السبت، أكتوبر 27، 2007

القاعدة العسكرية الأميركية في لبنان: حلم عمره خمسون عاماً

بات الحديث عن إقامة قاعدة عسكرية أميركية في لبنان متواتراً إلى درجة تحوّل معها إلى لازمة يرددها الكثير من اهل السياسة في تصريحاتهم، فيما تتوارد
المعلومات من أكثر من مصدر، وهي تركز على وجود مشروع أميركي لإقامة هذه القاعدة في منطقة الشمال، وبالتحديد في قاعدة القليعات الجوية ومحيطها.‏
هل تكتسب هذه المعلومات مصداقية ما، وهل يفكر الأميركيون فعلاً بهذا الأمر؟‏
إن مراجعة دقيقة لتاريخ "العلاقة" بين لبنان وأميركا تدل على وجود نية أميركية حقيقية لاتخاذ لبنان ككل، أو جزء منه على الأقل، مقراً لقوة أميركية تلعب دوراً أساسياً في التدخل السريع في المنطقة.‏
ويعود الأمر إلى بدء الدخول الأميركي الفعلي إلى المنطقة بعد حرب السويس بين مصر من جهة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل من جهة أخرى عام 1956 والتي انتهت بخروج فرنسا وبريطانيا كقوتين عظميين، واحتلال الولايات المتحدة لموقعهما الاستراتيجي.‏
وكان أول نزول أميركي على الأرض اللبنانية عام 1958 حيث نزلت قوات "البوليس الدولي" من أجل حماية نظام الرئيس كميل شمعون الذي وضع نفسه في خانة التحالف الأميركي (حلف بغداد) في مواجهة المد العروبي الناصري في تلك الفترة.‏
إلا أن القوات الأميركية عادت وانسحبت من لبنان خلال تلك السنة بعد الاتفاق الذي عقده الرئيس فؤاد شهاب مع "رئيس الجمهورية العربية المتحدة" جمال عبد الناصر في الخيمة التي نصبت على الحدود بين البلدين (بين لبنان وسوريا التي كانت جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة) وقضى بأن تنسحب القوات الأميركية من لبنان وأن لا يدخل لبنان في أحلاف معادية للجمهورية العربية المتحدة مقابل أن لا تتدخل الجمهورية العربية المتحدة بالشؤون اللبنانية.‏
وقد "نام" المشروع الأميركي الهادف إلى إنشاء قاعدة عسكرية في لبنان حتى أوائل الثمانينات من القرن الماضي، حين حصلت تغييرات جيواستراتيجية كبرى في المنطقة مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران حيث انهار السد الذي كان الأميركيون يدعمونه في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ما عزز الأخطار التي تتهدد الهيمنة الأميركية على نفط الخليج، سواء لجهة خروج ايران من منظومة الهيمنة الأميركية وتحولها إلى خطر يتهدد هذه الهيمنة، أو لإمكانية قيام الاتحاد السوفياتي باحتلال ايران التي لم تعد تتمتع بالمناعة العسكرية التي كانت توفرها لها الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل السوفيات يصلون إلى مياه الخليج الدافئة ويهددون السيطرة الأميركية على نفط الخليج.‏
إزاء ذلك كان لا بد من خطوة استراتيجية كبرى تقوم بها الولايات المتحدة لمنع حصول هذا السيناريو، فكان التفكير بإنشاء قوات التدخل السريع التي تحتاج إلى قواعد عسكرية ضخمة وثابتة في المنطقة، تسمح للأميركيين بالتدخل في أي منطقة تتعرض للخطر الإيراني أو السوفياتي وبشكل سريع جداً.‏
وقد أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية ضخمة جداً في تبوك وضعت فيها عتاداً عسكرياً ضخماً، فيما يتم إحضار العنصر البشري في حالة الحاجة عبر الطائرات خلال ثمان وأربعين ساعة.‏
وكانت الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى قاعدة أخرى في شرق المتوسط تتوازى مع القاعدة الأميركية في تبوك، فعاد مشروع إقامة القاعدة الأميركية في لبنان إلى الضوء.‏
ويرى مراقبون أن الاجتياح الصهيوني إلى لبنان عام 1982 يملك ـ إلى جانب أهدافه المتعلقة بإزالة منظمة التحرير الفلسطينية والسيطرة الاسرائيلية على لبنان ـ أهدافاً أميركية تتعلق بإنشاء القاعدة الأميركية في لبنان، وقد ظهر ذلك جلياً من خلال إنزال قوات المارينز الأميركية على الأراضي اللبنانية.‏
ويقول متابعون للأحداث في تلك الفترة إن الولايات المتحدة كانت تعمل جدياً على إنشاء قاعدة عسكرية في لبنان في تلك الفترة.‏
وقال أحد ضباط الجيش اللبناني المتقاعدين الذين عايشوا تلك الفترة وكانوا على تواصل مع قوات المارينز الأميركية في لقاء خاص إن المشروع الأميركي كان يقضي بإنشاء القاعدة العسكرية في المنطقة بين بيروت وصيدا، وهي تضم مطارين عسكريين، الأول في مطار بيروت الدولي والثاني في سهل الدامور، حيث أنشأ الصهاينة مطاراً عسكرياً خلال احتلالهم لتلك المنطقة.‏
ويذكر الضابط أنه ـ بصفته ضابط ارتباط مع المارينز في تلك الفترة ـ كان يبحث مع الضباط الأميركيين في كيفية تأمين هذه المنطقة من الأخطار الأمنية التي كانت تتهددها ولا سيما من خلال وجود طائفة معينة بمحاذاة مطار بيروت حيث كان التفكير بنقل أبناء هذه الطائفة من تلك المنطقة لحماية أمن القاعدة الأميركية المنشودة.‏
وقد بدأ مشروع التهجير فعلاً من خلال الهجمة التي شنّها الجيش في تلك الفترة على الضاحية الجنوبية والتي تصدى لها أبناء الضاحية، ومعهم بعض القوات العسكرية التي رفضت تنفيذ الأوامر ومهّدت لما سمّي بعد ذلك بانتفاضة السادس من شباط عام 1984.‏
وكان للأحداث التي جرت في تلك الفترة دور كبير في تقويض المشروع الأميركي وتحطيم حلم تحويل لبنان إلى قاعدة أميركية متقدمة في المنطقة.‏
هذا المشروع الأميركي عاد إلى الظهور مجدداً بعد الفشل الأميركي المدوي في غزو العراق، حيث كان المخطط الأميركي يقضي بتحويل ذلك البلد إلى قاعدة اميركية كبرى، ولكن ما تعرض له الأميركيون هناك جعلهم يفكرون بخطة خلفية للانسحاب عبر إيجاد بديل عن تلك القاعدة، وعاد التفكير بلبنان ليكون مقر هذه القاعدة.‏
وتؤكد الكثير من المعلومات أن التفكير بهذه القاعدة بدأ قبل عام 2005 وأن الهجمة الأميركية على النظام في لبنان والتي بدأت مع القرار 1559 عام 2004 لها علاقة مباشرة بهذه الخطة الاستراتيجية الأميركية.‏
ويمكن في هذا المجال التذكير بمسألة مهمة وهي ان شائعات كثيرة راجت في الأيام التي تلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شهر شباط عام 2005 ومفادها أن الأميركيين قتلوا رفيق الحريري لأنه رفض السماح لهم بإنشاء قاعدة عسكرية جوية في القليعات.‏
واليوم يعود الحديث بقوة عن إنشاء هذه القاعدة ولا سيما بعد الأحداث التي جرت في مخيم نهر البارد، والتي يضعها الكثير من المراقبين في سياق العمل على "تنظيف" الأرض المحيطة بقاعدة القليعات من "الشوائب" وتأمين بيئة مناسبة لقيام القاعدة العسكرية الأميركية.‏
وتتكاثر المعلومات والتصريحات التي تتحدث عن الموضوع بشكل يثير الانتباه، ولا سيما في ظل الموقف الأميركي الرافض لأي تسوية على الساحة اللبنانية، بما يوحي أن الأميركيين يرغبون بأن يتحول لبنان إلى مسرح للحركة الأميركية بعيداً عن أي تعقيدات.‏
وقد جاءت اللقاءات المكثفة التي عقدت بين عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين الأميركيين ونظرائهم اللبنانيين لترفع سقف التساؤل حول الأهداف الكامنة وراء تلك اللقاءات والمشاريع التي يسعى الأميركيون لتسويقها خلالها.‏
إنه "الحلم الأميركي" الذي تحطم على الصخرة اللبنانية على مدى العقود الماضية، ولا يبدو أن مصيره سيكون مختلفاً هذه المرة.‏
محمود ريا‏

الاشتراكية ذات الخصائص الصينية

افتتاحية العدد 20 ـ 21 من نشرة "الصين بعيون عربية"
"وجهة النـظر العلمية للتنمية" هي الرسالة التي حملها المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني، أكبر الأحزاب الصينية، وأكبر الأحزاب في العالم مع أعضائه الذين يزيد عددهم على الثلاثماية وستين مليوناً.
رسالة دخلت إلى الدستور الصيني وعبرت عن نفسها بالسعي لإضفاء نكهة صينية على كل شيء في العالم: الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، والديموقراطية على الطريقة الصينية، والنمو من خلال الأرقام الصينية.. العملاقة.
وبقدر ما كان المؤتمر الذي رسم الطريق التي ستسير عليها الصين خلال السنوات الخمس المقبلة فرصة لإظهار التفرد الصيني، فهو كان أيضاً مجالاً لبحث الكثير من المشاكل التي تعاني منها هذه الكتلة البشرية العملاقة التي تشهد في داخلها كل ما يمكن تخيله من تناقضات: الثراء الفاحش مقابـل الفقر المدقع، النقاش الحيوي المترافق مع الانضباط الصارم، التوق إلى مستقبل التفوق مع التخوف من العجز عن تلبية الحاجات المتعاظمة.
ومع التغيرات البارزة التي شهدتها القيادة الصينية خلال المؤتمر تبين وجود رغبة حقيقية في تجديد الطاقم الحاكم لمواكبة التحديات المستقبلة مع ضمان تحكم الأمين العام للحزب هو جين تاو ـ الذي سيبقى في موقعه لخمس سنوات قادمة ـ بالتوجهات الرئيسية للبلاد، وربما بمن سيأتي بعده في الموقع والمهمة، وهو ما يشير إلى تنبه كبير إلى المخاطر الجدية التي تفرزها عملية التنمية العملاقة التي تشهدها الصين.
وإذا كان من غير المتوقع أن يتخذ مؤتمر للحزب الشيوعي قراراته بغير الإجماع الذي يخفي تحته الكثير من الاختلاف في وجهات النظر حول السبل الأنجع لمعالجة مشكلات البلاد، فإنه من اللافت للنظر أن يحضر في مؤتمر لحزب شيوعي الأمين العام السابق للحزب المؤتمر، بما يشير إلى حصول تداول طبيعي للسلطة وتجديد للقيادة الحزبية بطريقة ”ديموقراطية“ بعيداً عن الوفاة وعن الانقلاب، وربما هذا ما يعطي صورة واضحة عن ”الطبعة الصينية“ من الديموقراطية.
لقد أكدت الجلسة الختامية للمؤتمر التي انعقدت الأحد ـ بعد سبعة أيام حامية من النقاشات الداخلية ـ تصميم الحزب ”على دفع مزيد من التنمية المتناسقة على اسس التناغم الاجتماعي وحماية البيئة وترشيد استهلاك الطاقة فضلا عن التوسع الاقتصادي“.
إنها كلمات بسيطة ولكنها تعتبر خطة عمل متكاملة لن يستطيع أحد معرفة مدى نجاح تطبيقها إلا بعد خمس سنوات، عندما ينعقد المؤتمر الثامن عشر في التيبت، وعندها ربما تكون الصين قد أصبحت فعلاً الاقتصاد الأول في العالم.. إن لم تكن باتت القوة العظمى الكبرى.
محمود ريا

كالأيتام على موائد اللئام!

لمن يشكو المواطنون، وهم باتوا كالأيتام على موائد اللئام؟ الوضع فوق أن يحتمل فعلاً، والصرخة لا تخرج من الأفواه التي تعقد المفاجأة الألسنة فيها، فيما العيون تقرأ الأسعار الجديدة لمواد أقل ما يقال فيها إنها أولية جداً للحياة.. بكرامة أو بدونها.‏
الناس يحتارون إلى من يلجأون، والبلد بلا مرجعيات، بلا قانون وبلا دستور.‏
لا الوزارة وزارة ولا السلطة سلطة، ولا الحكم حكم ولا التشريع تشريع ولا الرقابة رقابة.‏
الأسعار نار، والنار لا تكوي إلا المعرضين لها، فيما الأموال المكدّسة عند الكبار تطعم الثلج في جهنم (أو كما يقول مثلنا القروي: تُطْعِمُ في جهنم "بَأْسَما").‏
يتساءل اللبنانيون: لماذا يحصل هذا الآن وفي هذا التوقيت بالذات، هل المطلوب أن يتلهّوا بالتطورات السياسية عن عمليات السلب المكشوفة التي يتعرضون لها، أم العكس، أي أن المطلوب هو أن يصرخوا من الجوع كي ينسوا ما هو مرسوم لهم من مشاريع سياسية وعسكرية هدّامة؟‏
إما أن المسؤولين مسؤولون.. فليُسألوا، وإما أنهم غير مسؤولين.. فليرحلوا.. وليتّقِ من له لبّ غضبة الكريم إذا جاع..‏
والجوع بات على الأبواب.‏
محمود ريا‏