الجمعة، يناير 20، 2006

"المقاومة ليست ميليشيا"



ثلاث كلمات مطلوبة في بيان للحكومة اللبنانية يذيعها "الناطق باسمها" بعد جلسة لمجلس الوزراء، وتزاح عقبة كبرى من أمام تطبيع الأوضاع في البلد.
طبعاً ليست هذه هي كل القضية، ولكنها جزء كبير، وكبير جداً منها، بحيث أن التقدم في هذا الموضوع يفسح في المجال أمام التقدم في مجالات أخرى كثيرة.
كان يمكن القول إن المسألة صعبة ومعقدة وتتطلب الكثير من البحث لولا أن هذه الكلمات الثلاث كانت تقال وكان يقال أكثر منها بكثير، وليس في الغرف السرية فقط وإنما على شاشات التلفزة المحلية والدولية وعلى المنابر وفي الجولات الميدانية على خطوط المواجهة مع العدو الصهيوني.
ماذا يمنع أن تكرّر هذه الكلمات؟
من يمنع أن تكرّر هذه الكلمات؟
لقد كانت معلنة الاتصالات التي جرت على مدى العالم من واشنطن إلى الرياض، ومنها إلى بيروت، ومنها إلى أكثر من مكان لتأنيب الذين وافقوا على تكرار ما كانوا قالوه في السابق.
لقد كان معلناً الانقلاب الذي مارسه البعض على ذواتهم وعلى مواقفهم وعلى تصريحاتهم السابقة.
ولبنان لا يتحمل آثار هذه الاتصالات ولا آثار هذه الانقلابات.
لبنان لا يتحمل إلا قرارات صادرة من ذاته، الذات الصافية التي لم تلوّثها حفلات الردح والشتائم التي تحفّزها زيارات المبعوثين الأميركيين.
هذه الذات الصافية تقول: "المقاومة ليست ميليشيا".
محمود ريا

الجمعة، يناير 13، 2006

الحور والتفاح

حكت لي جدتي في واحدة من سهرات الشتاء العتيقة، التي أفتقدها هذه الأيام ومعها الموقد والنار والثلج والليالي الملاح، قصة الفرق بين شجر الحور وشجر التفاح.
قالت لي: هل تعرف لماذا يبقى صوت حرج الحور عالياً، فلا تكاد تمر نسمة هواء إلا وسمعت للحرج صوتاً قد يكون مخيفاً، فتظن أن مئات الفرسان يهدرون تحت الشجرات استعداداً لمعركة لا تبقي ولا تذر، فإذا ما اقتربت من الحرج وجدت أن لا شيء هناك، لا فرسان ولا مقاتلين ولا ما يخيف؟
وقبل أن أجيب كانت تقول لي: لأن شجر الحور طويل، فارغ، أغصانه متباعدة، غير متراصة، لا تحوي ثمراً ولا فائدة ترجى منها إلا في أضيق الحدود.
ثم قالت: وبستان التفاح، هل تسمع له صوتاً إذا مررت بالقرب منه، مهما كانت الريح عاتية والعواصف قوية؟
أجابت من نفسها: كلا، لأن شجر التفاح مثقل بالثمار، أوراقه قريبة من ثماره وأغصانه متكاتفة متراصة، لا يجد الهواء بينها منفذاً كي يعصف بها ويتركها تعول في الأسماع.
وختمت جدتي قائلة: يا بني هكذا هم البشر، أعلاهم صوتاً ليس أكثرهم فعلاً، ومن يظن أنه يخيف الآخرين بالصراخ، هو الخائف، والصامتون لا يخافون.. بل هم من قوتهم واثقون.
محمود ريا

الحور والتفاح

حكت لي جدتي في واحدة من سهرات الشتاء العتيقة، التي أفتقدها هذه الأيام ومعها الموقد والنار والثلج والليالي الملاح، قصة الفرق بين شجر الحور وشجر التفاح.
قالت لي: هل تعرف لماذا يبقى صوت حرج الحور عالياً، فلا تكاد تمر نسمة هواء إلا وسمعت للحرج صوتاً قد يكون مخيفاً، فتظن أن مئات الفرسان يهدرون تحت الشجرات استعداداً لمعركة لا تبقي ولا تذر، فإذا ما اقتربت من الحرج وجدت أن لا شيء هناك، لا فرسان ولا مقاتلين ولا ما يخيف؟
وقبل أن أجيب كانت تقول لي: لأن شجر الحور طويل، فارغ، أغصانه متباعدة، غير متراصة، لا تحوي ثمراً ولا فائدة ترجى منها إلا في أضيق الحدود.
ثم قالت: وبستان التفاح، هل تسمع له صوتاً إذا مررت بالقرب منه، مهما كانت الريح عاتية والعواصف قوية؟
أجابت من نفسها: كلا، لأن شجر التفاح مثقل بالثمار، أوراقه قريبة من ثماره وأغصانه متكاتفة متراصة، لا يجد الهواء بينها منفذاً كي يعصف بها ويتركها تعول في الأسماع.
وختمت جدتي قائلة: يا بني هكذا هم البشر، أعلاهم صوتاً ليس أكثرهم فعلاً، ومن يظن أنه يخيف الآخرين بالصراخ، هو الخائف، والصامتون لا يخافون.. بل هم من قوتهم واثقون.
محمود ريا

السبت، يناير 07، 2006

نهاية مرحلة

انتهت مرحلة آرييل شارون.‏
كان لا بد من أن تنتهي، بكل ما حملته من تجبّر ومن ظلم ومن قتل وإجرام وإرهاب.‏
لقد قاتل وقتل، شارك في معارك 1948 وفي غزو 1956 وفي عدوان 1967 وفي حرب 1973 وفي اجتياح 1978، وصمم ونفذ الاجتياح الأكبر للبنان عام 1982.‏
شارك في قمع الانتفاضة الأولى، وفجّر باستهانته بالمقدسات الإسلامية الانتفاضة الثانية، وارتكب ما لا يتصوره بشر من جرائم..‏
وانتهى.‏
إنه تاريخ من الفظاعة يذوي، لتنطلق مِن فيه دماء امتصّها في مجازر قطاع غزة وفي سيناء وفي صبرا وشاتيلا وغيرها من المناطق التي مرت عليها الهمجية الشارونية لتتركها خراباً يباباً.‏
وبالرغم من كل هذا الجبروت انتهى.‏
متجبّر آخر يصل بعنفوانه إلى أقصى السماء ليعود وينحدر في نهايته إلى أدنى الأرض.‏
كم هي عادلة لعبة الحياة والموت، كم هو عادل ربّ السماوات والأرض، كم هي حقيقية هذه اللحظة التي ظن كثيرون أنها لن تأتي، ولا حتى في الأوهام.‏
انتهى شارون.. ذهب كما ذهب غيره إلى المكان الذي يستحقه في الحياة الأخرى، وفي تاريخ الحياة الدنيا.‏
هل يشك أحد في أن لكل جبار نهاية؟‏
قليل من الفرح، ولو كانت الأمنية أن تكون النهاية بطريقة أخرى.‏
قليل من الفرح قبل أن ننطلق في مواجهة جبار جديد.‏
محمود ريا‏

الأحد، يناير 01، 2006

اغتيال الحريري يرسم خريطة العام:تحقيق قضائي بآليات سياسية


إذا كان لكل عام سمة، فإن العام 2005 حمل لافتة عريضة اسمها الاغتيال، ومنها تفرعت عناوين أخرى، تلبّست بكلمات كبرى: الحقيقة، التحقيق، الأدلة، تقصي الحقائق، فيتزجيرالد، اللجنة الدولية، المحقق الدولي، ميليس، التقرير الأول، التقرير الثاني، محمد زهير الصديق، هسام هسام، الضباط الأربعة...‏
كلها تعابير تنقل صورة حقيقية عن واقع فرض نفسه على الساحة اللبنانية ابتداءً من الرابع عشر من شباط/ فبراير، ووصولاً إلى منتصف ليل آخر يوم من هذه السنة.. دون أن ينتهي هناك.‏
اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الحدث الذي شغل اللبنانيين على مدى العام، وخلق وقائع وفرض تطورات وقاد إلى اتجاهات مختلفة عما كان سابقاً هو الحدث الذي سيترك نفسه علامة فارقة في المسار السياسي اللبناني على مدى عقود.


الرابع عشر من شباط/ فبراير..‏
دوى الانفجار، إنها الساعة الواحدة إلا أربع دقائق من بعد الظهر تقريباً، انقلبت منطقة الفنادق في العاصمة بيروت رأساً على عقب، ومعها انقلبت كل الساحة السياسية والأمنية اللبنانية، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ السياسي اللبناني.‏
كان الانفجار ضخماً ورهيباً، استهدف موكب الرئيس الحريري المؤلف من عدة سيارات، فدمرها جميعاً، ودمر معها كل المنطقة والفنادق التي تصطف على جانبي الطريق، تاركاً حفرة ضخمة في منتصفه، ستتحول هي ذاتها ـ الحفرة ـ إلى قضية ضمن قضية التحقيق بما حصل.‏
استشهد الرئيس رفيق الحريري فوراً في الانفجار، ومعه استشهد اثنان وعشرون شخصاً، فيما التحق به النائب باسل فليحان بعد أسابيع قضاها في معاناة قاسية نتيجة الحروق التي لحقت به، والتي لم تنفع علاجات فرنسا في التخفيف من أثرها.‏
بعد الانفجار انطلقت تحقيقات مكثفة قامت بها الأجهزة اللبنانية المختلفة، وذلك في ظل جو أمني وسياسي وشعبي ضاغط، وقد توصلت هذه التحقيقات إلى معطيات أساسية أكدت صحتها فيما بعد التحقيقات الدولية: انفجار فوق الأرض، شاحنة ميتسوبيتشي مفخخة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات، رصد دقيق للموكب المستهدف، تشويش على أجهزة التشويش الموجودة في موكب الرئيس الحريري...‏
الجو النفسي والسياسي الضاغط، والتهديدات والاتهامات عكست نفسها نوعاً من الإحباط والتخبط لدى الأجهزة القضائية، ولا سيما في ظل تصاعد الحديث عن المطالبة بتحقيق دولي في الجريمة، نظراً لعدم ثقة المعنيين في منزل الرئيس الحريري بالتحقيق الذي تجريه الأجهزة اللبنانية، وبعد طروحات تتحدث عن إمكانية إنشاء لجنة تحقيق عربية جرى رفضها، انطلقت عملية قضائية معقدة بدأت منذ يوم الخامس والعشرين من شباط/ فبراير بوصول بعثة تقصي حقائق دولية إلى بيروت يرأسها بيتر فيتزجيرالد.‏
أصدرت لجنة فيتزجيرالد تقريرها في الخامس والعشرين من شهر آذار/ مارس وفيه أنه "طالما أن مصداقية السلطات اللبنانية التي أجرت التحقيقات كانت موضع تساؤل، فيجب إجراء تحقيق دولي مستقل لإقامة الحقيقة. ولهذا الغرض، هناك حاجة لإنشاء فريق له سلطات تنفيذية، يغطي كل حقول الخبرات الضرورية لتحقيق من هذا النوع".‏
أخذ مجلس الأمن الدولي المبادرة وأصدر في السابع من نيسان/ أبريل القرار 1595 الذي قضى بتشكيل "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" بجريمة اغتيال الرئيس الحريري.‏
لقد جاء تشكيل هذه اللجنة في ظل حصول عدة تفجيرات في مناطق عديدة من جبل لبنان أدت إلى مقتل وجرح عدد من الأشخاص، وفي ظل اتهامات موجهة إلى قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية بالمشاركة في جريمة الاغتيال، أو في تسهيل حصولها أو في الاستهتار الذي أدى إلى تسهيل حصولها، وهذا ما وضع قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية الأربعة: الأمن العام اللواء جميل السيد ولواء الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان وقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج ومخابرات الجيش اللبناني العميد ريمون عازار، في خانة الاتهام، ودفع بقادة هذه الأجهزة إلى الاستقالة قبل أن يتم اعتقالهم في الثلاثين من آب/ أغسطس.‏
انطلاق العمل‏
كان انطلاق عمل لجنة التحقيق سريعاً، ففي 26 أيار/ مايو، وصل فريق متقدم صغير من اللجنة يرأسه ديتليف ميليس الى بيروت، وفي 13 حزيران/ يونيو، وبعد مناقشات مكثفة مع السلطات القضائية اللبنانية، وقعت مذكرة تفاهم بين حكومة لبنان واللجنة. وفصلت المذكرة أشكال التعاون بين الفريقين تضمنت تأكيداً على "ان حكومة لبنان سوف تضمن أن اللجنة ستكون حرة من أي تدخل في ممارسة تحقيقها، وأن تزود بكل المساعدة الضرورية لإنجاز مهمتها".‏
بعد ثلاثة أيام أعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بدء لجنة التحقيق عملها بشكل رسمي، وفي اليوم التالي، السابع عشر من حزيران/ يونيو عقد رئيس اللجنة ميليس مؤتمره الصحافي الأول الذي ضمّنه استنتاجاته الأولية، قبل الانطلاق بالعمل بشكل رسمي.‏
لقد كانت الأجواء توحي بأن هناك هدفاً قد وضع، وهو تحميل سوريا مسؤولية عملية الاغتيال، وأن كل ما يحصل على صعيد لجنة التحقيق هو إيجاد الطريق الذي يوصل إلى هذا الهدف، ولذلك فقد انصبّت كل التسريبات التي صدرت عن رئيس اللجنة وعن الأوساط المقرّبة منها، عند "الحقيقة" التي قيل إنها اكتُشفت منذ الدقائق العشر الأولى التي تلت عملية الاغتيال، وعلى هذا الأساس بدأ الحديث عن القادة الأمنيين الأربعة وعن قادة أجهزة الاستخبارات السورية في لبنان وعن شقق في الضاحية وخلدة ومن ثم عن شهود أساسيين من بين الشهود الخمسمئة الذين أخذت إفاداتهم، وسمي من بينهم شاهد ملك وشاهد مقنّع وغيرهما من الأسماء التي أطلقت، إلا أن الوقائع التي وردت في تقريري لجنة التحقيق اللذين صدرا يومي 19 تشرين الأول/ أكتوبر و12 كانون الأول/ ديسمبر والتي بنيت على أقوال هؤلاء الشهود تعرضت لامتحان شديد نتج عن سقوط مصداقية شاهد أساسي (محمد زهير الصديق) بسبب ثبوت كونه مجرد محتال لا يملك أي صدقية على المستويين الشخصي والقانوني، وتراجع شاهد أساسي آخر (بني القسم الأكبر من تقرير ميليس على أقواله) عن إفادته في شهادة مدوية أدلى بها للتلفزيون السوري يوم السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر ليتحول "الشاهد المقنع" إلى "الفضيحة المكشوفة" هسام طاهر هسام.‏
وبين "بناء" قضية اتهام سوريا بالعملية إثر تقرير ميليس الأول، وتهافت أركان هذه القضية في الأيام الأخيرة صدر قراران عن مجلس الأمن الدولي كان الأول منهما حاد اللهجة والمضمون ويحمل الرقم 1636 وصدر في الواحد والثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر داعياً سوريا إلى التعاون مع لجنة ميليس ومهدداً إياها بعقوبات دولية وبما هو أكثر إن لم تفعل، أما القرار الثاني ويحمل الرقم 1644 فقد صدر في الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر وجاء بمثابة خطوة تراجعية عن اللهجة التهديدية التي حواها التقرير الأول، وذلك بعد انهيار الشهادات التي قام عليها التقرير الأول لميليس، وإبداء سوريا التعاون الكامل مع اللجنة والذي نجم عنه انتقال خمسة من المسؤولين الأمنيين السوريين إلى فيينا للتحقيق معهم من قبل لجنة ميليس (5 و7 كانون الأول/ ديسمبر) ومن ثم عودتهم إلى سوريا، بالرغم من أن ميليس وضعهم في تقريره الثاني في خانة المشتبه بهم بعد أن كانوا في خانة الشهود.‏
بعد أن مدد مجلس الأمن الدولي (بناءً على طلب الحكومة اللبنانية) مهمة اللجنة الدولية مرتين (الأولى في 19 تشرين الأول/ أكتوبر حتى 15 كانون الأول/ ديسمبر والثانية في الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر ولمدة ستة أشهر) أعلن رئيس اللجنة ديتليف ميليس قراره التنحي عن رئاسة لجنة التحقيق الدولية بحجة أنه أنهى الفترة التي انتدب نفسه فيها لقيادة التحقيق الدولي، فيما تحدثت مصادر مقربة منه عن مناصب عرضت عليه في بلده، وعن وضع عائلي فرض عليه العودة إلى ألمانيا، في حين رأت مصادر متابعة لعملية التحقيق أن الثغرات الخطيرة التي وقع فيها ميليس خلال إجرائه التحقيق والتي كشف عنها سقوط الشاهدين الصديق وهسام، وما قيل عن محاولات لاستدراج أشخاص آخرين للإدلاء بأقوال تخدم الخط الذي أريد للتحقيق أن يسير به (كما حصل مع لؤي السقا في أحد السجون التركية)، كل هذا دفع ميليس إلى التنحي من أجل الحفاظ على بعض المصداقية التي بقيت له، في حين يستمر التحقيق برئاسة شخص آخر من المرجح أن يكون البلجيكي بريميريتز الذي يتوقع أن يتسلم من ميليس ملفات التحقيق ومن ثم ـ ربما ـ البدء من جديد.‏
وقد ترافق هذا التغيير في رئاسة اللجنة مع محاولات محلية لبنانية من أجل توسيع مهمة لجنة التحقيق الدولية لتشمل جرائم أخرى وقعت على الأراضي اللبنانية، أو تشكيل لجنة تحقيق دولية أخرى لتولي مهمة التحقيق فيها، إضافة إلى إيكال مهمة البت بقضية اغتيال الرئيس الحريري إلى محكمة دولية أو محكمة ذات طابع دولي، وقد جاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1644 ليخفض من سقف طموحات هذه الأطراف عندما اكتفى بإبداء الاستعداد لتقديم مساعدة تقنية للبنان في تحقيقاته بالجرائم الحاصلة على أرضه، وعندما رد طلب تشكيل المحكمة الدولية إلى السلطات اللبنانية لتوضيح ماذا تقصده بهذه المحكمة.‏
وإذا كان ميليس قد أنهى رئاسته للجنة التحقيق بـ"تنفيس" الهالة التي نسجت حوله، والتي حوّلته إلى ما يشبه الأسطورة، فإنه أبى أن يترك موقعه دون أن يعيد التأكيد على "قناعاته" بأن سوريا ـ ومعها قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية ـ هي التي تقف وراء عملية الاغتيال، دون أن يكون قدم خلال ستة أشهر من ترؤسه للجنة التحقيق أي دليل على هذا الكلام.‏
محمود ريا‏

السبت، ديسمبر 24، 2005

"مصارعة حرة"

أكره مشاهدة حفلات "المصارعة الحرة" تلك التي تعرضها المحطات التلفزيونية، وفيها كمية زائدة عن كل حد من العنف والضرب والتصرفات التي تخرج عن أي إطار أخلاقي.‏
إلا أن هناك نوعاً آخر من المصارعة يحس الإنسان بمتعة في مشاهدته، هو ذلك الذي يطلق عليه اسم المصارعة الرومانية على ما أعتقد، حيث يلتحم المصارعان ـ المتكافئان بنية وقدرة ـ في معركة يلعب فيها الذكاء والليونة وقدرة التحمل الدور الأكبر في تثبيت الخصم، ومن ثم ربح الجولة، وذلك وفق قوانين دقيقة ومراقبة حثيثة من الحكم الجاهز دائماً للتدخل.‏
كان الناس ـ مسؤولين وأشخاصاً ـ يظنون أن ما يجري في المنطقة هو حفلة من المصارعة الحرة يدخل فيها مصارع ضخم الجثة إلى الساحة كي يفتك بالمصارع الآخر الذي يتحمل الضرب دون أن يكون لديه أي قدرة على الرد، ويمارس القوي كل أنواع الإجرام بحق منافسه حتى يفوز بالمباراة.‏
ما يراه الذين يدققون النظر في ما يجري أن مباراة المرحلة هي مباراة تخضع لقوانين بالغة الدقة، يعلو لاعب فيها منافسه ثم يعود المنافس لاعتلاء الآخر وهكذا، في حركات فنية لا تلفت الإنسان العادي ولكنها "تمتع" المراقب الخبير الذي لديه اطلاع دقيق على المعطيات المكوّنة لميزان القوة بين المتنافسين.‏
ليس المهم في هذه المباراة كمية التقلبات التي يقوم بها المصارعان، وإنما من يثبّت الآخر في النهاية.‏
محمود ريا‏

الجمعة، ديسمبر 16، 2005

دعوة لدفن الأحقاد



دعوة الأب المفجوع غسان تويني من قرب نعش ابنه المغدور لدفن الأحقاد والخلافات لا يبدو أنها تجد صداها عند الذين يرفضون أن يجعلوا من تضحية جبران تويني (وربما التضحية به؟) محطة للانطلاق في طريق مختلف تماماً عن ذلك الذي تساق الأمور فيه، وبشكل يدفع إلى تذكّر ذلك القول الشهير: يرضى القتيل، ولا يرضى.. الذين يريدون أن يستفيدوا من مقتله على كل الوجوه.
كلمات واعية، أنضجها الحزن المفجع، وأعطاها بُعدها الحقيقي العمر الطويل والتجربة التي خاضها ذلك الرجل الأشيب، الذي مرّ على رأسه الكثير، وعرف ما شهده لبنان على مدى عقود، وربما يكون انطلق في كلماته مما يشعر أنه يحاك للبنان في المستقبل.
وربما لا يلاقي كلام "العميد غسان" قرب ساحة النجمة، إلا الكلام الذي قيل تحت قبة البرلمان، في ساحة النجمة نفسها.
طبعاً ليس المقصود ذلك الكلام الغوغائي الاستفزازي الاستنفاري الذي لا يعبر عن منطق ولا يوصل إلا إلى الخراب، وإنما الكلام الهادئ الذي فيه دعوة إلى "حفظ الوحدة الوطنية وقطع الطريق أمام كل حالات الانقسام عبر الحوار".. "الحوار الذي لا ينبغي أن يمل بعضنا منه، لأن الخيارات الأخرى باهظة الثمن والتكاليف".
من كان أقرب من محمد رعد إلى دعوة غسان تويني أول من أمس؟
متى تعود لغة العقل لتحكم في هذه البلاد؟
محمود ريا

الأحد، ديسمبر 11، 2005

Shall we reach the truth?

It was said that there are four kinds of judges; three will end in hell whereas one (alone) will end in paradise.
The three judges that will end in hell are:

1- A judge that rules with injustice while perceiving that he is ruling with injustice.
2- A judge that rules with injustice while thinking that he is ruling with justice.
3- A judge that rules with justice thinking he is ruling with injustice.
On the other hand, the judge that will end in heaven is the judge that rules with justice while perceiving that he is ruling with justice.
This saying will first come to mind as justice, judges, litigants — and ill-treated victims occupy the major part of the picture, leaving only a small part for other interests.
The hearts of the people will break the instant they hear about justice throughout history and the wonders regarding judges who were bribed in order to twist the facts by changing what is right and what is wrong.
Even if the stages do not progress to reach the stage of trial, but freeze at the stage of investigation, yet the beginning of the road will indicate its end. In her beloved rural accent, my mother used to say, “What you place in the pot will be found in the ladle.”
We can only ask: With what kind of judges are we coexisting with? How can we reach the truth based on their judgment? How can the truth emerge, crystal clear, out of this vast amount of decay and out of the black corridors and back stages where no one knows what is happening—but through the stench that bothers the noses from time to time?
Shall we reach the truth?
Mahmoud Raya

الجمعة، ديسمبر 09، 2005

الانتخابات المصرية انتهت إلى مجلس "مختلف" ولكن غير مثالي

بين البلطجة والتزوير والإصرار على التعبير عن الموقف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين البلطجة وغياب الديموقراطية شهدت مصر المرحلة الثالثة والأخيرة من الانتخابات البرلمانية التي أسفرت عن بروز حركة "الإخوان المسلمون" بشكل لافت للنظر، دون أن تتمكن من تحقيق الحلم الذي راود الكثير من قادتها بالوصول إلى حافة المئة مقعد في البرلمان الذي يبلغ عدد أعضائه أربعمئة وأربعة وخمسين نائباً.‏
لم تنته الانتخابات بشكل نهائي حتى اللحظة، فنتائج بعض الدوائر لم تظهر بعد، وهناك دوائر عديدة، قد لا تزيد عن العشر تنتظر إعادة الانتخابات فيها بسبب شوائب كثيرة عاشتها، ولكن الصورة شبه النهائية للبرلمان بدت واضحة، وكذلك الحدود المتاح للشعب أن يظهر فيها إرادته الحقيقية، بعيداً عن تدخل السلطة لمصادرة خياراته ومنعه من التعبير عن رأيه.‏
الانتخابات في مصر جرت على ثلاث مراحل، وكانت الجولة التي شهدتها يوم الأربعاء الماضي هي جولة الإعادة لانتخابات المرحلة الثالثة ـ الأخيرة ـ وبناءً على نتيجتها يمكن القول إن البرلمان الجديد صار شبه جاهز للبدء بالعمل.‏
أهم الملاحظات على هذا البرلمان يمكن تلخيصها بما يلي:‏
ـ تلوث وجه هذا البرلمان بالكثير من المنغصات التي تشوه صورة الديموقراطية الحقيقية، فهو مجلس للشعب لم يستطع الشعب أن يقول كلمته كاملة فيه، بل بالعكس فإن الكثير من السدود وضعت أمام الناس لمنعهم من ممارسة قناعاتهم الانتخابية بشكل حر ومستقل.‏
فالعنف الذي شهدته مراحل الانتخابات الثلاث يدل على أن السلطة لم تتمكن من التخلص من نوازع الهيمنة والسيطرة بشكل كامل، وأنها ما زالت تحاول فرض قناعاتها على الناس بالقوة، وما لم تقم به السلطة من خلال جنودها وعناصر شرطتها، قام به "بلطجية" الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم الذي نزلوا بكل قوة الى الشارع للتعبير عن "حضورهم" ولا سيما بعد النتائج المخيّبة التي حصل عليها الحزب الحاكم في المرحلة الأولى من الانتخابات.‏
ولم تقف الممارسات العنفية عند حدود البلطجة في الشارع، بل تعدّتها إلى التزوير في الصناديق وفي النتائج وصولاً إلى حد قتل المواطنين وإطلاق الرصاص والقنابل المسيلة للدموع عليهم.‏
وهكذا تلوّث وجه البرلمان القادم بالدم وبحبر التزوير وبوصمة الانحراف عن إرادة المواطنين.‏
ـ لقد نزل الشعب إلى الشارع، وإن لم يكن بشكل كامل، فإن ما قام به المواطنون حتى الآن يعتبر تقدماً لا بأس به مقارنة مع اللامبالاة التي كانت سائدة في المراحل السابقة، ونزول الشعب استطاع استنقاذ العديد من النتائج من يد السلطة التي كانت "تضمن" في المرات السابقة برلماناً مدجناً ليس للمعارضة فيه سوى أصوات متفرقة متناحرة فيما بينها قبل أن تكون على خلاف مع نواب الحزب الحاكم نفسه. وهذا التحرك الشعبي يبشر بتغيير حقيقي في تعاطي الناس مع القضايا السياسية، ويشير إلى بداية تفهم حقيقي لدور المواطن في اختيار نوابه وقدرته على إيصال من يعبرون عن رأيه من بينهم إلى الندوة البرلمانية.‏
ـ استكمالاً للملاحظة السابقة يمكن القول إن البرلمان بات يملك صوتين، وإن كان كل صوت لا يقارن بالآخر من حيث القوة والتأثير. فـ"الأخوان المسلمون" لديهم الآن كتلة في مجلس الشعب تزيد على الثمانين نائباً، وهؤلاء يمكنهم أن يشكلوا قلقاً فعلياً للحكومة من خلال قدرتهم على المسائلة والتحقيق بتصرفاتها وأعمالها، في حال تمكنوا من إيجاد آلية تنظم جهودهم وتوزعها على أكبر مروحة من المتابعة الدقيقة للعمل الحكومي.‏
ـ خرجت مصر من هذه الانتخابات غير مصر التي كانت قبلها، ولكنها ليست مصر التي كان يرجى أن تكون.‏
صحيح أن الانتخابات الحالية تميزت بإعطاء المواطن حيزاً أكبر من الحرية في الاختيار وفي التقرير، ولكن الممارسات التي لُحظت على هامش هذه الانتخابات لم تسمح بمحو اسم مصر من لائحة دول العالم الثالث، وتسجيله في سجل الدول التي تجري انتخابات حرة ونزيهة، وهذا سيكون له تأثير كبير على الصورة التي تعمل الدولة المصرية للترويج لها عن بلادها في العالم، ولا سيما في ظل حملة البحث عن موقع في صفوف "العالم الحر".‏
ـ يبقى هناك ملاحظة أخيرة تتعلق بدور مجلس الشعب نفسه، حيث ان البرلمانات في العالم العربي لا تملك الكثير من الأوراق لتلعبها على صعيد العمل السياسي، إذ هي تبقى أقرب إلى المجالس الاستشارية التي تنصح ولا تقرر، إن لم تكن مجرد "ديكورات" لتجميل منظر النظام الحاكم. وليس الوضع في مصر بعيداً تماماً عن هذه الصورة.‏
محمود ريا‏

مقبرة جماعية !

يوم غادر عمي قريتنا في تلك الليلة الجهنمية حاملاً عائلته ولاجئاً بها إلى أقرب قرية في سوريا هرباً من الإجرام الدموي الصهيوني الذي كان يستهدف البقاع ومعه كل المناطق اللبنانية، كنا نحن في القرية ننتظر منه ـ أو عنه ـ أي خبر، لأن القليل من المعلومات الذي وصلنا أفاد أن الطريق تعرض لحملة دموية معادية استهدفت السيارات والآليات والعسكر والمدنيين ولم تعفُ عن أحد.‏
كان يمكن لعمي وعائلته ـ وبينهم الأطفال ـ أن يكونوا من ضحايا تلك الليلة السوداء ـ بكل معنى الكلمة ـ من عام 1982 وأن نبحث عن جثثهم فلا نجدها، لأنها كانت ستدفن حينها في مقبرة جماعية يستحدثها الأهالي في أي منطقة لمواراة ضحايا الرعب الصهيوني الأسود.‏
لقد نجا عمي والعائلة حينها، ولكن أناساً كثراً آخرين لم ينجوا، وامتلاًت جوانب الطرق بالجثث، التي تم دفنها في مقابر جماعية، ولم يتحرك العالم أسفاً على هؤلاء الضحايا الأبرياء.‏
أنا أتذكر عمي، ولا أنسى تلك الليلة، كما لا أنسى المقابر الجماعية، ولا أنسى فظائع العدو الصهيوني، ولا فظائع الذين ساروا في ركابه ونفذوا مآربه وقتلوا على الهوية، وعلى غير الهوية.. فهل يتذكر اللبنانيون؟‏
محمود ريا‏