أخبار المنار

الخميس، فبراير 09، 2006

!العبّارة.. والوطن

كيف يمكن إيجاد رابط بين ما أصاب ركاب العبارة المصرية التي غرقت في البحر الأحمر وبين ما يحصل هذه الأيام في لبنان؟
ما أدى إلى غرق العبارة ومقتل المئات من ركابها هو سلسلة من الأخطاء والتجاوزات التي تبدأ من كون السفينة باتت بحاجة إلى صيانة شاملة، وربما إحالة إلى التقاعد، وبين إهمال الطاقم الذي زاده فظاعة فرار القبطان منذ اللحظة الأولى لظهور خطر الغرق.
المشكلة معقدة إذا، فكيف إذا صح ما يقوله الكثيرون من أن الكارثة "قومية" وأن الشركة التي ارتكبت هذا الكم من المخالفات مرتبطة بأناس "فوق.. فوق" لا أحد يستطيع محاسبتهم أو الوقوف أمام أوامرهم.
هل يذكّر هذا الوضع اللبنانيين بشيء؟
هل يوحي لهم بقباطنة يفرون عند أول خطر، تاركين "الركاب" بين أنياب البحر، وبمسؤولين غير مسؤولين يتكلون على دعم الـ "فوق.. فوق" فلا يهتمون فعلاً بأمور الذين هم تحت؟
هل نحن أمام كارثة غرق لبنانية،أم نحن أمام تجربة إنقاذ ستسمح لجميع الركاب بالوصول بسلام؟
لقد غرقت العبّارة في البحر لأن أحداً لم يتدخل لوقف سلسلة الأخطاء التي أوصلت إلى هذه النتيجة.
في لبنان، الوضع ليس كذلك، فهناك ربّانون مهرة ومخلصون، قرارهم أن يكون القبطان هو آخر من يترك السفينة المهددة بالغرق.. عسى أن يتمكن من إنقاذها.
بين هنا وهناك، الوضع مختلف تماماً
محمود ريا

تظاهرة الأشرفية: البلد في فوهة البركان الطائفي



بين السيئ والأسوأ.. كاد يقع الأكثر سوءاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين السيئ والأسوأ اختارت الحكومة ما رأت أنه الأقل سوءاً في التعامل مع ما حصل في الأشرفية من أحداث خطيرة يوم الأحد الماضي، وذلك بعد أن عجزت ـ عن سوء تقدير أو عدم دراية ـ في تجنيب المنطقة ولبنان هذا الكأس المر.
والذي اعترفت به الحكومة، أبت الفصائل التي تساند أكثريتها أن تقرّ به، فاستمرت في لعب الورقة الخارجية يميناً وشمالاً، أي لجهة توجيه الاتهام بما حصل لجهات خارجية ـ سوريا وفلسطين و"دولة إقليمية غير عربية"! ـ ولجهة الاستنجاد بالخارج المتمثل بمجلس الأمن الدولي ـ القوى المهيمنة فيه تحديداً ـ ولا بأس من بعض التغطية بقناع عربي عبر توجيه الدعوة أيضاً للجامعة العربية لوضع يدها على هذه القضية.

لم يستطع الدخان الذي أثاره حريق مبنى التباريس في منطقة الأشرفية في قلب العاصمة اللبنانية بيروت أن يخفي حقائق عديدة، فلجأت القوى المعنية بتحمل المسؤولية إزاء ما حصل إلى إثارة أدخنة "مختلفة الألوان" عسى أن تتمكن من خلالها من حرف أنظار اللبنانيين عن حقيقة ما حصل وعن ضرورة معالجته، كي لا يتوغل لبنان في نفق الأخطار الذي تقوده هذه القوى إلى داخله.
المسيرة التي نظمت كي تكون تعبيراً عن الغضب الشعبي على ما قامت به صحف دانماركية ونرويجية وغربية أخرى من تطاول على حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله، أراد لها البعض أن توجه أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه محلي وإقليمي ودولي، فاختلطت الحسابات الدينية التي اعتمدها المنظمون مع حسابات سياسية بالغة التعقيد دخلت على خط استخدام هذا الحشد الكبير باتجاه لبنانيين من غير التوجه الذي غلب على التظاهرة، فكان اصطدام الإرادات والتوجهات الخطوة الأولى في اتجاه فقدان التظاهرة لتماسكها، ومن ثم فقدان منظميها للسيطرة عليها.
وإذا كانت منطقة الأشرفية ـ بما لها من ظروف سياسية وطائفية حساسة ـ المسرح الأولي لهذه التظاهرة ـ المواجهة، فإن مراقبين حللوا ما حصل من زوايا سياسية واجتماعية معينة وجدوا فيما شهدته المنطقة من ممارسات خرجت عن كل موازين التعقل والوعي ترجمة لعوامل طائفية تغذيها عمليات حقن تمارسها أطراف تتحرك بشكل قوي على الساحة وتفرض نفسها كتيارات شعبية لا يبدو أن المعنيين في البلاد يقدرون حجمها بشكل صحيح، وتمت هذه التيارات على امتداد الانتشار الديموغرافي للجو الحاضن لهذه التيارات، في الوقت الذي تبدو السيطرة السياسية للتيار البارز على هذه الساحة مجردة من الثقل الشعبي الحقيقي، وإنما هي تجميع إرادات أرادت ان تعطي هذا التيار فرصته الناشئة من زخم الحدث التراجيدي الذي عاشه لبنان، في الوقت الذي بقيت هي تعمل على تعزيز وجودها الحقيقي في الشارع، وفي الخفاء.
إلا أن العامل الطائفي ليس هو الوحيد المؤثر في ما حصل، وإنما هناك عوامل اجتماعية واقتصادية لعبت دورها في تصاعد الفلتان، ولا سيما بعد أن تراخت قبضة المنظمين عن المسيرة، وهو ما يمكن تسميته بصدمة التحريض الاقتصادي الناجم عن الفارق الشاسع بين ما شاهده البعض في قلب العاصمة وما يعيشه في مناطقه ـ النائية والقريبة على حد سواء ـ من شظف في العيش ناجم عن إهمال الدولة التاريخي والمتمادي لهذه المناطق.
كل هذه العوامل الطافحة بالتشنج والاحتقان والتحفز للفعل، كان مقابلها فراغ مدوّ من السلطات الرسمية التي كانت على ما يبدو في أقصى درجات التراخي في التعامل مع الحدث، ربما لاعتقاد المعنيين في السلطة أن هذه التظاهرة "لنا" وبالتالي هي لا تحتاج لأي مواكبة أو تحضير أمني، بعيداً عن الحديث عن عدم قدرة القوى الأمنية على حشد ما يكفي لمجابهة ما هو غير متوقع، ودليل الذي يقولون بذلك إن السلطة كانت جاهزة تماماً لقمع عدد قليل من الطلاب أمام السراي الحكومي، ولتحضير حائط دفاع متين جداً أمام السفارة الأمركية في عوكر يوم تظاهرة الشباب اللبناني تنديداً بتدخل الإدارة الأميركية بالشؤون اللبنانية، إضافة إلى معلومات أعلنتها أكثر من جهة عن وجود عدة قطع عسكرية على أهبة الاستعداد للتدخل، إلا أن الأوامر لم تعطَ لها للقيام بواجبها.
ولمّا "وقعت الواقعة" كانت الحكومة أمام خياري السيئ والأسوأ، أي إما ترك المتظاهرين يعيثون فساداً بمنطقة الأشرفية، أو إطلاق النار عليهم وقتل العشرات وربما المئات منهم ـ نظراً لطبيعة المشاركين الذين يفترض أنهم لا يحسبون حساباً للموت ـ فكان أن الذي نتج عن اختيار السيئ يهدد بحصول الأكثر سوءاً وإدخال لبنان في نفق المجهول، لو أن احتكاكاً حقيقياً حصل بين أبناء المنطقة والذين يتظاهرون فيها.
هذا المسلسل من الأخطاء والصدف غير السعيدة ومحطات سوء التفاهم بين المعنيين السياسيين والأمنيين بما جرى ـ والذي ترجم نفسه بتأكيد أحد القياديين الحاضرين بقوة في منطقة الحدث أن هؤلاء المتظاهرين "حلفاؤنا" ولا يجب التعرض لهم ـ أنتج وضعاً مأساوياً كان يمكن له أن يفجر أزمة سياسية وأمنية كبرى في العاصمة وحتى على امتداد لبنان مع تحرك أكثر من "جبهة" أمنية ـ في الكحالة وسن الفيل.. والناعمة ربما؟! ـ لولا التحرك المتأخر ولكن الحاسم للقوى الأمنية لاحتواء رد الفعل الشعبي على التعرض للممتلكات العامة والخاصة وما قيل عن انتهاك مقدسات دينية في قلب العاصمة.
وإذا كانت "قطبة" يوم الأحد مرّت على خير وإن بعد أن تركت أثراً أسود يصعب أن ينمحي، فإن المسؤولين عن خلق الجو الذي حصل الخلل في إطاره نقلوا المعركة إلى خارج العاصمة مرة أخرى عبر العمل على تحميل مناطق محددة ـ إضافة للقوى الخارجية ـ مسؤولية الأزمة و"اختراع" معلومات ـ ثبت بعدها عن الصحة ـ عن وجود معسكرات تدريب للقوى الأصولية التي قامت بأعمال التكسير في مناطق شمالية ودخول جموع بشكل غير شرعي من سوريا وبينها عناصر متطرفة أردنية وغير ذلك من التهم التي ضرب بها وزير الداخلية ـ بالوكالة ـ الجديد أحمد فتفت عرض الحائط فيما اعتبر تكذيباً مباشراً لكل ما أورده إنقلابيو 14 آذار في بيانهم العسكري الذي أذاعوه إثر لقاء عقد في منزل النائب وليد جنبلاط.
ما حصل يوم الأحد الماضي في الأشرفية وما تلاه من بيانات ومن اتهامات ومن مؤتمرات صحافية امتدت على مستوى لبنان، أظهر أن البعض أراد حرف النظر عن معالجة مشكلة حقيقية بات لبنان يقف أمامها، وهي مشكلة تفلّت العصبيات المذهبية والطائفية من كل عقال، فيما يبدو أن المعنيين الحقيقيين بمستقبل الشعب والدولة في لبنان، يعيدان الأمور إلى نصابها من خلال تفعيل الحوار الوطني وتخميد المنطق الطائفي في التعامل مع القضايا، تمهيداً لاستئصاله بشكل نهائي.
محمود ريا