الاثنين، يوليو 27، 2009

بلا مواربة: التاريخ سيلعن صمتكم


هل سمع أحد منا بالقدس؟

هل مرّ اسمها على خاطره، أو رسمها في تخيّله؟

هل تذكّر قبابها المميزة ومساجدها المقدسة وكنائسها ومدارسها وأزقتها؟


هل طرق قلبه صياحها ونداؤها واستغاثتها؟

أم اننا "على قلوب أقفالها"؟

المدينة المقدسة، رمز عزتنا ومهوى أفئدتنا، تدنّس، تهوّد، تمسخ شخصيتها، تهدم منازلها، تقوّض أركان مسجدها، وأمتنا سابرة في غيّها، مغرقة في صمتها، سابحة في استسلامها، لا تحرّك ساكناً ولا تحقّ حقّاً أو تزهق باطلاً.

هذه الأمة، المترامية الأطراف، المتعددة الدول والرؤوس والمقامات، المالكة لما لا يحصى من الثروات، إن لم تتحرك الآن فمتى تتحرك؟ "إن لم تغضب الآن، فمتى تغضب؟"

هذه الشعوب التي تهتم بأي شيء إلا بمصيرها وبمستقبلها، متى تلتفت إلى قدس أقداسها وهو يوجّه إليه الضربة الأخيرة.. القاصمة؟

يا ناس، أيتها الشعوب، أيها القابعون في دهاليز التاريخ وعلى رفوف الحاضر وفي غياهب المستقبل، استفيقوا، أرض الميعاد توجه كلمتها الأخيرة إليكم، بعدما يئست من سماعكم لنداءاتها، وأيقنت عجزكم عن السعي لاستنقاذها.

قدس أقداسكم تقول لكم:

أيها النائمون في زمن أقل ما يُطلب فيه هو الاستيقاظ، أيها التاركون مسرى نبيكم في أيدي اللئام، يقسّمون ويهدمون، ولمستوطناتهم على أرضها يبنون، أيها الفاشلون في اتخاذ زمام المبادرة والعمل على تحرير المسجد الأقصى وقبّة الصخرة وكل ما يحيط بهما...

قدس أقداسكم تقول لكم: التاريخ سيلعن صمتكم... الحاضر سيدين عجزكم، والمستقبل في صفوف المنقرضين الخانعين الخائفين سيدرجكم.


إن لم تتحركوا الآن.. فالقدس ستلعنكم.


محمود ريا
الانتقاد ـ العدد1356 ـ 24 تموز/يوليو 2009

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

بلا مواربة: كفرشوبا تؤكد عهدها


في مهمة صحافية قمت بها إلى كفرشوبا بعد تحريرها، كان لي لقاء مع رئيس بلديتها في أحد طرق البلدة، في جلسة ربيعية على كراسي صغيرة، أمام أحد الدكاكين التي يلتقي بقربها أبناء البلدة، الكبار والشباب، للحديث في شؤون بلدتهم والتذكير بضرورة العمل لتحرير ما تبقى من تلالها محتلاً من العدو الصهيوني الغاصب.
يومها كان الشعور بالاعتزاز بالمقاومة وجهادها وعملياتها أكبر من أن يوصف، وكان التصميم على الوقوف بجانب المقاومة في سعيها لتحرير الأرض أكثر ثباتاً من الصخور التي اقتحمتها البلدة لتقيم حصنها فيها.
في كل تصريح قرأته على لسان رئيس البلدية وأبناء بلدته خلال السنوات التي تلت، كان هذا التصميم يزداد وضوحاً، ولم تؤثر الخلافات التي ذرّت بقرنها في الساحة اللبنانية على هذا الموقف، ولم تحوّله إلى موقف بلون مناقض، أو حتى بلون مغاير عن اللون الناصع الذي تميّز به.
وحتى في حرب تموز 2006، التي نعيش ذكرياتها البطولية اليوم، وبرغم تعرض البلدة لهمجية العدو الصهيوني البربرية، لم يغيّر أهالي كفرشوبا موقفهم هذا، وبقوا يؤكدون أن المقاومة هي التي تحرر أرضهم وتعيد لهم المقدّس من تلالهم.
اليوم، مرة أخرى قرن أهالي كفرشوبا القول بالفعل، وانتفضوا على محاولات الصهاينة توسيع رقعه احتلالهم لأراضي البلدة، ولو كان هذا التوسع بمساحة شبر واحد، فاقتحم الأهالي الأبطال الساتر التي أقامه جيش الاحتلال على تلال البلدة ورفعوا عليه أعلام لبنان والمقاومة.
إنها الروح المقاوِِمة التي عاشت في البلدة منذ بداية وجود الكيان الغاصب على أرضنا العربية الإسلامية، وبجوار بلدة كفرشوبا، وهي روح عجزت كل صروف الدهر في الماضي عن إخراجها من تلك الأرض الطيبة، وستعجز كل الخلافات والمؤامرات عن اقتلاعها من أرواح المجاهدين أبناء الشهداء حاملي راية المقاومة على الدوام.
محمود ريا
الانتقاد/ العدد1355 ـ 18 تموز/ يوليو 2009

الخميس، يوليو 16، 2009

أزمة شينجيانغ بين الحقوق المحلية المشروعة والتدخلات الدولية المكشوفة


محمود ريا

أن يغادر الرئيس الصيني هو جينتاو إيطاليا على جناح السرعة، تاركاً قادة العالم مجتمعين في قمة الثماني الاقتصادية، ليعود إلى بلاده إثر الاضطرابات التي تشهدها منطقة شينجيانغ غرب الصين، فهذا يعني واحداً من أمرين: إما أن الرئيس الصيني غير مهتم بقمة الزعماء الاقتصاديين في ظل معلومات عن عجزها عن اجتراح حلول للأزمة الاقتصادية العالمية، أو ان الوضع في منطقة شينجيانغ خطير فعلاً إلى درجة جعلت قائد ثالث أكبر اقتصاد في العالم يتخلى عن كل شيء للعودة إلى «قواعده» من أجل معالجة ما يحصل هناك.
المواقف التي أعلنها أكثر من مسؤول صيني توحي بأن الصين مهتمة فعلاً بالقمة الاقتصادية العالمية، فهي ناضلت كثيراً للوصول إلى المشاركة في القمة، بالرغم من الوزن الاقتصادي الذي تشكله على المستوى العالمي، وبالتالي فالقيادة الصينية لا تفرط بسهولة بحضور هذه اللقاءات التأسيسية التي تحمل تأثيراً استراتيجياً على الاقتصاد العالمي، ولا سيما أن هذه القمة التي تحتضنها مدينة أكويلا تشهد مشاركة العديد من رؤساء الدول النامية بما يشكل منتدى اقتصادياً عالمياً لا يمكن تفويته.
يبقى الاحتمال الآخر، وهو أن الصين تعيش وضعاً خطراً حقاً، وهذا ما دفع الرئيس الصيني إلى ترك التفكير بالعالم وأزماته الآن، لينصرف إلى إيجاد حل للأزمة الحقيقية التي تعيشها بلاده، حيث تنتشر على امتداد مليون وستمئة ألف كيلومتر من ملايين الأرض الصينية التسعة فتنة تكاد تطيح الأخضر واليابس.
صحيح أن الصين ستتغلب على هذه الأزمة التي تفجرت بشكل يعتبره المراقبون مفاجئاً وسريعاً، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمة ستترك ندوباً عميقة على جبهتين:
ـ جبهة العلاقات العرقية بين القوميات الصينية المختلفة، ولا سيما بين قوميتي الهان والإيغور اللتين خاضتا في هذه الأحداث حتى سالت من الطرفين بحور الدم.
ـ وجبهة صورة الصين التي تبذل الحكومة الصينية جهوداً جبارة لجعلها صورة مشرقة ومعبرة عن قوة تسعى بشكل حثيث كي تحمل لقب قوة عظمى في السنوات المقبلة، لتأتي أحداث جسيمة من هنا وهناك، فتعيد تلويث هذه الصورة وتفرض على المؤسسة الصينية العمل لجلائها من جديد.
وإزاء هذا الواقع تبدو عودة الرئيس الصيني إلى بيجينغ تصرفاً بعيداً عن العشوائية، وخطوة مطلوبة بقوة من أجل توحيد كل الجهود داخل الإدارة الصينية للخروج من هذا المأزق الذي ضُبط الصينيون فيه دون سابق إنذار.
مما لا شك فيه أن الأحداث الدائرة في إقليم شينجيانغ هي نتيجة سنوات طويلة من الاحتقان الذي تعيشه تلك المنطقة نتيجة حالة الانقسام العرقي الشديد الذي يذر بقرنه بين قوميتي الهان والإيغور، هذه الحالة التي عززتها إجراءات قامت بها السلطة الصينية من أجل فرض قومية على أخرى بشكل فجّ في أحيان كثيرة، وهذا ما أدى إلى شعور القومية الأخرى بأنها مستهدفة بتاريخها وبإيمانها وبثرواتها وبمستقبلها.
وقد تراكمت هذه الأحاسيس على مدى عقود، لتعيد إحياء أحلام قديمة وإيقاظ أحقاد أكثر قدماً، في ظل غياب معالجة ناجعة من قبل المسؤولين الصينيين الذين يُشهد لمتأخريهم بالعمل على تخفيف الإجراءات التعسفية بحق المواطنين الإيغوريين.
إلا أن ما لا يمكن إنكاره بالمقابل هو حجم الرعاية الخارجية لعملية إيقاظ المشاعر الدفينة لدى الأقليات في الصين، تماماً كما يحصل في كل منطقة يكون فيها للأصابع الغريبة وجودها النابع من مشاريع بعيدة كل البعد عن مصالح السكان الأصليين.
وقد كان وجود «قيادة الانتفاضة» الإيغورية في الولايات المتحدة الأميركية بالتحديد مثيراً للكثير من الأسئلة لدى المتابعين لشؤون الصين، وعلى رأسها السؤال الأكبر: إلى أي مدى يتمتع المقيمون في العاصمة الأميركية باستقلالية الحركة التي تسمح لهم باتخاذ قرارات كبيرة بحجم تفجير الوضع في منطقة شاسعة مثل إقليم شينجيانغ دون تدخل من الموسوسين الدوليين والغربيين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح المجال للإجابة عن أسئلة أخرى من قبيل: هل كان التحرك الشعبي الإيغوري عفوياً، وهل كان مجرد ردة فعل على قتل مواطنين إيغوريين في أحد المصانع من قبل مواطنين آخرين من قومية الهان؟
هل هذا التحرك معزول تماماً عن مشاريع إلهاء الدول التي تشكل خطراً على الولايات المتحدة، أو التي ستشكل خطراً في المستقبل، في مشاكل داخلية حادة يمكن من خلالها لواشنطن إعادة موازنة دورها ووجودها في العالم في ظل النكسات الشديدة التي تعرض لها هذا الدور خلال السنوات الماضية؟
وهل الصين هي الضحية الجديدة لما يراه بعض المتابعين للشؤون الدولية سياسة أميركية جديدة في التعاطي مع قضايا العالم، بعد فشل السياسة الحمقاء التي كانت الإدارة الأميركية السابقة تعتمدها؟
وأي دور لعبه الإعلام الجديد في تفجير الانتفاضة الإيغورية بعد أن قام بدوره كاملاً في مناطق أخرى من العالم خلال الأشهر الماضية، قبل أن تجد «الدول المعنية» وسائل ناجعة للعمل على إسكاته وإفشال المخططات الموضوعة له؟
هذه الأسئلة وغيرها لا تنفي أبداً المسؤولية الصينية عما يحصل داخل الصين، ولا عما يجب أن تقوم به حكومة بكين لإيجاد صيغة سحرية تجمع بين الحفاظ على وحدة البلاد والسعي لإعطاء الأقليات المزيد من الحقوق الأساسية التي لا يمكن العيش بدونها، ولكنها تفتح المجال أيضاً للبحث في الكيفية التي يقود بها بعض المتنفذين الدوليين لعبة بناء مستقبل جديد للعالم في ظل التنوع على مستوى الثقافات، وعلى مستوى مراكز السيطرة والتحكم في الوقت نفسه.
هذا المقال نشر في صحيفة السفير اللبنانية، صفحة قضايا وآراء يوم الجمعة 10/7/2009 تحت عنوان: مـن أضـرم النـار فـي الصيـن؟ وذلك على الرابط التالي:
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1283&articleId=1106&ChannelId=29637&Author

بلا مواربة: عام لإزالة الأنقاض


في اللحظة التي انتهى بها عدوان تموز عام 2006 على لبنان، تحركت آلة جبارة تعمل على رفع الأنقاض التي خلّفتها الهمجية الصهيونية في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع والشمال، وكل لبنان، وذلك من أجل إزالة وشم العدوان عن جسد المقاومة وأهلها، ومن أجل التأكيد على إرادة الحياة التي ما خَبَت في عيون أبناء الأحياء والقرى حتى تشع من جديد.


كانت عملية إزالة الأنقاض تحمل صورتين متقابلتين:


الأولى: هي صورة الكشف عن حجم الحقد الصهيوني الذي عبّر عن نفسه تدميراً للحجر وقتلاً للبشر. وإذا كانت المعلومات عن القصف تتواتر في كل لحظة خلال العدوان، فإن حجم الدمار الذي تركته القذائف والصواريخ الصهيونية بدا بشكل واضح مع كل يوم كانت تتقدم فيه عملية إزالة هذه الآثار، فـ"الصورة من فوق غير الصورة من تحت"، ومشاهدة صاروخ يسقط على مبنى عبر شاشة التلفزيون أو عند الوقوف على تل بعيد لا تشبه بحال من الأحوال "التجول" في الشوارع التي لم يعد من الممكن سلوكها بسبب كتل الأسمنت وقطع الحديد التي ملأت كل مكان، إلا أمكنة المباني التي كان يفترض أن تكون هذه القطع فيها.


والثانية: هي صورة الناس الذين كانوا يتحدّون كل هذا القهر للبحث عن شيء قد تبقى من أثاث منازلهم المهدمة، لا طمعاً بالقيمة المادية لهذه المقتنيات، ولكن تأكيداً على الارتباط بما كان موجوداً، والعهد بالعمل على الحفاظ عليه، بما يؤكد فشل الصهاينة في دفع الناس لترك كل شيء والاستسلام للعدوان ونتائجه وأهدافه.


بالأمس قيل إن رفع الأنقاض في غزة يتطلب عاماً كاملاً. ما حصل هناك عام 2009 هو نسخة مكررة عما حصل في لبنان عام 2006، وتلقي الأهالي لما حصل مشابه في المنطقتين، ومهما طالت عملية رفع أنقاض العدوان الصهيوني، فإن النتيجة هي واحدة: العدوان فاشل وأهدافه ساقطة، ومنفذوه يعرفون مكانهم على صفحات التاريخ.


محمود ريا