أخبار المنار

الثلاثاء، مايو 29، 2012

المخطوفون.. وفشل الإنكار


 إزاء هذا الاعتراف، لم يعد ينفع أي إنكار، ولا حتى ينفع النفي الملحق والتبرؤ اللاحق من الضابط المعترف بالمسؤولية عن العملية.
محمود ريا
24-5-2012
كل حدث يترك آثاراً جانبية، فضلاً عن الأثر الرئيسي الذي يكون له.. وفي بعض الأحيان تكون الآثار الجانبية غير منظورة، أو غير متوقعة، أو غير محسوبة النتائج.

إذا تجاوزنا الأثر الرئيسي لعملية اختطاف الزوّار اللبنانيين في منطقة حلب، بانتظار "الفرج" المتوقع في أي لحظة، فإن بعض الآثار

يستوقف المتابع لما يحصل في هذا الموضوع، ويعطي إشارة واضحة لمسار معيّن في تفكير تيارات سياسية موجودة على الساحة اللبنانية.
من هذه الآثار مثلاً محاولة الإنكار، ومحاولة رمي التهمة على طرف آخر.
لم تكن هذه محاولة فردية أو تصرفاً عفوياً، وإنما كان واضحاً أنها ناتجة عن قرار.
منذ الدقائق الأولى لعملية الخطف، خرجت "آلة الإعلام المعهودة" بفرضية عملت على رفعها إلى مستوى المسلّمة التي لا تقبل الجدل:
ليس "الجيش السوري الحر" هو الذي خطف الزوّار.
في محطات التلفزة وفي الإذاعات وعلى مواقع الإنترنت كانت كلمة السر انتشرت: ليس "الجيش السوري الحر" من فعل ذلك.
بعد ذلك بفترة جاءت كلمة السر الأخرى: النظام هو من قام بهذه العملية من أجل تحقيق أهداف كبيرة وكثيرة.
بعد ذلك بدأت الاتصالات على "الشاشات المعروفة" تتوالى من قياديي الجيش المذكور، وكلّها تحمل تنصلاً من هذه العملية، ورمياً لها في ملعب النظام السوري.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى حد تجرؤ سياسيين، نوّاباً وغير نوّاب، على الجهر بهذا القول، وعلى تحميل النظام مسؤولية ما حدث، "بهدف بث الفتنة واستكمال مشروع التوتير"، وما إلى ذلك من اتهامات.
لم يترك هؤلاء مجالاً لأي احتمال آخر، لا بل بدأوا بالتشكيك في مواقف الناس المكلومين بفقد أحبّتهم وأبنائهم، وأخذوا يتهمونهم بالانسياق
في إطار "المشروع".
لم يكن ينقص هؤلاء سوى أن يتهموا المختطَفين بالتواطؤ مع الخاطفين، لا بل بالذهاب معهم بكامل إرادتهم، فيما أن عشرات النسوة اللواتي رُوّعنَ وشُرّدنَ عن مسارهنّ كدنَ أن يتحوّلنَ إلى "ممثلات ماهرات" لحالة التفجّع والأسى التي شاهدها العالم كله على وجوههنّ وهنّ عائدات من حلب إلى بيروت على متن طائرة قامت برحلة استثنائية لنقلهنّ.
اليوم (الخميس)، وبعد طول تهرّب، يخرج "ضابط من الجيش الحر" ليعلن بالفم الملآن ودون أي مواربة مسؤولية جماعته عن اختطاف
الشباب الأحد عشر.
وإزاء هذا الاعتراف، لم يعد ينفع أي إنكار، ولا حتى ينفع النفي الملحق والتبرؤ اللاحق من الضابط المعترف بالمسؤولية عن العملية.
فإذا كان الجيش الحر لا يعترف بالجيش الحر، وإذا كانت حالة الخلاف والشقاق بين "كتائب" هذا "الجيش" وصلت إلى حد عدم اعتراف إحداها بالأخرى، فهذا لا يُعفي "الجيش الحر" بكل تناقضاته من المسؤولية عمّا حصل.
وبغض النظر عن معنى ذلك فيما يتعلق بمصير المختطفين، فإن ما يجب التركيز عليه هو موقف أولئك اللبنانيين الذين سخّروا كل إمكانياتهم لتبرئة "الجيش الحر" مما اعترف بارتكابه "الجيش الحر".
لقد انتهت حملة إعلامية أخرى إلى الفشل، وظهرت الحقيقة مرة أخرى واضحة نقيّة، وتعرّض هؤلاء إلى خيبة قد تعلّمهم كيف يصوغون حملاتهم مرة أخرى، وقد لا تنفع.. وهذا هو الأرجح.

الاثنين، مايو 14، 2012

تفجيرات دمشق: نجاح.. وفشل


 لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا

محمود ريا 
10/5/2012  

تفجيرات دمشق اليوم ـ بغض النظر عن المناظر المرعبة التي تركتها ـ هي دليل نجاح، ودليل فشل.

في البداية لا بد من التأكيد على فظاعة الجريمة ووحشيتها، فهي خبطت خبط عشواء، وأدّت إلى استشهاد وجرح العشرات من المدنيين، وتركت دماراً لا يمكن تصوّره، وما نقلته شاشات التلفزة لا يعبّر إلا عن قليل من الواقع، فالواقع في هذا النوع من التفجيرات يكون أقسى وأكثر إيلاماً، لا بل يصبح فوق المتخيّل.

السوريون لم يعتادوا على مثل هذه المشاهد، ولكن هناك من العرب من صارت هذه الصور طيفاً في خيالهم، يُستدعى فترة بعد فترة، ليذكّرهم بحبيب قضى، وأخ أُعيق، وجرح لا يزال جاثماً على وجه صديق.

وإذا كانت هذه التداعيات إلى الذهن لا تقف عند حدود الذكرى لتتجاوز إلى التخوّف من عودة هذا النوع من الإجرام ليتغلغل هنا وهناك، نتيجة تعاظم إجرام الجهات التي تقف وراءه، فإن الإنصاف يقتضي التوقف عند النجاح، وعند الفشل، اللذين يثيرهما تفجيرا دمشق اليوم.

البداية من عند النجاح، لنقدّم صورة أقلّ قتامةً تنبثق من صور الدم والدمار التي تتوارد على شاشات التلفزة.

لقد نجحت السلطة السورية في امتحان المصداقية الذي خاضته منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأحداث في سوريا.

على مدى الأشهر الماضية، كانت القيادة السورية أمام تحدي إثبات مقولتها عن وجود إرهابيين تكفيريين تفجيريين يقودون الأحداث التي تجري في مختلف المناطق، ويوجّهون الأمور باتجاه العنف الدموي الذي يهدف إلى تخريب سوريا وليس لطلب الإصلاح فيها.

ومع كل تفجير كانت تتعرض له العاصمة السورية، أو المدن الأخرى، ولا سيما حلب وإدلب، كانت الصورة تتظهّر أكثر فأكثر. أما اليوم، وبعد التفجير الذي استهدف رئيس بعثة الأمم المتحدة في درعا، والتفجيريين الدمويين في القزّاز، فإن الإثبات بات بين أيدي من يعقل، أو يُلقي السمع وهو شهيد.

لم يعد هناك من شك في أن الإرهابيين هم الذين يسوقون الأحداث في سوريا، وهم الذين يرسمون وجهتها، وأن كل الحديث عن معارضة، وعن مطالب، وعن إصلاح، هو مجرّد “ديكور” فيما الأصل هو غير ذلك تماماً.

إذاً، المعركة في سوريا باتت واضحة تماماً، هي معركة بين الشعب السوري وقيادته من جهة، وبين مجموعات تسلّطت على حراك شعبي بريء، بدأ في البداية باحثاً عن إصلاح منشود ومطلوب من الجميع، ليصل الآن إلى حرب كونية عظمى، تُشنّ على سوريا كلها، بأيدي إرهابيين قَتَلة، لا يوقفهم وازع من ضمير.

هذا هو النجاح، أما الفشل، فهو مكمل له.

الفشل هو لمشروع القوى التي تقف وراء هؤلاء الإرهابيين.

لقد حاولت هذه القوى الغربية والعربية استغلال الحركة الشعبية المطلبية السورية من أجل تمرير مشاريعها الهادفة إلى القضاء على صمود سوريا في وجه المشاريع الغربية، فسارت وراء شعارات السلمية حتى أثبتت فشلها في تأمين غالبية شعبية تطالب بإقصاء القيادة السورية، عندها حاولت هذه القوى الانتقال إلى مشاريع العسكرة والمناطق الآمنة والاستيلاء على أراضٍ لتحويلها إلى بنغازي جديدة، ولمّا فشلت هذه المشاريع أمام صمود القيادة والجيش والشعب في سوريا، كان لا بد من تفجير كل شيء، تفجير يحمل معاني الانتقام واليأس من تحقيق الأهداف.




 سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

وهنا يبدو الفشل الغربي العربي الإرهابي جليّاً.

تفجيرات اليوم، وما سبقها من تفجيرات إرهابية، هي إعلان لهذا الفشل في الفتّ من عضد الشعب السوري وقيادته، وإظهار لحجم الانهيار الذي أصاب مشروع التغيير بالبلطجة والتشبيح.

سوريا اليوم مجروحة، مدمّاة، ولكنها سوريا المنتصرة على المؤامرة، ويوماً بعد يوم تتأكد مقولة أن “سوريا تعاني.. عند نهاية النفق”.

متى ستقع الحرب؟



اليوم يقف الكيان الصهيوني في موقع العاجز. ولأنه كذلك، فإن المشاكل بدأت تذرّ بقرنها بين مسؤوليه، الذين يتهمون بعضهم بعضاً بأبشع الاتهامات التي لا تخلو من تعبير النباح والخيانة، وغير ذلك من الصفات المتبادلة.


محمود ريا
2/5/21012

 

يقولون في بلادنا: "القلّة تولّد النقار".

وفي الشرح أن الإنسان عندما يكون عاجزاً عن تلبية الحاجات المطلوبة منه فإنه سيكون أسرع غضباً، وهذا ما يولّد المشاكل بينه وبين محيطه المباشر أولاً، قبل أن تنتقل المشاكل إلى علاقته مع الآخرين.

اليوم يقف الكيان الصهيوني في موقع العاجز. ولأنه كذلك، فإن المشاكل بدأت تذرّ بقرنها بين مسؤوليه، الذين يتهمون بعضهم بعضاً بأبشع الاتهامات التي لا تخلو من تعبير النباح والخيانة، وغير ذلك من الصفات المتبادلة.

أما الأمور التي يعجز عنها العدو، والتي انعكست على علاقات مسؤوليه فيما بينهم فهي كثيرة، وإن كان التصوّر الأول الظاهر يتمثل في العجز عن التعامل مع “الملف النووي الإيراني”.

وهذا الملف بات جزءاً من يوميات الصهاينة، كبارهم وصغارهم، وتحوّل إلى وحش خيالي، صنعوه بأنفسهم وضخّموه بإرادتهم، فإذا به يبدأ بالتهامهم واحداً تلو الآخر، يحطّم أعصابهم، ويثير الخلافات بينهم، وربما يودي بهم إلى حيث لا يتوقعون.

وبين مؤيد لضرب إبران للقضاء على برنامجها النووي مرةً واحدة وللأبد، ورافض لهذه الضربة التي لن تقضي على البرنامج، لا بل ستتّسع خطواته، بات الصهيوني “العادي” واقعاً في “حَيص بَيص”، لا يعرف من يصدّق ولا يدري أيّ المصائب سيجرها عليه الذين يتحكّمون بمصيره.

ومع العجز المطبق عن استقراء المستقبل فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، هناك العجز في التعاطي مع ملف المقاومة في لبنان وفلسطين، حيث تتوسع الترسانة الصاروخية هنا وهناك، ويشتدّ عضد المقاومين، ولا يدري قادة العدو أي سبيل يسلكونه في مواجهة هذا الخطر الوجودي.

وفوق ذلك، يُطبق الإحباط بشكل كامل على قادة العدو، وعلى الصهاينة بمجملهم، نتيجة عجز الحملة الدولية الإقليمية العربية عن إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، هذا النظام الذي يرى قادة العدو (غابي أشكنازي) أن أي نظام آخر غيره هو “أفضل لإسرائيل”

إن هذا العجز المطبق، والشلل المطلق، يفسّر السُّعار الذي ترتفع حدّته يوماً بعد يوم في كيان العدو، والذي باتت وسائل الإعلام في كل أنحاء العالم تتحدث عنه، وينفي عمّا يحصل صفة “التدبير”، و”الخطة المدروسة”، ليضعه في موقعه الحقيقي: تخبّط، وفشل في التعاطي مع الأحداث، وعجز.. و”قلّة” تودي إلى “النقار”.






في ظل هذا الواقع يقفز إلى الواجهة “السؤال الوجودي” الذي تعيش المنطقة تحت وطأة الإجابة عليه خلال المرحلة القادمة: هل ستقع الحرب، وربما يسأل آخرون: متى ستقع الحرب؟





 في ظل هذا الواقع يقفز إلى الواجهة “السؤال الوجودي” الذي تعيش المنطقة تحت وطأة الإجابة عليه خلال المرحلة القادمة: هل ستقع الحرب، وربما يسأل آخرون: متى ستقع الحرب؟

هذا السؤال لم تتراجع أهميته مع تصاعد العجز الصهيوني، لا بل يُفترض أن يصبح أكثر إلحاحاً، والجواب عليه تجاوز البحث عن مدى جنون نتانياهو وفريقه، الذي يدفعهم إلى إطلاق الطلقة الأولى، ليصل إلى الاستفسار عن مدى قدرة بعض مَن في الإدارة الصهيونية على حبس نتانياهو في قفص قوي، بعيداً عن زر الإطلاق، أم أن صراخهم الذي يطلقونه كل يوم هو مجرد صراخ استغاثة، لمن يقف على شفا حفرة، ويجد نفسه مُساقاً إلى هوّة سحيقة، ليس لها من قرار؟

الاثنين، أبريل 23، 2012

الصين لم تعد تفكر كما في السابق؟





من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً




محمود ريا
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان متأكد من أن "الصين لم تعد تفكر كما في السابق" (بالنسبة لسوريا)
هذه الثقة التي أبرزها أردوغان في تصريحاته الأخيرة نابعة ـ حسب قوله ـ من كلام نقله وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو عن وزير الخارجية الصيني يانغ جي تشي.

هذا "التحول" في التفكير الصيني أمر مهم جداً كما يراه أردوغان، إضافة إلى الموقف الروسي ـ المتغيّر أيضاً ـ بما يشير إلى أن النظام في سوريا بدأ يفقد مرتكزاته الدولية.

ولكن هل ينطبق "تحليل" أردوغان على الواقع.

في البداية لا بد من القول إن مجرد انتظار رئيس الوزراء التركي لتغيير ـ ولو كان موهوماً ـ في الموقف الصيني أمر مهم جداً. وهنا الأهمية واقعية، وليست مثل "أهمية" أردوغان التحليلية، إن لم تكن "التخيّلية".

فأن ينتظر المسؤول التركي ما يحصل في العواصم الأخرى من تغيير، أمر يدلّ عن العجز في تحقيق التغيير بالقوى الذاتية، أي بقوة تركيا والدول المتحالفة معها.

الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.
وإذا أوغلنا في هذا الاتجاه من التحليل، يمكن القول إن الأوراق قد نفدت من جعبة "الفريق التركي"، وبالتالي، فإن هذا الفريق ينتظر أن تمنّ عليه التغييرات في عواصم أخرى بأوراق جديدة يمكنه اللعب فيها.

وبقدر ما في هذا الواقع من إقرار بالعجز، فإنه يوحي بتضخم التمني في حصول هذه التغييرات، حتى ولو كانت هذه التمنيات هي بحجم الاصطدام بوقائع مثبتة على الأرض لا يمكن القفز فوقها.

ففي الظاهر ـ على الأقل ـ لا يبدو أن هناك أي تغيير في المسار العام للموقف الصيني من الأحداث في سوريا، حسب ما يبدو من تصريحات القادة الصينيين، وهو موقف يقوم على ثلاث قواعد: ضرورة اعتماد الحل التفاوضي بين المكوّنات السورية كافة، رفض التدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال، رفض التغيير بالقوة وعبر استخدام السلاح من قبل المعارضة.

أكثر من ذلك، فأردوغان نفسه سمع هذا الموقف الثابت من الرجل الثاني في القيادة الصينية، رئيس مجلس الدولة ون جيا باو، خلال لقائه به في التاسع من الشهر الحالي في بكين، فلماذا تعمد العاصمة الصينية إلى تسريب خبر "التغيير في التفكير" عبر وزير الخارجية الصيني إلى نظيره التركي لينقل الخبر بعد ذلك إلى أردوغان، فيما كان من الممكن أن يزف وين جياباو "الخبر السعيد" إلى ضيفه مباشرةً دون واسطة؟

وهل حصل أي طارئ خلال الأيام العشرة الماضية دفع الصين إلى اتخاذ قرار "تغيير التفكير" بهذا الشكل المفاجئ؟

من يتابع الموقف الصيني من الأحداث في سوريا يدرك تماماً أن الصين تصبح يوماً بعد يوم أكثر ثباتاً على موقفها التي اتخذته منذ بداية الأزمة، وهو دعم الحوار والتغيير الهادئ والبطيء في سوريا، ورفض العنف والتدخل الأجنبي، سواءً كان عسكرياً أو سياسياً، وهذا ما يمكن لمسه عملياً في مواقف الصين في مجلس الأمن، حيث تقف إلى جانب روسيا في معركتها الدبلوماسية الشرسة مع "الفريق التركي"، ما أدى إلى أن تسير الأمور تماماً كما يريد "تحالف موسكو ـ بكين"، وبما يحقق المصلحة السورية الحقيقية، في تفادي العنف والسير بالعملية الإصلاحية قدماً إلى الأمام وتحت قيادة الرئيس السوري بشار الأسد.

أما أردوغان، الذي دعا له البعض في يوم من الأيام (وأنا منهم) كي ينصره الله على أعدائنا الصهاينة (إثر معاركه الكلامية معهم)، فيبدو أنه الآن بحاجة لدعاء أكثر حرارة وأشد عمقاً، كي يخرجه الله من حالة التخبّط التي يعيشها، والتي تجعله ينتظر ولو إشارة، تأتي من بعيد، علّها تحمل له خشبة إنقاذ من الورطة السياسية والاستراتيجية التي وضع نفسه فيها.

الجمعة، أبريل 06، 2012

ليبيا تموت.. بأيدي ثوّارها


 ثروات ليبيا كانت تُنهب، وما زالت تُنهب. أبناء ليبيا كانوا يُقتلون، وما زالوا يُقتلون. كانت جهة واحدة تقمع كل الآخرين، الآن الكل يقمع الكل، في أبشع صورة لاستغلال النفوذ وصرف القوة في ممارسات لا يقرّها عقل ولا شرع.

محمود ريا
لا ترحّم على معمّر القذّافي فهو ارتكب من الفعائل ما يجعل الحديث عنه مشوباً بالمرارة.
ولكن من جاء بعده لا يترك فرصة إلا للقول: أي الداهيتين أدهى، وأي البلاءين أكثر إيذاء لأبناء ليبيا؟
وهل ما يزال ممكناً الحديث عن ليبيا، ككيان واحد، ودولة موحدة؟
لقد فكك هؤلاء التجار ـ تجار السياسة والدين والدم ـ مفاصل البلاد، وجعلوا منها نتفاً ومزقاً، فتصبح النظرة إلى خريطة البلاد محاولةً لاختزان صورة قد تختفي في الأيام المقبلة، لتحلّ محلها خريطة أخرى، لدول الطوائف، المتناحرة فيما بينها، المتقاتلة على المغانم، المتنافسة على ثروات البلاد، فيما العالم من الخارج يتفرّج على سقوط القتلى ودمار المؤسسات وتحطّم الحلم بقيامة كانت أملاً للعرب والمسلمين.
لقد أحبط المتحكّمون بليبيا اليوم كل الأحلام الوردية، عند البعض، عن استعادة ليبيا إلى الأمة، كدولة راشدة، واعية، ليست عظمى ولكنها عظيمة بأهلها، ليست جماهيرية ولكنها ملك لجماهيرها المنتشرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن شرق الشرق إلى غرب الغرب.
أحبطوا الحلم بأن تنضم ليبيا إلى جوّ عربي إسلامي، سينشأ بعد الثورات، تكون قضية فلسطين الرمز الأول له، ويكون العمل لتحريرها هو جهد الجاهدين، وطموح العاملين.
لا الجو المرجو تشكّل، ولا "ثوّار" ليبيا انضموا له، لتبقى فلسطين كما هي، يتيمة بين لئام العرب.
بين برقة وفزّان، ومصراته والزنتان، والجبل الأخضر وبنغازي وطرابلس المنكوبة وسبها المدمّرة، يدمى القلب وتدمع العين، لتتحوّل مأساة ليبيا السابقة إلى ملهاة حاضرة، ولا أحد يدري شيئاً عن كوابيس المستقبل.
ثروات ليبيا كانت تُنهب، وما زالت تُنهب. أبناء ليبيا كانوا يُقتلون، وما زالوا يُقتلون. كانت جهة واحدة تقمع كل الآخرين، الآن الكل يقمع الكل، في أبشع صورة لاستغلال النفوذ وصرف القوة في ممارسات لا يقرّها عقل ولا شرع.
والأنكى من كل ذلك، أن زعيم ليبيا السابق عاند الغرب فترة، ثم عاد ليسير في صفّه مؤخراً، وقدّم كل ما يمكن تقديمه للأميركيين، من اموال وأسرار نووية وخدمات استخبارية، ولكنّه حاول أن يحافظ على غطاء من العنجهية المعادية للغرب. اليوم، يسير قاتلو معمّر القذافي في النهج نفسه، بل هم يضعون كل ليبيا ومقدّراتها ومستقبلها ومصيرها بيد الغرب، الغرب الأميركي، والغرب الناتوي، والغرب العربي المتمثل بأتباع الغرب من قطريين وسعوديين وغيرهم من المستغربين.
ليبيا تموت، على أيدي من كان مفترضاً أن يعملوا على إحيائها وتخليصها مما تعانيه.
ليبيا تنهار على أيدي أبنائها من الثوّار.
هل نكفر بالثورة والثوّار؟

القمّة التي نريد



 قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.
محمود ريا
28-03-2012

جميل أن يجتمع العرب. جميل أن تحتضن القادة والزعماء عاصمة عربية كل عام، ومفرح للقلب أن يكون هذا الاجتماع دوّاراً بين الدول.
كنا صغاراً، وكانت متعتنا أن نتابع شاشات التلفزة وهي تنقل مباشرةً، نعم مباشرةً، وصول طائرات الزعماء، واحدة بعد أخرى، إلى مطار الدولة التي حظيت بشرف عقد القمة على أرضها.
ملك، وراءه أمير، ثم رئيس يتلوه رئيس، وطائرة بعد طائرة، ونحن متسمّرون أمام الشاشة، نرى الصور المباشرة، ونستمع إلى المذيع ـ ذي الصوت الجهوري ـ يشرح لنا: وصلت طائرة جلالته، استقرّت طائرة سموّه على أرض المطار، نزل سيادته من على سلّم الطائرة، وكان في استقبال فخامته فخامة نظيره...
وبين البرهة والأخرى، وحين لا يكون هناك طائرات في الجو، أو في أرض المطار، كنا نتمتّع بالاستماع إلى معلومات المذيع إياه ـ ذي الصوت الجهوري ـ يتحدث عن الجامعة العربية، وتاريخ تأسيس الجامعة العربية، وأهمية الجامعة العربية، وإنجازات الجامعة العربية.
كنّا صغاراً، ولكن هذا الأمر لم يعفنا من اكتشاف خطأ هنا لزعيم، وأخطاء هناك لمن هو أكبر منه سنّاً، أو أوهن منه عظماً، فكنّا نضحك ببراءة، نحن التلاميذ الصغار، على من يُفترض أن يكون قدوة، وهو ينصب الفاعل ويرفع المفعول به، في كلمة مكتوبة بين يديه، لا بدّ أن تكون الكلمات فيها مضمّخة بالحركات النحوية.
وفي كل قمة كانت تتكرر المسألة، وكنا نستمع للخطابات، وأكثرها كان مكرّراً ممجوجاً لا حياة فيه، ولكننا كنّا نستمع، لأن هؤلاء هم زعماء العرب، وهذه هي قمتهم.
إلى أن جاء يوم واختلفت الصورة.
رأينا زعيماً عربياً يتحدث، ليس عن ورقة، ويحكي، ليس بلغة خشبية متيبّسة، وينطلق في الشرح والتحليل وتفسير الأمور وحثّ الهمم وطرح الحلول.
خفنا عليه، كما خاف منه كثيرون.
في كل قمة كانت الصورة تصبح أكثر جلاءً: هذا صنف آخر من الزعماء، ليس محنّطاً، ولا يقرأ ما يكتبه المستشارون، ولا يعاني في تهجئة الكلمات، حتى إنه يُخرج الأحرف من مخارجها، ويعطي العبارة النَفَس المناسب لها، مقترناً مع الفعل الذي يحتويها.
وفي كل قمة، وكانت القمم قد أصبحت عادة سنويّة، كانت الصورة تتكرر، ولكن دون إحساس بالملل هذه المرّة.
وخفنا.
هؤلاء لن يقبلوا بأن يأتي من سيكون طرفاً في مقارنة لن تكون لمصلحتهم أبداً.
تآمروا عليه مرّة بعد مرّة، ولم يتركوا وسيلة إلا واتّبعوها من أجل إقصائه، أو تطويعه، أو حتى إنهاء وجوده.
ولم ينجحوا، وكان يبقى حاضراً.
قبل 2003 وبعد 2003، قبل 2005 وبعد 2005، قبل 2006 وبعد 2006، قبل 2008 وبعد 2008، وكانوا يتآمرون.. وكان يبقى.
في 2012 يبدو أنهم نجحوا.
اجتمعوا دون حضوره، ظنّاً منهم أنهم استطاعوا تحييده من دربهم.
في 2012، ليست ناجحة محاولتهم.

لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، (وربما هرمنا؟)، ولم نعد نفرح بهبوط الطائرات وإقلاع الطائرات، وبصوت المذيع الجهوري يشرح ويوضح مستقبلاً ومودّعاً.
لقد كبرنا، وفهمنا ماذا فعل هؤلاء فينا.
لن ننتظر كلماتهم التي كتبها مستشاروهم، ولن نجلس نتندّر على أخطائهم، وعلى تفاهاتهم.
فليعقدوا قمّتهم، لأنها لا تعنينا. ونحن ننتظر في شوارع مدينة جريحة الكلمات التي يتلهّف سمعُنا لأن تطرقه حاملةً له الموقف الحقيقي، الموقف القوي الذي لا يتزحزح.
هذه ليست قمّتنا، ليست القمّة التي نريد.
قمّتنا يكون فيها زعماء عرب، يتخذون مواقف لمصلحة أوطانهم وشعوبهم، ولمصلحة الأمة، مواقف تنبع منهم، ومن إيمانهم ومن مبادئهم، وليست مواقف تُملى عليهم، وتسيّرهم عبر "الريموت كونترول".
قمّتهم انتهت قبل أن تبدأ، وقمّتنا مستمرة، ما بقيت فلسطين، وبقي أمل بمستقبل مشرق، وبقي رجال يقفون في وجه الإملاءات الغربية، مهما بلغت التضحيات.

الخميس، أبريل 05، 2012

أوراق أجنبية في يد سوريا


المراقب الموضوعي يبقى بانتظار تأكيد رسمي لهذه الأخبار كي يبني عليها قراءات لتداعياتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء

محمود ريا
26-02-2012
تتكاثر الأخبار التي تتحدث عن إلقاء القبض على عشرات الأجانب في مدينة حمص، ولا سيما في حي باب عمرو، حيث استطاعت السلطات السورية تحقيق الكثير من الإنجازات الميدانية في مواجهتها مع المسلحين الذي كانوا يتمترسون في الحي.

وبالرغم من أن الأخبار في هذا المجال بلغت حد التواتر، فإن المراقب الموضوعي يبقى بانتظار تأكيد رسمي لهذه الأخبار كي يبني عليها قراءات لتداعياتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء.

السلطات السورية تتمهل في الإفراج عن المعلومات الرسمية المتعلقة بأصل اعتقال هؤلاء، فضلاً عن الكشف عن جنسياتهم والدول التي قدموا منها. وفي هذا التمهّل الكثير من الحكمة، وكذلك الكثير من الدلالات التي تشير إلى رباطة جأش وإمساك بالتفاصيل وقدرة على التحكم بمسار الأمور، لأن التروّي في نشر أسماء المعتقلين وانتماءاتهم يعني أن السلطات ليست بحاجة إلى هذه الأوراق في مواجهتها لما تعيشه سوريا من تطورات، وبالتالي هي ليست بحاجة لحرق هذه الأوراق واستهلاكها في سبق إعلامي لا يلبث أن يخبو بعد ساعات أو أيام.

وبغض النظر عن مدى دقة المعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية عن المعتقلين، وعن الأجهزة التي ينتمون إليها، وحتى عن الجيوش الذين ينتظمون في تشكيلاتها، فإن ما لا شك فيه أن هناك صيداً ثميناً، هو أكثر من طريدة، ومن أكثر من لون، بات في قبضة السلطات، حسب ما توحي به تسريبات واردة من مقربين من القيادة السورية، كما أن معالجة أمر هؤلاء المعتقلين يتم بهدوء ودون جلبة ومع الجهات المعنية.

وحتى ولو لم يصرّح المسؤولون في دمشق عما بات بحوزة الأجهزة الأمنية من طرائد، فإن ما يقوم به أعداء النظام في سوريا كافٍ لتكوين صورة أولية عمّا يحدث على الأراضي السورية من تدخلات أجنبية، من عرب وعجم، بهدف دعم الحركة المناهضة لهذا النظام والانخراط في نشاطاتها المتنوّعة، عسكرياً وأمنياً وإعلامياً وتعبوياً.

فمن نعي المقاتلين الليبيين الثلاثة الذين قُتلوا في حمص، إلى زف قبيلة كويتية لاثنين من أفرادها قتلا في ريف دمشق، إلى مقتل الصحافيين الأجانب الذين دخلوا إلى حمص بطريقة غير شرعية، إلى ما نشرته شبكة "فولتير.نت" الفرنسية عن اعتقال ضباط مخابرات فرنسيين على الأراضي السورية، كل هذه المعطيات تجعل الأخبار الواردة من مصادر قريبة من النظام ـ عن اعتقال ضباط استخبارات أتراك وفرنسيين وقطريين وغيرهم ـ أمراً يتجاوز دائرة الاحتمال ليدخل في دائرة الترجيح، إن لم يكن تخطاها أيضاً إلى دائرة تأكيد الحصول.

إن أوراقاً كهذه التي ينتظر الكشف عنها في الوقت المناسب هي مكتسبات مهمة لمصلحة القيادة السورية في معركتها مع الغرب

إن أوراقاً كهذه التي ينتظر الكشف عنها في الوقت المناسب هي مكتسبات مهمة لمصلحة القيادة السورية في معركتها مع الغرب والموالين له من العرب. ومع ما هو مشهور عن هذه القيادة من طول أناة وهدوء في التعامل مع الأوراق التي بين أيديها، فإن الأيام المقبلة قد تشهد العديد من المؤشرات، التي يمكن اتخاذ عودة السفير الفرنسي المفاجئة إلى دمشق نموذجاً لها.

جوبيه.. ومعادلات "خلاف المنطق"

إن مراعاة إسرائيل إلى درجة معاقبة أعدائها أمر "خلاف المنطق" سيؤدي بالتالي إلى نتائج لا منطقية، ليس أقلها كفر الناس بالقوانين الدولية التي يتنطّح أناس مثل جوبيه و"جماعته" لتطبيقها.

محمود ريا
10-02-2012
جميل ما قاله وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، جميل وواضح.
"لقد شددنا العقوبات على إيران في محاولة لمنع إسرائيل من شنّ هجوم عليها".
كلمات دقيقة، معبّرة، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، مفعمة بالمنطق، بل هي أشبه بمعادلة رياضية لا تُدحض، معادلة على شاكلة "واحد زائد واحد يساوي اثنين"
من أجل تعميم الفائدة لا بد من ذكر التصريح بشيئ من التفصيل، فهو تصريح يشكّل فتحاً في علم السياسة، ويمكن أن تؤسّس عليه نظريات في العمل السياسي الدولي، بما يساهم بحل العديد من المشاكل الدولية.
لقد ذكّر جوبيه بإقرار"عقوبات غير مسبوقة" ضد طهران وبرنامجها النووي، لتجنيب "إسرائيل شنّ عملية عسكرية عليها".
وقال: "فرنسا تقول للمسؤولين الإسرائيليين إنّ التدخل يمكن أن تنجم عنه عواقب يتعذّر اصلاحها، لذلك يتعيّن القيام بكل شيء لتجَنّبه"، موضحا أنّه "من أجل تجَنّبه، قرّرنا... تطبيق عقوبات غير مسبوقة"، مذكراً بـ"تجميد أرصدة البنك المركزي" الايراني، وفَرض "حظر على الصادرات النفطية" الايرانية.
كلام سليم: هناك تهديد من طرف لطرف آخر، ويجب منع هذا التهديد من أن يُنفّذ، فنأتي إلى الطرف المهدَّد ونفرض عليه ضغوطاً شديدة، كي لا يتمكن المهدِّد من تنفيذ تهديده.
أليست معادلة رياضية هذه التي أطلقها جوبيه؟
أليست لمعة في علم السياسة لا بد من محاولة الاستفادة منها؟
أليست جملة مغرقة في المنطق، يمكن تحويلها إلى قاعدة في سبل التعامل مع الدول؟
سيد جوبيه يقترح معاقبة إيران لإن "إسرائيل" تهددها.
ولكن مهلاً..
لماذا لا نفكّر بطريقة أخرى؟
لماذا لا نذهب إلى الطرف المهدِّد، ونقمعه، لماذا لا نذهب إلى "إسرائيل" ونردعها عن الاعتداء.. وعن التهديد؟
هنا نكون قد دخلنا في دائرة "خلاف المنطق".
نكون قد كسرنا الخطوط الحمراء، وحطّمنا كل المحرّمات.
أوروبا لا يمكنها أن تهدد "إسرائيل"، أوروبا لا يمكنها أن تقمع "إسرائيل"، أوروبا لا يمكنها أن تمنع إسرائل من الاعتداء على الدول العربية.
لا يمكنها أن تأمرها، ولا أن تطلب منها، ولا حتى أن ترجوها أن تكفّ أذاها عن دول المنطقة.
إن السيد جوبيه، ومعه فرنسا، ومعها كل أوروبا، في حالة عجز عن توجيه كلمة لوم أو عتاب إلى "إسرائيل"، ولذلك، ومن أجل الحيلولة دون تحوّل تهديداتها إلى أفعال، تقوم القارة المتحضّرة بفرض أشد العقوبات على إيران.
هكذا باتت السياسة في عالمنا، وهكذا صار السياسيون يتعاملون مع القضايا الدولية.
إن استخفافاً كهذا بكل المواثيق والقوانين الدولية، لا بل ببديهيات العلاقات بين الناس وبين الدول، وإن تحطيماً مثل هذا لكل القواعد والمعادلات، لا يمكن أن يجر على العالم إلا ما يشهده هذه الأيام من توتّر متصاعد، ومن خطر انفجار الحروب في كل مكان، بما يهدد الأمن والسلام الدوليين.
إن مراعاة إسرائيل إلى درجة معاقبة أعدائها أمر "خلاف المنطق" سيؤدي بالتالي إلى نتائج لا منطقية، ليس أقلها كفر الناس بالقوانين الدولية التي يتنطّح أناس مثل جوبيه و"جماعته" لتطبيقها.

قناة العرب.. خبر العرب


ليس الخبر جديداً، ولكن لا بأس بأن نتذكّر تفاصيله ونحن نرى هؤلاء الأعراب يظنون أنهم يديرون بلدانهم، فيما هم مجرّد دمى يديرهم من هو وراءهم.

محمود ريا
29-12-2011

واحد من أهم الأخبار التي سمعناها خلال العام 2011 خبر ورد في الأيام الأخيرة من العام، ليحتل القمة بلا منازع.
بسرعة ودون مقدمات، الخبر هو اعتزام الوليد بن طلال نقل مجموعته الإعلامية أوربيت إلى البحرين، ومعها القناة الإخبارية الجديدة التي ينوي إطلاقها العام المقبل، والتي تحمل اسم "العرب".
ليس غريباً أن يسبب اختيار هذا الخبر كـ "خبر العام" صدمة عند الكثيرين من القرّاء، الذين كانوا يتوقعون مثلاً أن يكون الخبر الأهم هذا العام هو ما حصل في مصر أو ما يحصل في سوريا، أو حتى انتخابات روسيا أو تغييرات كوريا الشمالية.
كلا. خبر "العرب" هو خبر العرب.
هذه القناة التي وعد القيّمون عليها المشاهدين "بالتميّز وتقديم شيء مختلف"، ستنطلق من البحرين.
أما لماذا من البحرين بالذات، فهذا ما كشفته وكالة رويترز التي قالت إن هذه الخطوة "تعكس الجهود السعودية لمساندة حكومة البحرين التي تضرر اقتصادها من جراء احتجاجات شهدتها البلاد هذا العام".
"بداية موفقة" لقناة يقول مُطلقها "الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز" إنها ستتميز بسقف عال من الحرية، مراهناً على نجاحها ومنافستها للقنوات الإخبارية العالمية.
من البحرين؟
هنا السؤال.
إذا كان أمير قطر يغض الطرف عن انتفاضة شعب البحرين البطولية وهي تجري في الجزيرة القريبة جداً من دولته العملاقة، فيمنع قناته "الجزيرة"، من تغطية أخبار هذه الانتفاضة، وإذا كان ملك السعودية يوصي "عربيته" بأن لا تذكر شيئاً عما يحصل في الدولة الجارة، فكيف سيستطيع هذا الأمير السعودي أن يتغاضى عن التظاهرات التي تجري تحت أنفه؟
بل كيف سيستطيع أن يكتم أصوات المتظاهرين التي تدخل إلى استوديوهات قناته، قناة العرب؟
أم لعلّ البحرانيين الذين ينتفضون في وجه جلاوزة حمد وآل خليفة ليسوا عرباً، فلا تهتم قناة العرب لأمرهم.
إن قرار انطلاق قناة العرب من البحرين يستحق أن يكون نموذجاً حقيقياً لكيفية تعاطي هؤلاء الأعراب مع قضايا المنطقة.
هؤلاء الذين يحرّمون التظاهرات في شوارع مدنهم، لأنها خروج على "ولي الأمر"، فيما هم يموّلون ويدعمون ـ لا بل ويثيرون ـ الاضطرابات والهيجان في دول أخرى.
هؤلاء الذين لا يعرفون معنى الديموقراطية، والذين يعتبرونها كفراً، ومن ثمّ هم يبشّرون بها في غير دولهم، ويقيمون لها محطات تلفزيونية وصحفاً دولية، ويستخدمون نفطهم الأسود لتزيين وجوه المذيعين وتعبئة أقلام الكتّاب.
هذا هو نمط تعاطي الأعراب مع الأحداث، وهكذا هم يؤسسون لمستقبلهم، وهكذا يصرفون أموالهم.
ليس الخبر جديداً، ولكن لا بأس بأن نتذكّر تفاصيله ونحن نرى هؤلاء الأعراب يظنون أنهم يديرون بلدانهم، فيما هم مجرّد دمى يديرهم من هو وراءهم.
ليس الخبر جديداً.. ولكنه هو خبر العام.