السبت، أكتوبر 27، 2007

كالأيتام على موائد اللئام!

لمن يشكو المواطنون، وهم باتوا كالأيتام على موائد اللئام؟ الوضع فوق أن يحتمل فعلاً، والصرخة لا تخرج من الأفواه التي تعقد المفاجأة الألسنة فيها، فيما العيون تقرأ الأسعار الجديدة لمواد أقل ما يقال فيها إنها أولية جداً للحياة.. بكرامة أو بدونها.‏
الناس يحتارون إلى من يلجأون، والبلد بلا مرجعيات، بلا قانون وبلا دستور.‏
لا الوزارة وزارة ولا السلطة سلطة، ولا الحكم حكم ولا التشريع تشريع ولا الرقابة رقابة.‏
الأسعار نار، والنار لا تكوي إلا المعرضين لها، فيما الأموال المكدّسة عند الكبار تطعم الثلج في جهنم (أو كما يقول مثلنا القروي: تُطْعِمُ في جهنم "بَأْسَما").‏
يتساءل اللبنانيون: لماذا يحصل هذا الآن وفي هذا التوقيت بالذات، هل المطلوب أن يتلهّوا بالتطورات السياسية عن عمليات السلب المكشوفة التي يتعرضون لها، أم العكس، أي أن المطلوب هو أن يصرخوا من الجوع كي ينسوا ما هو مرسوم لهم من مشاريع سياسية وعسكرية هدّامة؟‏
إما أن المسؤولين مسؤولون.. فليُسألوا، وإما أنهم غير مسؤولين.. فليرحلوا.. وليتّقِ من له لبّ غضبة الكريم إذا جاع..‏
والجوع بات على الأبواب.‏
محمود ريا‏

السبت، أكتوبر 20، 2007

العيد الثامن والخمسون


افتتاحية العدد التاسع عشر من نشرة "الصين بعيون عربية"
الفرح الظاهر في عيون الصينييـن وهـم يحتفلون بالذكرى الثامنة والخمسين لقيام جمهوريتهم الجديدة، لا يخفي حرصهم على التذكير بشكل دائم بالحقيقة التي يحرصون على الاحتماء خلفها، والتي يخافون منها في الوقت نفسه، وهي حقيقة أن الصين بالرغم من كل الانجازات الكبرى التي حققتها في ”مسيرتها الطويلة“ ولا سيما في السنوات العشرين الأخيرة، ما تزال دولة نامية.
هذا الواقع الذي لا يمكن الفرار منه يساعد الصين على تجاوز الكثير من العقبات التي تعترض مسيرتها الاقتصادية، إذ تسمح لها بالتهرب من مسؤوليات يفترض أن تضطلع بها الدول الاقتصادية الكبرى، وتساعدها على الاحتفاظ بالكثير من الامتيازات التفضيلية في التجارة الدولية، وتعطيها فرصة الدفاع عن تطورها الاقتصادي بالتأكيد على أن كل ما حصل حتى الآن هو مجرد خطوات صغيرة على طريق طويلة لا بد من الجدّ والاجتهاد قبل الوصول إلى نهاياتها.
هذا الواقع المريح على هذا الجانب، يعتبر حقيقة مقلقة من جانب آخر، حيث تقف الصين ـ الدولة العملاقة في كل شيء، من عدد السكان المهول إلى المساحة الكبرى إلى الاقتصاد الذي ينمو بنسبة لا مثيل لها عالمياً ـ عاجزة أمام وجود مئات الملايين من المواطنين الذين يعيشون بأقل من دولار يومياً، ووجود مناطق واسعة تحتاج إلى تنمية، ودخول عشرات الملايين من القوة العاملة سنوياً إلى سوق العمل بحيث ينبغي تأمين فرص العمل لها، إضافة إلى خطر التلوث الذي يهدد البلاد كلها.
أمام هذه المنغّصات لفرحة الاحتفال لا يجد الصينيون إلا الأمل بالمستقبـل الذي يتحدثون عنه وهم يرون بلادهم تتحضر لتجاوز ألمانيا ـ إن لم تكن تجاوزتها فعلاً ـ والتحول إلى القوة الاقتصادية الثالثة في العالم، وهم يسمعون باسم بلادهم تلهج به الألسنة بمختلف لغات العالم، وهم يملكون قوة عسكرية تتحول إلى قوة مهابة الجانب وقادرة على حماية البلاد من أي خطر خارجي.
هذا المستقبل بالضبط هو الذي يقلق الدول الكبرى التي باتت تخشى من التوجه الذي تسير فيه الصين والذي يجعل منها منافساً حقيقياً للدولة الكبرى على مستوى العالم من الناحيتين الاقتصادية وربما العسكرية.
من هنا تتكثف الدراسات والأبحاث التي تحاول الإجابة على سؤال خطير: الصين إلى أين؟
قبل مئتي سنة حذر نابليون من ”الخطر“ الكامن وراء استيقاظ ”العملاق النائم“، واليوم يتحقق ”الخطر“ بعد استيقاظ هذا العملاق، فهل تتحقق التوقعات التي ترى الصين القوة الأولى اقتصادياً ومن ثم سياسياً وعسكرياً بعد أقل من ثلاثين سنة؟
هذا ما يصبو إليه الصينيون، وهذا بالضبط كابوس غيرهم.
محمود ريا

القاعدة العسكرية الأميركية في لبنان : المخطط مرسوم.. والفشل بالانتظار

مطار القليعات: مركز القاعدة المنتظرة

لم تعد القصة مجرد معلومات صحافية تنقل عن مصادر أجنبية، وإنما أصبحت مجموعة معطيات متواترة ومتناسقة يمكن من خلالها الوصول إلى قصة متكاملة تؤكد ما يحاول البعض إنكاره: الولايات المتحدة تستعيد مشروعها الدائم الذي يقضي بتحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية أميركية.‏
المعلومات التي وردت من أكثر من مصدر وعبر اكثر من وسيلة تكشف أن المشروع الأميركي بات في مراحله التنفيذية، وإذا كانت قاعدة القليعات الجوية هي بؤرة التركيز الأميركية لأكثر من سبب، فإن هذا لا يعني أن العسكريتاريا الأميركية غير مهتمة بمختلف المناطق اللبنانية الأخرى، بما يجعل لبنان كله مستعمرة عسكرية أميركية.‏
في إطار هذه "الرغبة الأميركية" الشرهة يضع الكثير من المراقبين كل ما جرى ويجري من احداث يشهدها لبنان في هذه الفترة، كما كان الأمر دائماً، حيث يمكن القول إن المحرك الحقيقي لكل التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها الأراضي اللبنانية هي مجرد مدخلات ثانوية في المشروع الاستراتيجي الكبير المتعلق بجعل لبنان قاعدة الانطلاق الأميركية نحو المنطقة.‏
وفي سياق هذا المشروع الأميركي المتكامل يمكن وضع تحركات ومواقف بعض القوى اللبنانية الداخلية التي يبدو أنها باتت جزءاً من هذا المشروع، سواء برضاها واختيارها وانطلاقاً من رؤية استراتيجية، أو مجبرة ومضطرة للحفاظ على وجودها السياسي وحتى المادي.‏
الحديث عن القاعدة الأميركية في الفترة الأخيرة ليس جديداً، وربما يمكن التذكير بما أشيع في اليوم التالي لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير عام 2005 حيث أكد أكثر من مصدر أن الرئيس الحريري رفض السير في المشروع الأميركي لإقامة قاعدة جوية في القليعات في شمال لبنان، وقد أعلن رفضه النهائي لهذا المشروع نظراً لعلمه بالمخاطر التي سيجلبها على الوضع اللبناني. وقالت المعلومات حينها إن اغتيال الرئيس الحريري جاء بعد إبلاغه الأميركيين هذا الرفض.‏
حينها لم يتوقف أحد عند هذه المعلومات نظراً للجو السياسي والإعلامي الضاغط الذي مورس على اللبنانيين بهدف تحويل أنظارهم في اتجاه واحد في عملية الاغتيال ومن يقف وراءها.‏
إلا أن الحديث عن إقامة القاعدة العسكرية الأميركية في الشمال عاد للظهور في السنة الحالية مع ورود أكثر من معلومة ومن أكثر من مصدر تتحدث عن هذا الموضوع، ولا سيما بعد ما حصل في مخيم نهر البارد الذي نظر إليه المراقبون على أنه "عملية تنظيف" لمحيط القاعدة الأميركية المفترضة بالتواطؤ بين من كان داخل المخيم ومن سهّل دخولهم إليه.‏
الضابط السابق في الاستخبارات الأميركية، واين مادسن، أكد أن أحد الأهداف الأساسية الاميركية من وراء الفتنة في مخيم نهر البارد هو "استخدامها غطاء وذريعة كي تفسح الحكومة اللبنانية للقوات العسكرية الاميركية وقوات حلف الناتو انشاء منصة انطلاق من قاعدة القليعات الجوية" القريبة من مدينة طرابلس.‏
ومضى موضحا في حديث نقلته أكثر من صحيفة عربية أن قاعدة القليعات بحلّتها الجديدة ستستخدم مقرا لقيادة قوات التدخل السريع التابعة لحلف الناتو، واسراب الطائرات السمتية ووحدات القوات الخاصة. كذلك ستستخدم القاعدة "المستحدثة" لاجراءات تدريب قوات "الجيش اللبناني والقوى الامنية" بإشراف القوات الاميركية.‏
مصادر أخرى ربطت بين هذه المعلومات وبين الزيارات المتكررة للوفود العسكرية الأميركية التي ترددت إلى مطار القليعات، والذي تحدثت أكثر من صحيفة أميركية عن نية الإدارة استخدامه قاعدة جوية آمنة في محيط غير معادٍ (إذا ما أزيلت نقطة المخيم) يمتد من ضواحي بيروت الشرقية وحتى الحدود السورية شمالاً.‏
صحيفة "الديار" اللبنانية كانت قد نقلت ـ من خلال مراسلها في باريس بدرا باخوس فغالي ـ أن قيادة حلف شمال الاطلسي بتوجيه ‏مباشر من الولايات المتحدة الاميركية حسمت قرارها بعد عامين من التردد وقررت ضم الاراضي ‏اللبنانية الى لائحة الدول الواقعة في الساحل الافريقي لاقامة قواعد عسكرية جوية.‏‏
المثير في هذا الخبر الذي نشر في 15 نيسان/ أبريل 2007، أي قبل أحداث مخيم نهر البارد ما جاء فيه من تفاصيل وأهمها أنه "تبين لهيئة أركان الجيوش الاعضاء في حلف الاطلسي أهمية إقامة قاعدة جوية في ‏مطار القليعات القريب من الحدود اللبنانية ـ السورية، ناهيك عن امكانية استخدام هذه ‏المنطقة الشاسعة المساحة كنقطة تمركز لقوات مجوقلة مخصصة للتدخل السريع".‏‏
وكان وفد عسكري اميركي - الماني - تركي قام بجولة استقصائية في منطقة عكار، وقال في ‏تقريره الذي رفعه الى مقر الحلف الاطلسي في بروكسيل، ان إقامة القاعدة العسكرية ستسهم في ‏الإنعاش الإنمائي والاقتصادي في هذه المنطقة الشمالية المحرومة التي لن تتأخر مع بدء توافد ‏عديد القوات الاطلسية في الازدهار على غرار ما تشهده غالبية القرى والمدن الجنوبية مع ‏انتشار قوات الطوارئ الدولية، وإن كان حتى الآن بصورة خجولة!‏‏
ورأى معدّو التقرير أن التركيز على الشق المالي وانعكاس الإيجابية على سكان المنطقة سيساعد ‏بدون شك الحكومة اللبنانية على تسويق هذا المشروع تمهيداً لإعطاء موافقتها على إقامة ‏القاعدة العسكرية الاطلسية، وان كان تحت عنوان "مركز دولي لتدريب الجيش اللبناني وأجهزته ‏الامنية".‏
وقبل ذلك وفي الثالث والعشرين من آذار/ مارس 2007 لفتت صحيفة "الأخبار" إلى "ورشة ترميم وتأهيل بدأت في قاعدة القليعات الجوية في سهل عكار لمدرجي القاعدة اللذين تعرّضا للقصف الاسرائيلي إبان حرب تموز، فقد شوهدت شاحنات وجبّالات تقوم بردم الحفر الكبيرة التي أحدثتها الصواريخ الاسرائيلية، وصبّها بالإسمنت، وكذلك شوهدت أعمال أخرى عند المدخل الغربي للمطار.‏
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة توقفها "عند الحركة اللافتة للوفود العسكرية والأمنية للدول الغربية وخاصة الشرطة الفيدرالية والجمارك الألمانية في اتجاه المنطقة الحدودية بين العبودية والعريضة، التي توسّعت لتطال كل المنطقة الحدودية الشمالية مع سوريا البالغ طولها 90 كيلومتراً، من منطقة النبي بري في أعالي أكروم الى العريضة على الشاطئ، إضافة إلى الاجتماع الذي عقد في قاعدة القليعات وضم الوفد الألماني وضباطاً أمنيين لبنانيين، والمناورة التي جرت بالذخيرة الحية في حقل الرماية في قاعدة القليعات بحضور وفد أمني أميركي منذ أشهر قليلة"، و"تساءلت هذه المصادر عن الغاية من هذه التحركات، وما قد يتبعها من خطوات مرتبطة بالصراع الدائر إن في الداخل اللبناني وإن على المستوى الإقليمي".‏
بعد كل هذه التساؤلات والمعلومات جاء "الخبر اليقين" من "مصدره" حيث ذكر موقع "دبكا" الاستخباري الصهيوني في الرابع عشر من الشهر الحالي "أن قاعدة عسكريّة للقوّات الأميركيّة ستقام في منطقة "القليعات" الشمالية على بعد لا يتعدى الـ120 كلم من العاصمة السورية دمشق، والتي تشكل نقطة ارتكاز عسكرية مشتركة لكلّ من سوريا وايران".‏
وأضاف الموقع المذكور "ان هذه المنشأة الجوية للأميركيين تبعد 35 كيلومترا عن طرطوس، وعن القاعدة البحرية السورية الاولى ومركز القيادة البحرية الروسية في منطقة المتوسط"، مؤكّدا أن "أي طائرة ترسو في هذه القاعدة ستكون على مسافة دقائق معدودة عن مصانع الأسلحة والصواريخ المشتركة لسوريا وايران في مدينتي حمص وحماه".‏
ونقل الموقع عن مصادر استخباراتيّة "ان التغيير الجذري في سياسة ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش تجاه لبنان، تم اقراره من خلال مشاورات جرت في البنتاغون ومجلس الامن القومي الاميركي، نتيجة للمحادثات التي قام بها القائد الاعلى للقوات الاميركية الأدميرال وليام فالون مع القيادات الحكومية في بيروت في 29 تموز/ يوليو الماضي".‏
ويشير الموقع الاستخباري الى أنه تم التأكيد على هذا الاتجاه الجديد بعد الغارة الجوية الصهيونية على سوريا في 6 أيلول الماضي، الأمر الّذي سيعيد احياء الوجود العسكري الاميركي في لبنان بعد 25 عاما من الغياب.‏
وأوضح الموقع ان "المرحلة الاولى من تنفيذ الإنشاء ستكون عبر اعادة تنشيط القاعدة الجوية الصغيرة وغير الفاعلة في القليعات في خطوة اميركية- لبنانية مشتركة".‏
وقال الموقع الصهيوني إن "مهندسين وتقنيين تابعين لسلاح الجو الاميركي بدأوا بالعمل على القاعدة الجوية الجديدة، وسوف يتم التوسّع بعد ذلك الى استخدام اميركا هذه القاعدة الجوية عسكريا".‏
بعد كل هذا يأتي ما كشفته صحيفة "السفير" أمس والذي يرقى إلى مستوى "المعلومات الرسمية" حول انتقال الإدارة الأميركية من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق في مشروع إنشاء القاعدة العسكرية في لبنان، وتحويل لبنان إلى محمية أميركية، ما يطرح الكثير من التساؤلات عن الدور الذي تلعبه قوى لبنانية في السلطة من أجل تمرير هذا المشروع الخطير الذي يترك تداعيات غير محمودة العواقب على مجمل الأوضاع في لبنان والمنطقة.‏
بعد كل هذا الاستعراض يبقى سؤال في أذهان كثير من المراقبين: هل يعتقد الأميركيون أنهم سينجحون الآن فيما فشلوا فيه على امتداد تاريخ علاقتهم بلبنان؟؟‏
وللإجابة عن هذا السؤال حكاية ـ طويلة ـ أخرى.‏
محمود ريا‏

السبت، أكتوبر 06، 2007

ميانمار: خاصرة الصين الرخوة


افتتاحية العدد الثامن عشر من نشرة "الصين بعيون عربية"
ألفان ومئة وخمسة وثمانين كيلومتراً من الحدود المشتركة، 21 مليار دولار أميركي من التبادل التجاري سنوياً، علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية استراتيجية، مشاريع نفطية ضخمة في كلا البلدين، إمكانية بناء مفاعلات نووية.
هذه هي باختصار شديد عناصر علاقة لا يمكن أن تنفصم بين الصين وميانمار، أو بورما كما هي معروفة في ”العالم الآخر“، وهي علاقة مقدّر لها أن تبقى على هذا القدر من القوة أياً كان الوضع الذي ستنتهي إليه الاضطرابات التي شهدتها العاصمة البورمية رانغون (أو يانغون) والعديد من المدن البورمية الأخرى.
هذا ”القدر“ هو المهدد من خلال ما يجري في بورما حالياً، ليس بسسب ما سينتج عن الاضطرابات، وإنما بسبب الظروف الاقليمية والدولية التي تجري فيها.
كل ما يقال عن القسوة التي يتعامل بها النظام العسكري البورمي مع أبناء شعبه صحيح، وربما ما يحصل على أرض الواقع أفظع مما يتسرب إلى لاخارج عبر وسائل الإعلام، وهذه الحقيقة لا يمكن لأحد تجاوزها، وخصوصاً مع المعلومات التي ترد عن الأوضاع الصعبة جداً التي يعاني منها أبناء الأقليات العرقية والدينية في بورما.
إلا أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تحجب بالمقابل حقائق أخرى أساسية، أهمها ما يتعلق بالظروف التي اندلعت فيها موجة التظاهرات الجديدة، والخلفيات التي تقف وراءها وما مدى تدخل الدول الأجنبية في إثارتها.
يتفق الكثير من المراقبين على ان العوامل الداخلية والمحلية ليست العامل الرئيسي في تفجّر الأزمة البورمية وإنما هناك الكثير من العوامل المتعلقة بالواقع الجغرافي والاقتصادي لبورما فرضت نفسها على الأحداث ودفعت إلى انطلاق هذه التظاهرات التي راح ضحيتها العشرات من أبناء بورما بين قتيل وجريح.
إلا ان العامل الأبرز في هذه الأزمة حسب المراقبين هو ”العين الأميركية“ الني امتدت إلى النفط المخزون في الأرض البورمية، وإلى السعي الأميركي لجعل بورما ”خاصرة رخوة“ تتكئ عليها لمد يدها إلى ”الإقليم“، ولا سيما أن بورما تقع في موقع استراتيجي في بين الصين والمحيط الهندي وتطل على عمق البر الصيني في أكثر من موقع حيوي.
ومن هنا يبدو هذا التجييش الأميركي للعالم لدفعه إلى الاهتمام بما يحصل في بورما، بمثابة قرار أميركي بإحراج الصين في هذا الملف الحساس لدفعها لأن تتزحزح عن موقعها المميز في علاقتها مع بورما، أو أن تتحمل أوزار ما يحصل هناك أمام العالم، ما يفقدها موقع ”الدولة المسؤولة“ والقادرة على لعب دور في رسم مستقبل العالم.
فأي سبيل ستختاره الصين للرد على هذا ”الهجوم القوي“ الذي يستهدفها، وهل تملك الوسائل التي تساعدها على تحويل هذا الفخ الأميركي إلى عملية تغيير هادئ في بورما يضمن لها موقعها المميز في تلك الدولة؟
الجواب عند الأيام القادمة.
محمود ريا

الباب العالي

عدنا إلى حيث كنا، دارت الدائرة فينا ورجعنا إلى حيث انطلقنا.. والأمل الذي زرعته لقاءات الداخل فينا تكاد تبدده مرة أخرى لقاءات الخارج، ولا سيما تلك التي شهدها القصر (البيت) المسمى أبيض، كما كان يسمى باب السلطان المنخفض جداً في الآستانة بـ"الباب العالي".
هكذا هي الحال دائماً، لقد تعوّدنا على الهبّات الباردة والهبّات الساخنة حتى كدنا لا نفرح لنسمة ولا نعبس أمام لفحة هواء.
يأتون إلى لبنان بعد طول سفر، يعطوننا من طرف اللسان حلاوة، فيعتقد اللبنانيون أن الأمور تسير في سكّة الحل، فيفرحون ويهيّصون ويبنون قصوراً من الآمال، ثم لا يلبث الآتون أن يغادروا إلى "منابعهم" ليتحفونا على رؤوس الأشهاد بما ينفي أي إمكانية لحصول تلاقٍ أو تحقيق توافق.
هذه ليست المرة الأولى التي ندور فيها في هذه الدائرة، إنها "اللعبة" نفسها منذ فترة طويلة: تعقيد فـ"زيارة" إلى البلد تعطي تفاؤلاً، ثم "عودة" إلى الخارج لإطلاق النار من هناك على المبادرات والمبادرين.
لم يعد الوضع يحتمل.
لا بد أن تنتهي هذه "اللعبة".
محمود ريا

الأحد، سبتمبر 30، 2007

الصين وتايوان إلى الحرب؟


افتتاحية العدد السابع عشر من نشرة "الصين بعيون عربية"
العنوان مثير حتماً، وقد يكون بعيداً عن التحقق في القريب العاجل، ولكن هل هو مستحيل التحقق فعلاً؟
ما يحصل من تطورات متسارعة على صعيد العلاقة بين ”البر الصيني“ و ”الجزيرة المتمردة“ يرجح أن التدهور الذي تشهده هذه العلاقة قد لا يتوقف عند حد، ولاسيما مع وجود زعيم في تايوان يرغب في تحريك الوضع الراكد، والسير في غير اتجاه ”إبقاء الوضع على ما هو عليه“ الذي بقي معتمداً على مدى العقود الماضية.
فمن العمل على إجراء استقتاء حول الاستقلال، إلى تقديم طلبات متكررة لدخول تايوان إلى الأمم المتحدة كـ ”دولة مستقلة“، بدأت الأجواء بالتشنج، وعلت تصريحات القيادة الصينية في بكين إلى حد الحديث عن خيارات أخرى غير المحادثات لمعالجة هذه الأزمة، ولا سيما في ظل القانون الذي أقرّته بكين قبل مدة والذي يتحدث عن خيارات غير سلمية في حال قررت تايوان إعلان استقلالها.
وقد ترافقت هذه التصريحات مع مناورات عسكرية كبيرة أجرتها منطقة شانغهاي، المستهدفة الأولى من قبل تايوان في حال اندلعت الحرب، مع ما يعنيه ذلك من إدخال الخيار العسكري كعامل أساسي في التعامل مع هذا الوضع.
المنطقي أن لا تصل الأمور إلى هذا الحد، ولا سيما في ظل السعي الصيني إلى الحفاظ على مسيرة التنمية المذهلة التي يشهدها البر الصيني، لأن أي حرب في المنطقة لن تقتصر على نزاع محدود في مضيق تايوان، وإنما قد تتحول إلى حرب عالمية مع التدخل الأميركي المباشر في الأزمة دعماً لتايوان، ومن ثم تدخل الدول الأخرى ذات المصالح المتعددة في المنطقة.
ولكن من قال إن المنطق هو الذي يحكم في هذا العالم، ومن يمكنه التكهن في نتيجة سلسلة من الهزات الصغيرة، وما يمكن أن تؤدي إليه من زلازل؟
هل تندلع شرارة الحرب من المكان الذي لم يتوقعه أحد، فيما العالم ينظر إلى مكان آخر تفوح منه رائحة البارود والنار؟
يبدو أن الصين واعية لمخاطر هذا الواقع، فهل هناك في الجانب الآخر من يعي؟
محمود ريا
* من يرغب بالحصول على النشرة في بريده الالكتروني كل أسبوع يمكنه إرسال رسالة إلى البريد التالي: rayamahmoud1@hotmail.com أو chinainarabic@gmail.com

بدون تعليق: فيلتمان لا يتدخل

مع أن هذه الزاوية تحمل عنوان "بدون تعليق"، إلا أن هناك أخباراً لا يمكن أن تمر دون أن يتوقف المتابع عندها، كالخبر الذي يقول إن السفير الأميركي في لبنان جيفري فيلتمان صرح بعد زيارته قائد القوات اللبنانية سمير جعجع قائلاً إن بلاده "لن تتدخل في لعبة أسماء المرشحين" في الانتخابات الرئاسية اللبنانية.
لا بأس من الإشارة قبل "التعليق" عند بعض "التفاصيل الصغيرة" المتعلقة باللقاء، فهو "استمر لمدة تسعين دقيقة"، و"تخللته خلوة بين جعجع وفيلتمان".
كل هذه المعطيات تجعل من الخبر نموذجياً للتعليق عليه، ابتداءًا من أشخاصه، مروراً بـ "ظروفه" وما حصل فيه، وصولاً إلى التصريح بعده.
السفير الأميركي يزور قائد القوات لمدة تسعين دقيقة، هذا يدفع اللبنانيين إلى التعوّذ بالله من الشيطان الرجيم.
السفير الأميركي يعقد خلوة مع قائد القوات، وهذا يدفع الكثيرين إلى تحسس رؤوسهم، وخصوصاً في هذه الظروف الدقيقة، حيث تتصاعد النبوءات عن الاغتيالات، و"أكثرها مصداقية" تلك التي تصدر من معراب.
أما ما يجعل الموقف أكثر غرابة، فهو التصريح الذي صدر عن السفير الأميركي بعد اللقاء، ولا سيما تلك النقطة المتعلقة بـ "عدم تدخل" الولايات المتحدة في لعبة الأسماء المتعلقة بانتخابات رئاسة الجمهورية.
هذا التصريح يجعل من جملة مستهلكة ومستخدمة كثيراً كجملة "شر البليّة ما يضحك" تستعيد نضارتها، وتقفز إلى الذهن مباشرة، وذلك نظراً لما يحويه هذا التصريح من تناقضات.
فالولايات المتحدة الأميركية التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة في لبنان إلا وتدخلت فيها، إلى حد أن "مندوبها السامي" بات يقدم رأيه في تعيين حُجّاب في بلدية نائية في أقصى شمال لبنان أو جنوبه، تتعفف عن التدخل في تحديد اسم رئيس الجمهورية المقبل.
ولا يحلو لهذا المندوب السامي أن يطلق تصريحه إلا من معراب، التي أعلن "نزيلها" أنه هو وحده يحق له أن يحدد من هم "المؤهلون" لمنصب رئاسة الجمهورية من بين الموارنة.
فإذا لم يكن جعجع وفيلتمان يقرران من يريدان رئيساً للجمهورية فماذا كانا يفعلان؟ هل كانا يتناقشان في الاضطرابات في بورما، أم يبحثان أزمة الاحترار العالمي؟
وإذا كان فيلتمان وبلاده بعيدين عن لعبة تحديد الأسماء فهل يتركان لـ "حلفائهما" في لبنان مهمة الدخول في اللعبة؟
وسؤال آخر على الهامش: لماذا تتلاقى تلميحات فيلتمان مع تصريحات أشد المخلصين له في نعي أي إمكانية للتوافق على الساحة اللبنانية، إلى حد وصف إمكانية حصول هذا التوافق بأنه أمر "شبه مستحيل"؟
بعد الضحك من كثرة المرارة، يحق للبناني أن يتوقف قليلاً ليسأل ماذا كان يفعل فيلتمان حقاً عند جعجع، وأي مصائب سنشهدها بعد هذا اللقاء؟

"الكتلة الوطنية".. والمواقف الصوتية

في مقابل الأجواء الإيجابية التي توحي بها الاتصالات الجارية بين الرئيس نبيه بري ورئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري، تتعالى أصوات الفريق الأكثري مشككة بأجواء الانفراج وموجهة أقسى عبارات النقد لفرقاء المعارضة، حيث يتخصص كل طرف من السلطويين بمهاجمة فريق من المعارضة في حملة تبدو منسقة بشكل كامل بين مختلف الأطراف.
وإذا كان النائب وليد جنبلاط وفريقه متخصصين بالتهجم على حزب الله وإطلاق فقاعات صوتية ضده مستخدمين كل أساليب التجريح والتهويل، فإن فرقاء آخرين في فريق السلطة تخصصوا بمهاجمة التيار الوطني الحر ورئيسه العماد ميشال عون.
وفي حين يمارس قائد القوات اللبنانية هجومه على العماد عون مستخدماً أسلوب التخفي ومعتمداً آليات تشكيكية بعيدة عن التهجم المباشر، فقد أوكلت مهمة هذا النوع من الهجوم اللاذع إلى شخصيات وتنظيمات هامشية تستخدم أساليب الشتم وطرق تغييب الحقائق في الرد على مواقف التيار الوطني الحر.
وقد لوحظ في هذا المجال البيان الذي أصدرته "الكتلة الوطنية" يوم أمس الخميس بعد اجتماع "اللجنة التنفيذية" للكتلة، حيث لم يبق أي وصف سيئ إلا وألصق بالعماد عون وصولاً إلى طلب محاكمته بعيداً عن حصانته النيابية لأنه "هدد الرئيس الذي ستنتخبه قوى 14 آذار" بالاغتيال!!.
البيان الذي أصدرته الكتلة الوطنية يرفض "تمرير" جلسة الثلاثاء بالشكل الذي حصل، ويشكك بسبب تأخير موعد الجلسة القادمة إلى 23 تشرين الأول/ اكتوبر القادم، ويهاجم الرئيس نبيه بري متهماً إياه بتجاوز "كل القواعد والأعراف ومواد النظام الداخلي" لمجلس النواب.
لهجة البيان توحي كما هو ظاهر بأجواء سلبية جداً في حال كان يعبر عن حقيقة موقف قوى السلطة، إلا أنه يبقى مجرد "تسجيل موقف" إذا كان لا يعبر إلا عن رأي مصدريه فقط.

هبة باردة.. هبة سخنة..

من أهم النصائح التي كنا نتلقاها من الكبار ـ يوم كنا صغاراً ـ أن لا نتعرض للطقس البارد ثم للطقس الدافئ بشكل متتابع، ودون المرور بفترة "انتقالية" يكون الطقس فيها معتدلاً، كي لا نصاب بالزكام، وربما بأمراض أكثر فتكاً وإيذاء.
لقد أثبتت هذه النصيحة صحتها، بدليل أنه لم يحصل مرة أن خرجنا فجأة من غرفة دافئة إلى طقس بارد إلا وأصبنا بنزلة برد، وعلى أيّام المكيفات ما زال الوضع على حاله، فمن ينزل من سيارة مكيّفة إلى حرارة أجواء بيروت سيجد نفسه بعد قليل في الفراش نتيجة "صدمة هوائية" ستطاله.
أتذكر هذا وأنا أنظر لما يحصل في هذا البلد، من تتابع خطير للموجات الهوائية التي يتعرض لها، بين موجة تشاؤم حادة توصل الناس إلى توقع الحرب الأهلية في أي لحظة، وموجة تفاؤلية تُجلس المتنافرين مع بعضهم في وئام تام، وتعد بـ"الحل الشامل" في لحظة أيضاً.
ولو حصل هذا الأمر مرة أو اثنتين لهان تحمّل عواقبه، ولكننا منذ ما يعلم الله من وقت ونحن نخوض في موجات تشاؤمية وتفاؤلية، حتى مادت أعصابنا من كثرة ما انقبضت وارتخت.
يحق للبنانيين أن يصلوا أخيراً إلى ميناء يعرفون حرارته فيتعودون عليها، وكل الأمل ان يكون ميناء سلام.
محمود ريا

الأحد، سبتمبر 23، 2007

صدفة

يعاني اللبنانيون من مشكلة كبرى مع الصدفة، وهي التي باتت تلعب دوراً كبيراً في حياتهم. صدفة أن يقتل كل فترة نائب أو مسؤول، وصدفة أن تكون هذه الشخصية من فريق الموالاة.‏
صدفة أن يأتي قتله في ظروف توحي بالانفراج أحياناً، وصدفة أن يأتي مقتله أحياناً أخرى في ظروف التحضير لـ"مشروع" جديد.‏
صدفة أن تندلع بعد مقتله موجات التصريحات، فتؤدي إلى قتل الانفراج، أو إلى تمرير المشروع الذي لا يمر إلا.. بمهر الدم.‏
صدفة أن يكون المقتول من فريق الموالاة، وأن يكون فريق السلطة المستفيد الوحيد من مقتله.‏
صدفة أن تسبق كل عملية اغتيال تنبؤات من زعماء كبار في فريق السلطة حول حصول حدث أمني، وصدفة أن تتحقق نبوءات المتنبئين.‏
صدفة أن تأتي عمليات القتل بعد إعلان متوتري تيار السلطة رفض التوافق، وتهديدهم بإعدام المتوافقين معنوياً وسياسياً.. وتنفيذ الإعدام جسدياً.‏
صدفة أن يكون هؤلاء المتوترون هم من يعرفون بوصول "الغيّاب" من الخارج، وأن يكونوا آخر من يتحدث معهم، وأول من يعرف بأنهم هم المستهدفون.‏
أي صدف هذه التي تحصل في غياب الدولة والقانون والنظام؟‏
أي جرائم ترتكبها "الصدفة" بحق السيادة والحرية والاستقلال؟‏

محمود ريا‏