود ريا

السبت، أغسطس 02، 2008

خديجة والمعبر


ييأس العرب من وضعهم، وتجبرهم مصائبهم الآتية على نسيان ما سبق من مصائب، فتتراكم النصال على النصال، وتسحب صرخة الألم من الوجع الأول، صرخة الوجع الآخر في صوت واحد لا يكاد يخفت.

يعيش العرب بعض الأحداث التي تنهش في لحمهم وهم في موقف المتفرج، يرون الوحش يفترسهم، وهم ينظرون بعيونهم، يسمعون صوت العدو في آذانهم، وهم يحللون، يتراكم عدد قتلاهم، وهم يحملون القلم والورقة، يحسبون ويجمعون ويطرحون.

ما معنى أن تموت الضحية التي تحمل الرقم مئتين وواحد وعشرين على معبر رفح، بعد منع سلطات العدو لها من السفر إلى الخارج للعلاج المفقود في قطاع غزة؟

ما معنى أن يصبح عدد الضحايا بهذا الرقم منذ عام، حين فرض الحصار الشامل على القطاع المنكوب؟

ما معنى أن تكون الضحية امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عاماً وتحمل اسم (خديجة جمعة العصار)؟

هل سمع أحدكم باسمها قبل الآن، هل سيسمع به بعد الآن، هل يعني هذا الاسم لأحد ما شيئاً؟

لا شيء.. لا معنى، ولا اهتمام ولا التفات.

بات الحديث بهذا الموضوع بلا معنى، ما دام القادة العرب منصرفين إلى قضايا أكبر بكثير، من مشرق الأرض العربية إلى مغربها، توريثاً وتثبيتاً للأنظمة، وبحثاً عن مزيد من الثروات والمتع والأفراح والمسرّات.

بات تعداد الضحايا بلا نتيجة ما دامت أمة الثلاثمئة مليون ويزيد تفكر بقضايا جزئية، وتحلم بمنافع شخصية، وتعاني من مشاكل فردية.
استهلكتنا الأرقام، أثخنتنا الجروح، أعمانا منظر الجثث، فبتنا لا نحس ولا ننظر إلى ما يحصل في ذلك القطاع المعزول.

هل نحن عرب، وهل هم عرب؟

هل هكذا يكون المسلمون؟

رحمك الله يا خديجة... فهل سيرحمنا على تقصيرنا بحقك؟
كتب محمود ريا

عبيه.. من التاريخ إلى المستقبل



الزيارة إلى عبيه التاريخية.. تاريخية


تشعر وأنت "تمتطي" الجبال صعوداً أنك تغوص في السنوات، وصولاً إلى أيام ما تزال مسجلة على صفحات الكتب، بالسيف والقلم، المدرسة والمطبعة، المقاطعات والقائمقاميتان والمتصرفية، ولبنان الكبير، ودولة الاستقلال، وما كان قبل كل ذلك، وما جاء بعده.


كل هذه المحطات في عبيه، تصبح ماضياً، مع الحدث الذي يسم الحاضر ويتوقع له أن يرسم المستقبل.
الحدث في عبيه هذه الأيام بيت دافئ، فيه من حنان الأم ما يشع على ثلاثين سنة من الصبر، وفيه من شوق الإبن ما يتخطى ثلاثين عاماً من الانتظار.


في عبيه اليوم قوافل تترى، وزوار بعد زوار، وشاب لم تهزم روحه سنوات السجن، يقف منتصب القمة، مرفوع الهامة، يحمل حبه لأرض الزيتون المقدس، ويرحب بالقادمين وفوداً للسلام عليه.


الشاب العائد بعد غياب لا يكلّ ولا يملّ، يسلّم، يقبّل، يستقبل، يرحّب، يحكي نتفاً من تجربة لا تنتهي حكاياتها، يقف، يسلّم، يقبّل، يودّع.. لتبدأ الدورة من جديد.


هو مسرور بمن يأتي إليه، ومسرور بالذين يذهب إليهم في مختلف القرى والدساكر والمدن على امتداد الوطن، يعبّر عن شكره لهم، للتفكير فيه، ولانتظاره، ولاحتضانه عندما أتى.


ولكنه مستعجل.. وينتظر أن تنتهي هذه الجولة الترحيبية كي يبدأ من جديد.


على ماذا يستعجل من قضى يعد الثواني في ثلاثين سنة، وهي تمر ببطء قاتل، بطء لا يوازيه إلا وقوف الزمن بلا حراك؟


قالها دون تردد: أريد أن ينتهي هذا كي أبدأ جولة أخرى من نضالي من أجل فلسطين.


في عبيه، حيث عبق التاريخ يعانق أريج الزهور ورائحة الصنوبر، تبدو الجولة الآتية قريبة جداً، ويبدو سمير القنطار كالفارس الذي لم يترجل هنيهة إلا ليمتطي جواده من جديد.
محمود ريا

السبت، يوليو 26، 2008

حرائق في كبدي


تحترق قلوبنا ونحن نرى شجرة تحترق، فاحتراقها يعني نهاية حياة ونهاية عطاء وضياع كمية كبرى من الهواء النقي الذي نحتاج إليه، نحن الذين بتنا نعيش بلا هواء.
تحترق قلوبنا أكثر ونحن نرى المساحات الخضراء تتقلص في بلادنا، تتقلص حتى تكاد تصبح أثراً بعد عين، ويتحول تغنينا بلبنان الأخضر إلى مهزلة مضحكة مبكية، حيث لا خضرة ولا ما يُتغنى به، بل ربما لا لبنان بات موجوداً من الأساس.
ويتحول حريق القلوب إلى التهاب في المرارة عندما نعلم أن بعض ما يحصل من حرائق، ولا نقول كلها كي نترك للقدر بعض دور، هو من فعل فاعل، أي من يد شخص عاقل راشد بالغ يقوم عن سابق إصرار وترصد بإحراق غابة كاملة كي يشعل سيجارة، أو كي يحقق أي هدف آخر لن يكون بأهميته ـ مهما كان ـ أكثر من أهمية إشعال سيجارة قياساً بالأضرار التي يسببها للبيئة وللمجتمع وللإنسان.
ويتفاقم الوضع إلى التهاب بالكبد عندما نرى العجز الفاضح لأجهزة الدفاع المدني في التعاطي مع هذه الحالات النارية نتيجة ضعف التجهيزات والإمكانيات على المستويين البشري والمادي، ونتيجة عدم وجود طرق داخل الغابات للسماح لما هو موجود من إمكانيات بأن يقوم بدوره في تقليص حدة الحرائق، إذا لم يتمكن من إنهائها بشكل كامل.
إلإ أن كل هذه الأوجاع والحالات الأليمة تصبح سهلة ومحتملة عند ما يسببه من ألم خبر يقول إن طوافة واحدة قبرصية تمكنت من إخماد معظم الحرائق اللبنانية بسرعة وبسهولة، ومن دون أي تكاليف أو مخاطر يتعرض لها رجال الإطفاء وقد تودي بحياة بعضهم.
كيف يمكن القبول بأن يطلق على لبنان لقب دولة وبلد، وهو غير قادر على شراء طوافة، طوافة واحدة لا غير، يمكنها أن تنهي هذه المعاناة من أساسها؟
ليست هذه أول سنة يطالب فيها اللبنانيون بطوافة تحمي خضرتهم من أن تذروها الرياح هشيماً، ولا يبدو ـ للأسف ـ أنها ستكون السنة الأخيرة.
محمود ريا

الثلاثاء، يوليو 22، 2008

أكبر من كل السياسة والسياسيين


لو رسمنا خارطة للبنان، ووزعنا عليها أجساد الشهداء الذين استعادتهم المقاومة الإسلامية، لكان لكل منطقة نصيبها من هذه الخميرة التي تنضج روح الثورة والمقاومة في أذهان الناس.

توزيع الأجساد على كل نقطة في لبنان، يعني أن المقاومة كانت موجودة في كل نفس لبنانية، في كل حي وعند كل منعطف، ويعني أن هذه المقاومة لم تغادر روح وفكر وعقل أي لبناني ينظر إلى فلسطين كقضية كبرى بل كقضية أولى، لا بل بكونها القضية المركزية للعرب وللمسلمين، ومن بينهم اللبنانيون.

وبالرغم من كل محاولات التشويش على النصر الإلهي المحقق في تموز عام 2006 والمستكمل بالإنجاز الإلهي في تموز عام 2008، فإن أكثر الناس حماسة لإطلاق الأسئلة عن جدوى ما قامت به المقاومة الإسلامية في 12 تموز عام 2006، كانوا أعلى الناس أصواتاً في الاحتفاء بما قامت به المقاومة الإسلامية في تموز 2008، إلى حدّ "تبني شهداء" قضوا في عمليات قامت بها تنظيمات فلسطينية قبل سنوات، وقبل أن يولد المتبنون، أو التنظيمات التي يقودونها.

لا بأس بالتبني، لا بل هو أمر جيد جداً، فهو يدل على أن الاختلاف في الشأن الداخلي لا ينسحب اختلافاً في الخيارات الكبرى للبنان، وأن كل حديث عن توريط يقوم به حزب الله للساحة اللبنانية في ما لا يعنيها هو من قبيل المناكفة السياسية التي لا تلبث أن تنكفئ إذا ما جدّ الجدّ، إلا إذا كان هذا التبني لا ينبع من موقف حقيقي، وإنما هو مجرد استغلال للحظة وتعايش معها إلى أن تقضي الظروف باتجاه غير هذا الاتجاه.

الشهداء لا يتوقفون عند كل هذه المعمعة، هم من كل لبنان، ولكل فلسطين، وهم من كل فلسطين، ومن سوريا والأردن والعراق وليبيا وتونس وغيرها من الدول العربية، هم أكبر من كل السياسة والسياسيين، هم قضوا في الماضي ليكونوا المستقبل الذي رسموه بدمائهم التي ما تزال طرية كأنها الآن نزفت.. وستبقى إلى الأبد.

محمود ريا

الجمعة، يوليو 18، 2008

بعد أن عادوا


فرحنا، وعشنا لحظات ما كنا نحلم بها، وذرفت عيوننا من دموع الفرح ما أنسانا كل دموع القهر والألم التي خسرناها على مدى السنوات.

الفرح غير محتمل، طبعا، يفوق كل وصف، أكيد، خارج أي تخيّل مفهوم، لأنه نصر واقعي، حقيقي، ملموس نعيشه ونتنفسه ونسبح في بحره ونطير في سمائه.

الأسرى، كل الأسرى اللبنانيين عادوا.. وعقبى لأسرى فلسطينيين سيحررون قريباً، وأسرى ما يزالون على قائمة الانتظار.

والجثامين عادت، لترتاح الأرواح في العلى، فلا أسر لسجان ولا عزلة لجثمان، وكل قبر عليه اسم، لا رقم أو كلمة مجهول.
لقد عشنا هذه اللحظات، وهي كذلك، برغم أنها في عمر الزمن الحقيقي ساعات وأياماً، ولكن ما نشهده فيها يجعلنا ننام على فرحة لنستيقظ على أخرى، في "عرض متواصل" يذكرنا بالكلمة المفتاحية الحاسمة: انتهى عصر الهزائم وبدأ عهد الانتصارات.

واليوم ما زلنا في غمرة أجواء الفرح والفخر بهذا الانتصار الكبير، ولكن هذا لا يمنعنا من سؤال يحمل أهمية حقيقية، بالرغم من استهلاك البعض له بطريقة كاريكاتورية هزلية: إلى أين؟

طبعاً، ليس المقصود هو إلى أين تسير الأمور في البلاد والمنطقة، فهذا أمره محسوم، إلى مزيد من الانتصارات والإنجازات.
المقصود هو إلى أين سيتجه ملف الأسرى الذين عادوا بالأمس، والأسرى الذين عادوا قبلهم والذين مرت عليهم سنوات حتى الآن، دون أن يحصلوا على بعض تعويض ولو رمزياً على المعاناة التي مروا فيها في سبيل تحرير الأرض؟

إذا لم تكن دولتنا دولة الوفاء لمن قدّموا من أجل تحرير أرضها وحماية حدودها واسترجاع سيادتها، فما معنى الاحتفالات والاستقبالات والخطب والكلمات؟

حدث بحجم استرجاع كل الأسرى يستدعي فتح ملف الأسرى المحررين بشكل جدي ولمرة واحدة وأخيرة، كي نكون دولة حقيقية، دولة تعرف فضل من يعمل من أجلها.
محمود ريا

الأربعاء، يوليو 16، 2008

تيّار ملوّن

(الصورة لتحضيرات الاحتفال باستقبال الأسرى الأبطال العائدين في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية لبيروت، مأخوذة من جريدة الانتقاد الالكترونية، وهي بعدسة الزميل الصديق موسى الحسيني)
نحن في أيام تموزية، نعيش على وقع اللهب الذي يفرض سطوته على كل مكان، ولا سيما في شوارع العاصمة اللبنانية، حيث الرطوبة والحرارة يتكاتفان معاً من أجل إثبات وجودهما على جباه الناس.

ولكن هناك نسمة عطرة، أو لنقل إنها تيار منعش يأتي من الجنوب، حاملاً معه ما يجعل الناس ينسون كل ما يعانونه من حرارة، ويدفعهم إلى التطلع إلى مصدر هذا التيار الذي بات محل ترحاب.

تيّار ملوّن، بين الأصفر الذي يظهر فوق كل الألوان، والأحمر الذي سال على الأرض غزيراً ليسّير هذا التيار الإنعاشي الذي نحتاجه فعلاً في هذه الأيام الصعبة، والألوان الأخرى التي انضمت كباقة ورد إلى "الألوان الأصلية" مكوّنة لوحة جميلة تسرّ الناظرين.

تيّار ملوّن، ومتنوع، يقدّم الراحة والسكينة، ويوحي بالاطمئنان والثقة، ويعد بالمستقبل الآمن، المستقبل الذي لا تهديد فيه ولا وعيد.

وإذا كان الانتظار هو السائد اليوم، فإن صباح الحرية سيكون له طعم آخر بالتأكيد، وسيكون رذاذ الفرح الذي يتطاير من عيون الأمهات ومن رشاشات "الما زهر" في أيدي الصبايا، كالندى على زهور ألوان لبنان، البلد الذي قرر أن يتناسى كل شيء ليكون واحداً موحداً في يوم النصر المجيد، يوم استعادة الأسرى الأبطال.

جميلة هذه الأيام التموزية، تماماً كما كانت جميلة قبل سنتين، عندما كنا نتلقى قذائف الحقد الصهيونية الأميركية، وكانت دماؤنا تنسكب غزيرة على أرضنا، وكنا نحس بلهيب الموت يلفح وجوهنا، ولكننا كنا نرنو بعيوننا إلى هذه اللحظات التي نعيشها الآن، ونراها رؤية يقينية، تنساب صورها إلينا من كلمات صاحب الوعد الصادق، ومن رسالة المجاهدين إلى سيّدهم، ومن الأطفال في الشوارع الذين كانوا يموتون وهم يهتفون للنصر وللحرية.

ليس الحر بمانعنا من الإحساس بجمال التضحية حتى النصر، ولا القرّ بحاجز أمام تقدمنا نحو الأرض، ولا يقف أمامنا مانع، كي نعيش بحقّ.. عملية الرضوان.

محمود ريا

السبت، يوليو 12، 2008

شعارات خشبية، ومواقف صخرية

في بعض الأحيان، تصبح بعض الشعارات خشبية إلى درجة فقدان المعنى والوزن، وحتى فقدان الشكل والوجود.
ومن التعابير التي وصمت بالخشبية وقيل عنها الكثير مما لا يقال، ذمّاً وتقريعاً، شعار "وحدة المسارات" في المفاوضات مع العدو الصهيوني.
لقد اعتبر الإعلام العربي "الممسوك" كل من يدعو إلى وحدة المسارات والتنسيق بينها متخلفاً خارجاً على روح العصر مستهتراً بالمشاعر الوطنية ومنتهكاً لمبادئ السيادة (والحرية والاستقلال.. لمن يستسيغ هذه الشعارات).
وعندما كان بعض العرب يصرّون على وجوب عدم توقيع اتفاقيات منفردة مع الكيان الصهيوني لأن هذا يضر بالذين لم يوقعوا ـ وبالموقّعين أيضاً ـ تعالت الأصوات التي تتحدث عن رغبة دعاة الوحدة إلى ابتزاز الأطراف الأخرى وأسرها في إطار مواقفها، وخطف قرارها ومنعها من تحقيق مصالحها.
الصامدون المتماسكون الرافضون للتفريط بمبادئ الأمة وبمصالحها وبوحدة مصيرها باتوا في إعلام النظام العربي الرسمي متحجرين غير مرنين، معرقلين للسلام وباحثين عن أدوار إقليمية ومكاسب ذاتية، وكرّت سبحة الاتهامات التي لم تتوقف حتى الآن، انسجاماً مع بقاء أقطاب هذا النظام العربي تحت جناح الولايات المتحدة و"إسرائيل" اللتين ترفضان حصول أي تنسيق بين الأطراف العربية، وتفضلان أخذ الحقوق العربية بالمفرّق كي لا تضطرا لدفعها بالجملة.
إلا أن الذين يجدون أيديهم في النار ليسوا كمن يضعون أيديهم في ماء باردة تجلبها لهم سيدتهم كونداليزا، وها هم الذين خاضوا تجربة المفاوضات المنفردة ووقعوا الاتفاقيات الجزئية يحضرون مباشرة أو بالواسطة إلى دمشق للبحث في كيفية تنسيق المواقف وتعضيد المسارات إذا كان توحيدها بات في حكم المستبعد.
هناك مواقف تبقى ثابتة كالصخر، تثبت مصداقيتها ويمكن البناء عليها، وهناك تصريحات باهتة تصدر من خُشُب مسنّدة لا تشكل شيئاً في المعادلة، ولكن صوتها يعلو دائماً متهماً الآخرين بإطلاق شعارات خشبية.
وبين هؤلاء وأولئك بات العربي العادي يعرف الخشب الجاهز للحريق من الصخر الذي يمكنه الاحتماء به والاعتماد عليه.
محمود ريا